إب اليمنية... انتهاكات حوثية للقيم وتغييرٌ للتركيبة السكانية

وسط اتساع الفوضى الأمنية وأعمال نهب الأراضي

قادة حوثيون يشرفون على أعمال سطو على الأراضي مدينة العدين في إب بحجة توسعة الشوارع (إعلام حوثي)
قادة حوثيون يشرفون على أعمال سطو على الأراضي مدينة العدين في إب بحجة توسعة الشوارع (إعلام حوثي)
TT

إب اليمنية... انتهاكات حوثية للقيم وتغييرٌ للتركيبة السكانية

قادة حوثيون يشرفون على أعمال سطو على الأراضي مدينة العدين في إب بحجة توسعة الشوارع (إعلام حوثي)
قادة حوثيون يشرفون على أعمال سطو على الأراضي مدينة العدين في إب بحجة توسعة الشوارع (إعلام حوثي)

تسبب نهم الانقلابيين الحوثيين لنهب الأراضي وممارسات السطو والاعتداءات المسلحة في محافظة إب اليمنية، في اتساع مساحة الفوضى والانفلات الأمني وانتهاك القوانين والأعراف والقيم الاجتماعية، ليدفع الأهالي ثمن ذلك من حياتهم وكرامتهم، ويفسرون ما يجري بتغيير التركيبة السكانية لمحافظتهم.

وكشف صحافي ناجٍ من سجون الانقلابيين الحوثيين عن اختطاف وإخفاء ناشطة اجتماعية من أهالي مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب العاصمة صنعاء) منذ شهرين.

وقال الصحافي محمد القادري الذي كان مختطفاً في سجون الانقلابيين الحوثيين في مدينة إب؛ في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي إن عناصر من جهاز الأمن والمخابرات الحوثية اختطفوا الناشطة أروى سعيد حسن التي كانت تدير صفحة على «فيسبوك» باسم «ثائرة إب الأبية» وهددوا عائلتها في حال الإفصاح لوسائل الإعلام عمّا تعرضت له، أو المطالبة بالإفراج عنها.

ولم تتوافر أي معلومات حول ملابسات وظروف اختطاف الناشطة أروى سعيد حسن؛ إلا أن مصادر في مدينة إب ربطت اختطافها بنشاطها المناهض للجماعة، وبما تشهده المحافظة من حالة غضب إثر مقتل ناشط شاب مناهض لنفوذ وفساد الانقلابيين الحوثيين داخل السجن المركزي في إب، وادّعاء الجماعة أنه توفي خلال محاولته الهرب من السجن.

ولا يزال الانقلابيون الحوثيون يختطفون عشرات من شبان مدينة إب شاركوا في تشييع الناشط حمدي المكحل في مارس (آذار) الفائت، وخلال الأيام الماضية جرى نقل أكثر من 20 من المختطفين على خلفية المشاركة في تشييع المكحل والاحتجاجات اللاحقة له إلى سجون الانقلاب في العاصمة صنعاء.

قادة حوثيون يجبرون أهالي مدينة إب على التبرع للجبهات (تويتر)

ووفقاً لمصادر قانونية في المحافظة؛ فإن المختطفين الذين جرى نقلهم كانوا قد بدأوا إضراباً مفتوحاً عن الطعام، بسبب احتجازهم دون مسوغات قانونية وسوء المعاملة التي يتعرضون لها.

في غضون ذلك قُتل شاب برصاص مسلحين مجهولين، في منطقة «كتاب» ضمن مديرية يريم شمال شرقي المحافظة، وسقط شاب آخر في قرية الكحافي التابعة لمركز المحافظة نتيجة اشتباكات شهدتها القرية بين مسلحين في نزاع نشب بينهم على قطعة أرض.

وعثر أهالي منطقة «كتاب» على جثة شاب ملقاة على جانب الطريق العام، تعرضت لعدة طلقات نارية أصابت أجزاء متفرقة من جسده، ولم تُعرف دوافع الجريمة أو مرتكبوها، بينما لم تتحرك شرطة المنطقة التي تديرها عناصر تابعة للانقلابيين الحوثيين للتحري وجمع المعلومات، واكتفت بتلقي البلاغ والنزول إلى موقع الجريمة.

السيارات كسلاح منفلت

في اتجاه آخر، شهدت محافظة إب هذا الأسبوع حادثتَي دهس، على الأقل، نتيجة القيادة المتهورة، كان ضحاياها من الأطفال، مع زيادة كبيرة في الحوادث المرورية المأساوية نتيجة القيادة المتهورة.

ويتهم الأهالي القادة الحوثيين ومسلحيهم بالاستهتار بأرواح وحياة عابري الطرقات، ففي حي المدربة إلى جوار مكتب التربية والتعليم في مدينة إب، توفي طفل فور تعرضه لحادثة دهس من سيارة كان سائقها، الذي يعمل مرافقاً لأحد القادة الحوثيين، يقودها بسرعة كبيرة دون مراعاة لقواعد المرور.

