جاهز للقص عند الطلب... سوريات يعرضن بيع شعرهن تحت ضغط الحاجة

بائع يعرض شعراً طبيعياً للبيع (رويترز - أرشيفية)
بائع يعرض شعراً طبيعياً للبيع (رويترز - أرشيفية)
TT

جاهز للقص عند الطلب... سوريات يعرضن بيع شعرهن تحت ضغط الحاجة

بائع يعرض شعراً طبيعياً للبيع (رويترز - أرشيفية)
بائع يعرض شعراً طبيعياً للبيع (رويترز - أرشيفية)

على إحدى صفحات «فيسبوك»، نشرت السورية لينا الجعفري صورة لشعر ابنتها شام (12 عاماً) مصحوبة بعبارة «جاهز للقص عند طلب الزبونة... والبيع لأعلى سعر»، وفقاً لـ«وكالة أنباء العالم العربي».

خلال ساعتين فقط، كان منشور لينا قد جمع عشرات التفاعلات والتعليقات، بينها ما يتضمن عناوين زبائن محتملين من صالونات النساء، وما فيه استفسار عن طول الشعر ووزنه؛ استعداداً لجولات تفاوض يحكمها العرض والطلب على شعر الطفلة الصغيرة، حتى الوصول إلى نقطة تحقق أقصى ما يمكن إدراكه من رضا لطرفي البيعة.

واقع اقتصادي مؤلم

قبل نحو عامين، قال مارتن غريفيث، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، خلال جلسة دوريّة عقدها مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك: «أكثر من 90 في المائة من السكّان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، ويضطر الكثير منهم إلى اتخاذ خيارات صعبة جداً لتغطية نفقاتهم».

وفي ظل هذا الوضع الاقتصادي الصعب، لجأت نساء سوريات إلى بيع شعرهن أو شعر بناتهن لتغطية الإنفاق على احتياجات أساسية، مثل توفير الطعام ومستلزمات المدارس وتأمين الدواء.

إيمان حمدان، الطالبة في كلية الهندسة المعمارية في جامعة دمشق، ممن تقبّلن فكرة التخلي عن شعرهن بعد إطالته والعناية به، مقابل الحصول على بعض المال، في ظل استمرار الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة والتعليم.

تقول إيمان: «مصروفات الفرع الجامعي الذي أتخصص فيه ومتطلباته كثيرة؛ والحالة المادية لعائلتي ضيقة هذه الأيام. لذلك؛ اضطررت مؤخراً إلى العمل بدوام مسائي في إحدى المكتبات المختصة بالطباعة».

لكن الراتب الذي تتقاضاه إيمان من صاحب المكتبة لا يكفي لتغطية تكلفة انتقالها بين العمل والجامعة والمنزل؛ وهو ما جعلها تفكر جدياً في قص 60 سنتيمتراً من شعرها وبيع ما قصته لأحد صالونات التجميل. إلا أنها وجدت صعوبة في الإقدام على هذه الخطوة.

تقول الفتاة الجامعية: «لا شيء يشعرني بأنوثتي مثل شعري؛ رفضت قصه لسنوات طويلة، وتصعب عليّ خسارته الآن من أجل المال... اليوم نبيع شعرنا؛ الله أعلم غداً ماذا سنبيع».

الشراء بالغِرام

وبحسب أبو عامر، وهو أحد العاملين في تصنيع الشعر المستعار بمنطقة جرمانا في دمشق، فإن سعر غرام الشعر الجيد غير المصبوغ يتراوح بين 7500 ليرة سورية (نحو 0.8 دولار أميركي) و12 ألفاً بعد معالجته.

وقال في حوار أجرته معه «وكالة أنباء العالم العربي»: إن سعر غرام الشعر الطبيعي ارتفع كثيراً مقارنة بما كام عليه عام 2019، حين كان يتراوح بين 300 و400 ليرة، موضحاً أن أسعار وصلات الشعر الطبيعي تختلف بحسب مواصفاتها من حيث الطول واللون والجودة، بالإضافة إلى القدرة على تحمل الأصباغ.

