«فاغنر» في أفريقيا: تخلٍ صعب... وقلق «مشروع» من الانفلات

محللون استبعدوا تضحية روسيا بمكاسبها الاستراتيجية

علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

«فاغنر» في أفريقيا: تخلٍ صعب... وقلق «مشروع» من الانفلات

علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

لم يقتصر تأثير «التمرد المسلح» الذي أقدمت عليه قوات «فاغنر» في روسيا يوم السبت، على الأراضي الروسية فحسب، فكثير من الدول، بل والقارات، كانت تترقب تداعيات الحدث الذي وُصف بـ«المفاجئ والصادم»، وكانت أفريقيا من بين أكثر المتابعين لتطورات الموقف، حيث تنشط قوات تابعة لـ«فاغنر» في دول عدة بها، سواء بشكل معلن أو سري.

أزمة «فاغنر» طرحت تساؤلات عدة حول مستقبل المجموعة الروسية في القارة السمراء، وإذا ما كانت تحولات القيادة بها ستلقي بظلالها على واقع المجموعة في أفريقيا، أم سيتواصل استخدامها بوصفها ذراعاً لتمديد نفوذ موسكو في القارة، وسط تنافس دولي محتدم (سياسي وعسكري).

ولم يستبعد محللون من دول أفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، استمرار «التوظيفين السياسي والاستراتيجي» للمجموعة الروسية في القارة بوصفها أداة يستعين بها الكرملين في مواجهة استقطاب دولي حاد، إلا أنهم أشاروا إلى احتمالية «قلق مشروع» لدى الدول التي توجد «فاغنر» على أراضيها خشية تكرار سيناريو «الانفلات غير المتوقع».

بديل جذاب

وتشير تقارير لمؤسسات بحثية ومراكز استراتيجية دولية إلى تمركز قوات تابعة لمجموعة «فاغنر» الروسية في دول أفريقية عدة، منها مالي وأفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، إضافة إلى تقديم خدمات أمنية بعدد من دول منطقة الساحل والصحراء.

ويصف تقرير نشرته شبكة المجتمع المدني «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للأوطان (GIATOC)»، خلال العام الحالي، حول «فاغنر» في أفريقيا، المجموعة بأنها «اللاعب الروسي الأكثر نفوذاً في أفريقيا اليوم».

وأشار تحليل نشره موقع «مجلس العلاقات الخارجية (The Council on Foreign Relations - CFR)» إلى أن «فاغنر» تمتلك علاقات قوية مع عديد من الحكومات الأفريقية على مدى العقد الماضي من خلال عمليات في 8 دول أفريقية على الأقل، وفقاً لوثائق أميركية مسربة.

يقول اللواء دكتور معتصم عبد القادر الحسن، المستشار بالأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية في الخرطوم، «قدمت (فاغنر) خدمات عديدة في ليبيا وأفريقيا الوسطى ومالي في مجال تدريب الجماعات المعارضة، والتخطيط العملياتي»، كما «عملت في السودان مع قوات (الدعم السريع) قبل تمردها»، خصوصاً في مجالي التدريب، وحراسة مناجم الذهب.

ويعتمد مستقبل «فاغنر» في أفريقيا، كما صرح الحسن لـ«الشرق الأوسط» على «طريقة تعامل الحكومة الروسية معها بعد الأزمة الأخيرة»، مشيراً إلى اعتقاده بأن الرئيس الروسي «في احتياج لهذه المجموعة سواء في أوكرانيا أو في أفريقيا؛ لأنها تلعب أدواراً من الصعب على الجيش الروسي الرسمي القيام بها».

وبحسب تحليل المنظمة الأميركية، فإن الحكام الأفارقة «يرون فاغنر بديلاً جذاباً لمصادر أخرى من القوة العسكرية، مثل بعثات الأمم المتحدة، وقوات الاتحاد الأفريقي، وقوات دول من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، التي لا تهتم كثيراً بأفريقيا بخلاف دعم المعارك ضد الإرهابيين المتطرفين».

