ماكرون يعد بالتوصل إلى «حلول جوهرية» لمسألة العنف

رهان ثلاثي الأبعاد لإعادة الهدوء إلى المدن الفرنسية

ماكرون يلقي كلمة خلال اللقاء مع رؤساء البلديات في الإليزيه الثلاثاء (أ.ف.ب)
ماكرون يلقي كلمة خلال اللقاء مع رؤساء البلديات في الإليزيه الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يعد بالتوصل إلى «حلول جوهرية» لمسألة العنف

ماكرون يلقي كلمة خلال اللقاء مع رؤساء البلديات في الإليزيه الثلاثاء (أ.ف.ب)
ماكرون يلقي كلمة خلال اللقاء مع رؤساء البلديات في الإليزيه الثلاثاء (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تراجعت فيه أعمال العنف التي ضربت فرنسا منذ أسبوع، وهشمت صورة البلاد في الخارج، وأضرت بالاقتصاد في الداخل، وأحدثت خصوصاً انقساماً سياسياً وآيديولوجياً حاداً داخل المجتمع، ما زال الحذر الشديد سيد الموقف. وهذا الحذر يظهر على أنه السمة البارزة للوضع الحالي، فيما المساعي والجهود الرسمية تتركز حالياً على تثبيت حالة الأمن والاستقرار وتوفير الهدوء والإسراع في قلب الصفحة «الحامية» التي حلت بالبلاد بعد مقتل المراهق نائل مرزوق، جزائري الجنسية ولكنه مولود في مدينة نانتير (على مدخل باريس الغربي)، حيث قتل برصاصة أطلقها شرطي عليه من مسافة قريبة، لرفضه الانصياع لأوامره بعد ملاحقته في شوارع المدينة وهو يقود سيارة مسروقة مسجلة في بولندا. ويعاني الرئيس الفرنسي من ثاني أزمة كبرى منذ إعادة انتخابه في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، بعد أزمة تغيير قانون التقاعد وما رافقها من نزول ملايين الأشخاص إلى الشوارع ومشاركتهم في المظاهرات الجرارة التي تواصلت لأشهر خصوصاً مشاهد العنف والاشتباكات والحرائق التي كانت تحدث دوماً مع انتهاء المسيرات التي غزت شاشات العالم وصفحات جرائده ومجلاته. ورهان ماكرون اليوم ثلاثي الأبعاد: من جهة، هو يعوّل على الانتشار الكثيف للقوى الأمنية على كافة أنحاء الجمهورية لردع أعمال العنف وما يواكبها من اشتباكات وحرائق وتعديات على الأماكن العامة والخاصة. ومن جهة ثانية، يعول على قدرة القوى الأمنية على وضع اليد على «نشطاء» الحراك والعنف.

وتبين إحصائيات وزارة الداخلية أن الأمن وضع اليد على 3500 شخص منذ أسبوع، وأن 6 آلاف سيارة أحرقت و1110 مبانٍ عامة خاصة أضرمت فيها النيران أو تضررت منها 60 مدرسة إلى جانب 1000 متجر تعرض للنهب، وأن 808 رجال شرطة وأمن أصيبوا بجراح. وهذه المحصلة تتخطى ما عرفته فرنسا خلال 3 أسابيع من أعمال الشغب في عام 2005 أو ما عانت منه إبان حراك السترات الصفراء بدءاً من أواخر عام 2018. وأخيراً، يراهن ماكرون على القضاء، وقد طلب من وزير العدل أن يدعو القضاة إلى التشدد وأن تكون يد العدالة «ثقيلة»، حتى تشكل الأحكام المنطوق بها «رادعاً» للمستقبل. وفي هذا الإطار، لن يتغير انتشار القوى الأمنية التي وصل عددها على الأرض إلى 45 ألف رجل من الشرطة والدرك ووحدات مكافحة الشغب. وأكثر من ذلك، يريد ماكرون معاقبة مالية لأهالي القاصرين أو المراهقين الذين يشاركون في أعمال الشغب. وقال خلال زيارة إلى ثكنة للشرطة في العاصمة مساء الاثنين: «يجب عند حدوث أول مخالفة التمكن من معاقبة العائلات مالياً وبسهولة، وهو نوع من رسم بالحد الأدنى فور ارتكاب أول هفوة».