تجارة مربحة

وحول التوجه نحو الشعر الطبيعي بدلاً من الصناعي الأرخص ثمناً، يقول أبو عامر إن «جاذبية الشعر البشري لا تخفيها خافية؛ ذلك أنه يبدو من حيث الشكل والملمس أفضل بكثير من الشعر الاصطناعي». ويضيف: «من الإنصاف القول إن الشعر الطبيعي أصبح تجارة مربحة وسلعة ثمينة كما الذهب أو الماس».

ويقول نائل علي (48 عاماً)، الذي يدير أحد صالونات التجميل في مدينة دمشق ويعمل فيه منذ نحو ست سنوات، إنه يشتري وصلة الشعر من صاحبتها بسعر يتراوح بين 400 و800 ألف ليرة، ويبيعها مقابل مليون أو مليونين، حسب وزنها وطولها.

وأكد في حوار مع «وكالة أنباء العالم العربي» أن الطلب الكبير يكون على شعر الأطفال «لأنه يكون كثيفاً وغزيراً ويُعدّ مرغوباً فيه، كونه لم يتعرض لحرارة مجفف الشعر، كما لم يتعرض للصبغة التي تتلف الشعر من جذوره حتى أطرافه. وعلى أساس ذلك، يُقدَّر نوع الشعر كنخب أول أو ثانٍ أو ثالث».

وأوضح أن متوسط عدد السيدات اللواتي يقصدنه لبيع شعرهن أو شعر بناتهن يصل إلى خمس سيدات في كل أسبوع، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من السيدات يلجأن إلى بيع خصلات شعرهن عبر الإنترنت للحصول على مبالغ مالية أعلى دون وسيط.

مظهر للوجاهة الاجتماعية

أم زين، وهي موظفة في مديرية التربية بريف دمشق، تقول إنها لم تكن تعلم بأنّ الشعر يُباع، حتى عرفت ذلك مصادفة عندما شاهَدَت عبر «فيسبوك» فتيات يعرضن جدائل شعرهن للبيع بسعر مرتفع.

تضيف: «أمر محزن أن ترى شعر الفقيرات على رؤوس نساء الأثرياء... في السابق، كانت السيدات ممن يعانين من حالات مرَضية فقط هن من يستخدمن تلك الوصلات، التي تحولت مظهراً للوجاهة الاجتماعية بين سيدات المجتمع في الحفلات والمناسبات بهدف مواكبة التطور والموضة».

لكن لميس، التي تجاوزت الثلاثين من العمر ولديها طفل عمره 10 سنوات من زوجها الذي فقدته في الحرب، لا تشعر بالندم بعد أن قصت شعرها وباعته، على الرغم من أنه بات قصيراً جداً.

وتقول: «طلبتُ من المصفف قصّه قدر المستطاع؛ فشعري لم يكن طويلاً بما يكفي لتأمين المبلغ الذي أحتاج إليه من المال... تراكمت ديوني، ولدي ولد لم أعد أعرف كيف سأطعمه. راتبي الشهري من الوظيفة أدفع ثلثه لاستئجار الغرفة الصغيرة التي أسكنها، والبقية لا تكفي للفواتير».

وبات أقصى ما تتمناه لميس أن ينمو شعرها مجدداً كل شهر لتبيعه. تقول: «نحن اليوم في زمن لن نقدر على العيش فيه حتى نبيع شيئاً ما... على أي حال، شعر أصلع ولا جيب خاو».


مقالات ذات صلة

بين الشيخ... والشاعر

ثقافة وفنون بين الشيخ... والشاعر

بين الشيخ... والشاعر

عرض أمجد مكي، منذ أيام، وهو محقِّق فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا وأحد المقربين منه، رسالةً خطية كتبها الشاعر نزار قباني إلى الشيخ مصطفى الزرقا، تُنشر لأول مرة

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون عيْناكِ ضوْءُ المصابيح!

عيْناكِ ضوْءُ المصابيح!

