سعيد خطيبي: أكتب لأروّض التاريخ وأستمد منه الحكايات

الروائي الجزائري يقول إن أسئلة الهوية واللغة تشكل ضغطاً على الأدب في بلاده

سعيد خطيبي
سعيد خطيبي
TT

سعيد خطيبي: أكتب لأروّض التاريخ وأستمد منه الحكايات

سعيد خطيبي
سعيد خطيبي

برغم قلة ما صدر له من أعمال روائية، فإنه لفت النظر إليه باعتباره أحد أكثر الأصوات الموهوبة من الجيل الجديد في المشهد الثقافي الجزائري. يركز سعيد خطيبي على العودة إلى التاريخ الحديث فهو وسيلته المفضلة لمساءلة الحاضر سياسياً ومجتمعيا. فازت روايته الجديدة «نهاية الصحراء» بجائزة «الشيخ زايد» في الأدب هذا العام، وسبق أن فاز بجائزتي «كتارا» و«ابن بطوطة» كما وصلت روايته «حطب سراييفو» إلى القائمة القصيرة لجائزة «البوكر» للرواية العربية. وهو يحمل شهادة على ماجستير في الدراسات الثقافية من جامعة السوربون، ويعمل بالصحافة والترجمة ويكتب في أدب الرحلة أيضاً... هنا حوار معه حول تجربته الروائية:

* بداية تبدو «نهاية الصحراء» عملاً بوليسياً ينتمي لأدب الجريمة لكن مع القراءة المتعمقة يتبين أن النص يحفر في التاريخ المنسي سياسياً واجتماعياً للجزائر في الثمانينات... هل كانت الحبكة البوليسية مجرد حيلة لاستدراج القارئ؟

- الجريمة الحقيقية وقعت في حقّ التّاريخ. في الرّواية جثتان، الأوّلى لشخصية «زازا»، والثّانية جثة بلد. شرعت في كتابتها بنية الكتابة عن رّبع القرن الأوّل من الاستقلال، وصولاً إلى أحداث 5 أكتوبر 1988، حين خرج الناس إلى الشّارع يشتكون الجوع وخيبتهم مما يحصل. ربع قرن كانت كافية كي نكتشف أعطاب التاريخ. إن الاستعمار خرج لكننا لم نبنِ بلداً، لأننا اشتغلنا بخصومات داخلية وصراعات من أجل السّلطة، بينما الشعب ظل على دكة الانتظار. الشّعب هو الذي قام بحرب التّحرير وهو الذي سوف يفضح فشل مشروع الاستقلال. كيف نكتب عن بلد كان يسير صوب هاوية؟ الحبكة البوليسية فرضت نفسها. كتبت عن ذلك الهامش من الحياة الجزائرية، عن أشخاص نسمع عنهم لكن لا صوت لهم. لم يكونوا من المثقّفين ولا من المقرّبين من السلطة. يعيشون في عزلة. يتكفّلون بالبحث عن الجاني في مقتل المغنية «زازا» قبل أن يتبيّن لهم أنّهم بصدد البحث عمن خنق بلدهم.

* ما الذي استفزك في تاريخ الجزائر في حقبة الثمانينات وأردت الكشف عنه رغم أنك من مواليد 1984 وما علاقة ذلك بما تردده حول وجوب «ترويض التاريخ»؟

- تاريخ الجزائر حقيبة أسئلة. المجهول منه أكثر من المعلوم. ما يحصل في الجزائر يحصل في بلدان عربية أخرى، حيث هناك من يستفرد وحده بكتابة التّاريخ، وصار المؤرّخ موظفاً متنازلاً عن حريته. لذلك أكتب، والكتابة تستدعي ترويض هذا التاريخ الرّسمي، عدم السّقوط في اليقينيات. ولا أدّعي امتلاك الحقيقة، بل أكتب دفاعاً عن حقي في الخطأ. أكتب تخييلاً، وليس شيئاً آخر، مقتنعاً بأن الخطأ يقرّبنا من الحقيقة. لم يعد بوسعنا سوى اللجوء إلى الرّواية قصداً لتحقيق مصالحة تاريخية عجزت عنها المؤسسة الرسمية. حقبة الثّمانينات هي أكثر فترة حرجة من تاريخ الجزائر. مع صعود البرجوازيات الجديدة وما ترتب عليها من صراعات اجتماعية، تراجع السّلطة المركزية عقب انهيار أسعار البترول، وبالتّالي ضعف الدولة، مما أدّى إلى صعود خطابات راديكالية. حقبة الثّمانينات شهدت انقلاباً لم ننتبه إليه، بنهاية زمن (المجتمع) وسطوع فكرة (الفردانية)، هذه الحقبة سوف تنتج عنها عشر سنوات من حرب أهلية في التّسعينات، مع توسّع التّطرف الدّيني، الذي صاغ خطاباً تكفيرياً يبيح الموت والدّم.