رؤساء البلديات يدخلون قصر الإليزيه الثلاثاء (إ.ب.أ)

بيد أن الرئيس الفرنسي يعي جيداً، كما تعي الحكومة، أن التركيز على الرد الأمني لن يكون كافياً. ونقل عن الرئيس الفرنسي، لدى اجتماعه بـ241 رئيس بلدية تضرروا خلال الأحداث الأخيرة، أنه قدم وعداً بالتوصل إلى «حلول جوهرية» معتبراً، وفق ما نقلت القناة الإخبارية «بي إف إم» وأنه لم يعد من الممكن أن تكون هناك حالة لتكرار الأشياء التي كانت تمارس منذ عقود. وبقي ماكرون على حذره لجهة المقبل من الأيام؛ إذ تساءل في الاجتماع المذكور: «هل العودة إلى الهدوء دائمة؟ أتوخى الحذر حيال ذلك لكن الذروة التي شهدناها في الأيام الماضية قد مرت». وفي أي حال، يرى الرئيس الفرنسي أن المطلوب هو المحافظة على النظام الجمهوري وقوانينه وأن ذلك يشكل «الأولوية المطلقة بالنسبة إليه». واضح إذن أن المرحلة الأولى من تحرك أجهزة الدولة تتركز على استعادة الهدوء تمهيداً للمرحلة الثانية التي يراد منها البحث عن حلول. ونقل عن أوساط الرئاسة أن ماكرون «يريد وقتاً للتفكير والتشاور»، وأنه يسعى إلى «بدء عمل دقيق وطويل الأمد لفهم الأسباب العميقة التي أدت إلى هذه الأحداث».

إغداق الوعود حقيقة الأمر أن إغداق الوعود بمعالجة جذور الأزمات يزدهر في فترة اندلاعها ويتلاشى بعد أن يجري تناسيها. وتشير مصادر سياسية إلى أن ماكرون طلب من الوزير السابق جان لوي بورلو، المعروف بتخصصه في المسائل الاجتماعية، تقريراً عن الضواحي وعما يتوجب القيام به لتجنب اندلاع أحداث كالتي تعرفها فرنسا منذ أسبوع. وقدم بورلو تقريراً مفصلاً لرئيس الجمهورية في عام 2018، إلا أن التقرير بقي في الأدراج. وثمة قناعة متجذرة لدى الباحثين في الحقل الاجتماعي أن الدول الصناعية المتقدمة كالدول الأوروبية لن تكون بمنأى عن اندلاع أعمال عنف ما دامت هناك فئات اجتماعية تعيش على الهامش خصوصاً إذا كانت هذه الفئات من المهاجرين وأبنائهم، وهي الأكثر هشاشة لأنها تجد صعوبات كبرى في التأقلم، وتعاني من العنصرية والتمييز في المدرسة والعمل والسكن والحياة الاجتماعية بشكل عام. وكانت هذه الفئات في فرنسا على سبيل المثال تأتي من بلدان أوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا أو البرتغال وبولندا، بيد أن موجات الهجرة تغيرت مصادرها وأصبحت تنطلق، إلى حد كبير، من بلدان أفريقيا السوداء أو من شمال أفريقيا أي من مناطق تغلب فيها الديانة الإسلامية، أي من بلدان تتميز بمخزون ثقافي وديني مختلف عن البلدان الأوروبية شرقاً أو غرباً.