ولفت تقرير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن «نشر مقاتلي فاغنر في أفريقيا يجري بسرعة، كما أن امتلاكهم أسلحة متطورة يمكّنها من استخدام القوة بسرعة وبلا رحمة، بما يجعلها خياراً مفضلاً لدى عديد من الأنظمة في دول أفريقية تعاني اضطراباً أمنياً وسياسياً».

أدوار متعددة

ويشير تقرير نشره موقع مركز «الحوار الأفريقي» للدراسات السياسية (الأحد) بعنوان «مرتزقة مجموعة فاغنر في أفريقيا: لماذا لم تكن هناك معارضة فعالة لطردهم»، إلى انتشار عناصر المجموعة الروسية في أفريقيا الوسطى منذ عام 2018 للدفاع عن حكومة الرئيس فوستين أرشانغ تواديرا ضد هجمات المتمردين على العاصمة بانغي، وقد حصلت الشركات التابعة لـ«فاغنر» في المقابل على حقوق غير مقيدة في استغلال مناطق بالغابات، والسيطرة على منجم ذهب نداسيما الذي يحقق أرباحاً كبيرة.

ويشير تقرير المركز، الذي تأسس عام 2015 ولديه فروع في دول أفريقية عدة، إلى دور «فاغنر» في موزمبيق عام 2019 للمساعدة في محاربة تنظيم «داعش» في مقاطعة كابو ديلغادو الشمالية، رغم فشلها في احتواء التمرد وانسحابها من المنطقة بعد بضعة أشهر.

وفي السودان تقدم «فاغنر»، منذ عام 2017، خدمات تدريب وحراسة الموارد المعدنية، وفي الآونة الأخيرة ورد أن المجموعة كانت تزود ميليشيا قوات «الدعم السريع» السودانية بالصواريخ خلال حربها ضد الجيش السوداني، كما أشار إلى أدوار لـ«فاغنر» في ليبيا، حيث اتّهمت قوات «فاغنر» خلال عام 2019 بارتكاب عمليات قتل خارج نطاق القانون وزرع ألغام أرضية في مناطق مدنية.

واتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في مايو (أيار) 2022، «فاغنر» بـ«استخدام الألغام الأرضية المحظورة والفخاخ المتفجرة في ليبيا عامي 2019 و2020»، ودعت المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في «تلك الجرائم».

ويتوقع الحسن، أن «يحتفظ بوتين بتلك المجموعة، رغم أحداث السبت، مع إجراء تعديلات مستقبلية في قيادة الجيش ووزارة الدفاع، وتعديلات على دور (فاغنر) في أوكرانيا وأفريقيا»، مشيراً إلى أن المجموعة حققت وجوداً عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً في أفريقيا و«بتكلفة ليست صفرية وحسب، وإنما بمكاسب ثمينة». ويخلص إلى أن «دور (فاغنر) سيتضاعف في القارة، القارة المغلوبة على أمرها، على حساب تقليص دورها في أوكرانيا»، على حد قوله.

مخاوف مشروعة

وتشير المؤشرات الأولية لتعاطي السلطات الروسية مع أزمة «فاغنر»، إلى أن «هناك حرصاً على الحفاظ على الجسم الرئيسي لها»، كما يلفت الدكتور خالد عكاشة مدير «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، الذي أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «ثمة تفرقة بين أدوار المجموعة الروسية في أوروبا، وتحديداً في روسيا وأوكرانيا، والأدوار التي يمكن أن تؤديها خارجياً».

واستبعد عكاشة «الاستغناء عن (المكاسب) التي حققتها روسيا في المستقبل المنظور على الأقل»، لافتاً إلى أن أدوار فاغنر «عززت النفوذ الروسي في عديد من مناطق القارة، وفي مواجهة قوى كبرى، منها الولايات المتحدة ودول أوروبية عديدة وحتى الصين التي لا تتعارض صداقتها مع روسيا مع حقيقة التنافس بينهما في القارة الأفريقية، ومن الصعب التضحية بتلك المكاسب الكبيرة».

