المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

هل تعكس الصناديق ترحيب المجتمع بالسعوديات المتميزات؟

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية
TT

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

المرأة.. الحصان الأسود في الانتخابات البلدية السعودية

كان ضربًا من خيال، لكنه استوى اليوم، وبفعل قرارات سياسية سامية تطمح أن تكون للمرأة السعودية فرص المشاركة في العمل السياسي والاجتماعي، بعد عقود لم يعرف المجتمع السعودي أن تكون المرأة سوى في سلك التعليم، رغم أن التعليم كذلك كان علاجه الأخير من المؤسسة السياسية لا صراعات المجتمع، في تاريخ لا ينسى منذ الستينات الميلادية.
ولئن كانت الكويت ذات التجربة الديمقراطية التي تتجاوز الخمسة عقود، لم تسمح للمرأة بدخول مجلس الأمة إلا في عام 2005 بعد صراعات داخل المجلس في قبول تصويت المرأة قبل ترشحها؛ فإنها حققت الحضور الأول في عام 2009 بأربع عضوات من النساء، والمقارنة مع الكويت باب من تأثير المجتمعات الخليجية ببعضها واتصالها المجتمعي.
تعيش المملكة العربية السعودية اليوم تبدلاً بارزًا في الظروف الاجتماعية المتصلة بشؤون المرأة، وكانت المرأة السعودية قد حققت على الدوام، ولكن خلال العقود الأخيرة بالذات، منجزات كبرى داخل المملكة وخارجها. ويطل اليوم استحقاق جديد وفرصة مهمة لافتة من باب «المجالس البلدية» في انتخابات الدورة الثالثة، بعد أن حملت الأولى تجربة أولى للمملكة كان التوافد عليها جيدًا في عام 2005 وزادت في انتخابات الدورة الثانية خلال عام 2011.
لقد شهد التاريخ السعودي، خاصة فيما يتعامل مباشرة مع شؤون النساء، أن الدولة بمفهومها وجهازها السياسي هي من تقود تطوير المرأة، تاركة النقاشات المجتمعية والرؤى التقليدية المحكومة بعوامل عدة على هامش الصحف أو في حيّز أحاديث المجالس البعيدة عن صناعة القرار. ومن ثم تنطلق النساء السعوديات بعد «مجلس الشورى» في رحلة جديدة، ومعلومٌ أن «الشورى» كان فاتحة تاريخية بكل المقاييس حين جرى تعيين ثلاثين سيدة بعضوية كاملة داخل المجلس، وعبره شكلت مساهمة المرأة خلال سنتين منذ دخولها لقاعة المجلس الذهبي في عام 2013 حضورًا بارزًا على صعيد كثير من الملفات، وحاولت تلك «الكوتة» النسائية في حيزها أداء الكثير على شتى اللجان العاملة.

* تحديات أمام المرشحات والناخبات
بين المرشحات وعضوية المجالس البلدية صندوق الاقتراع، وبين حضورها كمرشحة أو ناخبة أمواج من التحديات تتمثل في الثقة التي من الممكن أن تنالها وسط المنافسة الرجالية الكبرى، ومحاولة إشعال الحراك الانتخابي بوجود امرأة في أي مجلس من المجالس البلدية في مدن ومحافظات المملكة كافة.
وإذا عادت الأيام القهقرى، فإن الأحداث تسجّل للمرأة السعودية حضورًا مبكرًا جاء عبر انتخابات الأندية الأدبية، وإن كانت المشاركة حينها مبتدئة لحداثة التجربة من ناحية، وإن نخبوية في عالم المثقفين من ناحية لأخرى. تلك الانتخابات في أواخر عام 2011 تمخضت عن مشاركة نسائية محدودة لم تشكل إلا أقل من 15 في المائة، وفي حقيقة الأمر، حملت معها مؤشرات خفت بريقها في عدد من الأندية إذ انتهى مطاف بعضها إلى المحاكم اعتراضا، كما واكبتها شكوك مثقفين على نطاق واسع حول الانتخابات ونزاهتها.
وعلى صعيد آخر، في القطاع التجاري، كانت انتخابات مجالس الغرف التجارية ذات السبق في التصويت النسائي، وشهدت الغرفة التجارية الصناعية في جدة عام 2005 أول فوز لسيدتين سعوديتين - هما لمى السليمان ونشوى طاهر - في تاريخ انتخابات المجالس التجارية، وكانت هذه سابقة جعلت من الانتخابات على ذلك الصعيد الأشرس في تاريخ الانتخابات بين التجار.

