قيادات إخوانية {منشقة} تعد بمفاجأة في مصر مع {متمردي} شباب الإخوان

حالة سخط داخلية.. ونصف أعضاء الجماعة يرفضون دخول الانتخابات الرئاسية وبقوا في بيوتهم بعد سقوط مرسي

مصري يطالب بإعدام قادة الإخوان أمام أكاديمية الشرطة بالقاهرة مقر جلسات محاكمة مرسي

د. كمال الهلباوي

حسين عبد الرحمن

د. إبراهيم الزعفراني

أحمد بان
مصري يطالب بإعدام قادة الإخوان أمام أكاديمية الشرطة بالقاهرة مقر جلسات محاكمة مرسي د. كمال الهلباوي حسين عبد الرحمن د. إبراهيم الزعفراني أحمد بان
TT

قيادات إخوانية {منشقة} تعد بمفاجأة في مصر مع {متمردي} شباب الإخوان

مصري يطالب بإعدام قادة الإخوان أمام أكاديمية الشرطة بالقاهرة مقر جلسات محاكمة مرسي

د. كمال الهلباوي

حسين عبد الرحمن

د. إبراهيم الزعفراني

أحمد بان
مصري يطالب بإعدام قادة الإخوان أمام أكاديمية الشرطة بالقاهرة مقر جلسات محاكمة مرسي د. كمال الهلباوي حسين عبد الرحمن د. إبراهيم الزعفراني أحمد بان

كشفت قيادات إخوانية سابقة في تنظيم الإخوان المسلمين عن وجود تحركات جدية داخل صفوف جماعة الإخوان للتمرد والخروج على أوامر السمع والطاعة لقيادات الجماعة وهو ما تمثل في حدوث تصدعات جديدة وانشقاقات جماعية في صورة أحزاب وحركات أعلنت عن نفسها مؤخرا، منها حركة إخوان بلا عنف التي تكونت عقب أحداث 30 يونيو وحزب التيار المصري تحت التأسيس الذي شكله مجموعة من شباب الإخوان الذين خرجوا خروجا كاملا عن الجماعة وقياداتها.
وعلى الرغم من أنها ليست الحالة الأولى للانشقاق على الجماعة وقياداتها حيث سبقتها محاولات من أبو العلا ماضي وعبد المنعم أبو الفتوح اللذين انشقا على الجماعة بشكل درامي وكونا حزبي الوسط ومصر القوية على الترتيب، على الرغم مما سبق فإن ما كشفته قيادات إخوانية لـ«الشرق الأوسط» من حالة تململ وإحباط وغضب داخل الجماعة يؤكد ما يتردد في الكواليس عن وجود تمرد في صفوف الإخوان سيما في الأوساط الشبابية التي سادت بينها الرغبة في الاستقلالية عن الجماعة والتمرد على أفكارها وهو ما يعتبره المراقبون هدما لمبدأ السمع والطاعة الذي قامت الجماعة على أساسه وضمن لها البقاء طوال الفترة الماضية، الأمر الذي يثير سؤالا ملحا حول ما تمثله تلك التحركات الداخلية للإخوان المتمردين من تهديد للجماعة الأم سيما في ظل تأكيد القيادي الإخواني الدكتور كمال الهلباوي لـ«الشرق الأوسط» عن وجود مفاجأة كبرى يعد لها مع شباب الإخوان والمنشقين على الجماعة.

