ما جدوى مناورة إردوغان بورقة «الأوروبي» لقبول السويد في الناتو؟

تركيا واليونان أغلقتا صفحة التوتر بالاتفاق على العودة للحوار والتعاون

إردوغان يغادر مؤتمراً صحافياً في قمة «الناتو» الأربعاء (أ.ب)
إردوغان يغادر مؤتمراً صحافياً في قمة «الناتو» الأربعاء (أ.ب)
TT

ما جدوى مناورة إردوغان بورقة «الأوروبي» لقبول السويد في الناتو؟

إردوغان يغادر مؤتمراً صحافياً في قمة «الناتو» الأربعاء (أ.ب)
إردوغان يغادر مؤتمراً صحافياً في قمة «الناتو» الأربعاء (أ.ب)

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الأربعاء، إن تركيا لن تتمكن من المصادقة على عضوية السويد في حلف شمال الأطلسي (ناتو) قبل أكتوبر (تشرين الأول) على أقرب تقدير؛ لأن البرلمان لن ينعقد قبل هذا التاريخ. وأوضح: «لدينا عطلة برلمانية مدتها شهران»، مضيفاً أن «ثمة الكثير من المقترحات التشريعية (الأخرى) لمناقشتها» بمجرد عودة النواب في أكتوبر. وأضاف: «ثمة العديد من الاتفاقات الدولية والعديد من المقترحات التشريعية التي تحتاج إلى مناقشة. سننظر فيها وفق أهميتها. لكن هدفنا هو إنهاء هذه العملية في أقرب وقت ممكن». وتابع: «عندما يستأنف البرلمان جلساته، أظن أن رئيسه سيوافق على إعطاء الأولوية لهذه المسألة».

ولا يزال الجدل يتصاعد حول موافقة إردوغان المفاجئة على عضوية السويد في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، لا سيما بسبب ربطه بين انضمام الدولة الاسكندنافية وإحياء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي التي اعتبرها البعض «مناورة غير مجدية».

وكشفت مصادر تركية مطّلعة عن أن أنقرة طالبت واشنطن قبل قمة الناتو بدعم «تسريع مفاوضات عضويتها في الاتحاد الأوروبي»، وأنه تمّ بناء على ذلك صياغة خريطة طريق جديدة للمفاوضات.

التوجه إلى الغرب

ذكرت صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية، الأربعاء، نقلاً عن مصادر لم تحددها بالأسماء، أنه «قبل بدء قمة فيلنيوس، أبلغ وزير الخارجية هاكان فيدان نظيره الأميركي أنتوني بلينكن بأن تركيا ستضع قضية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على رأس جدول أعمالها. وأن بلينكن، الذي دعم عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي خلال إدارة كلينتون، جدد دعمه للقضية».

وأضافت المصادر أنه بعد المحادثات الهاتفية بين وزيري الخارجية، نقل الرئيس إردوغان الرسالة، مجدداً، إلى الرئيس جو بايدن خلال اتصال هاتفي الأحد، وأعلن بايدن أنه سيدعم سياسة تركيا في هذا الأمر، وأنه تم على أساس ذلك صياغة «خريطة طريق» جديدة للمفاوضات.

وقبل توجّهه الاثنين إلى فيلنيوس، قال إردوغان: «منذ أكثر من 50 عاماً تركيا تنتظر على أبواب أوروبا، ومعظم دول الاتحاد الأوروبي باتوا أعضاء في الناتو... أقول لهذه الدول هنا، وسأقولها في القمة، تعالوا وافتحوا الأبواب أمام انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، ونحن نفتح الباب أمام السويد للانضمام للحلف كما فتحنا الباب أمام فنلندا، وهذا ما قلته للرئيس الأميركي جو بايدن بالمحادثة الهاتفية أمس (الأحد)، وما سأقوله في القمة».

انتقادات من المعارضة

وأثار ربط إردوغان بين انضمام السويد للناتو وإحياء مفاوضات تركيا مع الاتحاد الأوروبي انتقادات حادة من جانب المعارضة التركية، لا سيما بعد تصريحات المسؤولين الأوروبيين التي أكدت عدم ارتباط القضيتين.