عفواً إذا حاصرتْنا الرّياحُ - فهل تسمعينَ صهيلَ الخُيولِ

فضيلي جمّاع
ثقافة وفنون الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر» للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الشعر وعمقه

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون الشاعر محمد عفيفي مطر

عودة جائزة محمد عفيفي مطر للشعراء العرب

عقدت الدورة الأولى لجائزة مطر في عام 2017 برئاسة الناقد الراحل الدكتور شاكر عبد الحميد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تغييرات الزيدي الأمنية تطول قائد «المنطقة الخضراء»

جانب من المنطقة الخضراء المحصّنة في بغداد (رويترز)
جانب من المنطقة الخضراء المحصّنة في بغداد (رويترز)
TT

تغييرات الزيدي الأمنية تطول قائد «المنطقة الخضراء»

جانب من المنطقة الخضراء المحصّنة في بغداد (رويترز)
جانب من المنطقة الخضراء المحصّنة في بغداد (رويترز)

استكمل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي سلسلة تغييرات في المناصب الأمنية والعسكرية العليا وصلت أخيراً إلى تعيين قائد جديد لأمن المنطقة الخضراء، التي تضم المقار الحكومية والأمنية والدبلوماسية.

وجاءت التغييرات في وقت تتسارع فيه الاستعدادات الأمنية والسياسية مع اقتراب الموعد المقرر لانتهاء مهمة قوات التحالف الدولي في العراق في نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل، ومع تصاعد الخلاف بشأن سلاح الفصائل المسلحة.

وحسب مصادر أمنية عراقية، كلف الزيدي اللواء الركن من قوات العمليات الخاصة أسامة عبد طارش قائداً للفرقة الخاصة المسؤولة عن حماية المنطقة الخضراء، التي تضم عدداً من أهم مؤسسات الدولة العراقية، من بينها قصر بغداد، المقر الرسمي لرئيس الجمهورية، والقصر الحكومي، مقر رئيس الوزراء، ومبنى البرلمان، فضلاً عن مقار مؤسسات أمنية بينها جهاز المخابرات الوطني وجهاز الأمن الوطني، إلى جانب مقرات تابعة لـ«الحشد الشعبي».

وتضم المنطقة الخضراء مقار عدد من البعثات الدبلوماسية، من بينها سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية، إضافة إلى مقر بعثة الأمم المتحدة ومقار عدد من المسؤولين العراقيين.

تأتي هذه الخطوة في إطار ما وصفته مصادر مطلعة بأنه استكمال لما يمكن اعتباره «طوقاً عسكرياً» حول المراكز الحيوية في بغداد، في ظل المخاوف من احتمال تصاعد التوتر مع الفصائل المسلحة الرافضة لنزع سلاحها بعد انتهاء المهلة المحددة.

المنطقة الخضراء المحصنة أمنياً وسط بغداد (رويترز)

وفي حين لا تزال الخلافات السياسية تحول دون تعيين وزيرين أصيلين للدفاع والداخلية، ربط الزيدي إدارة الوزارتين به شخصياً عبر استحداث مكتب القائد العام للقوات المسلحة، الذي يرأسه وزير الداخلية الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري.

وأجرى الزيدي في الأشهر الماضية تغييرات في عدد من المؤسسات والأجهزة الأمنية. وشملت التغييرات استبدال رئيس جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الأول الركن كريم التميمي بالفريق الركن زيد حوشي، وإعفاء قائد الشرطة الاتحادية اللواء الركن سعد الحلفي وتكليف الفريق الركن محمد قاسم الفهد بمهام منصبه.

كما أحال الزيدي، وكيل شؤون الاستخبارات في وزارة الداخلية، الفريق ماهر نجم إلى التقاعد، وكلف الفريق فلاح شغاتي بالمنصب، فيما شملت تغييرات سابقة تعيين قاسم العبودي مستشاراً للأمن القومي خلفاً لقاسم الأعرجي.

وفي جهاز الأمن الوطني، أُعفي عبد الكريم البصري، المعروف باسم «أبو علي البصري»، من منصب رئيس الجهاز، وعُين باسم البدري، الرئيس السابق لهيئة المساءلة والعدالة، خلفاً له.