رجال شرطة وسط مفرقعات خلال الليلة الثالثة من الاحتجاجات في 30 يونيو الماضي (أ.ب)

ثمة ميزة فرنسية في التعاطي مع الفئات المهاجرة، وهي أن فرنسا التي تتبع نظاماً مركزياً متشدداً تريد من المهاجر ومن ذريته الانخراط بل والاندماج أيضاً في البوتقة الفرنسية، بعكس ما هو سائد مثلاً في بريطانيا. وهذا الاندماج ليس سهل المنال، ما يفضي مباشرة إلى التهميش. وهذه القراءة يتبناها عالم الاجتماع أوليفيه غالان الذي له مؤلفات كثيرة في هذا الخصوص، وقال في مقابلات كثيرة أجريت معه، في الأيام الأخيرة، حول علاقة شبان الضواحي والأحياء الشعبية، إن هؤلاء «يكنون كراهية» لرجال الشرطة لأنهم يرون أنهم «مستهدفون إما للون بشرتهم، وإما بسبب ديانتهم»، وأنهم يتعرضون للمساءلة عشرين مرة أكثر مما يتعرض له مواطن أو مهاجر ولاجئ أبيض البشرة.

عند كل حادثة أمنية، تظهر انقسامات المجتمع على حقيقتها؛ فاليمين المتطرف يرى فيها باباً للضغط على الحكومة لتبني سياسات أكثر تشدداً مع نفي الجوانب الاجتماعية للمشكلات، فيما اليسار يندد بالدولة لأنها لا تعالج جذور الأزمة؛ لذا، شدد اليمين واليمين المتطرف على أهمية فرض حالة الطوارئ ومنع التجول الأمر الذي رفضه ماكرون. وكان سيعد أمراً كهذا اعترافاً بالفشل في معالجة المسألة الأمنية.

أما اليسار فإنه، على الرغم من إدانته العنف، فإنه لا يرى حلاً من غير التعرض لجذور الأزمات، ولا يتردد في توجيه الانتقادات للحكومة؛ لأنها لا تعير الجوانب الاجتماعية الأهمية اللازمة. ودخل مجلس الشيوخ على الخط بمطالبته وزير الداخلية جيرالد درامان بحضور جلسة مساءلة أمام لجنة القوانين للتعرف منه على خطط الحكومة وعلى رؤيتها لما حدث ولخططها المستقبلية.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تسعى لزيادة أعداد المهاجرين من يهود فرنسا

شؤون إقليمية صورة عامة من مدينة تل أبيب الإسرائيلية (رويترز - أرشيفية)

إسرائيل تسعى لزيادة أعداد المهاجرين من يهود فرنسا

أفادت وسائل إعلام، اليوم الثلاثاء، بأن إسرائيل تستعد لزيادة أعداد المهاجرين اليهود القادمين من فرنسا في أعقاب أعمال الشغب الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا من جلسة مجلس النواب الليبي في بنغازي (صفحة المتحدث باسم المجلس بليحق)

«النواب» الليبي يوافق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا

في تحول لافت يعيد رسم خرائط التحالفات شرق المتوسط، طوى مجلس النواب الليبي صفحة المقاطعة مع أنقرة بمصادقته على الاتفاقية البحرية، بالتزامن مع زيارة قالن لطرابلس.

جمال جوهر (القاهرة)
الولايات المتحدة​ حرائق في «ميدان الجمهورية» بباريس أمس (إ.ب.أ)

فانس يُرجع أعمال العنف في فرنسا إلى الهجرة وسياسات «الاندماج»

عدَّ نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، أنَّ الهجرة ومشكلة «الاندماج» هما السبب وراء أعمال العنف التي شهدتها فرنسا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)

بعد سبتة... ملك إسبانيا يزور مليلية

قام ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا بزيارة مليلية الأربعاء، غداة زيارتهما جيب سبتة، حيث دافع عن السيادة الإسبانية على المدينتين.

«الشرق الأوسط» (مليلية)
شمال افريقيا  الملك وزوجته يحييان الجماهير التي جاءت للترحيب بهما (أ.ف.ب)

ملك إسبانيا يزور سبتة وسط توتر دبلوماسي مع المغرب إثر أزمة المهاجرين

بدأ ملك إسبانيا فيليبي السادس الثلاثاء زيارة نادرة وحساسة دبلوماسياً إلى مدينة سبتة بعد أكثر من شهرين على التدفق الهائل للمهاجرين إليها

«الشرق الأوسط» (سبتة)

النيابة الفرنسية تطلب سجن النائبة الأوروبية ريما حسن مع وقف التنفيذ ومنع ترشحها لعامين