تشهد جماعة الإخوان المسلمين، التي حظرت أخيرا وتصنيفها ضمن الجماعات الإرهابية، حالات تصدع وانشقاقات داخلية بعضها انشقاقات هادئة أو صامتة آثرت الانزواء والبعد عن الأضواء بينما أعلن البعض الآخر تمرده صراحة على الجماعة وخروجه خروجا كاملا على تعاليمها وتشكيل كيانات سياسية بديلة.
«أنصار محمد» كانت الخروج الجماعي الكبير الأول على جماعة الإخوان المسلمين في عهد الشيخ حسن البنا وكان ذلك عام 1939 عندما قرر محمد عطية خميس الانشقاق مع مجموعة من الرافضين لأوامر حسن البنا وفضوا بيعتهم له وكان من بينهم الشيخ حافظ سلامة قائد المقاومة الشعبية آنذاك. لتتوالى بعد ذلك الانشقاقات في فترتي الخمسينات والستينات من قبل رموز الإخوان، وكان من أبرزهم الشيخ حسن الباقوري وزير الأوقاف الأسبق ورئيس جامعة الأزهر الأسبق، الذي كان أخطر انفصال لأحد كوادر الجماعة عندما فصل بقرار فردي من المرشد حسن الهضيبي بسبب قبوله وزارة الأوقاف وهو الانشقاق الذي صاحبه خروج عدد كبير من القيادات منهم الشيخ محمد الغزالي والدكتور عبد العزيز كامل، والشيخ عبد المعز عبد الستار. ثم جاءت مرحلة انشقاق أبو العلا ماضي في نهاية الثمانينات من القرن الماضي وقيامه بتشكيل حزب الوسط مع كوادر إخوانية منشقة أعقبه واقعة الخروج الشهير للقيادي ثروت الخرباوي عام 2002 عن الجماعة وكشفه بعض أسرارها التي دعته للانشقاق عليها والتي تواكبت مع قرار تجميد عضوية القيادي مختار نوح المحامي بالجماعة قبل أن يعلن هو استقالته اعتراضا على سيطرة التيار المتشدد على الجماعة بحسب تصريحاته.
وتعد مرحلة ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 وما أعقبها من أحداث هي محطة جديدة للخروج الكبير والتمرد على جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث استقال الدكتور محمد حبيب النائب الأول للمرشد آنذاك، تلاه خروج الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ومجموعة من الشباب الذين كونوا معا حزب مصر القوية بعد أن تحدى الإخوان وأصر على الترشح في الانتخابات الرئاسية على غير رغبة الجماعة. ولم تمر سوى شهور قليلة حتى لحق القيادي الإخواني الكبير الدكتور كمال الهلباوي المتحدث باسم التنظيم الدولي للإخوان بقائمة المتمردين على الجماعة بإعلانه استقالته على الهواء احتجاجا على ترشيح خيرت الشاطر في انتخابات الرئاسة.
وإذا كانت تلك الانشقاقات هي محطات مؤثرة في الجماعة، فإن فترة ما بعد سقوط نظام الإخوان وعزل الرئيس مرسي قد شهدت تغيرا نوعيا في الاحتجاجات الداخلية بالجماعة بعد ارتفاع أصوات الغاضبين والساخطين على أداء القيادات مما أدى إلى حالة تمرد مستتر لكن أصداءه آخذه في الظهور العلني في صور مختلفة وبدعم من قيادات إخوانية منشقة رغم محاولات إنكارها أو تجاهلها من قبل الجماعة نفسها.
أحمد نزيلي، ابن عضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين ومسؤول المكتب الإداري للجماعة بالجيزة، أحد أبرز شباب الإخوان الذين شاركوا في ثورة 25 يناير منذ اللحظة الأولى، وهو واحد من مجموعة من شباب الإخوان الذين تمردوا على الجماعة وأعلنوا انشقاقهم عنها عام 2011 وكونوا ما يعرف حاليا بحزب التيار المصري. وفي تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، قال: «كنت جزءا من شباب الإخوان المشاركين في ائتلاف شباب ثورة 25 يناير والذين ظلوا بميدان التحرير طيلة 18 يوما وبعدها فكرنا في تكوين حزب يجمع شباب الثورة ويحقق أهدافها في الوقت الذي سعت فيه جماعة الإخوان إلى الضغط علينا للانضمام إلى حزب الحرية والعدالة بينما كانت قناعتنا برفضنا التام لأن يكون للجماعة حزب سياسي إيمانا منا أن دورها هو دعوي فقط لكن مقاليد الإدارة وقتها كانت في يد من يريدون ذراعا سياسية لأفكارهم وهي أولى نقاط الاختلاف بيننا بالإضافة إلى اختلافنا معهم في انحيازاتهم الاجتماعية والاقتصادية وفي برنامجهم الرأسمالي الذي تخلت عنه أميركا بعد ريغان!». وأضاف: «كونا النواة الأولى لحزب التيار المصري من مختلف الشخصيات حيث لا يمثل شباب الإخوان المنشقون فيه سوى نسبة سبعة في المائة تقريبا ورغم مرور ثلاث سنوات فإننا ما زلنا تحت التأسيس لأن عددنا هو ثلاثة آلاف عضو فقط حتى الآن وذلك بسبب مشاكل التمويل، كما أن الحراك لم يهدأ على الأرض خلال الفترة الماضية مما جعلنا في حالة انشغال واشتباك مستمر مع الشأن العام». وأكد نزيلي لـ«الشرق الأوسط» أنهم اتخذوا موقفهم ذلك لتوضيح الصورة لجماعة الإخوان بأن قراراتهم ليست على صواب خاصة ما يتعلق برفضهم للخلط بين الأنشطة السياسية والاجتماعية للجماعة لأنه يكون في غير صالح الجماعة وهو ما حدث بالفعل.
وكشف أحمد نزيلي أن موقفه المتمرد على قيادات الإخوان تسبب في التحقيق معه مرتين حتى فصلوه قبل استكمال التحقيق الثالث. وأفصح لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «حينما تدخل طرف للوساطة مع مكتب الإرشاد بشأننا فإن خيرت الشاطر قال بالحرف: (العيال دي ما تنفعشي تكمل معانا في الجماعة!). والشاطر للعلم يعشق تنفيذ الإبداع لكنه لا يبدع في التنفيذ!».