* تمثيل سليم لمجتمع طبيعي
في لقاءات أجرتها «الشرق الأوسط» مع العد التنازلي لمساهمة المرأة في الانتخابات البلدية، اعتبرت الدكتورة لطيفة الشعلان، عضوة مجلس الشورى، في حوار معها أن مشاركة المرأة في المجلس البلدي كمرشحة وناخبة «حدث استثنائي يصب في تمكين المرأة السعودية، ويوازي في أهميته دخول النساء إلى مجلس الشورى للمرة الأولى في تاريخه خلال الدورة السادسة الحالية». ورأت أن «دخول النساء إلى المجالس البلدية سوف يساهم في تعزيز مفهوم المواطنة والانتماء باعتبار انتخابات المجالس البلدية القادمة ستعكس تمثيلاً سليمًا لمجتمع طبيعي يتكون من النساء والرجال».
غير أن الدكتورة الشعلان أضافت أن هناك «تحديات كثيرة ستقف في طريق حصول النساء على عضوية المجالس البلدية خاصة ضمن الثلثين المختارين بالانتخاب، وأن هذه التحديات كثيرة منها وقوف بعض التيارات ضد تمكين المرأة، ولقد بدأنا نرى بوادر ذلك في بعض الحملات الموجّهة في وسائل التواصل الاجتماعي، إلى طبيعة الثقافة النمطية والتقاليد السائدة في النظرة الدونية إلى قدرات النساء».
أيضا قالت إنه «ليس لدينا تجربة سابقة للقياس عليها سوى في انتخابات الغرف التجارية، وهذه تعزّز حضور المرأة فيها من خلال التعيين المباشر، وبالنسبة للانتخابات البلدية من المتوقع أو المفترض أن تعزز فرص النساء من خلال (كوتة) ثابتة وذلك ضمن الثلث الذي سيجري تعيينه وهذا هو المعمول به في دول كثيرة».
وأردفت الشعلان في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن العمل البلدي «عمل مجتمعي تنموي، والمرأة شريك في المجتمع ولديها الكثير من الرؤى التي ستساهم في تحقيق الأهداف الموضوعة لعمل المجالس البلدية، خاصة، ما يتعلق بتنمية المجتمع المحلي والمشاركة في السلطة الرقابية واقتراح الخطط والبرامج ودراسة مشاريع الأنظمة وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، مع اتساع صلاحيات هذه المجالس في الدورة الجديدة». وأكدت أنها ترى أن «التطور في تمكين المرأة خلال السنوات الأخيرة، الذي عزّز من خريطة الإصلاح في الدولة، لم يكن له أن يحدث من دون وجود قاعدة واسعة من النساء السعوديات المتعلمات تعليمًا نوعيًا ويتميزن بالمؤهلات من خلال تكوينهن المعرفي وخبراتهن المتنوعة، وذلك بمستوى إن لم يتفوّق فهو لا يقل عن مثيلاتهن في الدول العربية والإسلامية الأخرى».
واختتمت الدكتورة الشعلان كلامها بالإعراب عن أملها بأن «تكون الانتخابات البلدية فتحًا جديدًا لمجالات أخرى أمام المرأة على صعيد التمكين ورسم السياسات العامة في كل مناحي الدولة، سواءً في الداخل أو على صعيد التمثيل الخارجي وأن يؤدي التوسع في منح المرأة حقوقها إلى إضعاف الصراع الاجتماعي المكرّر والباهظ التكلفة بين الأطياف المختلفة حول قضية المرأة».