وهاجم رئيس «حزب الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية، كمال كليتشدار أوغلو، إعلان إردوغان الموافقة على طلب السويد، قائلاً إن «تركيا قالت إنها لا تقبل عضوية السويد بسبب دعمها للتنظيمات الإرهابية. السويد لم تتراجع. ماذا حدث بعد ذلك؟ اتصل بايدن بإردوغان، فتحول موقف إردوغان تحول 180 درجة».

وأضاف أن «الذريعة التي استخدمتها هي أن السويد ستدعمنا في الاتحاد الأوروبي»، متابعاً: «إذا كنت لا تفي بالمعايير الديمقراطية للاتحاد، فلن يسمحوا لك بعضويته، إنه الناتو وليس الاتحاد الأوروبي. انظروا إلى الدولة التي وصلنا إليها. أنتم تصنعون سياسة خارجية تقوم على أكاذيب... هذا غير مقبول».

وسخر المتحدث باسم «حزب العدالة والتنمية» الحاكم عمر تشيليك، من انتقادات كليتشدار أوغلو، عبر «تويتر»، الأربعاء، قائلا إنها «مثال على الكوميديا السياسية لشخص تتم مناقشة قدرته على إدارة حزبه، بينما يشكّك في قدرة رئيسنا على إدارة الدولة، التي تحظى بتقدير الشعب التركي في كل انتخابات».

لماذا ورقة أوروبا؟

تساءلت الكاتبة المحللة السياسية سيربيل يلماظ عن أسباب طرح إردوغان ورقة مفاوضات الانضمام للاتحاد عشية قمة الناتو، وأجابت: «سينكشف صدق نوايا إردوغان في تجديد زواجه من الغرب، القائم على البدء في المفاوضات المجمدة لتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي الموقعة مع الاتحاد عام 1995، فقط عندما يتحدث الاتحاد عن القيم والقوانين الأوروبية».

وعدّت أن تصريح إردوغان عن الربط بين الموافقة على عضوية السويد بالناتو وإحياء المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي هي بمثابة «مناورة غير مجدية»، حيث ترفع تركيا يدها ضد الاتحاد، أو يقوم إردوغان بتحديث موقفه من أجل الحصول على شريحة أكبر من الكعكة المالية الغربية، بينما «يجتهد في اختبار كرم الجيران في الشرق الأوسط مع تركيا».

ورأت أنه بينما تقتصر قضية تركيا مع السويد على علاقتها بالإرهاب وتسليم أعضاء «حزب العمال الكردستاني»، يمكن تقييم إدراج عضوية الاتحاد الأوروبي في «مفاوضات الناتو» من وجهات نظر مختلفة، وستتم قراءة ذلك على أنه «نهج يؤكد عدم قدرة إردوغان على التنبؤ بالسياسة الخارجية».

بدوره، قال الكاتب التركي المتخصص في الشؤون الخارجية، محمد يلماظ، إنه بغض النظر عن محاولة وسائل الإعلام التابعة لحزب العدالة والتنمية تصوير يأس إردوغان على أنه «نجاح دبلوماسي»، فالحقيقة هي أن إردوغان ليس لديه أي نية للانضمام إلى التكتل. ولفت إلى أن الوحيد الذي رد بشكل إيجابي على طلب تركيا إحياء مفاوضاتها مع الاتحاد كان الأمين العام للناتو، ينس ستولتنبرغ، الذي لا يملك أي سلطة ولا أي واجب فيما يتعلق بالاتحاد. بينما قال المستشار الألماني، أولاف شولتس، إن ملف انضمام السويد إلى الناتو وانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي قضيتان غير مرتبطتين. وأضاف يلماظ أن «باب الاتحاد مفتوح أمام تركيا منذ عام 2005، وبالطبع يعلم إردوغان ذلك».

تقارب تركيا واليونان

في مسعى لترسيخ التوجه التركي الجديد بالتقارب مع الغرب، التقى إردوغان رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس على هامش قمة فيلنيوس، الأربعاء. وكان الرئيس التركي قد أعلن، العام الماضي، إلغاء اجتماعات المجلس الاستراتيجي للعلاقات بين البلدين، واعتبر أن ميتسوتاكيس «انتهى بالنسبة له» على خلفية موقفه من بيع أميركا مقاتلات «إف 16» لتركيا، ومطالبته أمام الكونغرس خلال زيارة لأميركا في يونيو (حزيران) من العام الماضي، بوضع التوتر في شرق البحر المتوسط وبحر إيجه في عين الاعتبار عند مناقشة الصفقة.