وحول تعاملهم الحالي مع الجماعة، قال أحمد نزيلي: «إننا لا نهتم بجذب أعضاء من جماعة الإخوان ولكننا كمجموعة تعبر عن شباب الثورة نحاول التواصل مع التيارات السياسية الأخرى وهو أسهل من مهمة الكلام مع الإخوان طالما ظلوا على إغراقهم في المظلومية والكربلائية إذ لا بد أولا أن يعقدوا مصالحة مع النفس ويعيدوا حساباتهم وألا يظل الكلام معهم صعبا وقد حاولنا مرارا إقناعهم بوجوب وقف الدم بعد الثالث من يوليو (تموز) والتعامل مع الدولة كدولة وليس في إطار معركة حربية، وإقناعهم بأن مرسي لن يعود لكنهم لم يقتنعوا ولم يفهموا أن قمة نجاحهم آنذاك قبول الخسائر المحدودة لصالح الاستمرار في المشهد».
أما حسين عبد الرحمن المتحدث الإعلامي لحركة إخوان بلا عنف فقد صرح لـ«الشرق الأوسط» أن الحركة قامت لأن لهم تحفظات على إدارة القيادات للمشهد السياسي منذ اعتصام رابعة العدوية، حيث «تحفظنا على إدارة الاعتصام والتحريض على العنف والمشاركة فيه من قبل القيادات وكانت نقطة التحول حينما أعلنا مع 658 شابا من شباب الإخوان عن تركهم للاعتصام عقب أحداث الحرس الجمهوري التي وقعت قبل ساعات من بدء شهر رمضان الماضي، ومن هنا ترسخت الفكرة لدى شباب الإخوان بتكوين إخوان ضد العنف وهو ليس انشقاقا كاملا عن الإخوان ولكنها دعوة لنبذ العنف على اعتبار أن دور جماعة الإخوان هو دور دعوي بالأساس وقمنا بعمل استمارات على شاكلة استمارات تمرد وجمعنا في البداية 1738 توقيعا ثم ارتفعت إلى 22 ألفا وانتهينا إلى بلوغ عدد الموقعين معنا من أعضاء الإخوان إلى 45 ألف عضو منهم الشباب وكبار السن وإن كانت نسبة النساء محدودة». وأضاف عبد الرحمن: «إننا أردنا أن نكون إيجابيين ولا يكون اعتراضنا على الجماعة بتركها وإنما بإصلاحها من الداخل دون الانسحاب».
وعن أهم تحفظات الحركة على قيادات جماعة الإخوان قال حسين عبد الرحمن: «نطالب بأن يكون وضع المرشد رمزيا وأن يكون القرار التنفيذي بيد مجلس شورى الجماعة وأن يكون مكتب الإرشاد جزءا من شورى الجماعة، كما هو في صميم الشريعة، لأن بعض الأشخاص المحسوبين على أبناء القيادات متحكمون في معظم الشعب والمكاتب الإدارية بنسبة أكبر من 70 في المائة، كما يقومون بإفشال الآخرين تنظيميا ومنع ترقيتهم من أعضاء إلى أمناء شعب وحتى المناصب السياسية التي تتولاها قيادات الجماعة في حزب الحرية والعدالة كانوا من داخل شورى الجماعة، وعلى سبيل المثال كنا معترضين على ترشح الدكتور سعد الكتاتني لأكثر من منصب بداية من رئاسة مجلس الشعب ثم لجنة تأسيسية الدستور وصولا لرئاسة حزب الحرية والعدالة، وكنا نرى أن عصام العريان أفضل من الكتاتني في رئاسة الحزب حتى لا نكرر تجربة تزاوج السلطة وبعض المناصب التي كانت في عهد مبارك».
وعن نشاط الحركة حاليا، يقول المتحدث الإعلامي لحركة إخوان بلا عنف إنه في ظل اتساع حالة السخط العارم داخل الكتلة الصامتة من الجماعة «نعمل على تشكيل لجنة تقصي حقائق لكتابة تقرير رسمي عام عن الفترة منذ بدء اعتصام رابعة وحتى الثلاثين من ديسمبر (كانون الأول) الماضي لتقييم دور القيادات في التحريض على العنف وبمجرد ثبوت تورطهم في ذلك ستجري إحالتهم للجنة التأديب المنصوص عليها في اللائحة الداخلية لجماعة الإخوان والتي تتكون من ستة أعضاء من مجلس شورى الجماعة وثلاثة من مكتب الإرشاد، وذلك تمهيدا لإصدار قرار فوري بفصل من يحرض على العنف أو من يثبت ارتكابه لفساد مالي حيث يوجد سخط عارم بين أعضاء الجماعة بسبب تحويل النفقات المخصصة للعمل الخيري إلى الإنفاق على الحشد والمسيرات وهو ما أدى إلى تضاؤل العمل الخيري الذي قامت الجماعة من أجله بالأساس إلى واحد في المائة بعد أن كان 45 في المائة من حجم إنفاق الجماعة».
وكشف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» عن سعى الحركة إلى إجراء انتخابات جديدة بالجماعة مع استقطاب الرموز الإخوانية المنشقة وأنهم يحاولون إقناع الدكتور كمال الهلباوي للعودة لعمل مراجعات حقيقية للأفكار بمشاركة منشقين آخرين مثل الدكتور ثروت الخرباوي.
وعن المقاومة التي تلاقيها الحركة من قبل القيادات الكلاسيكية بجماعة الإخوان أكد حسين عبد الرحمن أن هناك مقاومة مما يطلق عليهم الجيل الثاني والثالث من القيادات الرئيسة الذين يعتبرون التخلص من قيادات الصف الأول بمثابة التخلص منهم أيضا ولذلك فهم يصورون الشباب الذي تمرد على الجماعة على أنهم تابعون لجهات أمنية ومخابراتية بهدف شق صف جماعة الإخوان في محاولة لتشويه أي توجه إصلاحي داخل الجماعة.
وأشار إلى أن قيادات جماعة الإخوان ساهموا في انهيار ما بناه حسن البنا خلال السنوات الماضية في سنة حكم الرئيس مرسي، مؤكدا معارضة شباب الحركة لأدائه وانتقادهم له خلال المائة يوم الأولى وطالبوه بالاعتذار للناس واستبدال المائة يوم بخطة سنوية لتفويت الفرصة على الخصوم لكنه لم يستمع لهم.
وفي تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» أكد القيادي الإخواني السابق ثروت الخرباوي تواصله مع حركة إخوان بلا عنف بالفعل هو والدكتور الهلباوي واستعداده للتعاون معهم إيمانا منه بالهدف الإصلاحي الذي قامت الحركة من أجله. ويعد الخرباوي من أشهر القيادات المنشقة عن جماعة الإخوان ووجه لهم نقدا لاذعا في كتاباته وآرائه الساخطة على أدائهم السياسي كما تنبأ بسقوطهم، ففي تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» قال «إن جماعة الإخوان تأكل نفسها من الداخل لأنها تقوم على السمع والطاعة ولا تصلح أن تكون مؤسسة تدير دولة وهي بطبيعتها ستضمحل وتنتهي، تجربة الدكتور مرسي كرئيس لمصر ستكون الختام للإخوان وبها يضع تتر النهاية على جماعة الإخوان المسلمين»!
