سعيد خطيبي: أكتب لأروّض التاريخ وأستمد منه الحكايات

الروائي الجزائري يقول إن أسئلة الهوية واللغة تشكل ضغطاً على الأدب في بلاده

سعيد خطيبي
سعيد خطيبي
TT

سعيد خطيبي: أكتب لأروّض التاريخ وأستمد منه الحكايات

سعيد خطيبي
سعيد خطيبي

برغم قلة ما صدر له من أعمال روائية، فإنه لفت النظر إليه باعتباره أحد أكثر الأصوات الموهوبة من الجيل الجديد في المشهد الثقافي الجزائري. يركز سعيد خطيبي على العودة إلى التاريخ الحديث فهو وسيلته المفضلة لمساءلة الحاضر سياسياً ومجتمعيا. فازت روايته الجديدة «نهاية الصحراء» بجائزة «الشيخ زايد» في الأدب هذا العام، وسبق أن فاز بجائزتي «كتارا» و«ابن بطوطة» كما وصلت روايته «حطب سراييفو» إلى القائمة القصيرة لجائزة «البوكر» للرواية العربية. وهو يحمل شهادة على ماجستير في الدراسات الثقافية من جامعة السوربون، ويعمل بالصحافة والترجمة ويكتب في أدب الرحلة أيضاً... هنا حوار معه حول تجربته الروائية:

* بداية تبدو «نهاية الصحراء» عملاً بوليسياً ينتمي لأدب الجريمة لكن مع القراءة المتعمقة يتبين أن النص يحفر في التاريخ المنسي سياسياً واجتماعياً للجزائر في الثمانينات... هل كانت الحبكة البوليسية مجرد حيلة لاستدراج القارئ؟

- الجريمة الحقيقية وقعت في حقّ التّاريخ. في الرّواية جثتان، الأوّلى لشخصية «زازا»، والثّانية جثة بلد. شرعت في كتابتها بنية الكتابة عن رّبع القرن الأوّل من الاستقلال، وصولاً إلى أحداث 5 أكتوبر 1988، حين خرج الناس إلى الشّارع يشتكون الجوع وخيبتهم مما يحصل. ربع قرن كانت كافية كي نكتشف أعطاب التاريخ. إن الاستعمار خرج لكننا لم نبنِ بلداً، لأننا اشتغلنا بخصومات داخلية وصراعات من أجل السّلطة، بينما الشعب ظل على دكة الانتظار. الشّعب هو الذي قام بحرب التّحرير وهو الذي سوف يفضح فشل مشروع الاستقلال. كيف نكتب عن بلد كان يسير صوب هاوية؟ الحبكة البوليسية فرضت نفسها. كتبت عن ذلك الهامش من الحياة الجزائرية، عن أشخاص نسمع عنهم لكن لا صوت لهم. لم يكونوا من المثقّفين ولا من المقرّبين من السلطة. يعيشون في عزلة. يتكفّلون بالبحث عن الجاني في مقتل المغنية «زازا» قبل أن يتبيّن لهم أنّهم بصدد البحث عمن خنق بلدهم.

* ما الذي استفزك في تاريخ الجزائر في حقبة الثمانينات وأردت الكشف عنه رغم أنك من مواليد 1984 وما علاقة ذلك بما تردده حول وجوب «ترويض التاريخ»؟

- تاريخ الجزائر حقيبة أسئلة. المجهول منه أكثر من المعلوم. ما يحصل في الجزائر يحصل في بلدان عربية أخرى، حيث هناك من يستفرد وحده بكتابة التّاريخ، وصار المؤرّخ موظفاً متنازلاً عن حريته. لذلك أكتب، والكتابة تستدعي ترويض هذا التاريخ الرّسمي، عدم السّقوط في اليقينيات. ولا أدّعي امتلاك الحقيقة، بل أكتب دفاعاً عن حقي في الخطأ. أكتب تخييلاً، وليس شيئاً آخر، مقتنعاً بأن الخطأ يقرّبنا من الحقيقة. لم يعد بوسعنا سوى اللجوء إلى الرّواية قصداً لتحقيق مصالحة تاريخية عجزت عنها المؤسسة الرسمية. حقبة الثّمانينات هي أكثر فترة حرجة من تاريخ الجزائر. مع صعود البرجوازيات الجديدة وما ترتب عليها من صراعات اجتماعية، تراجع السّلطة المركزية عقب انهيار أسعار البترول، وبالتّالي ضعف الدولة، مما أدّى إلى صعود خطابات راديكالية. حقبة الثّمانينات شهدت انقلاباً لم ننتبه إليه، بنهاية زمن (المجتمع) وسطوع فكرة (الفردانية)، هذه الحقبة سوف تنتج عنها عشر سنوات من حرب أهلية في التّسعينات، مع توسّع التّطرف الدّيني، الذي صاغ خطاباً تكفيرياً يبيح الموت والدّم.