وقالت الرئاسة التركية، في بيان حول اللقاء، إن إردوغان وميتسوتاكيس اتفقا على تفعيل قنوات الاتصال المتعددة بين البلدين، واصفة أجواء اللقاء بـ« الجيدة». وأضاف البيان أن إردوغان وميتسوتاكيس اتفقا على عقد اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين في مدينة سالونيك اليونانية الخريف المقبل، وتم تكليف وزيري الخارجية بالبلدين بتوجيه المرحلة وتقديم تقارير عن التقدم المحرز. وأكد الجانبان عزمهما على إجراء المزيد من الاتصالات على جميع المستويات من أجل خلق مناخ من الثقة والظروف المناسبة لتحسين العلاقات التركية - اليونانية. كما أفاد بيان لوزارة الدفاع التركية، بشأن لقاء وزير الدفاع التركي يشار غولر ونظيره اليوناني نيكوس ديندياس في فيلنيوس الأربعاء، على هامش قمة الناتو، بأن الوزيرين اتفقا على استئناف اجتماعات بناء الثقة بين البلدين، التي يرعاها «الناتو». ولا شك أن تضامن اليونان مع تركيا في كارثة زلزالي 6 فبراير (شباط) الماضي، أسهم في فتح الطريق أمام الحوار حول القضايا المزمنة العالقة بينهما مجدداً.

واستحدث «الناتو» في عام 2020 آلية لفض النزاعات في بحر إيجه وشرق المتوسط، عقدت 5 اجتماعات لوفود عسكرية من تركيا واليونان، لبحث وثيقة تنصّ على حزمة إجراءات لبناء الثقة بين البلدين، ومنع الحوادث غير المرغوب فيها، وإنشاء خط اتصال. وتم في هذا الإطار إلغاء بعض المناورات من قبل الجانبين بشكل متبادل.

وقال وزير الخارجية اليوناني يورغوس يرابيتريتيس، خلال عرض برنامج الحكومة اليونانية الجديدة أمام البرلمان، السبت، إن تأجيل حلّ الخلافات مع تركيا لا يفيد، وإن بلاده ترغب في زيادة الحوار والتعاون معها بهدف تشكيل أجندة إيجابية مع تدابير بناء الثقة وزيادة التعاون الاقتصادي.


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة تهدد بمعارضة سيادة بريطانيا على جزر فوكلاند

الولايات المتحدة​ رجل يعلق علم جزر فوكلاند في مدينة ستانلي (أرشيف - رويترز)

الولايات المتحدة تهدد بمعارضة سيادة بريطانيا على جزر فوكلاند

كشف تقرير لصحيفة «التلغراف» البريطانية أن الولايات المتحدة هددت بمعارضة سيادة بريطانيا على جزر فوكلاند.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)

من إيران إلى موسكو... هل تعيد واشنطن ترميم ردعها الأطلسي؟

هل تعيد واشنطن ترميم ردعها الأطلسي؟... تحذر موسكو سراً من اختبار الحلف، بينما تناقش علناً تقليص وجودها العسكري في أوروبا.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا ترمب وبوتين خلال لقاء جمعهما في ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)

ترمب: روسيا لن تهاجم أراضي «الناتو»

دحض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تقارير إعلامية بشأن قلق واشنطن من إقدام موسكو على مهاجمة دول أوروبية، مؤكداً أنه أجرى «محادثات جيّدة» مع نظيره الروسي فلاديمير

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)

ترمب يؤكد أنّ روسيا «لن تهاجم أراضي» حلف شمال الأطلسي

ترمب يؤكد أنّ روسيا «لن تهاجم أراضي» حلف شمال الأطلسي وروسيا تستهدف كييف ومدناً أخرى بأسراب من المسيرات والصواريخ في هجوم يختبر دفاعات أوكرانيا

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع لسؤال أحد الصحافيين في مكتب البيضاوي (أ.ب)