وفي تطور أمني آخر، باشر اللواء الركن هادي الكناني، السبت، مهامه قائداً لعمليات بغداد، بعد صدور الأمر الرسمي بتسنمه المنصب، وفقاً لما أوردته الوكالة الرسمية.

وفي السياق نفسه، بحث رئيس جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الركن زيد حوشي، السبت، مع وكيل جهاز المخابرات الوطني العراقي، وقاص الحديثي، ملفات أمنية واستخبارية مشتركة.

وقال مكتب جهاز مكافحة الإرهاب، في بيان، إن حوشي استقبل الحديثي في مقر الجهاز، مضيفاً أن اللقاء تناول سبل تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات والخبرات بين الجهازين، بما يدعم الجهود الوطنية لملاحقة «بقايا العصابات الإرهابية».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (أ.ف.ب)

حصر السلاح

بالتزامن مع استكمال التغييرات في المناصب الأمنية والعسكرية العليا، طالب الزيدي لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي بإعداد مشروع قانون خاص بحصر السلاح بيد الدولة.

وتعكس الخطوة، حسب مصادر مطلعة، توجهاً لإدارة ملف الفصائل المسلحة عبر المؤسسات التشريعية إلى جانب الإجراءات الأمنية، في وقت ترفض فيه فصائل بينها «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» التخلي عن سلاحها.

وتقول المصادر إن الحكومة تسعى في الوقت نفسه إلى إسقاط الذرائع التي يمكن أن تستخدمها الفصائل المسلحة للاعتراض على سياسة حصر السلاح بيد الدولة، لكن عدداً من هذه الفصائل بدأ، وفق المصادر، التحرك لدى قوى سياسية عراقية، خصوصاً القوى الشيعية الأكثر ارتباطاً بإيران، وفي مقدمتها منظمة بدر.

وتضيف المصادر أن تحركات الفصائل تتركز على مسارين. الأول هو إثارة قضية الوجود العسكري التركي في شمال العراق، واعتباره «احتلالاً» لا يختلف، من وجهة نظرها، عن الوجود الأميركي، مع التركيز على عدم وجود موعد نهائي معلن لخروج القوات التركية، على غرار الجدول المقرر لانسحاب القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

أما المسار الثاني فيتعلق باستهداف الانفتاح العراقي على المحيط العربي، وهو انفتاح يشمل، حسب المصادر، تحركات واتصالات مع دول عربية في إطار تعزيز العلاقات السياسية والأمنية.

وتنظر الحكومة العراقية إلى ملف حصر السلاح بيد الدولة باعتباره جزءاً من تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية، بينما ترى الفصائل الرافضة لنزع سلاحها أن لديها أدواراً أمنية وعقائدية تبرر احتفاظها بالسلاح.

ويأتي ذلك في وقت يستعد فيه العراق لمرحلة أمنية جديدة مع اقتراب الموعد المقرر لانتهاء مهمة التحالف الدولي في نهاية سبتمبر، فيما تواجه الحكومة اختباراً يتمثل في إدارة العلاقة مع الفصائل المسلحة والحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرار الداخلي.


القطاع الصحي في غزة... أزمات لا تنتهي وواقع ينذر بانهيار تام

فلسطينيون يتفقدون الأضرار في مستشفى الشفاء بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المستشفى في مدينة غزة يوم 1 أبريل 2024 (رويترز)
فلسطينيون يتفقدون الأضرار في مستشفى الشفاء بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المستشفى في مدينة غزة يوم 1 أبريل 2024 (رويترز)
TT

القطاع الصحي في غزة... أزمات لا تنتهي وواقع ينذر بانهيار تام

فلسطينيون يتفقدون الأضرار في مستشفى الشفاء بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المستشفى في مدينة غزة يوم 1 أبريل 2024 (رويترز)
فلسطينيون يتفقدون الأضرار في مستشفى الشفاء بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المستشفى في مدينة غزة يوم 1 أبريل 2024 (رويترز)

يواجه القطاع الصحي في قطاع غزة مزيداً من الأزمات التي لا تنتهي بفعل الواقع الذي يعيشه القطاع منذ بدء الحرب الإسرائيلية التي أعقبت تنفيذ «حماس» هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ولم تكتفِ إسرائيل بالإضرار بالمستشفيات من خلال اقتحامها، وقصفها، بل تواصل تحكمها بالمواد، والمستلزمات الطبية، وكذلك في سفر المرضى إلى الخارج لتلقي العلاج، الأمر الذي يزيد من تعقيد الواقع الصحي.

