جزائريون يواجهون الطرد من منازلهم بسبب دعاوى ورثة فرنسيين

سكان متضررون: أخذنا أملاكاً من محتلٍ اغتصب أرضنا

TT

جزائريون يواجهون الطرد من منازلهم بسبب دعاوى ورثة فرنسيين

مبنى المحكمة العليا (الشرق الأوسط)
مبنى المحكمة العليا (الشرق الأوسط)

في يونيو (حزيران) من سنة 2016 أبلغت محكمة بوهران، كبرى مدن الغرب الجزائري، سكان عمارة بوسط المدينة بقرار إخلاء شققهم، بحجة أنها ملك لفرنسيين ولدا في الجزائر وغادراها في بداية الاستقلال. كما أطلق في العاصمة عدد من الفرنسيين إجراءات قضائية لاستعادة عمارة توجد في أكبر شوارع المدينة، يقيم بها منذ سنين أطر وزارة الخارجية الجزائرية.

ويطلق على أصحاب مسعى استعادة الأملاك العقارية، التي تعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي بالجزائر (1830 - 1962)، «الأقدام السوداء»، وهم فرنسيون ولدوا بالجزائر، لكنهم غادروها بعد إعلان نتائج استفتاء تقرير المصير الذي نظم في الثالث من يوليو (تموز) 1962، وقد ترك الآلاف منهم مباني وأراضي زراعية وشركات، صادرتها الحكومة الجزائرية الناشئة، واستولى عليها لاحقاً كبار المسؤولين آنذاك، شارك كثير منهم في حرب التحرير ضد الاستعمار. وقد أعطت الحكومة وقتها مهلة لـ«الأقدام السوداء» لتثبيت وتأكيد ملكيتهم للعقارات والأراضي، لكن عدداً قليلاً منهم تقيد بالإجراءات، حيث كانت الأغلبية تتخوف من الظروف الأمنية الجديدة التي دخلت فيها البلاد، بعد حرب ضروس دامت 7 سنوات، وخلفت مئات الآلاف من القتلى. وقد نصت «اتفاقات إيفيان»، التي أفضت إلى الاستقلال، على أن كل فرنسي يمكنه أن يستعيد أملاكه في حال عاد بعد الاستقلال بفترة معينة، تحديداً حتى الفاتح من أكتوبر (تشرين الأول) 1963.

نزع أملاك «الحركى» بالقانون

وقع الرئيس الراحل أحمد بن بلة سنة 1963 مرسوماً ينص على تأميم المستثمرات الزراعية، التي يملكها «الأقدام السوداء». وقبل ذلك كان الرئيس قد أعلن عن وضع أملاك «الحركى»، وهم الجزائريون الذين تعاونوا مع الاستعمار ضد الثورة، تحت حماية الدولة، وذلك وفق مرسوم رئاسي، ما يعني مصادرتها. ولا يعرف إن كان القرار شمل «الحركى»، الذين بقوا في الجزائر، وإجمالي عددهم كان يتراوح وقتها ما بين 200 ألف و400 ألف، حسب مؤرخين جندتهم فرنسا في جيشها لمواجهة ثورة التحرير.

صورة أرشيفية لـ«الحركى» (الشرق الأوسط)

وبعد سنة 1963، أعلنت السلطات الجزائرية أن عقارات وأراضي وشركات الفرنسيين، «أملاك شاغرة» فباتت تحت تصرفها، وعلى هذا الأساس احتفظت بقطاع منها بعنوان «أملاك الدولة»، ومنحت قطاعاً آخر منها لوجهاء في النظام آنذاك. وفي زمن لاحق، سنت قانوناً يتيح لشاغلي «أملاك الدولة» تملّكها مقابل مبلغ تحدده مديريات أملاك الدولة التابعة لوزارة المالية.

لكن تحت إلحاح الحكومات الفرنسية المتعاقبة، التي طالبت بتمكين الفرنسيين، ممن بقوا أحياء، أو أبنائهم، من أملاكهم، أدخلت الجزائر تغييراً على تشريعاتها بهذا الخصوص في سياق الانفتاح الديمقراطي، الذي شهدته بعد انتفاضة الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) 1988. وبذلك ألغت «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني) عشرات القرارات الخاصة بوضع أملاك الفرنسيين تحت حماية الدولة، ما فتح المجال لعودتها إلى أصحابها. لكن على الأرض وجد عدة فرنسيين صعوبات في الدخول إلى أملاكهم من جديد.

«أملاك الأقدام السوداء» ملف سياسي

ظل «ملف أملاك الفرنسيين بالجزائر» موضع جدل بين البلدين منذ قرابة 60 سنة، وقد حمله معهم كل رؤساء فرنسا عندما زاروا الجزائر. لكن لم ينجح جاك شيراك (2003)، ولا نيكولا ساركوزي (2007)، ولا فرانسوا هولاند (2012) ولا حتى الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، في إيجاد تسوية للقضية مع الرئيسين عبد العزيز بوتفليقة وعبد المجيد تبون.

الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ (الرئاسة الجزائرية)

يقول محامٍ بالعاصمة، تحفظ على نشر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن أحفاد «أقدام سوداء» زاروه في مكتبه عام 2018 بغرض إطلاق إجراءات لاستعادة عمارة من 5 طوابق تقع بشارع بقلب العاصمة، مبرزاً أنهم يحوزون وثائق الملكية وعليها أسماء جدهم وشهادة وفاته لإثبات أحقيتهم في نقل الملكية إليهم. لكن عندما بدأ المساعي القضائية اصطدم بتعقيدات إدارية وقضائية، سببها حسبه أن شقق العمارة يقيم بها موظفون دبلوماسيون تابعون لوزارة الخارجية الجزائرية.

المحامية فاطمة الزهراء بن براهم (من حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

وتذكر فاطمة الزهراء بن براهم، وهي محامية وقانونية، بعض تفاصيل هذه القضية، قائلة: «هذا مشكل عويص لأن اتفاقيات (إيفيان) كانت فيها صراحة كبيرة، وهي اتفاق جزائري فرنسي، وتنص هذه الاتفاقيات على أن كل فرنسي يغادر الجزائر سنة 1962، ويود أن تبقى له أملاكه من العقارات والشقق، يجب أن يعود إليها قبل انتهاء فترة معينة، فيعود وتبقى له كل أملاكه، ولا يمكن لأي شخص أن ينتزع منه أملاكه، ويحرمه من استغلالها بطريقة عادية. لكن إذا غادر الجزائر، وطالت فترة غيابه ولم يرجع إليها، أو جاء بعد قانون تأميم العمارات والشقق الشاغرة، فلا حق له وانتهى الأمر لأنه تخلى عن أملاكه بمحض إرادته».

«أخذنا أملاكاً من محتل اغتصب أرضنا»

يقول المحامي والخبير العقاري أحمين نور الدين، لـ«الشرق الأوسط»: «من حين لآخر نشهد عودة الجدل حول هذه الأملاك، خصوصاً عندما تعرف علاقات البلدين (الجزائر وفرنسا) نوعاً من التقارب، الأمر الذي يعطي لهذه المسألة طابعاً سياسياً أكثر منه قانونياً. ولو كانت هناك إمكانية لاسترجاع أصحاب هذه الأملاك لها عن طريق القضاء لما ترددوا، إلا ربما في بعض الحالات الخاصة».

المحامي نور الدين أحمين (حسابه الشخصي بالإعلام الاجتماعي)

من جهته، يقول البرلماني كمال بن خلوف، إن المعمرين الأوربيين الذين يطالبون باسترجاع ممتلكاتهم، «يبنون القاعدة على باطل. فهم أصلاً احتلوا أرضنا واحتلوا ديارنا وأخذوا أرض الجزائريين، فكيف يمتلكون. هم خرجوا منها مطرودين».

وعلى أرض الواقع، لا تزال بعض العائلات القاطنة بعدد من المباني القديمة في الجزائر العاصمة تواجه تهديدات بالطرد من بيوتها، بعد أن أقام فرنسيون من ورثة مؤجري تلك العقارات دعوى قضائية يطالبون فيها بممتلكاتهم. ولذلك يشكو سكان تلك العقارات، وغالبيتهم مستأجرون لشقق منذ أكثر من 60 سنة، من التهديد الذي باتوا يعيشونه، والذي ازدادت حدته في الأعوام القليلة الماضية.

عمارة بأحد أهم شوارع العاصمة الجزائرية تعود إلى أيام الاستعمار (الشرق الأوسط)

ويعرض قاسي حديوش، ممثل سكان الأبنية المتضررين، مجموعة من الوثائق التي تؤكد أنه استأجر شقته من الفرنسيين عندما كانوا يحتلون بلاده، مشيراً إلى أنه يسدد الإيجار إلى الجهات الجزائرية الرسمية. ويقول بهذا الخصوص: «هناك أكثر من 12 عائلة مهددة بالطرد، على الرغم من وجود قانون من المفترض أن يحمينا. هناك قانون واضح صدر في سنة 1962 يمنع أي معاملة أو تحويل للملكية بين المستعمر والجزائري. كما أن الوثائق التي بحوزتنا صادرة من مديرية أملاك الدولة تؤكد أن هذه العمارة وغيرها لا يمكن إلا أن تكون ملك الدولة».

بدوره، يقول حميدة سعيود، وهو أحد المتضررين من مطالبة المعمرين الأوربيين بأملاكهم وورثة المؤجرين الجزائريين: «منذ الاستقلال سنة 1962 ونحن نشغل هذه الشقق مع عائلاتنا، والمستعمر صاحب هذه العمارة آنذاك غادر وهرب إلى فرنسا، تاركاً كل أملاكه. وبعد 60 سنة من الاستقلال يظهر أشخاص يدعون أنهم ورثة صاحب العمارة، ويطالبون بحقهم في تملك هذا العقار. ونحن منذ الاستقلال ندفع مستحقات الإيجار للسلطات، وبعد بحثنا في حقيقة الأمر والوثائق التي يملكها ورثة صاحب العقار، تبين لنا أنه في تلك الفترة تم منع أي نقل ملكية من المستعمر الفرنسي إلى غيره إذا تركها في الجزائر وغادر، بل تصبح ملكاً للدولة الجزائرية».



تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.