ولا تبدو الصورة حتى الآن واضحة في عديد من الدول الأفريقية التي تستعين بخدمات «فاغنر»، فقد رفض المتحدثان باسمَي حكومتي مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى التعليق على أزمة المجموعة الروسية مع سلطات موسكو، لكن في المقابل يرى مدير المركز المصري للفكر، أن هاتين الدولتين ستنتابهما «مخاوف مشروعة»، مشيراً إلى أن «أزمة السبت»، التي أشعلتها «فاغنر» على الأراضي الروسية ستبقى «هاجساً يؤرق الدول التي توجد تلك المجموعة على أراضيها».

ويوضح أن المكون العسكري والاقتصادي لـ«فاغنر» «بات محل شكوك بشأن إمكانية تكرار الانفلات المفاجئ، وهو ما سيجبر الدول المستعينة بخدمات المجموعة الروسية على إعادة حساباتها»، إلا أنه يذهب في الوقت ذاته إلى أن معظم الدول المستعينة بفاغنر «تعاني هشاشة سياسية وأمنية تجعلها لا تستغني عن خدمات المجموعة بسهولة».

سيناريوهات متنوعة

تلك المخاوف لا تبدو بعيدة عن عيون محللي الوضع في دول توجد بها «فاغنر»، ومنها مالي التي كانت من أوائل الدول التي استعانت بخدمات المجموعة الروسية، إذ يتوقع المحلل السياسي المالي باسيرو دومبيا أن تكون للأزمة الأخيرة بين فاغنر والكرملين «عواقب على الجبهة الأمنية في مالي».

ويشير دومبيا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن عناصر «فاغنر»، التي لا تحظى باعتراف رسمي في مالي، قدمت خدمات للتدريب والتسليح خلال مكافحة عناصر الجماعات المسلحة التابعة لتنظيمي «داعش» و«القاعدة»، وأن هناك أدواراً مهمة تقوم بها العناصر الروسية المدربة جيداً على هذا النوع من القتال.

ويعتقد المحلل المالي أن موقف موسكو من «فاغنر» سيكون له التأثير الأكبر في موقف باماكو من المجموعة الروسية، فحكومة مالي «لا تستطيع التضحية بعلاقاتها مع روسيا، حتى ولو من أجل الحفاظ على فاغنر، لا سيما أن هناك تعاوناً اقتصادياً وعسكرياً بالغ الأهمية من الصعب التضحية به».

ويبدي الدكتور خالد فهمي مستشار «مركز الدراسات الاستراتيجية»، التابع للقوات المسلحة المصرية، اتفاقاً حول تأثير التعاطي الروسي الرسمي مع «فاغنر»، مؤكداً أن إعادة دمج عناصر المجموعة في المجتمع العسكري الروسي سيكون لها تأثير لافت في حضورها على الساحة الأفريقية.

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى سيناريوهات عدة لمستقبل «فاغنر» في أفريقيا، منها سيناريو إعادة بناء «داعش» بعد هزيمته في العراق وسوريا، حيث يتم وضع قيادة جديدة بمسمى وأسلوب عمليات مختلف، حيث يمكن أن يشكل أفراد المجموعة ممن لن ينضموا للجيش الروسي نواة لقوات جديدة تستخدم في المواقع ذاتها، لكن بغطاء مغاير، قد توفره الدول المستخدمة لخدمات «فاغنر».

واستبعد فهمي تخلي عناصر «فاغنر» عن مصالحهم الاقتصادية الكبيرة التي تحققت خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى إمكانية تأسيس مجموعة مستقلة في أفريقيا، لا تتبع للقيادة المركزية في روسيا، وقد يكون لقيادات الصف الثاني في المجموعة دور لافت، بعد إبعاد مؤسس وقائد المجموعة يفغيني بريغوجين إلى بيلاروسيا، وإذا فشلت تلك القيادات، فقد تذوب عناصر «فاغنر» في صفوف ميلشيات أخرى، وتقدم خدماتها بصورة فردية، مشيراً إلى أن حسم أيّ من تلك السيناريوهات لحضور «فاغنر» في أفريقيا يحتاج إلى وقت قد يمتد إلى أشهر عدة لحين وضوح قرار موسكو بشأن مستقبل المجموعة، وبالأخص خارج حدودها.