فلسطيني يجلس على الرمال بين بقايا خيمته التي دُمّرت عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت مستودعاً للإمدادات والمستلزمات الطبية والأدوية بالقرب من مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح في الأول من أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

محطات الأكسجين

وتمثلت أحدث تلك المعاناة، فيما ذكرته وزارة الصحة في غزة، في بيان لها، نشر السبت، أن الطاقة التشغيلية لما تبقى من محطات أكسجين استنزفت بالكامل، وتعمل فوق طاقتها القصوى، مع تفاقم الأعطال المتكررة، لافتةً إلى أن هناك 12 محطة أكسجين من أصل 34 تعمل في ظروف فنية وميكانيكية غاية في التعقيد يصعب معها تلبية احتياج المرافق الصحية، ومقدمي الخدمة من الأكسجين.

وأوضحت وزارة الصحة أن 4 أجهزة لتعبئة أسطوانات الأكسجين من أصل 30 جهازاً قد تتوقف في أي لحظة أمام عجز الفرق الهندسية عن إتمام تدخلات الصيانة الطارئة، مشددةً على أن توفر الأكسجين ليس رفاهية طبية، بل هو شريان الحياة لعدد من الأقسام الحيوية، والمنقذة للحياة.

وأكدت أن المحطات المتبقية تتهددها حالة من الشلل التام لتزويد المستشفيات والمرضى المنومين في منازلهم بالأكسجين، مطالبةً بالفتح الفوري والمباشر لمسارات إدخال قطع الغيار والمعدات الفنية اللازمة لصيانة المحطات، والتوريد الطارئ والعاجل لمحطات جديدة.

سيدة فلسطينية في محيط تعرَّض لضربات إسرائيلية في دير البلح بالقرب من مستشفى الأقصى في 1 أغسطس 2026 (أ.ب)

مرضى الكلى

ويأتي ذلك في وقت يشكو فيه مركز هند الدغمة لغسيل الكلى في مجمع ناصر الطبي من ضغط تشغيلي حاد وغير مسبوق في ظل استمرار تقديم الخدمة لأكثر من 200 مريض فشل كلوي، يصلون إليه من مختلف محافظات القطاع، في ظل النقص الحاد في المستهلكات الطبية، والأدوية، وتداعي الإمكانيات المتاحة.

وأكد رياض بربخ، رئيس قسم غسيل الكلى، أن حجم الإقبال والضغط على الخدمة يتضاعف طردياً مع شح الأجهزة والمستلزمات العلاجية، ما أدى لظروف قاسية أسفرت عن فقدان عدد من المرضى نتيجة تعذر توفير كامل متطلبات الرعاية الحيوية لهم.

وقال بربخ، في بيان صحافي وزعه المجمع الطبي، إن جلسات الغسيل تعد الفاصل الوحيد بين حياة المرضى والموت، وإن أي اضطراب في توفير المستهلكات أو تعطل الأجهزة يهدد بكارثة مباشرة على حياة مئات المرضى، مناشداً الجهات الدولية والإغاثية ضرورة التدخل العاجل لتزويد القسم بالأجهزة والأدوية اللازمة لضمان استمرار تقديم الخدمة، وتفادي المزيد من الفقد.

فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة في 15 يوليو 2026 (رويترز)

مرضى السرطان

كما حذر محمد أبو ندى، المدير الطبي لمركز غزة للسرطان، من تدهور كارثي وغير مسبوق في الحالة الصحية لمرضى السرطان في قطاع غزة، مؤكداً أن العجز الحاد في العلاجات الأساسية ومنع السفر يهددان حياة نحو 11 ألف مريض سرطان.