* المرأة وجه للتقدم الاجتماعي
من جهة ثانية، ترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة سمية حسن الصافي أن «حضور المرأة سيعزز من قيمة دخولها العمل السياسي بشكل كبير، وأنه لا يمكن الحكم على شيء حديث بمدى تقبل المجتمع للنساء شريكات في العمل الاجتماعي».
وأضافت الصافي خلال اتصال هاتفي بـ«الشرق الأوسط» أن «الإسلام منح المرأة مشاركة متساوية على كافة الأمور من الثواب إلى العقاب مع الرجل، وحفظ لها مكانة العمل والمشاركة في المسؤولية التي تعتبر أن المجالس البلدية هي أحد أوجه المشاركة». وشدّدت على أن رقي المجتمعات وصياغة قواعده الاجتماعية معني بالمرأة على الدرجة الأولى، ومشاركتها للرجل سيجعل من العمل الاجتماعي ذا تطوّر أكبر، مشيدة بالقرار السياسي الذي تتوقع أن «يمكّن المرأة من كسر القيود الوهمية التي ظلت عالقة في تفكير المجتمعات».
هذا، وترى الدكتورة الصافي في حديثها أنه «لا عوائق ستقف في وجه النساء خلال مشاركتها بالانتخابات البلدية، حتى وإن خرجت نتائجها النهائية - وفق توقعها - من دون أسماء نسائية ستساهم هذه الانتخابات ومشاركة المرأة فيها في تشكيل وعي آخر حول الدور الذي تلعبه المرأة في التقدم الاجتماعي، ذلك أن أي تحرير لقيود حول المرأة هو تحرير قيود أخرى عن الرجل».

* سجل من ذهب
في الحقيقة، حضور السعوديات في الشأنين العام والخاص شكّل ذهنية أخرى، وحضورهن عبر إنجازاتهن في مختلف المجالات على مدى السنوات الماضية كان لافتًا ومؤثرًا، وإن عارضته أصوات، تظل أصوات معروفة ومواقفها مألوفة معتادة. ومنذ فتح باب مشروع الابتعاث الكبير للطلبة السعوديين والسعوديات في الجامعات العالمية، ومرورًا بفتح مجالات العمل للمرأة في الأنشطة التجارية، وحتى دخول النخبة الكبرى إلى «مجلس الشورى»، ظلت الرياح المؤقتة تحاول النيل من نجاحات المرأة، ولكن من دون التأثير سلبًا لا على زخم التطور ولا قيمة الإنجازات.
من الدكتورة ثريا عبيد، التي سبق لها العمل وكيلا للأمين العام للأمم المتحدة ومديرة تنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وحتى العالمة سميرة إسلام التي حازت على جائزة اليونيسكو لأفضل النساء في العالم نظير تميزها في مجال الأدوية، مرورًا بالدكتورة فاتن خورشيد عالمة اكتشاف علاج سرطان الرئة، والدكتورة إلهام أبو الجدايل عالمة الخلايا الجذعية، وغيرهن.
لا تزال القائمة عبر أجيال نسائية سعودية حاضرة تمتد، من الثقافة إلى العلوم مرورًا بالإدارة والسياسة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، في بريطانيا حازت الدكتورة أفنان الشعيبي التي تتبوأ منصب الأمين العام والرئيس التنفيذي لغرفة التجارة العربية البريطانية، على جائزة «دبلوماسي العام» عن عام 2011 تقديرًا لإسهامها الكبير في تحسين العلاقات التجارية بين العالم العربي وبريطانيا وتطوير قطاع التجارة والإعمال.
وعلى المدى الزمني القصير ذاته في السنوات الماضية، كانت الباحثة السعودية هبة الدوسري ذات إنجاز مختلف في محاولة إيجاد علاج للسرطان، باستخدام تقنية «النانو»، متفوقة بذلك على أكثر من ألفي طالب من أكثر من مائة دولة، ما حدا بالرئيس التنفيذي للمجلس الثقافي البريطاني، مارتن ديفيدسون، إلى وصفها بـ«المؤثرة والمهمة».
ومن الإنجاز إلى تبوء المناصب القيادية، كانت نورة الفايز أول امرأة سعودية تنال مرتبة وزير، عندما جرى تعيينها في عام 2009 نائبا لوزير التربية والتعليم لتعليم البنات، وحملت كذلك الأوامر الملكية السامية تعيين الدكتورة منيرة العلولا نائبة لمحافظ مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني، وترافق ذلك مع تعيين الدكتورة أروى الأعمى نائبا لأمين محافظة جدة.
وتمرّ الشواهد الكثيرة وتتعدّد حتى على صعيد العمل في سفارات المملكة خارجيًا بالدكتورة موضي الخلف التي تسنمت حتى الشهر الماضي منصب مساعد الملحق الثقافي للشؤون الثقافية والاجتماعية.
وبناءّ عليه، مع أبواب قيد الناخبين والناخبات في انتخابات المجالس البلدية في الدورة الثالثة، تكون المرأة السعودية خطت خطوة جبارة أخرى نحو تفعيل دورها المجتمعي. ثم لاحقًا، مع مشاركتها الفعلية ترشحًا واقتراعًا ستؤكد بصورة مختلفة وبأوجه واضحة صلاحيات أوسع عن سابقتيها. جدير بالذكر، تتولى المجالس البلدية إقرار الخطط والبرامج البلدية ذات الصلة بتنفيذ المشاريع البلدية المعتمدة في الميزانية، ومشاريع التشغيل والصيانة، والمشاريع التطويرية والاستثمارية وكذلك الدراسة والرأي حول المخططات الهيكلية والسكنية، وكذلك مشاريع نزع الملكية للمنفعة العامة، وشروط وضوابط البناء، بجانب نظم استخدام الأراضي والخدمات البلدية والرسوم والغرامات البلدية، ومتابعة الشروط والمعايير المتعلقة بالصحة العامة.