مقالات ذات صلة

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أفريقيا تنظيم «القاعدة» يعلن مقتل 4 جنود في هجوم ضد الجيش المالي والفيلق الروسي (تواصل اجتماعي)

«القاعدة»: مقتل 4 جنود في هجوم ضد جيش مالي والفيلق الروسي

أعلن تنظيم «القاعدة»، الثلاثاء، مقتل 4 جنود على الأقل، خلال هجوم استهدف رتلاً من الجيش المالي، كان برفقته جنود من «الفيلق الروسي».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الجيش المالي أكد مضيّه قدماً في الحرب على الإرهاب (إعلام محلي)

مالي: مقتل 15 إرهابياً بقصف للجيش

أعلن الجيش المالي أنه شن ضربات جوية على معاقل تابعة لجماعات إرهابية، وقتل ما لا يقل عن 15 إرهابياً، في محافظة سيغو، وسط البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط )
أفريقيا صورة نشرتها وزارة الدفاع البيلاروسية يوم الخميس 20 يوليو 2023 لمقاتلين من «فاغنر» وسط مناورات بميدان إطلاق نار بالقرب من مدينة بريست الحدودية (أ.ب)

ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

يقول مسؤول عسكري أميركي رفيع إن بعض هذه الحكومات باتت تبحث من جديد عن قنوات تعاون مع واشنطن، حسب تقرير «وول ستريت جورنال»

إيلي يوسف (واشنطن)
أفريقيا صورة نشرها التلفزيون الحكومي المالي لقادة محاولة انقلابية فاشلة الشهر الماضي ضمنهم فرنسي (إعلام محلي)

فرنسا توقف تعاونها مع مالي في مكافحة الإرهاب

قررت فرنسا تعليق تعاونها مع مالي في مجال الحرب على الإرهاب، من ضمن موجة جديدة من التصعيد الدبلوماسي بين البلدين.

الشيخ محمد (نواكشوط)

نيجيريا: خسائر للجيش في مواجهات مع «داعش»

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على مواقع إرهابية في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على مواقع إرهابية في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
TT

نيجيريا: خسائر للجيش في مواجهات مع «داعش»

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على مواقع إرهابية في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على مواقع إرهابية في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

أعلن الجيش النيجيري، أن عدداً من جنوده قتلوا في هجوم إرهابي باستخدام سيارة مفخخة، خلال عملية عسكرية كان يشنها ضد مواقع تابعة لتنظيم «داعش»، في أقصى شمال شرقي نيجيريا، وتحديداً في مثلث تمبكتو، أحد أشهر معاقل الإرهابيين في نيجيريا.

وقال الجيش، إن قواته سجلت خسائر عقب اشتباك مع عناصر إرهابية كانت في حالة فرار، خلال عمليات تمشيط بولاية (بورنو)، يوم (الثلاثاء)، بعد أن «نفذت القوات عمليات تطهير منسّقة في مواقع رئيسية للتنظيمات الإرهابية داخل ما يُعرف بمثلث تمبكتو، شملت مناطق تيرجيجيري، وتشيراليا، والمحيط العام لأجيجين/أبيرما».

عناصر من جماعة «بوكو حرام»الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

ونشر الجيش بياناً، الأربعاء، موقّعاً من طرف مسؤول الإعلام في قوة المهام المشتركة لشمال شرقي نيجيريا، ضمن عملية (هادين كاي)، المقدم ساني أوبا، قال فيه، إن «القوات دخلت في احتكاكات متقطعة مع عناصر إرهابية كانت تحاول الفرار، واشتبكت معها بنيران كثيفة، ما أسفر عن تحييد عدد من المسلحين».