أما القيادي الإخواني الدكتور إبراهيم الزعفراني الذي ظل لعقود طويلة بالجماعة قبل انشقاقه عنها 2011 فقد صرح لـ«الشرق الأوسط» بأنه اعتزل العمل السياسي مؤخرا بعد تحفظه على أداء القيادات داخل الجماعة، واعتراضا على إعمال مبدأ الأبوية والأخوية، مشيرا إلى غياب قيمة العدل التي هي أساس الدعوة التي قامت الجماعة عليها. واستطرد قائلا: «لقد اعترضت على الخلط بين العمل الدعوي والسياسي وكان الدكتور عصام العريان والجزار يرون نفس ما رأيته أنا والدكتور أبو الفتوح لكنهما رأيا الاستمرار في الوجود محاولة للإصلاح الداخلي لكني لم أستطع الصبر فخرجت مستقيلا دون أن أفقد علاقتي بباقي الإخوة ولا احترامي لهم».
وأضاف الزعفراني أن عدد المتمردين على الجماعة محدود، ولكنه عاد يؤكد وجود أفكار تدور بشكل جدي بين شباب الإخوان توجه اللوم بشدة للقيادات الإخوانية، كأفكار شبابية توجه انتقادات حقيقية، «وأنا آمل أن تتاح الفرصة لأفكارهم المتفتحة ويلعبوا دورا كبيرا لمصر لأن هناك كتلة كبيرة من الإخوان تعمل بصدق لوجه الله وإخلاصا لهذا البلد».
أحمد بان هو نموذج ثالث لأحد القيادات الإخوانية الشابة الشهيرة المنشقة عن الإخوان في أعقاب ثورة يناير، تمردا على قياداتها، لكنه فضل الابتعاد عن العمل الحزبي وانخرط في العمل البحثي والكتابة الصحافية. وفي تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، قال بان: «لقد ودعت حياتي القديمة مع الإخوان للأبد وقررت الانشغال بالبحث العلمي للمراجعات الفكرية من واقع تجربتي الحركية وتجربتي مع الإخوان علما بأنني لم يكن لي مشاكل مع التنظيم ولم يحدث معي أي موقف سلبي ولم أكن مهمشا لكني قررت الاستقالة، وبعدها حرصت على أن أكون على مسافة واحدة مع كل من خرجوا من الجماعة».
وعن الخروج أو الانشقاق عن جماعة الإخوان قال بان لـ«الشرق الأوسط»: «هناك من خرج من الجماعة لأسباب شخصية متعلقة بطموحه الشخصي أو لأسباب تتعلق باختلافه مع القيادة في أسلوب إدارتها. وأزعم أنني واحد من هؤلاء ولما خرجت كنت مسؤولا عن شعبة وكنت عضوا بالمكتب السياسي وشاركت معهم في تأسيس حزب الحرية والعدالة والذي اقتصرت عضويته على الأعضاء العاملين محل ثقة التنظيم بالكامل وكان عددهم 70 ألف عضو اختير منهم تسعة آلاف لتأسيس الحزب وكنت واحدا منهم كما جرى اختياري لعضوية المؤتمر العام للحزب وبعد كل ذلك استقلت بكامل إرادتي عام 2012».
وحول أجواء التمرد داخل جماعة الإخوان أكد بان لـ«الشرق الأوسط» أن الانشقاقات تسربت للجماعة منذ السنوات الأولى على تكوينها وأن هناك انشقاقا دوريا كل خمس سنوات تقريبا كان أولها عام 1933 أي بعد خمس سنوات من تأسيسها مشيرا إلى أن مؤرخي الجماعة يطلقون على هذه الانشقاقات لقب «الفتنة الأولى» و«الفتنة الثانية».. وهكذا. وحول وضع الجماعة الآن قال المنشق الإخواني أحمد بان إن تركيبة الجماعة ليست مصمتة وإنما هناك 50 في المائة من أعضائها لم يكونوا مرحبين بفكرة الدخول لمضمار المنافسة على منصب الرئيس ولا بالفوز بالأغلبية في البرلمان السابق وكانوا لا يطمحون في أكثر من 30 أو 40 في المائة من المقاعد ولكن في آخر تصويت بعد صراع خيرت الشاطر والمجموعة إياها كان فارق الأصوات أربعة أصوات فقط وبقي 50 في المائة ضد هذا الترشح.
وهؤلاء الخمسون في المائة جلسوا في بيوتهم بمجرد قيام أحداث 30 يونيو لأنهم شعروا أن الجماعة التي أعطوها أعمارهم وشبابهم قد سقطت وأصبحوا أقرب للاكتئاب والانزواء والانسحاب فخرجوا من المشهد تماما واندمجوا في جموع الشعب وليس لديهم أكثر من التعاطف مع حالة المظلومية التي يستخدمها قيادات الجماعة كأحد ميكانيزمات الدفاع والهروب من المحاسبة، ومن ثم فإن حالة المظلومية تلك سحبت جزءا بسيطا من هؤلاء الصامتين لفكرة الخروج فقط من أجل المناداة بالقصاص للدم وليس من أجل مرسي. وعلى ذلك، ينتهي الباحث أحمد بان إلى أن ما يحدث من تمرد متمثل في صورة انشقاقات هو عبارة عن انشقاق هادئ لأشخاص فضلوا الانزواء يجترون أحزانهم ولا يمارسون أي نشاط ولا ينضمون لأي كيانات أخرى سوى مجرد المشاركة في مظاهرات سلمية محدودة جدا ولذلك لا يمكن تناولها في التحليل.
أما عن التجارب الخاصة بخلق كيانات بديلة كالتي يدعو إليها الدكتور كمال الهلباوي أو جماعات شباب الإخوان المنشقين قال بان لـ«الشرق الأوسط» إن هناك كيانات تحاول استغلال الحالة دون علم ومعرفة كافية بالإخوان وهناك أشخاص انشقوا بالفعل انشقاقا تاما نفسيا وحركيا عن الجماعة وكونوا كيانات أخرى مثل حزب التيار المصري الذي يكونه شباب كانوا من الإخوان قبل انشقاقهم وما زال حزبهم تحت التأسيس وكذلك حزب مصر القوية للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح وإن كان هناك اختراق من جماعة الإخوان للحزب من خلال بعض أعضائه الذين لا يزالون على ولائهم للجماعة.
