اتهامات لـ«إيغاد» بالسعي إلى نزع شرعية البرهان

تأييد مدني لمقررات اجتماع الرباعية و«الخارجية» تهدد بالانسحاب من المنظمة

رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد ورئيس كينيا وليام روتو خلال اجتماع "ايغاد" الإثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد ورئيس كينيا وليام روتو خلال اجتماع "ايغاد" الإثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

اتهامات لـ«إيغاد» بالسعي إلى نزع شرعية البرهان

رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد ورئيس كينيا وليام روتو خلال اجتماع "ايغاد" الإثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد ورئيس كينيا وليام روتو خلال اجتماع "ايغاد" الإثنين (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وضعت «الهيئة الحكومية للتنمية في أفريقيا» (إيغاد)، المعنية بالسلام في القرن الأفريقي، وبحضور دولي وإقليمي لافت، «النقاط على الأحرف» لعملية إقليمية ودولية واسعة تهدف إلى إيقاف الحرب واستعادة السلم في السودان، والعودة للانتقال المدني الديمقراطي الذي أجهضه انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وقضت عليه الحرب بين الجنرالين، قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو.

وبينما وجدت مقررات الاجتماع تأييداً مدنياً واسعاً، فإن الخارجية السودانية التي تتحدث باسم الجيش عدّته انتهاكاً للسيادة، وهددت بإعادة النظر في عضويتها بمنظمة «إيغاد».

وأطلقت «إيغاد» في 14 يونيو (حزيران) الماضي مبادرة لوقف الحرب السودان، تضمنت تكوين لجنة رباعية برئاسة كينيا، وعضوية رئيس الدورة الحالية الحالية لـ«إيغاد» (جيبوتي)، وإثيوبيا وجنوب السودان، ولقاءً مباشراً بين كل من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، وأن تبدأ الهيئة خلال ثلاثة أسابيع إدارة حوار وطني بين القوى المدنية السودانية لحل الأزمة في البلاد.

لكن الجيش السوداني اعترض على ترؤس الرئيس الكيني وليام روتو اللجنة، واشترط لقبولها أن تكون برئاسة رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت. وطالبت الخارجية السودانية وقتها بحذف أي إشارة تخرج القضية من وساطة «إيغاد» ومن البيت الأفريقي، في حين دعت قوات «الدعم السريع» إلى توحيد المنابر، مبدية التزامها بمنبر جدة التفاوضي الذي ترعاه المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية.

بيد أن «إيغاد» لم ترد على طلب السودان، وواصلت أعمالها باجتماع الرباعية الأفريقية في أديس أبابا الاثنين، برئاسة كينيا، وبحضور كل من مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية مولي فيي، والمملكة العربية السعودية، والأمم المتحدة، والإمارات، ومصر، وبريطانيا، وأعقب الاجتماع لقاءات بين المشاركين مع ممثلين عن المجتمع المدني السوداني، على الرغم من رفض وفد الجيش السوداني المشاركة في الاجتماعات مع أنه كلن حاضراً في أديس أبابا.

وقالت الخارجية السودانية إنها فوجئت بإبقاء روتو رئيساً للرباعية ورفض طلبها الذي وجهته لرئيس «إيغاد»، الرئيس عمر جيلي، واتهمته بعدم الحياد وبإيواء من تسيمهم «قادة المتمردين». وظل الوفد السوداني في أديس أبابا حتى انتهى اجتماع الرباعية من دون أن يشارك فيه.

«الدعم» تؤيد

من جهتها، أعلنت قوات «الدعم السريع» تأييدها لما توصل له الاجتماع، وعدّته تمهيداً لوقف الحرب ومعالجة جذور الأزمة السودانية وعودة الحكم المدني الديموقراطي وخروج المؤسسة العسكرية من العمل السياسي.

ووصف بيان «الدعم السريع» مقاطعة وفد القوات المسلحة بأنه مجرد «ذرائع واهية»، وقال: إنه تصرف غير مسؤول يكشف عن أن القرار داخل المؤسسة العسكرية مختطف، وأن هناك مراكز متعددة لاتخاذ القرار، تسعى لإطالة أمد الحرب وعرقلة المساعي الحميدة. وتابع البيان أن «مقاطعة وفد القوات المسلحة يأتي ضمن نهج النظام البائد المتطرف الذي بسببه تعرض السودان إلى أكبر عزلة إقليمية ودولية في تاريخه، وإلى عقوبات تركت آثاراً سلبية في مناحي الحياة كافة في البلاد».

أحد عناصر «الدعم السريع» بموقع قيادة قوات الدفاع الجوي المدمر في الخرطوم الشهر الماضي (رويترز)

وأكدت اجتماعات الرباعية في بيانها الختامي، على عدم وجود «حل عسكري» للصراع في السودان، وحثت أصحاب المصلحة للدفع إلى عقد لقاء مباشر بين قادة الأطراف المتحاربة، والوقف الفوري للعنف، وتوقيع اتفاق غير مشروط وغير محدد لإطلاق النار، من خلال اتفاق لوقف الأعمال العدائية، مدعوم بآلية إنفاذ ومراقبة فعالة، فضلاً عن اتخاذ خطوات ملموسة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

وطلبت دول المجموعة الأفريقية عقد اجتماع لقمة القوة الاحتياطية لشرق أفريقيا؛ للنظر في إمكان نشر هذه القوة لحماية المدنيين ووصول المساعدات الإنسانية، وهي إشارة إلى إمكان التدخل المباشر حال تعثر طرفي القتال في الوصول لاتفاق، كما دعت ما أسمتها «الجهات الفاعلة» للانخراط في حوار سلام شامل للجميع يملكه ويقوده السودانيون من أجل تحقيق سلام مستدام.