وبين أبو ندى، في إفادة صحافية مصورة وزعتها وزارة الصحة بغزة، أن غياب العلاجات اللازمة وتوقف خدمات الرعاية التخصصية يتسببان في وفاة 3 مرضى يومياً متأثرين بمضاعفات المرض، في ظل وجود نحو 4 آلاف مريض يحملون تحويلات طبية رسمية للعلاج أو التشخيص في الخارج، ودون تمكنهم من المغادرة بسبب القيود المشددة، والإغلاق المستمر للمعابر.

فلسطينيون جرحى وذووهم في وقفة احتجاجية أمس أمام مستشفى الشفاء في مدينة غزة يطالبون بالسماح للمرضى والجرحى بالسفر للعلاج في 6 يوليو 2026 (د.ب.أ)

وأشار المدير الطبي لمركز غزة للسرطان إلى أن منظومة الرعاية الصحية داخل القطاع تفتقر بشكل كامل للإمكانيات العلاجية المساندة، وعلى رأسها العلاج الإشعاعي، إضافة إلى النقص الحاد في العلاج الكيميائي، حيث تتصدر أدوية السرطان قوائم العجز الدوائي بنسبة 61 في المائة، إضافة إلى تدمير مراكز العلاج التخصصية، ما يضطر الطواقم الطبية إلى اتخاذ قرارات علاجية قاسية، من بينها اللجوء إلى الاستئصال الكامل للثدي في بعض حالات سرطان الثدي حتى المبكرة منها، نتيجة غياب العلاج الإشعاعي، وصعوبة السفر لتلقي العلاج بالخارج.

ولفت إلى أن مرضى الأورام في قطاع غزة يتعرضون لمعاناة شديدة نتيجة خروج مركز غزة للسرطان عن الخدمة، في ظل ما تعرض له المركز من تخريب كبير من قبل الاحتلال خلال الحرب على القطاع، داعياً المؤسسات الصحية الدولية إلى التحرك العاجل من أجل إدخال العلاج الكيميائي، والأدوية التخصصية بكميات كافية ومستدامة تلبي احتياجات المرضى، والعمل على تسهيل سفر المرضى المحولين لتلقي العلاج الإشعاعي والكيميائي في الخارج، بما يضمن حصول مرضى السرطان على الرعاية الطبية اللازمة لإنقاذ حياتهم.

فلسطينيان بجانب جثامين عدد من ضحايا الغارات الإسرائيلية في مستشفى بمدينة غزة في 4 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

تصعيد ميداني

ويأتي ذلك على وقع تهرب إسرائيل من التزامات الاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخراً في القاهرة، والذي من بين بنوده البروتوكول الإنساني الذي كان يجب أن ينفذ في المرحلة الأولى، وامتنعت منذ ذلك الحين عنه، ومن بينه ترميم المستشفيات، وإدخال الأدوية، والمعدات اللازمة لها.

ويتزامن هذا التهرب مع استمرار التصعيد الميداني، والتزام إسرائيل جزئياً بوقف غاراتها المستمرة بعمق القطاع.

وأصيب قبيل ظهر السبت 3 فلسطينيين، أحدهم وصفت حالته بالخطيرة، إثر غارة نفذتها طائرة مسيرة إسرائيلية تجاه دراجة نارية في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، حيث نقل الجرحى لمستشفى شهداء الأقصى لتلقي العلاج.

وقصفت المدفعية الإسرائيلية عدة مناطق من القطاع، وتحديداً في محيط الخط الأصفر، وسط عمليات نسف كبيرة نفذتها فجراً شرقي مدينة خان يونس جنوب القطاع. بينما أطلقت آليات ومسيرات النار تجاه فلسطينيين في مناطق عدة، بينما هاجمت الزوارق الحربية مراكب الصيادين التي تبحر لمسافة لا تزيد عن ميل بحري واحد على طول شواطئ مدينة غزة، ووسط القطاع، إلى جانب سواحل خان يونس فقط من الجهة الجنوبية.