ترمب يؤكد: روسيا «لن تهاجم أراضي» حلف الناتو

أكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن روسيا «لن تهاجم» أراضي دول حلف (الناتو)، داحضاً تقارير إعلامية بشأن قلق واشنطن من إقدام موسكو على خطوة من هذا القبيل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الشاباك» يؤكد إعادة نجل نتنياهو من أميركا بسبب «تهديد كبير»

بنيامين نتنياهو وإلى جانبه نجله يائير (أرشيفية - أ.ب)
بنيامين نتنياهو وإلى جانبه نجله يائير (أرشيفية - أ.ب)
TT

«الشاباك» يؤكد إعادة نجل نتنياهو من أميركا بسبب «تهديد كبير»

بنيامين نتنياهو وإلى جانبه نجله يائير (أرشيفية - أ.ب)
بنيامين نتنياهو وإلى جانبه نجله يائير (أرشيفية - أ.ب)

عاد نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إسرائيل قادماً من الولايات المتحدة بسبب تهديد، حسبما قال جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) يوم السبت.

ونقلت «وكالة الأنباء الألمانية» عن جهاز الشاباك قوله إنه كان هناك «تهديد كبير لإلحاق الأذى» بيائير نتنياهو.

وتابع: «في ضوء ذلك وبعد إجراء تقييم، تم اتخاذ قرار بالتعاون مع الفريق الأمني لإجلائه بشكل عاجل وإعادته إلى إسرائيل».

ولم يحدد الجهاز مصدر التهديد.

وذكرت شبكة نيوزماكس التلفزيونية الأميركية في وقت سابق من هذا الأسبوع أن يائير نتنياهو كان هدفاً لمؤامرة اغتيال إيرانية مزعومة أثناء إقامته في ميامي.

وذكرت الشبكة التلفزيونية، نقلاً عن مسؤول في إنفاذ القانون الأميركي، أن الاستخبارات الإسرائيلية علمت بالمؤامرة في ديسمبر (كانون الأول) وأبلغت السلطات الأميركية.

وذكرت «نيوزماكس» أن يائير نتنياهو، الذي كانت ترافقه باستمرار حراسة أمنية إسرائيلية، صدرت له الأوامر بمغادرة المنطقة على الفور. وقد غادر دون أخذ أمتعته الشخصية وعاد مباشرة إلى إسرائيل، حيث يعيش الآن.

وكانت نتنياهو قد صرَّح يوم الاثنين الماضي بأن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه. جاء ذلك بعد أن هاجم مساعدو نتنياهو وأنصاره في «القناة 14» اليمينية خصومهم الذين ينتقدون طلبه فرض حراسة على عائلته طيلة حياته.

وبحسب مؤيدي نتنياهو، فإن رئيس الحكومة وجميع أفراد عائلته مهددون بالقتل من الأعداء في البلاد ومن إيران.

وقال نتنياهو: «هناك أمر لا يُصدق. إيران استهدفت أحد أبنائي، وحاولت اغتيال أحد أبنائي». وربط نتنياهو ذلك بترتيبات الحراسة المفروضة على أفراد عائلته، وقال إن «هذه الحراسة ليست ترفاً، ومن دونها سينجحون»، مضيفاً أنه «يجب التحلي بضبط النفس أيضاً خلال فترة الانتخابات».

بيد أن هذا الكشف لم يُقبل كما هو حتى في إسرائيل نفسها؛ إذ شكّك كثير من الإسرائيليين فيه، وعبّروا عن اعتقادهم بأن هذه طريقة معروفة في الدعاية الانتخابية.

ولنتنياهو ثلاثة أنجال: ابنة متدينة تعيش في حي ديني في القدس بعيداً عن الأضواء، وهي من زوجة نتنياهو الأولى، وهو يقاطعها تقريباً، وولدان آخران، الكبير يائير الذي كان يعيش منذ ثلاث سنوات في ميامي الأميركية، والثاني أفنير الذي يعيش في لندن. وكلاهما، مثل والديهما سارة وبنيامين نتنياهو، يحظى بحراسة دائمة.

وفي أواسط الشهر الماضي، اتخذت المخابرات العامة قراراً أثار جدلاً واسعاً في إسرائيل بسبب كلفته المرتفعة، بمنح الزوجة سارة حماية أمنية تستمر حتى وفاة زوجها. وقد صدر القرار عن اللجنة الوزارية لشؤون الأمن.