* في روايتك «حطب سراييفو» تنتقل إلى جغرافيا ومأساة أخرى، لكن يبدو أنك لم تغادر الجزائر تماماً... فهل كتبت هذا العمل وعينك لا تزال فعلاً على وطنك؟

- كتبت في «حطب سراييفو» عما وقع في البوسنة والهرسك في تسعينات القرن الماضي، وهي أحداث تتشابه مع ما وقع في الجزائر في الحقبة عينها. أقمت في سراييفو – بضعة أشهر - وشغلتني التّشابهات التّاريخية بينها وبين الجزائر، لا سيما في العنف الذي تعرّضت له. كتبت عن بلدين جمعت بينهما ذاكرة ممزّقة. ما وقع في التسعينات لم ينتهِ. لا يزال التّطرّف حاضراً في المدرسة كما في المسجد، في الكتب كما في التّلفزيون. هنالك ابتذال في ممارسة عنف معنوي ضدّ المرأة، وفي تكفير الكاتب أو الفنان لذلك لا أكتب عن التاريخ من موقع المؤّرخ، الباحث عن استعادة كرونولوجيا، بل أستعير منه حكاياته كي أسرد ما يحصل أمام عيني.

* في روايتك «أربعون عاماً في انتظار إيزابيل» ثمة محاولة لإحياء سيرة واحدة من الشخصيات التاريخية الأكثر إثارة للجدل، وهي الكاتبة والرحّالة السويسرية إيزابيل إيبرهارت التي عاشت جزءاً من حياتها القصيرة في الجزائر، ما سبب اختيارك تلك الشخصية؟

- علاقتي بإيزابيل إيبرهارت بدأت في سنّ مبكرة كعلاقة شخصيّة. فقد سبق لها أن أقامت في مدينة بوسعادة، في بيت جنب بيتنا. ولا تزال الألسنة تحكي حكايتها. قبل أن أكتب عنها رواية، طالعت كلّ أعمالها، من قصص ويوميات. كتبت عنها أكثر من مقال واستطلاع مطوّل يقتفي رحلتها في الصّحراء. شعرت أن من المنطقي أن أستعيد سيرتها بشكل متخيل، بالأحرى سيرة موازية لها، لأنّها تمثل تناقضات الزّمن الذي نعيش فيه: أجنبية في مجتمع مغلق، امرأة في مجتمع ذكوري، على سبيل المثال لا الحصر. كانت أول أجنبية تتعلّم العربية في الجزائر ثم تكتب بها. كونها امرأة فقد كانت ولا تزال عرضة للتشويه، من طرف مؤسسات أكاديمية باتت تمارس قراءات دينية للأدب، رغم أن عاشت بين الأهالي ودافعت عنهم. يسعدني أن هذه الرّواية صارت مرجعاً في الدّراسات ما بعد الكولونيالية، في الجزائر وخارجها. لست أدافع عن إيزابيل إيبرهارت، لكن يهمّني هذا النّقاش الذي لا يزال يدور حولها حتى اليوم.

* هل لجوؤك للتاريخ بمثابة هروب من الواقع؟

- أنا لا أهرب من الواقع، بل إنني في اشتباك دائم معه. لا ألجأ إلى التاريخ بقصد الهروب من رقابة أو تفادياً لممارسة رقابة ذاتية على كتابتي، بل التاريخ هو نافذة أطلّ منها على يجري من حولي. في الجزائر أشعر أنه لا يمكننا الحديث عن حاضر ولا عن مستقبل، بحكم أننا نعيش في حلقة من التّكرار. أحداث ووقائع تعيد نفسها كلّ مرّة. نعيش في ماضٍ مستمرّ. لم نتخلّص من علاقتنا المرضية به.