ملف الموقوفين السوريين في العراق إلى الواجهة من جديد بعد زيارة زيدان

قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)
قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

ملف الموقوفين السوريين في العراق إلى الواجهة من جديد بعد زيارة زيدان

قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)
قوات الأمن السورية أمام مدخل «مخيم الهول» قبل إخلائه (أرشيفية - إ.ب.أ)

عاد إلى الواجهة مجدداً، ملف الموقوفين السوريين الذين تسلمهم العراق من «سجن الهول»، وتوجهت لهم تهمة الانتماء إلى تنظيم «داعش»، غداة زيارة رئيس «مجلس القضاء الأعلى» في العراق، القاضي فائق زيدان، إلى دمشق الخميس الماضي، ومباحثاته مع المسؤولين السوريين التي ركزت على ملفهم.

وبينما أكد بعض أهالي هؤلاء السجناء «أن لا علاقة لأبنائهم بالتنظيم الإرهابي، وأن عملية اعتقالهم من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كانت بسبب قضايا كيدية أبرزها مناهضتهم للنظام السوري السابق»، جددوا مطالبتهم بإعادتهم إلى البلاد، والتأكد من صحة التهم الموجهة لهم، وإطلاق سراح من لم تثبت إدانته.

الرئيس الشرع خلال استقباله القاضي زيدان والوفد المرافق له بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني ووزير العدل مظهر الويس (سانا)

إبراهيم عباس من أبناء قرية «الظاهرية» شرق مدينة القامشلي الواقعة شرق محافظة الحسكة، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «(قسد) اعتقلت ابني أخويه؛ عبد العظيم أحمد العباس، وعلاء الدين حسن العباس في عام 2017، بسبب معارضتهم لنظام بشار الأسد».

ويؤكد إبراهيم، وهو من «قبيلة الزويد» العربية، أن «عبد العظيم وعلاء ليس لهما أي علاقة بتنظيم (داعش)، وقد كنا نزورهما في سجن المالكية بشكل دوري مرة كل أسبوعين أو كل شهر، وفجأة تم نقلهما إلى سجن القامشلي، في حين أن المعتقلين المنتمين إلى (داعش) كانت زيارتهم ممنوعة»، مشيراً إلى أنه «عندما طلب التحالف الدولي أسماء السجناء (الدواعش) من أجل ترحيلهم إلى العراق، ضمت (قسد)، عبد العظيم وعلاء إلى تلك القوائم».

إبراهيم يشدد على «أن عبد العظيم وعلاء اعتقلا ظلماً... كانا بعمر العشرين والآن قاربا على الثلاثين عاماً»، مطالباً بإعادتهما إلى سوريا، وإعادة التحقيق معهما ومع كل السجناء السوريين المرحلين إلى العراق، «ومن تثبت إدانته بالانتماء إلى (داعش) يحاكم، ومن لا تثبت إدانته يطلق سراحه... نحن لا نريد إلا الحق والعدل».

معتقلون يشتبه في انتمائهم لـ«داعش» لدى قوات «قسد» في مارس 2019 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي منتصف فبراير (شباط) الماضي، نشرت وزارة العدل العراقية جنسيات سجناء تنظيم «داعش» الذين تم نقلهم من سجون شمال سوريا التي كانت تديرها «قسد» إلى مرافق احتجاز بالعراق، في عملية قادتها القيادة المركزية الأميركية. وقد بلغ العدد الكلي للسجناء السوريين المنقولين 3 آلاف و543.

الناشط صهيب اليعربي من أهالي شمال سوريا، أوضح أن «التنسيق بين دمشق وبغداد بشأن إعادة السجناء السوريين كانت تسير على قدم وساق، لكن الأمر توقف بسبب التوتر الذي حصل إثر اندلاع الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر».

ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن أعداداً ممن كانوا معتقلين في سجون «قسد» ليست لهم علاقة بتنظيم «داعش»، وجرى اعتقالهم بسبب قضايا كيدية، لافتاً إلى أن «جميع المعتقلين لدى (قسد) لم يتم التحقيق معهم إلا من قبلها، وقد عدّتهم (دواعش)، وتم ترحيلهم إلى العراق».