* الدورة الثالثة من انتخابات المجالس البلدية
ساهمت المجالس البلدية خلال الدورتين السابقتين في تطوير العمل البلدي عبر رسم الخطط والبرامج ومتابعة تنفيذ المشروعات، وتلبية احتياجات المواطنين من الخدمات البلدية وتحسين مستوياتها وتفعيل أداء البلديات والرفع من قدراتها حتى تتمكن من تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها. وتنطلق الدورة الثالثة من انتخابات أعضاء المجالس البلدية خلال الفترة القادمة بحلة جديدة إذ تشهد جملة من التحديثات التطويرية للعملية الانتخابية التي أقرها نظام المجالس البلدية الجديد الذي سيتم العمل بموجبه خلال هذه الدورة من عمل المجالس البلدية، بما في ذلك الانتخابات المتعلقة بتشكيلها.

** من أبرز هذه التحديثات التي أرساها النظام الجديد ما يلي:
* رفع نسبة أعضاء المجالس البلدية المنتخبين من النصف إلى الثلثين.
* خفض سن القيد للناخب من 21 عامًا إلى 18 سنة.
* فتح باب مشاركة المرأة كناخب ومرشح (حسب الضوابط الشرعية).
وتتيح انتخابات أعضاء المجالس البلدية للمواطنين فرصة المشاركة في صنع القرار من خلال اختيار ذوي الكفاءة والخبرة لإدارة الشؤون المحلية والخدمات البلدية، ويقوم مفهوم الانتخابات بصفة عامة على إدلاء مجموعة من المواطنين تتوافر فيهم الشروط اللازمة لممارسة حق الانتخاب بأصواتهم لصالح المرشحين الذي يحظون بتأييدهم، ضمن عملية منظمة وفق أنظمة الاقتراع المعتمدة. وتستمد انتخابات أعضاء المجالس البلدية أهميتها من مشاركة المواطنين للأجهزة الحكومية في إدارة الخدمات البلدية، إذ تعد هذه المشاركة عاملاً مساعدا في دعم القرار الحكومي بما يحقق مصلحة المواطنين، إضافة إلى ذلك فإن هذه المشاركة تجعل المواطنين في موقع المسؤولية المشتركة مع الجهات الرسمية، وهذا يزيد من مستوى الوعي والمبادرة لدى المواطنين.
وقد حرصت وزارة الشؤون البلدية والقروية السعودية على إطلاق تطبيق «انتخاب» للأجهزة الذكية يحتوي على الخدمات الإلكترونية واللوائح والقوائم وكافة التفاصيل المتعلقة في العملية الانتخابية.