وعن إمكانية دخوله في تجربة جديدة بديلة للإخوان أكد بان أن «جماعة الإخوان تحدث إنهاكا عاطفيا وعقليا للأعضاء، ولذلك فبعد أن قضيت نحو 20 سنة معهم لم تعد لدى القدرة على خوض أي تجربة جديدة، وللعلم فقد تفاعلت مع تجربة الدكتور كمال الهلباوي في بداية الأمر ولكني اكتشفت حدوث استبدال القفص الكبير بقفص أصغر، وربما يكون أكثر نعومة، لكنه في النهاية قفص، ومن ثم فهي محاولة جديدة لسجن أعضاء جدد في هذا القفص. وعموما فإن المسألة ستستغرق وقتا سواء لتبلور مثل هذه الكيانات الجديدة أو لاختفاء الكيانات الموجودة بالفعل وهو أمر معروف في الظواهر الاجتماعية».
وشدد بان على أن أسلوب شيطنة الإخوان إعلاميا ومطاردتهم أمنيا ثبت فشله، ولا بد من تغيير هذا الأسلوب في تعامل الدولة معهم، مؤكدا أن أفضل تعامل كان في ظل عهد جمال عبد الناصر حينما كان هناك مشروع قومي باعتباره الأداة الرئيسة لكشف ضعف مشروع الإخوان وأن تراجع الدولة الوطنية عن أداء دورها هو الذي سمح للجماعات السلفية والجهادية والإخوان في التمدد بهذا الشكل.
ومن جانبه أكد الدكتور كمال الهلباوي أبرز المنشقين على جماعة الإخوان المسلمين لـ«الشرق الأوسط» صحة وجود اتصالات بينه وبين متمردي الإخوان، وقال: «أنا متواصل مع شباب الإخوان من كل الاتجاهات بمن فيهم من لم يعلن عن نفسه وإذا صدقوا فيما قالوه لي فستكون هناك مفاجآت كبيرة تتعلق برغبة هؤلاء الشباب في تكوين جماعة جديدة مختلفة تماما عن جماعة الإخوان المسلمين وإن كان الأمر يحتاج لصبر وبعض الوقت لإتمام هذا الإنجاز الكبير». وأضاف الهلباوي لـ«الشرق الأوسط» أن عدد هؤلاء الشباب بالآلاف. وحول حقيقة دوره في قيادة هذا التنظيم الجديد، قال الهلباوي: «إن هذا الشباب متحمس ولديه رغبة في نبذ العنف ويحتاج لمن يأخذ بيده ويقوده. أما عن نفسي فأقصى ما أستطيع أن أفعله أن أوجههم كمستشار لهم أو كنقطة مرجعية لدعوة سلمية لكنهم يحتاجون لخبرة في إدارة التنظيمات مثل الدكتور محمد حبيب والمحامي مختار نوح ربما يكونان الأفضل في ذلك». وعن تداعيات تكوين ذلك الكيان من متمردي شباب الإخوان على مستقبل الجماعة، قال الهلباوي: «إن الجماعة لم تعد كما كانت، ولن تعود كما كانت، ولا بد أن يعرف قياداتها المسجونون أو الهاربون أن شباب الإخوان الآن منقسمون إلى ثلاثة أقسام؛ الأول قسم معهم وهم الذين يقومون بالمظاهرات وينفذون ما يقولون. والقسم الثاني توقف حتى يستبين الحقيقة، بينما انشق القسم الثالث بالفعل بل ويستعد لإجراء محاكمات داخلية لقيادات الإخوان التي جاءت بكارثة على الجماعة كلها».
من ناحية أخرى رفض القيادي الإخواني سيف الإسلام حسن البنا التعليق أو إبداء الرأي حول هذا التمرد الداخلي بجماعة الإخوان التي أسسها والده قبل عدة عقود، مؤكدا لـ«الشرق الأوسط» بنبرة يكسوها الحزن والأسى أنه سمع عن هذه التحركات، لكنه يرفض التعليق على مثل هذه الأمور ويؤثر الصمت في الفترة الأخيرة!
وحول تحليل ما يحدث من تمرد داخل جماعة الإخوان في إطار الظاهرة الاجتماعية وتأثيرها على مستقبل الجماعة، قال الدكتور عمار علي حسن الباحث في علم الاجتماع السياسي لـ«الشرق الأوسط»: «إن جماعة الإخوان المسلمين هي دوائر متلاصقة وهناك نواة أصلية هي الأقل عددا والأكثر تمكينا وهم من الأعضاء العاملين، بينما الدوائر الأخرى من الأعضاء المنتسبين وهو الأضخم عددا لكنهم الأقل تمثيلا وهي التي يحدث بها التصدع بينما الدوائر الضيقة تبقى كما هي. ومن ثم فكلما قام فريق من هؤلاء وتحدث عن انشقاق أنكرت الجماعة الأمر؛ فهي اعتادت جذب الناس للتعاطف معها لكن عند المواجهات فإنها تتنصل منهم ولا تعترف إلا بأعضائها العاملين فقط. وبالتالي فإنني أرى هذه الانشقاقات هامشية ويبدو الأمر في إطار توزيع الأدوار!». وأضاف أن «الحديث عن انشقاق بالمعنى العلمي، بأن يتمرد جزء معتبر صراحة، فإنني أعتقد أنه لا يحدث؛ لعدم وجود قائد يتم الانضمام إليه». وأكد عمار علي حسن أن من خرجوا عن الجماعة كان خروجهم على القيادة فقط، أما الخروج على فكر الإخوان تماما فهو لم يحدث إلا في حالات نادرة مثل حالة أحمد بان وسامح عيد وثروت الخرباوي بالإضافة لمجموعة أخرى صغيرة موجودة في محافظة البحيرة (قرب الإسكندرية).
ومن ناحية أخرى أضاف أن هناك حالة تململ من القيادة وإحباطا من أعضاء الجماعة ورغبة لدى البعض للمراجعة، لكنهم يخشون الجهر بذلك حتى لا يتهموا بخيانة الجماعة بعد استهداف التنظيم من قبل السلطة بدليل عدم استجابتهم لكل نداءات التعبئة من قيادات الإخوان. وتعليقا على تجربة الهلباوي والخرباوي التي يعدان لها مع شباب الإخوان المتمردين على الجماعة، قال الدكتور عمار علي حسن لـ«الشرق الأوسط»: «هي فكرة جيدة تشكل نقطة جذب لقادة مختلفين عن التفكير القطبي لتنضم إليهم الأجيال المتلاحقة من الشباب ولو نجحوا فإننا سنكون بالفعل أمام انشقاق حقيقي وتاريخي لجماعة الإخوان. وفي جميع الأحوال فإن الجماعة مآلها إلى زوال بعد أن ظل قياديوها مقتنعين أنها عصية على الفناء نظرا لأنهم عاشوا على المدد الذي تلقوه من السلطات المتعاقبة»، مختتما بقوله: «إن الجماعة اعتمدت على كونها محكمة التنظيم، لكنهم كانوا بلا عقل. واليوم وقد ضرب تنظيمهم في الصميم، فهم إلى نهاية، خاصة مع موت قادتهم الشيوخ في السجون أو المنفى ومن ثم لو خرج انشقاق بالمعنى السابق ولديه رغبة في الإصلاح فإنه سينجح».



الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.


معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
TT

معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)

في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، يبدو معتقل غوانتانامو أقل شبهاً بسجن بقي مفتوحاً بالخطأ، وأكثر اقتراباً من مؤسسة متجذرة عرفت كيف تقاوم الزمن.

كان يُفترَض أن يكون المعتقل الذي افتُتِح في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002 حلاً مؤقتاً لحالة استثنائية: احتجاز مقاتلين أسرى في «الحرب على الإرهاب» بعيداً من البر الأميركي، ومن دون أن تنطبق عليهم، حسب منطق الإدارة الأميركية آنذاك، القواعد القانونية التي تحكم السجون التقليدية أو أسرى الحروب.

مشهد عام لقاعدة غوانتانامو الأميركية في الخليج الكوبي قبيل إنشاء المعتقل فيها مطلع 2002 (أ.ف.ب)

لكن المؤقت طال.

ومع مرور ربع قرن، لم يعد السؤال يقتصر على: لماذا لم يُغلق غوانتانامو؟ بل ماذا حدث للفكرة التي أنشأته؟ وكيف أمكن لاستثناء قانوني وسياسي وُلد في لحظة «تروما جماعية» بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، أن يتحول إلى مؤسسة قادرة على البقاء، والاستمرار حتى بعدما تغيّرت الإدارات في البيت الأبيض والحروب في الميادين وشكل التهديدات وأسماء أصحابها.

بعد الهجمات، دخلت الولايات المتحدة حرباً جديدة سمتها «الحرب على الإرهاب». وفي إطار هذه الحرب، نشأ نظام واسع للاعتقال خارج المألوف القانوني، اعتمد على السرّية والاحتجاز المفتوح زمنياً، وعلى محاولة الفصل بين «الحرب» العسكرية، والأرضية التشريعية التي تحكمها عادة.

لافتة ترحيبية عند مدخل قاعدة معتقل غوانتانامو بعد تحديثه (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء غوانتانامو أوضحَ مثالٍ لتناقض تكشف تدريجياً؛ ففي حين نشأت عدة مواقع اعتقال سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، في بلدان متعددة، واعتمدت برامج استجواب قهرية ولا إنسانية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من أكثر الفصول إثارة للجدل في الحرب الأميركية على الإرهاب، بقي غوانتانامو مختلفاً. لقد امتلك ميزة إضافية.

كان مكاناً حيّاً. نما وتطوّر وامتد على مساحة جغرافية أكبر عبر السنوات، منذ لحظة افتتاحه، مطلع يناير (كانون الثاني) 2002، وإلى اليوم. وهو إذ يتكيّف مع الإدارات الأميركية المتبدّلة بين جمهورية أو ديمقراطية، ويطور أساليبه وأنماطه، لم يبتعد قيد أنملة عن الفكرة المؤسسة له، والمجال الحيوي الهائل للسلطة السياسية؛ أن الدولة الأميركية، في ظروف استثنائية، تستطيع أن تنشئ مساحة استثنائية، وأن المحتجَز يمكن أن يكون «مقاتلاً عدواً» من دون أن يكون أسيراً بالمعنى التقليدي، ومن دون أن يكون متهماً أمام محكمة جنائية، وأن الحرب يمكن أن تكون طويلة إلى درجة يصبح معها الاحتجاز نفسه بلا نهاية محددة. وذلك هو حال عدد من سجناء غوانتنامو اليوم، بعد نحو ربع قرن.

جندي أميركي يعبر قرب الشريط الشائك الذي أحاط بـ«كامب إكس» قبل إغلاقه (أ.ف.ب)

غوانتانامو بوصفه أرشيفاً

ربما في الأيام الأولى التي أعقبت 11 سبتمبر، كان من السهل فهم منطق الاستثناء؛ فقد كانت أميركا لا تزال تحت صدمة الهجمات، وكانت الإدارة الأميركية تتعامل مع تنظيم القاعدة باعتباره تهديداً يتجاوز حدود الدول والجيوش التقليدية.

لكن المعضلة تكمن في الاستثناء نفسه وليس فقط في لحظة إنشائه. المشكلة في قدرته على البقاء بعد زوال اللحظة التي أنشأته.

هنا تحديداً تكمن كل قصة غوانتانامو.

وصول الدفعة الأولى من المعتقلين إلى قاعدة غوانتانامو حيث وُضعوا في أقفاص مكشوفة يناير 2002 (غيتي)

فقد أُرسل إليه في البداية رجال اعتبروا جزءاً من الحرب الجديدة بأدواتها الجديدة، لكن السنوات كشفت أن كثيراً من المحتجزين لم يكونوا من كبار قادة «القاعدة»، وأن بعضهم أُرسل إلى هناك بناء على معلومات خاطئة أو صلات هامشية أو بسبب مكافآت مالية، قبل أن يجدوا أنفسهم في نظام يصعب الخروج منه.

على مدى سنوات، مرّ بالمعتقل نحو 800 رجل، لم يبقَ اليوم منهم سوى عدد قليل. وفي مطلع 2025، كان العدد الرسمي 15 محتجزاً، بينهم من ينتظرون النقل إلى دول أخرى، وآخرون يخضعون لإجراءات أمام اللجان العسكرية، وثلاثة ما زالوا في الاحتجاز من دون تهم جنائية أو موافَقة على نقلهم.

لكن انخفاض العدد لم يعنِ انتهاء المشكلة.

على العكس، كلما تقلص عدد المحتجزين، أصبح غوانتانامو أقل شبهاً بسجن جماعي خارج عن السياق العام، وأكثر شبهاً بأرشيف حي للحرب على الإرهاب: ملفات قانونية لم تُحسم، واعترافات انتُزعت في ظروف قسرية، ومحاكمات عسكرية تأخرت سنوات، وأشخاص لا تزال الدولة الأميركية تجد صعوبة في تحديد كيفية التعامل معهم وإنهاء احتجازهم.

صيد ثمين في حفرة مظلمة

قد يكون من الإجحاف اختصار قصة معتقل بحجم غوانتانامو في شخصية واحدة؛ لكن خالد شيخ محمد نموذج صارخ عن تلك التناقضات الهائلة في هذا الملف.