النائبة الأوروبية الفرنسية الفلسطينية ريما حسن خلال مؤتمر صحافي برفقة محاميها عقب جلسة استماع بمقر الشرطة القضائية في باريس يوم 3 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
النائبة الأوروبية الفرنسية الفلسطينية ريما حسن خلال مؤتمر صحافي برفقة محاميها عقب جلسة استماع بمقر الشرطة القضائية في باريس يوم 3 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

النيابة الفرنسية تطلب سجن النائبة الأوروبية ريما حسن مع وقف التنفيذ ومنع ترشحها لعامين

النائبة الأوروبية الفرنسية الفلسطينية ريما حسن خلال مؤتمر صحافي برفقة محاميها عقب جلسة استماع بمقر الشرطة القضائية في باريس يوم 3 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
النائبة الأوروبية الفرنسية الفلسطينية ريما حسن خلال مؤتمر صحافي برفقة محاميها عقب جلسة استماع بمقر الشرطة القضائية في باريس يوم 3 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

طلبت النيابة العامة في باريس، اليوم الثلاثاء، سجن النائبة الأوروبية عن حزب «فرنسا الأبية» ريما حسن عشرة أشهر مع وقف التنفيذ، وحرمانها من الترشح للانتخابات لمدة عامين، في محاكمتها بتهمة تمجيد الإرهاب، وفق ما نقله موقع «فرانس إنفو».

ريما حسن عضوة البرلمان الأوروبي عن حزب «فرنسا الأبية» تصل إلى المحكمة في باريس يوم 19 أكتوبر 2026 (رويترز)

وتُلاحَق حسن على خلفية منشور على منصة «إكس»، حذفته لاحقاً، تضمّن صورة واقتباساً للياباني كوزو أوكاموتو، أحد منفّذي الهجوم على مطار اللد في تل أبيب عام 1972، الذي أوقع 26 قتيلاً ونُفّذ باسم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

واعتبرت النيابة أن «التهوين من شأن مجزرة» و«تمجيد منفّذ الاعتداء» يشكّلان تمجيداً للإرهاب. ووصفت الجرم بأنه «واضح»، نافيةً أن تكون ملاحقة حسن مرتبطة بآرائها السياسية.

وكانت النائبة الفرنسية الفلسطينية، المتخصّصة في القانون الدولي، قد ندّدت أمام المحكمة، الاثنين، بما وصفته بأنه «محاولة ترهيب» و«إسكات نائبة من المعارضة».

ونشرت حسن، في 26 مارس (آذار) الماضي، صورة أوكاموتو مرفقة باقتباس جاء فيه: «كرّست شبابي للقضية الفلسطينية. ما دام هناك اضطهاد، فلن تكون المقاومة حقاً فحسب، وإنما واجباً».

النائبة الأوروبية الفرنسية الفلسطينية ريما حسن (وسط) تشارك في تجمع بساحة الجمهورية في باريس يوم 8 أكتوبر 2025 تضامناً مع غزة (أ.ف.ب)

وقالت حسن أمام المحكمة إنها «النائبة الأكثر تعرّضاً للملاحقة في الجمهورية الخامسة بسبب مواقفها السياسية»، مشيرة إلى عشرات الشكاوى والبلاغات المقدّمة بحقها.

كما انتقدت رفض القضاء فتح تحقيق قضائي لكشف مصدر تسريبات أفادت خطأً بالعثور على مخدرات في حقيبتها خلال احتجازها على ذمة القضية.


بريطانيا تعتقل شخصين مجدداً للاشتباه في مساعدتهما الاستخبارات الإيرانية بواقعة فيرفورد

قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» تقلع من قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية يوم 4 أكتوبر 2026 في لقطة من فيديو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» تقلع من قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية يوم 4 أكتوبر 2026 في لقطة من فيديو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي (رويترز)
TT

بريطانيا تعتقل شخصين مجدداً للاشتباه في مساعدتهما الاستخبارات الإيرانية بواقعة فيرفورد

قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» تقلع من قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية يوم 4 أكتوبر 2026 في لقطة من فيديو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي - 1» تقلع من قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية يوم 4 أكتوبر 2026 في لقطة من فيديو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي (رويترز)

قالت الشرطة البريطانية، اليوم الثلاثاء، إنها ألقت القبض مجدداً على رجلين للاشتباه في مساعدتهما جهاز مخابرات أجنبياً في إطار تحقيقها في واقعة بقاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد الشهر الماضي.