وتبين أن القرار اتخذ بطلب مُلِّح من سارة نتنياهو التي تخشى على حياة أفراد العائلة، من أن يؤدي فقدان الحماية الأمنية في حال خسارته الانتخابات المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، إلى تعرضهم لمحاولات اغتيال.


اقتصاد إيران تحت ضغط الحصار والحرب

عناصر من مشاة البحرية الأميركية يزودون طائرة "إم في-22 أوسبري" في الشرق الأوسط أمس (سنتكوم)
عناصر من مشاة البحرية الأميركية يزودون طائرة "إم في-22 أوسبري" في الشرق الأوسط أمس (سنتكوم)
TT

اقتصاد إيران تحت ضغط الحصار والحرب

عناصر من مشاة البحرية الأميركية يزودون طائرة "إم في-22 أوسبري" في الشرق الأوسط أمس (سنتكوم)
عناصر من مشاة البحرية الأميركية يزودون طائرة "إم في-22 أوسبري" في الشرق الأوسط أمس (سنتكوم)

أقر القادة الإيرانيون بالضغوط والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحصار البحري والحرب مع الولايات المتحدة؛ إذ أفاد رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان بأن التجارة الخارجية تقلّصت بنحو الثلث بسبب العقوبات الأميركية والحصار البحري الذي تفرضه واشنطن على إيران، في حين دعا المرشد مجتبى خامنئي الحكومة إلى التعامل مع هذه التحديات.

وجاءت رسالة خامنئي بعد تصريحات لبزشكيان، ورئيس البنك المركزي عبد الناصر همتي، أقرا فيها بتأثير الحصار البحري، وتحدثا عن توقف مبيعات نفطية وصعوبات في استيراد البنزين.

وأعلن بزشكيان أن الصادرات والواردات الإيرانية تراجعت بنسبة تقارب 35 في المائة بسبب الحصار، قائلاً: «نحن في حالة حرب، ويجب أن نتقبّل الظروف التي تفرضها الحرب»، مضيفاً أن أسعار البنزين ينبغي أن ترتفع لـ«مواكبة تراجع حركة التجارة». وتابع: «يجب أن نرفع سعر الشريحة الثالثة من حصة البنزين، على سبيل المثال، من خمسة آلاف تومان إلى عشرة آلاف».

من جانبه، أقر خامنئي بأن الإجراءات الأميركية «لم تكن بلا تأثير في الأوضاع الراهنة»، ودعا إلى جعل سياسات «الاقتصاد المقاوم» محوراً للسياسة الاقتصادية للدولة، وإلى ما سمّاه «الإسقاط التدريجي للدولار» من مستوى دوره الحالي في الاقتصاد.

وتلقفت الحكومة تصريح خامنئي، وأعلنت، أمس، أن معالجة الضغوط الاقتصادية تمثّل أولوية رئيسية، بما في ذلك تقليص الاعتماد على الدولار تدريجياً.


تساؤلات حول آلية تنفيذ «عزلة عالمية كاملة» على إيران

نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً لترمب وعنواناً بالفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)
نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً لترمب وعنواناً بالفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)
TT

تساؤلات حول آلية تنفيذ «عزلة عالمية كاملة» على إيران

نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً لترمب وعنواناً بالفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)
نسخة من صحيفة «جامع جام» الإيرانية اليومية تحمل رسماً كاريكاتورياً لترمب وعنواناً بالفارسية: «نسخة العقوبات المكررة» (إ.ب.أ)

مع بداية الحرب على إيران في أواخر فبراير (شباط) توقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يستمر القتال ما بين «أربعة إلى خمسة أسابيع»، ثم عاد في نهاية مارس (آذار)، وقال إن الأمر سوف يستغرق «ربما أسبوعين، وربما بضعة أيام إضافية لإنجاز المهمة».

ومنذ ذلك الحين، ردد ترمب أن الولايات المتحدة قد انتصرت.

