جزائريون يواجهون الطرد من منازلهم بسبب دعاوى ورثة فرنسيين

سكان متضررون: أخذنا أملاكاً من محتلٍ اغتصب أرضنا

TT

جزائريون يواجهون الطرد من منازلهم بسبب دعاوى ورثة فرنسيين

مبنى المحكمة العليا (الشرق الأوسط)
مبنى المحكمة العليا (الشرق الأوسط)

في يونيو (حزيران) من سنة 2016 أبلغت محكمة بوهران، كبرى مدن الغرب الجزائري، سكان عمارة بوسط المدينة بقرار إخلاء شققهم، بحجة أنها ملك لفرنسيين ولدا في الجزائر وغادراها في بداية الاستقلال. كما أطلق في العاصمة عدد من الفرنسيين إجراءات قضائية لاستعادة عمارة توجد في أكبر شوارع المدينة، يقيم بها منذ سنين أطر وزارة الخارجية الجزائرية.

ويطلق على أصحاب مسعى استعادة الأملاك العقارية، التي تعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي بالجزائر (1830 - 1962)، «الأقدام السوداء»، وهم فرنسيون ولدوا بالجزائر، لكنهم غادروها بعد إعلان نتائج استفتاء تقرير المصير الذي نظم في الثالث من يوليو (تموز) 1962، وقد ترك الآلاف منهم مباني وأراضي زراعية وشركات، صادرتها الحكومة الجزائرية الناشئة، واستولى عليها لاحقاً كبار المسؤولين آنذاك، شارك كثير منهم في حرب التحرير ضد الاستعمار. وقد أعطت الحكومة وقتها مهلة لـ«الأقدام السوداء» لتثبيت وتأكيد ملكيتهم للعقارات والأراضي، لكن عدداً قليلاً منهم تقيد بالإجراءات، حيث كانت الأغلبية تتخوف من الظروف الأمنية الجديدة التي دخلت فيها البلاد، بعد حرب ضروس دامت 7 سنوات، وخلفت مئات الآلاف من القتلى. وقد نصت «اتفاقات إيفيان»، التي أفضت إلى الاستقلال، على أن كل فرنسي يمكنه أن يستعيد أملاكه في حال عاد بعد الاستقلال بفترة معينة، تحديداً حتى الفاتح من أكتوبر (تشرين الأول) 1963.

نزع أملاك «الحركى» بالقانون

وقع الرئيس الراحل أحمد بن بلة سنة 1963 مرسوماً ينص على تأميم المستثمرات الزراعية، التي يملكها «الأقدام السوداء». وقبل ذلك كان الرئيس قد أعلن عن وضع أملاك «الحركى»، وهم الجزائريون الذين تعاونوا مع الاستعمار ضد الثورة، تحت حماية الدولة، وذلك وفق مرسوم رئاسي، ما يعني مصادرتها. ولا يعرف إن كان القرار شمل «الحركى»، الذين بقوا في الجزائر، وإجمالي عددهم كان يتراوح وقتها ما بين 200 ألف و400 ألف، حسب مؤرخين جندتهم فرنسا في جيشها لمواجهة ثورة التحرير.

صورة أرشيفية لـ«الحركى» (الشرق الأوسط)

وبعد سنة 1963، أعلنت السلطات الجزائرية أن عقارات وأراضي وشركات الفرنسيين، «أملاك شاغرة» فباتت تحت تصرفها، وعلى هذا الأساس احتفظت بقطاع منها بعنوان «أملاك الدولة»، ومنحت قطاعاً آخر منها لوجهاء في النظام آنذاك. وفي زمن لاحق، سنت قانوناً يتيح لشاغلي «أملاك الدولة» تملّكها مقابل مبلغ تحدده مديريات أملاك الدولة التابعة لوزارة المالية.

لكن تحت إلحاح الحكومات الفرنسية المتعاقبة، التي طالبت بتمكين الفرنسيين، ممن بقوا أحياء، أو أبنائهم، من أملاكهم، أدخلت الجزائر تغييراً على تشريعاتها بهذا الخصوص في سياق الانفتاح الديمقراطي، الذي شهدته بعد انتفاضة الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) 1988. وبذلك ألغت «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني) عشرات القرارات الخاصة بوضع أملاك الفرنسيين تحت حماية الدولة، ما فتح المجال لعودتها إلى أصحابها. لكن على الأرض وجد عدة فرنسيين صعوبات في الدخول إلى أملاكهم من جديد.

«أملاك الأقدام السوداء» ملف سياسي

ظل «ملف أملاك الفرنسيين بالجزائر» موضع جدل بين البلدين منذ قرابة 60 سنة، وقد حمله معهم كل رؤساء فرنسا عندما زاروا الجزائر. لكن لم ينجح جاك شيراك (2003)، ولا نيكولا ساركوزي (2007)، ولا فرانسوا هولاند (2012) ولا حتى الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، في إيجاد تسوية للقضية مع الرئيسين عبد العزيز بوتفليقة وعبد المجيد تبون.

الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ (الرئاسة الجزائرية)

يقول محامٍ بالعاصمة، تحفظ على نشر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن أحفاد «أقدام سوداء» زاروه في مكتبه عام 2018 بغرض إطلاق إجراءات لاستعادة عمارة من 5 طوابق تقع بشارع بقلب العاصمة، مبرزاً أنهم يحوزون وثائق الملكية وعليها أسماء جدهم وشهادة وفاته لإثبات أحقيتهم في نقل الملكية إليهم. لكن عندما بدأ المساعي القضائية اصطدم بتعقيدات إدارية وقضائية، سببها حسبه أن شقق العمارة يقيم بها موظفون دبلوماسيون تابعون لوزارة الخارجية الجزائرية.

المحامية فاطمة الزهراء بن براهم (من حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

وتذكر فاطمة الزهراء بن براهم، وهي محامية وقانونية، بعض تفاصيل هذه القضية، قائلة: «هذا مشكل عويص لأن اتفاقيات (إيفيان) كانت فيها صراحة كبيرة، وهي اتفاق جزائري فرنسي، وتنص هذه الاتفاقيات على أن كل فرنسي يغادر الجزائر سنة 1962، ويود أن تبقى له أملاكه من العقارات والشقق، يجب أن يعود إليها قبل انتهاء فترة معينة، فيعود وتبقى له كل أملاكه، ولا يمكن لأي شخص أن ينتزع منه أملاكه، ويحرمه من استغلالها بطريقة عادية. لكن إذا غادر الجزائر، وطالت فترة غيابه ولم يرجع إليها، أو جاء بعد قانون تأميم العمارات والشقق الشاغرة، فلا حق له وانتهى الأمر لأنه تخلى عن أملاكه بمحض إرادته».

«أخذنا أملاكاً من محتل اغتصب أرضنا»

يقول المحامي والخبير العقاري أحمين نور الدين، لـ«الشرق الأوسط»: «من حين لآخر نشهد عودة الجدل حول هذه الأملاك، خصوصاً عندما تعرف علاقات البلدين (الجزائر وفرنسا) نوعاً من التقارب، الأمر الذي يعطي لهذه المسألة طابعاً سياسياً أكثر منه قانونياً. ولو كانت هناك إمكانية لاسترجاع أصحاب هذه الأملاك لها عن طريق القضاء لما ترددوا، إلا ربما في بعض الحالات الخاصة».

المحامي نور الدين أحمين (حسابه الشخصي بالإعلام الاجتماعي)

من جهته، يقول البرلماني كمال بن خلوف، إن المعمرين الأوربيين الذين يطالبون باسترجاع ممتلكاتهم، «يبنون القاعدة على باطل. فهم أصلاً احتلوا أرضنا واحتلوا ديارنا وأخذوا أرض الجزائريين، فكيف يمتلكون. هم خرجوا منها مطرودين».

وعلى أرض الواقع، لا تزال بعض العائلات القاطنة بعدد من المباني القديمة في الجزائر العاصمة تواجه تهديدات بالطرد من بيوتها، بعد أن أقام فرنسيون من ورثة مؤجري تلك العقارات دعوى قضائية يطالبون فيها بممتلكاتهم. ولذلك يشكو سكان تلك العقارات، وغالبيتهم مستأجرون لشقق منذ أكثر من 60 سنة، من التهديد الذي باتوا يعيشونه، والذي ازدادت حدته في الأعوام القليلة الماضية.

عمارة بأحد أهم شوارع العاصمة الجزائرية تعود إلى أيام الاستعمار (الشرق الأوسط)

ويعرض قاسي حديوش، ممثل سكان الأبنية المتضررين، مجموعة من الوثائق التي تؤكد أنه استأجر شقته من الفرنسيين عندما كانوا يحتلون بلاده، مشيراً إلى أنه يسدد الإيجار إلى الجهات الجزائرية الرسمية. ويقول بهذا الخصوص: «هناك أكثر من 12 عائلة مهددة بالطرد، على الرغم من وجود قانون من المفترض أن يحمينا. هناك قانون واضح صدر في سنة 1962 يمنع أي معاملة أو تحويل للملكية بين المستعمر والجزائري. كما أن الوثائق التي بحوزتنا صادرة من مديرية أملاك الدولة تؤكد أن هذه العمارة وغيرها لا يمكن إلا أن تكون ملك الدولة».

بدوره، يقول حميدة سعيود، وهو أحد المتضررين من مطالبة المعمرين الأوربيين بأملاكهم وورثة المؤجرين الجزائريين: «منذ الاستقلال سنة 1962 ونحن نشغل هذه الشقق مع عائلاتنا، والمستعمر صاحب هذه العمارة آنذاك غادر وهرب إلى فرنسا، تاركاً كل أملاكه. وبعد 60 سنة من الاستقلال يظهر أشخاص يدعون أنهم ورثة صاحب العمارة، ويطالبون بحقهم في تملك هذا العقار. ونحن منذ الاستقلال ندفع مستحقات الإيجار للسلطات، وبعد بحثنا في حقيقة الأمر والوثائق التي يملكها ورثة صاحب العقار، تبين لنا أنه في تلك الفترة تم منع أي نقل ملكية من المستعمر الفرنسي إلى غيره إذا تركها في الجزائر وغادر، بل تصبح ملكاً للدولة الجزائرية».



السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».