خالد شيخ محمد «العقل المدبّر» لهجمات «11 سبتمبر» فور إلقاء «سي آي إيه» القبض عليه في باكستان عام 2003 (أ.ب)

الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر لم يصل إلى غوانتانامو فوراً. سبقت ذلك سنوات من المطاردة والاعتقال السري، واحتجاز لدى وكالة الاستخبارات المركزية، واستجوابات قاسية، ثم نقل إلى غوانتانامو عام 2006 مع عدد من «كبار الشخصيات» أو كما سمّوا آنذاك بـ«الصيد الثمين»، الذين كانوا محتجَزين في مواقع سرية سبق ذكرها، وسُمّيت «الحفر المظلمة».

وهنا تتقاطع قصة الرجل مع قصة المكان: أين تنتهي الحرب وتبدأ العدالة؟ وهل يمكن لمحاكمة جريمة بحجم 11 سبتمبر أن تقوم على أدلة تشكلت، جزئياً، داخل منظومة سرية استخدمت التعذيب والإكراه؟

بعد أكثر من عقدين على الهجمات، ما زالت القضية تبحث عن خواتيمها. وأخيراً حدَّد قاض عسكري في أغسطس (آب) الماضي موعداً مبدئياً في 5 يونيو (حزيران) 2028 لمحاكمة خالد شيخ محمد وثلاثة متهمين آخرين أمام محكمة عسكرية في غوانتانامو، بعد سنوات طويلة من التعثر القانوني.

لكن المفاجأة وقعت؛ فبعدما تغيرت لوائح المحاكمات، قرر الادعاء المضي في القضية من دون استخدام اعتراف رئيسي أدلى به خالد شيخ محمد عام 2007 أقرّ فيه بمسؤوليته عن الهجمات، وذلك بعدما اعتُبِر غير طوعي وانتُزِع بالإكراه.

وللمفارقة، لم يستأنف الادعاء القرار خشية تأخير موعد المحاكمة أكثر من ذلك.

هكذا أصبح المعتقل جزءاً من مشكلة كان يفترض أن يحلها؛ فبعدما حكم على مئات الأبرياء، ها هو اليوم قد يبرئ مذنباً.

«كامب دلتا 2 و3» ذات الإجراءات الأمنية المشددة حيث اعتُقل كبار قادة تنظيم «القاعدة» في صورة تعود لعام 2006 (أ.ف.ب)

وتواجه واشنطن اليوم معضلة أكبر؛ فهي من جهة تريد محاكمة المسؤولين عن أكبر هجوم إرهابي تعرضت له على أراضيها، وطي هذه الصفحة، ومن جهة أخرى، هي مضطرة إلى مواجهة الورطة التي أوقعت نفسها بها: ماذا تفعل الأدلة عندما يكون الطريق الذي أنتجها موضع طعن قانوني؟

لهذا لم تعد قضية خالد شيخ محمد مجرد قضية رجل متهم بالإرهاب. إنها أيضاً قضية الدولة التي أرادت أن تحقق العدالة من دون أن تدفع الثمن القانوني الكامل لها.

عدّ تنازلي... إلى ما لا نهاية

في 2009، عندما أعلنت إدارة أوباما المنتخب حديثاً نيتها إغلاق المعتقل، وكان ذلك أصلاً أحد وعود حملته الانتخابية، على أن يتم ذلك في 22 يناير 2010، حملتني مهمة صحافية إلى غوانتانامو. كان عمره 8 سنوات وشهد خلالها توسعة تلو الأخرى و«تحسينات» خدمية متعددة، وبدأت فيه المحاكمات في قاعات محكمة ذات أقواس خشبية ومقاعد للحضور وكل ما يلزم من مشهدية العدالة.

«كامب العدالة» حيث أنشئت قاعات المحاكمات المسبقة الصنع في صورة التُقطت نهاية 2008 (أ.ف.ب)

في ذلك الوقت، كانت إدارة المعتقل تستقدم الصحافيين لتعرض عليهم ظروفه، وقد بات يشبه السجون الفيدرالية بمطابخ تقدم اللحوم الحلال، وملاعب رياضية ونشاطات متنوعة ومواعيد صلاة، أملاً في أن تعوّض شيئاً ولو يسيراً من صور الأقفاص المتراصة وسط حر جزيرة استوائية.

بالتوازي، كانت الإدارة السياسية في واشنطن تفاوض دولاً متعددة لنقل المحتجزين إليها. والسؤال العملي كان بسيطاً: كيف يمكن إخراج الموجودين وإغلاق المكان؟

لكن المكان وسكّانه والمحامون المتطوعون للدفاع عنهم هناك في نيويورك... كلهم قالوا شيئاً آخر.

فقد أُتيح في تلك الزيارات، المنظمة والمراقبة بشدة، رؤية أجزاء كثيرة من المعتقل ومرافقه المحدّثة والمطوّرة، لكن أجزاء أخرى بقيت خارج نطاق الرؤية. وكانت الجملة التي تتكرر على مسامع الزوار، من العسكريين تحمل وعداً يفوق قدرة المكان على الإيفاء به: «هنا سترون الحقيقة عارية»، قالوا.

لكن هل يمكن فعلاً رؤية الحقيقة عارية من خلف ستار؟

مدخل «كامب 6» في صورة تعود إلى عام 2014 وتظهر لافتة كُتب عليها «معتقلون في المنشأة. التزموا الصمت» (أ.ف.ب)

كان هناك، مثلاً: «كامب 7»، القسم الأكثر غموضاً، المخصص لـ«الصيد الثمين» من كبار قادة «القاعدة»، وكان وجوده معروفاً، ومبناه يطل على بقية الأبنية من هضبة قريبة. لكن تفاصيله محاطة بالسرية المطلقة.

وفي «كامب 6»، مثلاً، كان المحتجزون يطلّون، أو يحاولون أن يطلّوا، من خلال فتحات ضيقة في النوافذ، وأصواتهم تصل إلينا من مسافة قبل أن نلتمس صورتهم. «كاذبون! كاذبون!» كانت الصرخة التي تتكرر من خلف تلك الجدران. لم يكن ممكناً رؤية الوجوه بوضوح فقد كان رفع النظر إلى المساجين ممنوعاً، لكن الاتهام كان مسموعاً بوضوح.