وحسب اليعربي، فإن الحكومة العراقية «تريد إعادة هؤلاء السجناء ومحاكمتهم في سوريا، والحكومة السورية تريد إعادتهم أيضاً، ولكن أبرز المعوقات التي تحول دون ذلك هي عدم وجود مراكز احتجاز لهم».

وكان رئيس «هيئة الإشراف القضائي» في العراق، القاضي ليث جبر، أكد أن مباحثات زيدان في دمشق «ركزت على ملف الموقوفين السوريين الذين تسلمهم العراق من سجن الهول ووضعهم القانوني، وهؤلاء تم إجراء التحقيقات القضائية معهم في العراق، ووُفرت جميع الضمانات القضائية لهم وفق القانون».

جانب من «مخيم الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في يناير 2026 (رويترز)

وأضاف أن «الجانبين اتفقا على تشكيل لجان قضائية مشتركة لعقد اجتماعات متواصلة لحسم الملفات المتعلقة بمحاكماتهم»، بينما أفادت مصادر مطلعة بقرب توقيع اتفاقية مشتركة بين العراق وسوريا تفضي إلى تنظيم عمليات نقل ومحاكمة المعتقلين السوريين الموجودين لدى الجانب العراقي.

وحسب اليعربي، فإن هذا الملف «ستتم معالجته بشكل كامل بعد زيارة زيدان دمشق» ومباحثاته مع المسؤولين السوريين، مشيراً إلى أن اللجنة التي تم تشكيلها «ستشرف على إعادة هؤلاء على دفعات وليس دفعة واحدة»، لافتاً إلى أن الحكومة السورية كانت أرسلت إلى الحكومة العراقية قائمة تضم أسماء سجناء سوريين مرحلين إليها، وطلبت إعادتهم، بعدما توفرت معلومات لديها بأن هؤلاء ليست لهم علاقة بتنظيم «داعش».

خبير القانون الدولي معتصم الكيلاني، يوضح «أنه من حيث المبدأ؛ اتهام الشخص من قبل (قسد) أو إدراج اسمه في سجل أمني، لا يكفي قانوناً لإثبات انتمائه إلى تنظيم (داعش)». وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحل الأنسب لهذا الملف ليس إطلاقاً جماعياً ولا محاكمة جماعية، وإنما إنشاء آلية قضائية سورية - عراقية مشتركة تفرز الأشخاص إلى فئات قانونية واضحة».

«مخيم الهول» الذي أغلقته السلطات السورية بعد تسلمه (أرشيفية - أ.ف.ب)

والفئات القانونية هي: أولاً، أشخاص لا توجد بحقهم أدلة قضائية جدية، يجب إخلاء سبيلهم وإعادتهم إلى سوريا، والثانية: موقوفون لم تصدر بحقهم أحكام عراقية، وهنا يمكن لسوريا أن تطلب تسليم مواطنيها لمحاكمتهم أمام قضائها، والثالثة هي لمتهمين بجرائم وقعت داخل العراق أو ضد عراقيين، وللعراق أساس أقوى لمحاكمتهم، ويمكن تأجيل تسليمهم إلى حين انتهاء المحاكمة أو تنفيذ الحكم.

بينما الفئة الرابعة تتعلق بأشخاص صدرت بحقهم أحكام عراقية نهائية، وهؤلاء لا تعاد محاكمتهم تلقائياً في سوريا عن الفعل نفسه، والممكن هنا نقلهم إلى سوريا لتنفيذ بقية العقوبة، إذا وُجد سند اتفاقي أو ترتيب ثنائي ووافقت الدولتان.

أما الفئة الخامسة فتتعلق بضحايا محتملين للاعتقال الكيدي أو التعذيب، وهؤلاء ينبغي منحهم ومحاميهم حق الاطلاع على ملف الاتهام والطعن في قانونية التوقيف والتحقيق في ادعاءات التعذيب، وإذا كان الدليل الوحيد اعترافاً منتزعاً بالإكراه أو إفادة أمنية غير قابلة للفحص، فلا يصح بناء الإدانة عليه.