* في روايتك «حطب سراييفو» تنتقل إلى جغرافيا ومأساة أخرى، لكن يبدو أنك لم تغادر الجزائر تماماً... فهل كتبت هذا العمل وعينك لا تزال فعلاً على وطنك؟

- كتبت في «حطب سراييفو» عما وقع في البوسنة والهرسك في تسعينات القرن الماضي، وهي أحداث تتشابه مع ما وقع في الجزائر في الحقبة عينها. أقمت في سراييفو – بضعة أشهر - وشغلتني التّشابهات التّاريخية بينها وبين الجزائر، لا سيما في العنف الذي تعرّضت له. كتبت عن بلدين جمعت بينهما ذاكرة ممزّقة. ما وقع في التسعينات لم ينتهِ. لا يزال التّطرّف حاضراً في المدرسة كما في المسجد، في الكتب كما في التّلفزيون. هنالك ابتذال في ممارسة عنف معنوي ضدّ المرأة، وفي تكفير الكاتب أو الفنان لذلك لا أكتب عن التاريخ من موقع المؤّرخ، الباحث عن استعادة كرونولوجيا، بل أستعير منه حكاياته كي أسرد ما يحصل أمام عيني.

* في روايتك «أربعون عاماً في انتظار إيزابيل» ثمة محاولة لإحياء سيرة واحدة من الشخصيات التاريخية الأكثر إثارة للجدل، وهي الكاتبة والرحّالة السويسرية إيزابيل إيبرهارت التي عاشت جزءاً من حياتها القصيرة في الجزائر، ما سبب اختيارك تلك الشخصية؟

- علاقتي بإيزابيل إيبرهارت بدأت في سنّ مبكرة كعلاقة شخصيّة. فقد سبق لها أن أقامت في مدينة بوسعادة، في بيت جنب بيتنا. ولا تزال الألسنة تحكي حكايتها. قبل أن أكتب عنها رواية، طالعت كلّ أعمالها، من قصص ويوميات. كتبت عنها أكثر من مقال واستطلاع مطوّل يقتفي رحلتها في الصّحراء. شعرت أن من المنطقي أن أستعيد سيرتها بشكل متخيل، بالأحرى سيرة موازية لها، لأنّها تمثل تناقضات الزّمن الذي نعيش فيه: أجنبية في مجتمع مغلق، امرأة في مجتمع ذكوري، على سبيل المثال لا الحصر. كانت أول أجنبية تتعلّم العربية في الجزائر ثم تكتب بها. كونها امرأة فقد كانت ولا تزال عرضة للتشويه، من طرف مؤسسات أكاديمية باتت تمارس قراءات دينية للأدب، رغم أن عاشت بين الأهالي ودافعت عنهم. يسعدني أن هذه الرّواية صارت مرجعاً في الدّراسات ما بعد الكولونيالية، في الجزائر وخارجها. لست أدافع عن إيزابيل إيبرهارت، لكن يهمّني هذا النّقاش الذي لا يزال يدور حولها حتى اليوم.

* هل لجوؤك للتاريخ بمثابة هروب من الواقع؟

- أنا لا أهرب من الواقع، بل إنني في اشتباك دائم معه. لا ألجأ إلى التاريخ بقصد الهروب من رقابة أو تفادياً لممارسة رقابة ذاتية على كتابتي، بل التاريخ هو نافذة أطلّ منها على يجري من حولي. في الجزائر أشعر أنه لا يمكننا الحديث عن حاضر ولا عن مستقبل، بحكم أننا نعيش في حلقة من التّكرار. أحداث ووقائع تعيد نفسها كلّ مرّة. نعيش في ماضٍ مستمرّ. لم نتخلّص من علاقتنا المرضية به.