وذكرت شرطة مكافحة الإرهاب، في بيان، أنها قبضت مجدداً على بريطاني يبلغ 24 عاماً وآخر يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية ويبلغ 25 عاماً.

وأضافت أن الدولة المعنية بالتحقيق هي إيران، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتعود حادثة قاعدة «فيرفورد» إلى 27 سبتمبر (أيلول) الماضي، حين اعتقلت الشرطة البريطانية خمسة رجال بريطانيين قرب هذه القاعدة الجوية، التي استخدمتها قاذفات أميركية في الحرب لشن ضربات على إيران، للاشتباه بتورطهم في مخطط يستهدف القاعدة. وأوقفت السلطات لاحقاً شخصين آخرين، أحدهما يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية، قبل الإفراج عن الموقوفين السبعة بكفالة، في حين استمرت التحقيقات.


«التجمع الوطني» بزعامة لوبن يراهن على خطاب الأمن لتعزيز حظوظه لرئاسة فرنسا

زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز)
زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«التجمع الوطني» بزعامة لوبن يراهن على خطاب الأمن لتعزيز حظوظه لرئاسة فرنسا

زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز)
زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز)

بعد أعمال العنف التي شهدتها مدن فرنسية على هامش الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، عكف حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف على مهاجمة حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، واصفاً إياها بـ«العاجزة»، بينما اتهم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي بالعمل على إثارة «حرب أهلية»، مصوّراً نفسه على أنه الطرف الأكثر حرصاً على حفظ النظام، وواضعاً نصب عينيه كسب أكبر عدد من الناخبين قبل الانتخابات الرئاسية، وفق تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومن خلف مكتبها، حيث ظهر علم فرنسا وراءها، ألقت زعيمة الحزب مارين لوبن خطاباً حمل طابعاً رئاسياً بشأن الأحداث التي وقعت نهاية الأسبوع الماضي.

بالأسلوب نفسه، ألقى رئيس الحزب جوردان بارديلا والمرشح لتولي رئاسة الوزراء في حال فوز «التجمع الوطني»، خطاباً بشأن المظاهرات، الاثنين، من أمام علم بلاده، فيما كُتبت على منصة الإلقاء عبارة «في مواجهة الفوضى، (نقف مع) فرنسا النظام».

مارين لوبن برفقة مدير حملتها جوليان سانشيز خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز)

وانتشر هذا الشعار بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي في نهاية الأسبوع، إلى جانب صور تقارن بين «الأزمة العميقة» الناجمة عن «عقد من الماكرونية» و«فرنسا الهادئة» التي ستنتج عن فوز لوبن في الانتخابات، خصوصاً أن الأخيرة وضعت حفظ النظام في صلب برنامجها الانتخابي.

وكانت لوبن، التي تتصدر استطلاعات الرأي في الانتخابات الرئاسية التي ستجري بعد نحو ستة أشهر، أكدت أن حزبها يقف في صفّ الشرطة، بما يتماشى مع خطابه الداعي إلى فرض القانون والحفاظ على النظام.

وتواجه الحكومة الفرنسية ضغوطاً هائلة بعد أعمال العنف والنهب التي تخللتها مظاهرات السبت، وسط دعوات لمزيد من الاحتجاجات.

ويتخوّف خصوم «التجمع الوطني» من أن تسهم أعمال الشغب في صعوده إلى السلطة. ومن بين هؤلاء المرشح للرئاسة عن يسار الوسط رافاييل غلوكسمان، الذي أعرب عن قلقه من أن «تصب الفوضى في مصلحة» مارين لوبن، وأن يتحوّل مرشح حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون إلى أداة تتيح وصولها إلى السلطة.