كان ذلك في حد ذاته درساً صغيراً في طبيعة هذه المنشأة: يمكن أن تكون أبوابها مفتوحة بما يكفي كي تراها، ومغلقة بما يكفي كي لا تعرف كل ما فيها.

وفي ذلك الوقت أيضاً، كان قائد القوات المشتركة في القاعدة، الأميرال توم كوبمان، يصف إغلاق المعتقل بأنه مهمة صعبة «لكنها ليست مستحيلة».

قول منطقي لسياق 2009.

ففي ذلك الوقت، لم تكن الاستحالة في الإغلاق تقنية. الأمر لا يتطلب إنهاء حرب أو تفكيك دولة. كان المطلوب نقل مئات الرجال، واتخاذ قرارات سياسية وقانونية بشأن مَن يُحاكم ومن يُطلق سراحه ومن يُنقَل إلى بلد ثالث، ثم إغلاق منشأة كغيرها من المنشآت. وراح كل قرار يحمل قراراً.

باحة داخلية مشتركة في «كامب 6» وبدت حولها زنزانات الاعتقال بعد تجديد المباني بمعتقل غوانتانامو خلال 2008 (أ.ف.ب)

هل يعود المحتجز إلى بلده؟ هل تقبله دولة ثالثة؟ هل يمثل أمام محكمة مدنية أم عسكرية؟ هل يمكن إطلاق سراحه إذا لم تكن هناك أدلة كافية لمحاكمته؟ وماذا عن أجهزة الاستخبارات التي ترى أنه يشكل خطراً؟ ماذا تفعل الدولة بشخص لا تستطيع إدانته، ولا تثق في إمكانية إطلاقه؟

بهذا المعنى، أصبح غوانتانامو أقل ارتباطاً بعدد المعتقلين وظروف احتجازهم «المحسَّنة»، بقدر ما هو مرتبط بهيكلية القرار داخل الإدارة الأميركية وتسلسل القيادة المتشعّب الذي نشأ حولهم.

ماذا فعل غوانتانامو بأميركا؟

ربما كان الخطأ في النظر إلى غوانتانامو بوصفه مشكلة حقوقية خارجية فقط.

لقد كان، في جانب مهم منه، تجربة أميركية داخلية حول حدود السلطة.

فبعد 11 سبتمبر، امتلكت السلطة التنفيذية قوة هائلة باسم الأمن القومي. ثم جاء القضاء ليضع حدوداً لهذه القوة في سلسلة من القضايا الشهيرة، من «رسول ضد بوش» إلى «حمدان ضد رامسفيلد» ثم «بوميدين ضد بوش». وفي كل مرة تقريباً، كان السؤال نفسه يعود بصيغة مختلفة: هل يمكن للحرب أن تخلق منطقة خارجة عن القانون؟

الإجابة معقدة لا شك.

جنديان أميركيان يدخلان إلى «كامب دلتا 1» الذي يخضع لحراسة مشددة (غيتي)

فالكونغرس أقرَّ قوانين، والإدارات غيّرت سياساتها، والمحاكم تدخلت، والجيش أعاد صياغة قواعد الاحتجاز، والولايات المتحدة نقلت عدداً كبيراً من المعتقلين أو أطلقت سراحهم. لكن المؤسسة التي نشأت في لحظة الاستثناء بقيت ولا تزال وقد يعاد تدويرها لتستمر إلى أجل غير مسمّى بمهام جديدة.

لهذا السبب فإن التطورات الأخيرة في القاعدة تكتسب أهمية تفوق مجرد خبر عابر.

في يناير (كانون الثاني) 2025، وجّهت إدارة الرئيس دونالد ترمب وزارة الدفاع والأمن الداخلي إلى توسيع «مركز عمليات المهاجرين»، في قاعدة غوانتانامو البحرية، إلى كامل طاقته، بهدف توفير مساحة إضافية لاحتجاز مهاجرين. ومنذ ذلك الحين، أكدت وثائق ICE وجود إجراءات خاصة لاحتجاز المهاجرين في القاعدة، بما في ذلك في «كامب 6» و«مركز عمليات المهاجرين».

وعليه، بعد سلسلة من محطات التوقيف والاحتجاز، نقل آدم عبد الله، وهو صومالي يبلغ 31 عاماً أوقفته سلطات الهجرة في مينيسوتا، ونقلته إلى غوانتانامو من دون تهمة واضحة، ووجوده قانوني، ويجري مراجعات دورية مع سلطات الهجرة. وأفادت وسائل إعلام أميركية بأنه يقبع منذ نحو أسبوعين في «كامب 6»، وأنه واحد من 8 أشخاص من الصومال محتجزين هناك.

لا يعني هذا أن معتقل «الحرب على الإرهاب» ومراكز احتجاز المهاجرين هما المؤسسة القانونية نفسها، ولا أن الأشخاص المحتجزين فيهما يخضعون للمنظومة ذاتها، لكن إعادة استخدام المنشأة نفسها لتنفيذ اعتقالات خارج المنظومة القانونية وبعيداً من البر الأميركي تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:

هل تستعاد أدوات «الحرب على الإرهاب» في خوض «الحرب على المهاجرين»؟ وهل يُعاد تدوير المعتقَل السيئ السمعة، مرة بعد أخرى بحسب ساكن البيت الأبيض؟

«كامب 6» بغوانتانامو في صورة تعود لعام 2008 (غيتي)

ليس ضرورياً أن تكون الحربان متطابقتين كي يستحق السؤال أن يُطرح.

فغوانتانامو لم يعد فقط نتاجاً لما حدث في 11 سبتمبر، بل أصبح اختباراً يومياً لما يمكن أن يحدث للأدوات التي تصنعها الدول في لحظات الخوف، ثم تكتشف لاحقاً أنها أسهل في اختراعها من إلغائها.

إنه ببساطة قصة الاستثناء الذي استحال قاعدة.