* العام الحالي يشهد مرور 100 عام على صدور أول رواية جزائرية مكتوبة باللغة الفرنسية، إلى أي حد لا يزال «سؤال الهوية» وثنائيتا «الفرنسية والعربية» و«الاستعمار ولاستقلال» عناصر ضاغطة في المشهد الأدبي الجزائري المعاصر؟

- الرواية الجزائرية أقدم من ذلك. بحكم أن رواية «خضرة راقصة أولاد نائل» صدرت عام 1910 (مع أنّها رواية أنثروبولوجية تتطابق في رؤيتها للأهالي مع الرّؤية الكولونيالية). صحيح أننا نعيش انقساماً في الجزائر. لا توجد رواية واحدة، بل نحن في مواجهة روايتين. الأوّلى ناطقة بالفرنسية والثّانية بالعربية لم يتعد عمرها نّصف القرن (بالإضافة إلى رواية جديدة مكتوبة بالأمازيغية). لا يزال سؤال الهوية سؤالاً مركزياً في الأدب الجزائري. ففي ظلّ تغييب العلوم الإنسانية، بات الأدب وحده بديلاً عن هذه الدّراسات في الجزائر. قد يقول البعض إن من أزمات الجزائر فشل الدّيمقراطية، الرّشوة والفساد، وقضايا أخرى مشابهة، لكن برأيي أن أزمة الجزائر ولدت منذ اللحظة التي جرى فيها تحييد العلوم الإنسانية، تزامناً مع الإعلاء من شأن الشّريعة في المدارس والجامعة. في هذا الجو لا يمكن أن نتفاءل بميلاد مواطنين أسوياء. مسألة اللغة أيضاً لا تزال في واجهة الخصومات. كلّما حصل سوء فهم دبلوماسي بين الجزائر وفرنسا، فإن الأدب هو من يدفع الثّمن. يصير كلّ كاتب جزائري باللغة الفرنسية خائناً. هكذا ببساطة، مع أن اللغة الفرنسية حاضرة ولا يمكن محوّها، تحوّلت من «غنيمة حرب» إلى «بارود حرب». من جهة أخرى لا تزال اللغة العربية محتجزة بين ضفتين: بين لغة فقهاء تراوح بين الحلال والحرام، أو لغة ساسة يستغلونها في حملاتهم الانتخابية، برأيي أن مهمّتنا الأخرى في الكتابة هي إعادة اللغة العربية إلى موضعها الطّبيعي، كلغة حوار وانفتاح على الآخر، بعيداً عن تجاذبات الدّين والسّياسة.

تاريخ الجزائر حقيبة أسئلة. المجهول منه أكثر من المعلوم، وما يحصل في الجزائر يحصل في بلدان عربية أخرى، حيث هناك من يستفرد لوحده بكتابة التّاريخ

سعيد خطيبي:

* حصلت على جائزتي «كتارا» و«الشيخ زايد للكتاب»، فضلاً عن جائزة «ابن بطوطة» في أدب الرحلة... هل ترى أن الجوائز يمكن أن تكون سلاحاً ذا حدين؟

- النّاشر هو من يرشح الرّواية، وليس الكاتب. وأشكر ناشري (هاشيت أنطوان/ نوفل) على ثقته. تاريخ الجوائز الأدبية هو تاريخ قصير، مقارنة بتاريخ الأدب العربي. من المنطقي أن يثار نقاش حولها كلّ سنة، وسوف يستمر الحال كذلك في السّنوات القليلة المقبلة. لكن يجب ألا ننسى أن الجائزة الأدبية من شأنها المشاركة فيما يمكن أن نُسميه (الاقتصاد الثّقافي)، فهي ترفع من عائدات سوق الكتاب، والمستفيد هو النّاشر قبل الكاتب. كما أنها تتيح اهتماماً غربياً بالكتاب العربي، على عكس ما كان يحدث في الماضي. من المفيد تنويع الجوائز، وتدشين جوائز للقرّاء والمكتبات، والأهم من ذلك أن نؤمن بديمقراطية الأدب. وبحقّ النّقاد من لجان التّحكيم في التّصويت على كتاب، وأن ذلك لا يعني إنقاصاً من قيمة كتاب آخر. في النهاية هدفنا واحد: إعادة الكتاب إلى قائمة أولويات المواطن العربي.


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.