شاشة تلفزيون تعرض خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس يوم 18 أكتوبر 2026 غداة أعمال عنف ونهب رافقت الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة (أ.ف.ب)

اتهامات متبادلة

وينفي مسؤولو «التجمع الوطني» أي محاولة من الحزب للاستثمار سياسياً في أعمال الشغب. وقال أحدهم «لا يمكن للمرء أن يفرح لرؤية البلاد على هذه الحال. عندما تكون وطنياً، ستتألم لذلك».

إلا أن الخبير السياسي برونو كوتري دعا إلى عدم المبالغة في تقدير حجم تأثير أعمال العنف على نتائج الانتخابات.

وقال في حديث إلى «وكالة الصحافة الفرنسية» إنه «على المدى القصير، يصب كل ما يحصل في مصلحة السياسيين الذين يركز خطابهم على القانون والنظام والأمن»، مشيراً في المقابل إلى أن ذلك «لن يترجَم تلقائياً في صناديق الاقتراع».

من جهته، رأى فريدريك دابي من معهد «إيفوب» لاستطلاعات الرأي أن أعمال العنف الأخيرة «أحدثت صدمة، ولن تمر من دون تداعيات».

وفي محاولة للحؤول دون أن تسهم أعمال العنف في تعزيز حظوظ «التجمع الوطني»، قالت المتحدثة باسم الحكومة مود بريجون، الداعمة لرئيس الوزراء السابق ومرشح يمين الوسط إدوارد فيليب: «أعتقد أن الشعب الفرنسي شعب ذكي».

وشددت على ثقتها بأن المواطنين «قادرون على فهم مدى تعقيد الأشياء»، وعلى إدراك أن «مقترحات ماري لوبن مصيرها الفشل».

وركّز «التجمع الوطني» في خطابه على مهاجمة الحكومة، إذ اتهمها جوردان بارديلا بأنها مسؤولة عن وضع يشهد «إفلاساً أمنياً وسياسياً غير مسبوق»، فضلاً عن «التهرب من مسؤولياتها».

كذلك، يهاجم الحزب فيليب ومرشحي الوسط، فضلاً عن جان لوك ميلانشون الذي تُظهر استطلاعات الرأي تقدماً كبيراً لماري لوبن على حسابه.

السلطات تتهم اليسار المتطرف بالتخطيط لتمرد

وتتهم السلطة من جهتها اليسار المتطرف وحزب «فرنسا الأبية» بتعزيز الفوضى في الاحتجاجات الأخيرة. فقد اتهم رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لوكورنو، الثلاثاء، «جماعات من اليسار المتطرّف» بـ«وضع مخطّط للتمرّد»، متعهداً بأن يكون الانتشار الأمني لمواكبة المظاهرات الجديدة المقررة السبت «كثيفاً»، فيما فرضت الشرطة حظراً جديداً للتجول في أجزاء من باريس ليل الثلاثاء.

وقال لوكورنو خلال جلسة أسئلة أمام «الجمعية الوطنية»: «لن نسمح بأن تقوم جماعات صغيرة متمردة بالزحف إلى قصر الإليزيه، وإلى ماتينيون» في إشارة إلى مقري رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة.

وتواجه الحكومة انتقادات حادّة بعد أعمال عنف ونهب، هي الأخطر خلال السنوات الأخيرة، وقعت على هامش مظاهرات حاشدة السبت احتجاجاً على غلاء المعيشة، قبل ستة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية، في بلد يثير قلقاً متنامياً في الأسواق المالية بسبب حجم ديونه وعدم استقراره.

وأقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوجود «إخفاقات» في إدارة الاحتجاجات. واتفقت الكتل السياسية في الجمعية الوطنية على تشكيل لجنة تحقيق في أعمال العنف، وأيضاً في التدابير التي اتُّخذت لحفظ النظام.

كذلك اعترف رئيس الوزراء أمام «الجمعية الوطنية» بأن الانتشار في 17 أكتوبر «لم يكن متحركاً بما يكفي»، خلال يوم شهد أعمال عنف ونهب واسعة.