يأتي فيلم «سبايدرمان: أكروس ذا سبايدر- فيرس» إنتاج 2023، تتمة لإعادة تخيل للبطل العنكبوتي الخارق - المراهق من عام 2018، وتتضاعف قيمته في الجزء الأول مع نمط بصري مبتكر ومتنوع. والنتيجة هي، بصورة جزئية على الأقل، دورة مكثفة في تاريخ الفن (حرفياً، كما تتصادم الشخصيات في كثير من الأحيان بالأعمال الفنية).
رغم أن الفيلم يأتي إلى حد كبير من رحم الرسوم المتحركة المُخلّقة حاسوبياً، والتي تتسارع عبر مقاطع مذهلة، فإن هناك لحظات من الجمال البطيء، وإنما الفتان: الخلفيات المختفية تحت تأثير رسومي واضح، وتتحول إلى التجريد العاطفي الذي يذكرنا، على نحو متناوب، بأعمال فاسيلي كاندينسكي، وبيت موندريان، وهيلما آف كلينت. تلاشى مشهد مدينة نيويورك في صورة مساحات فنية انطباعية ومُبهجة؛ إذ تتناثر نقاط «بن- داي» عبر الشاشة، في إشارة إلى مصدر الكتب الهزلية المصورة لقصة الفيلم، ولكنها تستدعي أيضاً تخصيصات روي ليختنشتاين لنفس الأمر.
يقول جاستن تومسون، مخرج الفيلم، إن التصادم ما بين الأساليب والتطبيقات كان متعمداً، وأضاف: «أردنا محاكاة فرشاة الرسم الجافة، والألوان المائية، والأكريليك. نظرت كثيراً إلى أعمال بول كلي وأعمال ليونيل فينغر. وكانت الأفلام التجريبية لجون ويتني، رائد الرسوم المتحركة بالحواسيب، مصدر إلهام آخر».

هناك أيضاً عدد من الإشارات المباشرة إلى الفن المعاصر. نسخة النسر الشرير المناوئ دائماً للرجل العنكبوت التي تظهر كما لو أنها رُفعت لتوها من رُقوق ليوناردو دافنشي، تبدو وكأنها تتساقط عبر القبة المستديرة بسقف متحف «غوغنهايم»، وتحمل أسلحة مستوحاة من اختراعات دافنشي الخيالية والمروعة، وتسبب الفوضى فيما يبدو سريعاً كأنها من أعمال جيف كونز الفنية، وإنما بأثر رجعي. ينشر مشهد القتال العديد من منحوتات كونز من اللعب المنفوخة، مثل «لوبستر» لعام 2003، و«دولفين» لعام 2002، المتطايرة كمثل المقذوفات. بطبيعة الحال، يعد كلب كونز البالوني، وهو أكثر أعماله سهولة في التعرف عليها، هو أعلاها من حيث التكاليف.
قلنا: «عندما تحدثنا عن الكلب البالوني الأزرق، تساءلنا: ماذا يمكننا أن نفعل به؟ ما الذي يميزه؟»، كما أخبرني تومسون، لكنه يتذكر أن كونز «كان في الواقع الشخص الذي قال: أتعلم، أمر واحد عن الكلب البالوني هو ذلك الشيء الذي يتعلق كثيراً بالتنفس. إنه مليء بالأنفاس البشرية، لكننا لم نتمكن من سبر غور ماهيته في الواقع. ماذا لو قمنا بفتح واحدة منها واستطعنا رؤية ما بداخلها؟ وكنا ننظر إلى بعضنا، ونقول: (لكن ماذا يوجد بالداخل؟)، فقال: (أي شيء تريده)».
انتهى الأمر بما في الداخل لأن يكون بمثابة بريق البصر الذي يعقب انزلاق النسر عن رأس كلب بالوني ضخم يبلغ طوله 12 قدماً، ومنه يتناثر عدد لا يُحصى من أصغر منحوتات الكلاب البالونية حجماً، مما يُشبع الشكوك المزعجة بأن أعمال كونز كبيرة الحجم هي في الواقع، دمية ضخمة مليئة بالكثير من الدمى الصغيرة. (أعاد المشهد إلى الأذهان حلقة في وقت سابق من العام الحالي؛ إذ حطّم أحد هواة الجمع الذي كان يزور معرض «آرت وينوود» في ميامي بالخطأ طبعة بحجم 16 بوصة. وكان الفيلم في مرحلة الإنتاج بالفعل).

قال كونز في مكالمة هاتفية من هيدرا باليونان: «كان الأمر مؤثراً بالنسبة لي؛ لأنني كنت دائماً أفكر في كلب البالون كنوع من الأعمال الشعائرية، شيء يمكن أن تكون له صفة أسطورية، كحصان طروادة أو تمثال فينوس ولندورف؛ إذ يكون هنالك شكل ما من أشكال المجتمع القبلي». (يبدو أن بالونه الخاص بفينوس لم يرقَ لمستوى العمل النهائي). عدّ كونز وجود كلب البالون في الفيلم «مشاركة حقيقية في مجتمع أكبر؛ إذ يمكن للناس التجمع حوله».
من جانبه، تحدث كونز عن النتيجة قائلاً: «أعتقد أن الفيلم مثير للدهشة حقاً، وأعتقد، من الناحية الثقافية، أنه يلعب دوراً مهماً جداً لجيل كامل من الشباب لإطلاعهم على إمكانات الإدراك». وأضاف: «لم أرَ الألوان أكثر ثراء من قبل، فالأحمر رائع للغاية!». وُلد كونز عام 1955 وترعرع في شركة «ديزني». وقال: «كانت هناك نقطة معينة في السبعينات ربما رأينا فيها رسوماً متحركة تتراجع، ثم مع شركة (بيكسار) رأينا هذه القفزة الهائلة إلى الأمام. الفيلم يستخدم هذه التكنولوجيا كقاعدة أساسية، لكنه يعيد تنضيد النسيج الملامس للحواس من خلالها. أعني، إنها مثل الطريقة التي ننظر بها إلى أعمال رامبرانت أو تيشيان».
عندما سُئل عما إذا كان منزعجاً على الإطلاق عندما رأى تمثيلات لعمله محذوفة من قبل أبطال الرسوم المتحركة الخارقين، أجاب كونز بدبلوماسية قائلاً: «أنا أهتم كثيراً بالعالم. أهتم بالحياة. أهتم بالوجود. كل شيء من حولنا يتحول إلى غبار. العالم يتحول إلى غبار، والأكوان تتحول إلى غبار. المهم هو كيف يمكننا الاستمتاع بالعالم الذي نعيش فيه، وأن نكون قادرين على تصور ما يمكن أن يكون عليه مستقبلنا. وبصفتي فناناً، من الجميل أن نشعر بطريقة ما بأن الفنون الجميلة قادرة على المشاركة في الثقافة».
* خدمة «نيويورك تايمز»
«أردنا محاكاة فرشاة الرسم الجافة والألوان المائية والأكريليك»
جاستن تومسون، مخرج الفيلم