* قيد الناخبين
تعد مرحلة قيد الناخبين التي تستمر لمدة (21) يومًا أولى المراحل العملية لإجراء الانتخابات، وفي هذه المرحلة يجري حصر وتسجيل من تنطبق عليهم شروط الانتخاب في سجلات مخصصة تسمى جداول قيد الناخبين، ويتم فيها قيد الناخبين خلال المدة المحددة في مراكز الانتخاب التي تنشأ في نطاق المجلس البلدي، ويصار بعد انتهاء مدة القيد إصدار جداول قيد الناخبين ونشرها لمدة محددة وبالشكل الذي يتيح الاطلاع عليها ويفتح مجال الطعن والتصحيح فيها. وتعد مرحلة قيد الناخبين بالنسبة للمواطن المتوافرة فيه الشروط اختيارية وليست إلزامية ومن يفقد فرصة القيد في المدة المحددة لا يحق له الترشح أو الاقتراع في يوم التصويت.

* تسجيل المرشحين
تتميز الدورة الثالثة، وللمرة الأولى بتزامن عملية قيد الناخبين مع تسجيل المرشحين وتستمر لمدة (17) يومًا إذ لا بد لممارسة حق الترشح أن يكون طالب الترشيح مقيدًا في جداول قيد الناخبين. وسيكون الترشح خلال الفترة المحددة ووفق إجراءات معينة تسبق إصدار قوائم المرشحين ونشرها في الدوائر الانتخابية بما يتيح الاطلاع عليها ويفتح باب الطعن والتصحيح فيها ثم تنشر بشكلها النهائي.
حملات الدعاية الانتخابية للمرشحين
وهي المرحلة قبل الأخيرة وتبدأ بعد نشر القوائم النهائية لأسماء المرشحين وتستمر لمدة (12) يومًا حيث يفتح المجال للمرشحين المقبولين لبدء حملاتهم الانتخابية وتعريف الناخبين بهم وببرامجهم الانتخابية وأفكارهم وتطلعاتهم وخططهم المستقبلية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يبدأ أي مرشح حملته الانتخابية أو الإعلان عن ترشيح نفسه قبل إعلان القوائم النهائية لأسماء المرشحين. ولهذه الحملات أهمية بالنسبة للمرشحين وللناخبين في آن واحد فهي تعطي الفرصة للناخب ليقرر من هو المرشح الأنسب الذي يرى فيه العناصر التي تجعله صالحًا لعضوية المجلس البلدي، ومن ناحية أخرى فهي فرصة لقيام المرشح بإيصال رسالته للناخبين وتعريفهم بنفسه للحصول على تأييدهم له يوم الاقتراع.

* خلفيات عن الانتخابات البلدية
* تُعقد الانتخابات البلدية في المملكة العربية السعودية مرة كل أربع سنوات، وتتيح للمواطنين المشاركة في إدارة شئون المجالس البلدية واختيار أعضائها من الأكفاء، حيث ينص نظام البلديات والقرى الصادر بالمرسوم الملكي رقم 5-م في 21-2-1397هـ (10 فبراير/شباط 1977) في مادته التاسعة على أنه «يتم اختيار نصف الأعضاء بالانتخاب، ويختار وزير الشؤون البلدية والقروية النصف الآخر من ذوي الكفاءة والأهلية». كما تنصّ المادة العاشرة منه على أن «يختار المجلس البلدي رئيسه ونائبه من بين أعضائه بصفة دورية لمدة سنتين قابلة للتجديد، وإذا تساوت الأصوات بين المرشحين فيعتبر قرار وزير الشؤون البلدية والقروية مرجحًا».



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.