وقال أوبا: «واصلت قوات عملية هادين كاي تقدمها داخل مثلث تمبكتو، محققة مكاسب عملياتية مهمة، ومُلحِقة مزيداً من الخسائر بشبكات الإرهاب الناشطة في المنطقة»، مشيراً إلى أنه «في أثناء تمركز القوات في نقطة تجمّع تبعد نحو ستة كيلومترات شمال تشيراليا، واجهت مركبتين مفخختين، جرى تدمير واحدة، فيما اخترقت الثانية الموقع الدفاعي وألحقت أضراراً ببعض المنصات اللوجيستية».

وكشف أوبا عن أن الحادث أسفر عن مقتل عدد من الجنود وأفراد قوة المهام المدنية المشتركة (CJTF)، وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، دون أن يعطي تفاصيل أكثر حول عدد الجنود الذين قتلوا أو أصيبوا في التفجير.

وقال إن القوات عثرت لاحقاً «على مقابر جماعية تضم نحو 20 جثة لمسلحين قُتلوا في مواجهات سابقة داخل مثلث تمبكتو، وقام رفاقهم بدفنهم»، مشيراً إلى أن ذلك «يُبرز حجم الخسائر التي تكبّدتها الجماعات الإرهابية».

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (غيتي)

على صعيد آخر، قُتل خمسة جنود وعنصر من الشرطة، الاثنين الماضي، إثر تعرّض قوات عملية (فإنسان يامّا) التابعة لقوة المهام المشتركة لشمال غربي نيجيريا، لكمين نصبه مسلحون إرهابيون على طريق بينغي – كيكون واجي – غوساو في ولاية (زمفارا)، شرق نيجيريا.

وفي بيان صادر عن الجيش، قال ضابط الإعلام في عملية (فإنسان يامّا)، النقيب ديفيد أديواوسي، إن القوات كانت قد حققت نجاحات ميدانية من خلال مداهمات منسّقة وكمائن ودوريات قتالية، واعتقلت ثلاثة من المشتبه بهم وقتلت أربعة إرهابيين.

وأوضح النقيب أديواوسي، أن «الكمين الدموي وقع في أثناء استجابة عناصر فريق القتال الأول التابع للعملية لنداء استغاثة يتعلق بهجوم انتقامي نفذه الإرهابيون»، مشيراً إلى أن «القوات تعرّضت للهجوم في منطقة غيدان واغني في أثناء تحركها نحو كيكون واجي».

وقال: «على الرغم من عنصر المفاجأة في الهجوم، فقد ردّت القوات بشجاعة، واشتبكت مع الإرهابيين ومنعت وقوع أضرار إضافية على المجتمعات المجاورة»، مؤكداً أن «خمسة جنود وشرطياً واحداً قدّموا أرواحهم خلال المواجهة».

صورة من انفجار سابق في نيجيريا (رويترز - أرشيفية)

وأضاف النقيب أديواوسي، أن تعزيزات وصلت إلى المنطقة، ونفذت هجوماً مضاداً أجبر المسلحين على الانسحاب، مشيراً إلى أن «معلومات استخبارية موثوقة، تؤكد إصابة زعيم عصابة معروف يُدعى جانويّا، والحاج بيلو، الذي يُعرَف بأنه الرجل الثاني لدى كاتشالا سوجا، بجروح خطيرة من جراء طلقات نارية خلال الاشتباك».

ونيجيريا هي البلد الأفريقي الأكبر من حيث تعداد السكان، حيث يتجاوز عدد السكان حاجز 250 مليون نسمة، وتعد أكبر منتج للنفط في القارة، بالإضافة إلى كونها الاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، ولكنها مع ذلك تعيش وضعاً أمنياً صعباً منذ 2009 بسبب تمرد مسلح تقوده جماعة «بوكو حرام» الموالية للتنظيمين الإرهابيين: «القاعدة»، و«داعش في غرب أفريقيا».


الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
TT

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)

نفت الشرطة والسلطات المحلية في ولاية كادونا، شمال نيجيريا، الأنباء المتداولة حول اختطاف 163 مسيحياً في هجوم على كنائس بقرى نائية، وهو ما أكدته مصادر محلية، وجاء في تقرير أمني صادر عن الأمم المتحدة قالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إنها اطلعت عليه. وقال مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، إن البلاغات التي تحدثت عن اختطاف مصلّين مسيحيين أثناء قداس في كاجورو: «محض أكاذيب صادرة عن مروجي الشائعات الذين يسعون لإشاعة الفوضى».

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

رواية محلية

نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة، أن عصابات مسلحة هاجمت الأحد الماضي، كنيستين، واختطفت أكثر من 160 مصلّياً في قرية نائية بولاية كادونا. وقال رئيس جمعية المسيحيين في ولايات شمال نيجيريا الـ19 وإقليم العاصمة الفيدرالية، القس جون جوزيف هاياب، إن مجموعة من «الإرهابيين» اختطفت 163 مصلّياً في كورمين والي، بمنطقة الحكم المحلي كاجورو في ولاية كادونا.

وقال هاياب في تصريحات صحافية، الأحد، إنه تلقّى اتصالاً من رئيس جمعية المسيحيين في المنطقة المتضررة، أفاد فيه بأن مصلّين اختُطفوا أثناء قدّاس الأحد، وبحسب رواية القس هاياب، فقد «اقتحم المهاجمون الكنائس أثناء الصلوات، وأغلقوا الأبواب، وأجبروا المصلّين على التوجه نحو الأدغال».

وأشار القس إلى أن «8 من المختطفين تمكنوا لاحقاً من الفرار، غير أن 163 مصلّياً ظلّوا، حتى يوم الاثنين، في قبضة الخاطفين»، وختم بالقول: «لقد جرت بالفعل تعبئة القوات الأمنية. ونحن نثمّن جهودها ونشجعها على بذل كل ما في وسعها لإنقاذ إخوتنا وأخواتنا سالمين وفي أسرع وقت ممكن».

شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نفي رسمي

الرواية الصادرة عن السكان المحليين نفتها مصادر أمنية ورسمية، حيث وقف مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، أمام الصحافيين عقب اجتماع لمجلس أمن الولاية عُقد الاثنين، وتحدّى أيّ شخص أن يقدّم قائمة بأسماء الضحايا المزعومين.

وحذر مفوض الشرطة مروجي الشائعات من الاستمرار في محاولة ما سماه «زعزعة السلم» في كادونا، ملوّحاً بتطبيق أقصى العقوبات القانونية بحق «تجّار الأكاذيب».

من جهته، قال رئيس الحكومة المحلية في كاجورو، داودا ماداكي، إنه حين سمع خبر الهجوم «عبّأ الشرطة وسائر قوات الأمن، وتوجّه إلى المنطقة المعنية، ليتبيّن لاحقاً أنه لم يقع أي هجوم»، واصفاً ما تم تداوله بأنه «شائعة».

عناصر من الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال: «توجّهنا إلى الكنيسة التي قيل إن الاختطاف المزعوم وقع فيها، ولم نجد أي دليل على وقوع أي هجوم. واستجوبتُ زعيم القرية، ماي دان زاريا، فأكد أنه لم يحدث أي هجوم من هذا النوع».

وأضاف: «كما اتصلتُ بمسؤول الشباب في المنطقة، برنارد بونا، الذي كان قد أدلى بتصريحات للصحافيين المرافقين لي، فأكد بدوره أن شيئاً من ذلك لم يحدث»، وخلص رئيس الحكومة المحلية إلى القول: «لذلك أتحدى أيّ شخص أن يسمّي الأشخاص الذين قيل إنهم اختُطفوا. وأنا أنتظر هذه القائمة منذ وقت طويل ولم يتقدّم بها أحد حتى الآن».