وجاءت التصريحات المنفردة التي أعقبت اجتماع الرباعية، لكل من الرئيس الكيني وليام روتو، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وكلاهما من الفاعلين الكبار في الاتحاد الأفريقي، لتزيد من احتمالات «التدخل» العسكري الأفريقي المباشر للفصل بين القوات المتحاربة في السودان. فرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، طالب باتخاذ إجراءات فورية في السودان، تشمل فرض منطقة حظر طيران ونزع المدفعية الثقيلة، في حين قال وليام روتو في مؤتمر صحافي: إن الوضع في السودان يتطلب بشكل عاجل «قيادة جديدة» قادرة على إخراج السودان من الكارثة الإنسانية.

مبنى مدمر في أمدرمان مع استمرار الاشتباكات بين الجيش و«الدعم السريع» (رويترز)

وفي أول رد فعل على ما خرجت به اجتماعات الرباعية الأفريقية، رفضت الخارجية السودانية نشر أي قوات أجنبيه في السودان، وقالت: إنها ستعدّها قوات معتدية، واستنكرت تصريحات الرئيس الكيني التي عدّ بموجبها السودان في حاجة إلى «قيادة جديدة»، كما أبدت الخارجية دهشتها، وفقاً للتصريح الصحافي، من تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي، والتي ذكر فيها أن هناك فراغاً في قيادة الدولة، واستنكرت دعوات لفرض حظر جوي ونزع المدفعية الثقيلة، بما يخالف ما أسمته «تفاهماته المباشرة القائمة مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة»، وأضافت: «تعدّ حكومة السودان التصريحات أعلاه مساساً بسيادة الدولة السودانية، وهو أمر مرفوض».

«الخارجية» تتوعد

وتوعدت الخارجية السودانية بإعادة النظر في عضويتها بمنظمة «إيغاد»، وقالت وفقاً للتصريح: «تفيد حكومة السودان منظمة (إيغاد) بأن عدم احترام الدول الأعضاء، سيجعل من حكومة السودان تعيد النظر في جدوى عضويتها في المنظمة».

وصدرت ردود فعلية شعبية على ما تمخض عنه اجتماع أديس أبابا. وأبدى «حزب المؤتمر الشعبي»، وهو أحد أطراف العملية السياسية التي أجهضتها الحرب، ومن الموقّعين على الاتفاق الإطاري، تحفظه على المبادرات الخارجية، عادّاً أن الجهود الدولية والإقليمية لتسوية النزاعات في السودان من قبل لم يكتب لها النجاح، ودعا القوى السياسية الوطنية لقيادة مبادرة تستفيد من التيسير الدولي للوصول لتسوية عاجلة توقف الحرب، ودعا لما أسماها «مائدة مستديرة» لحل الأزمة، وحذر من تحول المبادرات والوساطات إلى «تظاهرة سياسية» تستهلك الوقت على حساب الشعب.

سيناريوهات كارثية

وقال المتحدث باسم «تحالف الحرية والتغيير»، خالد عمر يوسف، في تصريحات صحافية: إن استمرار الحرب لوقت طويل سيدخل البلاد في سيناريوهات كارثية أقربها حدوثاً تحولها حرباً أهلية تقسم البلاد وتفتتها، وتابع متهماً النظام السابق: «المؤتمر الوطني هو الطرف السياسي الوحيد الذي لديه مصلحة في استمرار الحرب بغرض عودته للسلطة»، وحذّر من محاولته «تصفية قوى الثورة المدنية».

من جهتهم، فإن الموالين للجيش السوداني، سارعوا لشن حملة إعلامية ضد «إيغاد» وضد قادة دولها، وطالبوا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع كل من إثيوبيا وكينيا، وطرد سفيريهما لدى البلاد. وحذّر الكاتب الموالي للمؤتمر الوطني، يوسف عبد المنان، في تغريدة متداولة، من أن «(إيغاد) حاولت نزع شرعية البرهان، وعدّه ممثلاً للجيش فقط». وأضاف: «هي خطوة لها ما بعدها من مخطط لفصل كردفان ودارفور عن بقية السودان، وجعل الأبيّض عاصمة لحكومة الشركاء و(الدعم السريع)، على الطريقة الليبية، وتكوين حكومة منفى برئاسة عبد الله حمدوك والبحث عن مشروعية دولية لها».


مقالات ذات صلة

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

شمال افريقيا وزارة الخزانة الأميركية (رويترز) p-circle

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

أظهر منشور على موقع وزارة الخزانة الأميركية، اليوم (الجمعة)، أن الولايات المتحدة أصدرت عقوبات جديدة مرتبطة بالسودان، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

تصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة في السودان، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي مع دخول الحرب عامها الرابع.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

رغم الجهود المتواصلة لإنهاء الحرب في السودان، فإنها تدخل عامها الرابع دون مؤشرات تدل على وجود أي رغبة من طرفيها الجيش و«الدعم السريع» في التوصل لحل سلمي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

مستشار لترمب: لا ننحاز لأحد في حرب السودان ونركّز على الجانب الإنساني

قال مسعد ​بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية اليوم الأربعاء، إن الولايات المتحدة ‌لا ‌تنحاز ​لأي ‌طرف ⁠في ​الحرب الدائرة ⁠في السودان.

«الشرق الأوسط» (برلين - الخرطوم)
شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.