وهدد ترمب، بين الحين والآخر، بشن هجمات أكثر تدميراً على إيران، لكنه تراجع عن ذلك بسبب افتقار الجيش الأميركي إلى الصواريخ الاعتراضية الدفاعية اللازمة لحماية حلفاء واشنطن وقواعدها العسكرية في المنطقة. وبعد تراجع ترمب عن التصعيد العسكري، لجأ مؤخراً إلى فرض ضغوط اقتصادية بهدف إخضاع القيادة الإيرانية، لكن مراقبين تساءلوا حول آلية تنفيذ «عزلة اقتصادية عالمية كاملة» على إيران.

والآن بعد نحو 6 شهور من اندلاع الحرب، يقول جيمس ليندسي، وهو زميل متميز في السياسة الخارجية الأميركية بمجلس العلاقات الخارجية الأمير، إنه لا نهاية لهذا الصراع تلوح في الأفق، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية». وأضاف ليندسي في تحليل نشره المجلس أن «الواقع مختلف»؛ إذ لم يشهد النظام الإيراني انهياراً، ولم يستسلم، رغم الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية المكثفة التي قتلت عدداً كبيراً من قادة إيران، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية العسكرية.

ولا يزال وقف إطلاق النار الهش، الذي تم الاتفاق عليه في أبريل (نيسان) صامداً «إلا أن حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز ما زالت أقل كثيراً من مستوياتها قبل الحرب».

وكشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، يوم الاثنين الماضي، عن عملية «المنبوذ الاقتصادي»، لعزل إيران مالياً واقتصادياً. وتعتمد الخطة بشكل كبير على التهديد بمعاقبة الدول التي ترفض طواعية «تضييق الخناق» على إيران، بدلاً من اتخاذ خطوات لإجبارها على ذلك.

وهناك سبب وجيه وراء هذا النهج، حيث إن ما يُعرف «بالعقوبات الثانوية» التي تقترحها واشنطن، قد تؤدي، بحسب تعبير بيسنت، إلى «تفجير النظام المالي العالمي».

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين يوم 6 مايو 2026 (أ.ب)

لكن ليندسي أشار إلى أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، وقد دفعت بالفعل إدارة ترمب إلى التخلي عن فرض رسوم جمركية باهظة على السلع الصينية، من خلال التهديد بمنع وصول الولايات المتحدة إلى المعادن الحيوية النادرة.

ومن المقرر أن يزور الرئيس الصيني شي جين بينغ البيت الأبيض الشهر المقبل. وأكد ليندسي أن احتمال اضطراب الاقتصاد العالمي وإثارة أزمة دبلوماسية مع الصين هما السببان وراء تشكيك كثير من الخبراء في أن تمضي الإدارة الأميركية قدماً في تنفيذ تهديدها بفرض «عزلة عالمية كاملة» على إيران.

وأضاف ليندسي أنه من أجل فهم استراتيجية إدارة ترمب بشكل أفضل، ومعرفة ما إذا كانت تتخلى عن الدور الأميركي الذي كان مهيمنا في الخليج يوماً ما، أجرى حواراً مع زميل له في مجلس العلاقات الخارجية، ستيفن كوك. ويرى المحللان أنه ليس أمام إدارة ترمب سوى «الأمل في أن يؤدي الحصار البحري إلى تعميق تأثير العقوبات الأميركية القائمة، وإجبار القيادة الإيرانية على طلب التفاوض».

وأوضح المحللان أن هذا الطرح يفترض أن يتمكن الشعب الإيراني من ممارسة ضغوط سياسية مؤثرة على قيادته، ولكن «القادة المتشددين في إيران أظهروا بالفعل استعداداً قاسياً لاستخدام القوة المميتة ضد أي إيرانيين يخرجون إلى الشوارع بهدف الاحتجاج».

ورجح ليندسي وزميله كوك أن يتراجع الوجود العسكري الأميركي في الخليج خلال السنوات المقبلة، فيما قال ليندسي إنه على مدار سنوات دعا صناع السياسات والخبراء إلى ضرورة أن تقلص الولايات المتحدة دورها في الشرق الأوسط. وخلال الأشهر الأخيرة، رأى ستيفن كوك وخبراء آخرون في شؤون الشرق الأوسط» أن هذه العملية «بدأت بالفعل، مع إسهام الحرب مع إيران في بلورة نظام إقليمي جديد».