من جانبه، قال مفوض الأمن وشؤون الداخلية، سلي شعيبو، إن رئيس جمعية المسيحيين في نيجيريا وعدداً من القادة الدينيين الآخرين، تواصلوا مع سكان المنطقة التي قيل إن الاختطاف وقع فيها، وأوضح أن هؤلاء القادة «خلصوا إلى أن ما جرى تداوله علناً غير صحيح تماماً».

وأمام النفي الرسمي للاختطاف، قال الزعيم التقليدي إتيشاكّو دانعزومي، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوحيدين الذين ينكرون اختطاف أهلنا هم السياسيون»، وأضاف: «لدينا الآن 166 شخصاً في قبضة الخاطفين»، معرباً عن أسفه لأن قريته تعيش تحت تهديد المسلحين.

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

وتابع: «هذا أثّر في أنشطتنا الزراعية، إذ ننتج غذاءً أقل مما كنا عليه سابقاً. (...) لم نكن نشكو للسلطات من عمليات الاختطاف في منطقتنا، لأننا كنا نُسهم في دفع فِدى تحرير المخطوفين. أحياناً كان يُختطف ما يصل إلى 20 شخصاً، ولم نكن نشتكي، بل كنا نتعامل مع الأمر بأنفسنا». وختم دانعزومي: «هذه المرة لجأنا إلى السلطات، لأن عدد المختطفين تجاوز قدرتنا على التعامل مع الوضع»، وفق تعبيره.

تجارة رائجة

تشهد ولايات شمال غربي نيجيريا، ومن بينها كادونا، تصاعداً في هجمات تشنها جماعات مسلحة تتمركز في جيوب نائية، وتستهدف قرى ومدارس ودور عبادة بعمليات خطف جماعي مقابل طلبات فدية.

ورغم أن دفع الفِدى محظور قانوناً، فإن الاختطاف أصبح «تجارة منظّمة ومربحة» درّت نحو 1.66 مليون دولار بين يوليو (تموز) 2024، ويونيو (حزيران) 2025، وفق تقرير لشركة «SBM إنتليجنس» الاستشارية ومقرها لاغوس، العاصمة الاقتصادية لنيجيريا.

وهزّت موجة جديدة من الاختطافات البلاد بعمق، بما في ذلك اختطاف أكثر من 300 تلميذ ومعلم من مدرسة كاثوليكية بوسط البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أُفرج عنهم لاحقاً، وذلك في بلد منقسم تقريباً بالتساوي بين شمال ذي غالبية مسلمة وجنوب ذي غالبية مسيحية.

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على ميليشيات في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

ورداً على ذلك، أعلن الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، أواخر نوفمبر الماضي، حالة طوارئ وطنية، وأطلق عملية تجنيد واسعة في صفوف الشرطة لمواجهة انعدام الأمن الذي ينهش البلاد، وقد دفعت هذه الأوضاع الحكومة الأميركية إلى تنفيذ ضربات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو، حيث اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جماعات مسلحة نيجيرية باضطهاد المسيحيين، واعتبر أنهم ضحايا «إبادة جماعية».

غير أن الحكومة النيجيرية ومحللين مستقلين يرفضون توصيف ما يجري بأنه اضطهاد ديني، وهو طرح طالما تبناه تيار اليمين المسيحي في الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك انفصاليون نيجيريون لا يزال لهم قدر من النفوذ في واشنطن.


خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

اختٌطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا، على ما أفاد رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وتشهد نيجيريا، الدولة الأكثر تعداداً بالسكان في أفريقيا، تصاعداً في عمليات الاختطاف الجماعي منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما دفع الحكومة الأميركية إلى شن غارات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو في شمال غربي البلاد. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعات المسلحة النيجيرية باضطهاد المسيحيين، واصفاً إياهم بضحايا «إبادة جماعية».

وقال رئيس الرابطة المسيحية في شمال نيجيريا الأب جوزيف هياب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وصل المهاجمون بأعداد كبيرة، وأغلقوا مداخل الكنيستين، وأجبروا المصلين على الخروج إلى الأدغال».