* العام الحالي يشهد مرور 100 عام على صدور أول رواية جزائرية مكتوبة باللغة الفرنسية، إلى أي حد لا يزال «سؤال الهوية» وثنائيتا «الفرنسية والعربية» و«الاستعمار ولاستقلال» عناصر ضاغطة في المشهد الأدبي الجزائري المعاصر؟

- الرواية الجزائرية أقدم من ذلك. بحكم أن رواية «خضرة راقصة أولاد نائل» صدرت عام 1910 (مع أنّها رواية أنثروبولوجية تتطابق في رؤيتها للأهالي مع الرّؤية الكولونيالية). صحيح أننا نعيش انقساماً في الجزائر. لا توجد رواية واحدة، بل نحن في مواجهة روايتين. الأوّلى ناطقة بالفرنسية والثّانية بالعربية لم يتعد عمرها نّصف القرن (بالإضافة إلى رواية جديدة مكتوبة بالأمازيغية). لا يزال سؤال الهوية سؤالاً مركزياً في الأدب الجزائري. ففي ظلّ تغييب العلوم الإنسانية، بات الأدب وحده بديلاً عن هذه الدّراسات في الجزائر. قد يقول البعض إن من أزمات الجزائر فشل الدّيمقراطية، الرّشوة والفساد، وقضايا أخرى مشابهة، لكن برأيي أن أزمة الجزائر ولدت منذ اللحظة التي جرى فيها تحييد العلوم الإنسانية، تزامناً مع الإعلاء من شأن الشّريعة في المدارس والجامعة. في هذا الجو لا يمكن أن نتفاءل بميلاد مواطنين أسوياء. مسألة اللغة أيضاً لا تزال في واجهة الخصومات. كلّما حصل سوء فهم دبلوماسي بين الجزائر وفرنسا، فإن الأدب هو من يدفع الثّمن. يصير كلّ كاتب جزائري باللغة الفرنسية خائناً. هكذا ببساطة، مع أن اللغة الفرنسية حاضرة ولا يمكن محوّها، تحوّلت من «غنيمة حرب» إلى «بارود حرب». من جهة أخرى لا تزال اللغة العربية محتجزة بين ضفتين: بين لغة فقهاء تراوح بين الحلال والحرام، أو لغة ساسة يستغلونها في حملاتهم الانتخابية، برأيي أن مهمّتنا الأخرى في الكتابة هي إعادة اللغة العربية إلى موضعها الطّبيعي، كلغة حوار وانفتاح على الآخر، بعيداً عن تجاذبات الدّين والسّياسة.

تاريخ الجزائر حقيبة أسئلة. المجهول منه أكثر من المعلوم، وما يحصل في الجزائر يحصل في بلدان عربية أخرى، حيث هناك من يستفرد لوحده بكتابة التّاريخ

سعيد خطيبي:

* حصلت على جائزتي «كتارا» و«الشيخ زايد للكتاب»، فضلاً عن جائزة «ابن بطوطة» في أدب الرحلة... هل ترى أن الجوائز يمكن أن تكون سلاحاً ذا حدين؟

- النّاشر هو من يرشح الرّواية، وليس الكاتب. وأشكر ناشري (هاشيت أنطوان/ نوفل) على ثقته. تاريخ الجوائز الأدبية هو تاريخ قصير، مقارنة بتاريخ الأدب العربي. من المنطقي أن يثار نقاش حولها كلّ سنة، وسوف يستمر الحال كذلك في السّنوات القليلة المقبلة. لكن يجب ألا ننسى أن الجائزة الأدبية من شأنها المشاركة فيما يمكن أن نُسميه (الاقتصاد الثّقافي)، فهي ترفع من عائدات سوق الكتاب، والمستفيد هو النّاشر قبل الكاتب. كما أنها تتيح اهتماماً غربياً بالكتاب العربي، على عكس ما كان يحدث في الماضي. من المفيد تنويع الجوائز، وتدشين جوائز للقرّاء والمكتبات، والأهم من ذلك أن نؤمن بديمقراطية الأدب. وبحقّ النّقاد من لجان التّحكيم في التّصويت على كتاب، وأن ذلك لا يعني إنقاصاً من قيمة كتاب آخر. في النهاية هدفنا واحد: إعادة الكتاب إلى قائمة أولويات المواطن العربي.


مقالات ذات صلة

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

ثقافة وفنون ‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الـ12 لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون هناء العمير

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

خرج فن التصوير الأموي من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، حين نشر العالم التشيكي ألويسس موزيل بحثاً تناول فيه جداريات بناء في بادية الأردن

محمود الزيباوي

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.