كما أُصيب طفل آخر في حادثة دهس أخرى في منطقة «حدبة العليا» غربي المحافظة، ليدخل في حالة صحية حرجة، حيث ذكّرت هاتان الحادثتان أهالي المحافظة بثلاث حوادث دهس سابقة تعرض لها عدد من أهالي المحافظة خلال زيارة أجراها محمد علي الحوثي، ابن عم زعيم الميليشيات الحوثية، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وكان مرتكبو تلك الحوادث من مرافقي الحوثي، وشهدت المدينة حينها احتجاجات واسعة على الاستهتار بأرواحهم، وواجهتها الميليشيات بالقمع.

وسبق تلك الحوادث إقدام مسلح حوثي على دهس شاب عشريني، وهو على متن دراجته النارية على الطريق الرابط بين مديريتي العدين وحزم العدين شمال غربي المحافظة.

ويتهم أهالي المحافظة عناصر الميليشيات الحوثية بتعاطي المواد المخدرة، مما يؤدي إلى فقدانهم التركيز خلال قيادة السيارات، ويؤكدون أن المحافظة ذات الطابع الريفي لم تكن تعرف هذا النوع والكم من الحوادث المرورية المأساوية قبل سيطرة الميليشيات الحوثية، ويصفون تصرفات عناصرها بالغطرسة والبلطجة، إلى جانب إهمال صيانة وإصلاح الطرقات، وتمكين أطفالهم من قيادات سياراتهم التي حصلوا عليها من خلال الفساد والنفوذ.

وفي واقعة جديدة تخص إطلاق السجناء في المحافظة، تمكن أحد نزلاء السجن المركزي، على ذمة قضية قتل، من الهرب بحيلة جرى التخطيط لها بينه وبين أحد عناصر الميليشيات الحوثية التي تتولى حراسة السجن، حيث جرى نقله إلى مستشفى الثورة وسط المدينة لإسعافه من حالة صحية زعم أنها ألمّت به.

وترجح مصادر في المحافظة أن تكون عملية الهرب الأخيرة جرت بالاتفاق بين السجين وقيادات حوثية عليا في المحافظة، خصوصا أن إجراءات نقله إلى المستشفى اتّسمت بالتساهل الواضح قبل اختفائه مع أحد عنصرَي الميليشيات الحوثية اللذين رافقاه إلى المستشفى، وعدم منطقية رواية العنصر الآخر الذي تركهما بمفردهما لبعض الوقت قبل أن يكتشف اختفاءهما.

وتكررت خلال السنوات الماضية، عمليات هروب والإفراج عن سجناء في محافظة إب، أغلبهم صدرت بحقهم أحكام مشددة على ذمة قضايا خطيرة كالقتل والاعتداء والسطو المسلح.

وفي أبريل (نيسان) الماضي أقدم أحد السجناء المفرج عنهم على قتل طفل بعد مشادة كلامية معه في إحدى أسواق مدينة جبلة جنوب غربي المحافظة.

استباحة الأراضي والعقارات

في مسلسل نهب الأراضي العامة والخاصة، يواصل قادة حوثيون نهب أراضي الأوقاف في جبل المورم جنوبي مدينة إب التي تعدّ من أغلى الأراضي في المحافظة، وطبقاً لأهالي المنطقة فإن القادة الحوثيون يلجأون إلى أعمال النهب خلال ساعات الليل، تجنباً لأي صدام مع قادة آخرين يتنافسون معهم.

وتوضح المصادر أن القادة الأكثر قوة ونفوذاً يسيطرون على مكتب الأوقاف في المحافظة وينفذون أعمال النهب علناً ومن دون رادع، وهؤلاء عادةً ينتمون إلى محافظات صعدة وعمران وصنعاء شمال البلاد، بينما يلجأ القادة الحوثيون من محافظة إب إلى البسط على الأراضي والبناء عليها ليلاً في محاولات لتمرير عمليات النهب دون اشتباكات مع منافسيهم.

عناصر حوثيون استولوا على باحة مدرسة حكومية في إب لحفر بئر مياه خاصة بهم (فيسبوك)

وتقول المصادر المحلية إن الميليشيات الحوثية هدمت منزل مواطن من أهالي منطقة المرزوم في مديرية السحول جنوباً، بعد اقتحامه والاعتداء على مالكه وعائلته وترويعهم، تمهيداً للسطو عليه من طرف قيادات حوثية في مكتب أوقاف المحافظة، رغم أن المواطن يملك عقد إيجار للأرض التي بنى عليها منزله منذ خمسة عقود.

ويعزو ناشط اجتماعي في محافظة إب تنافُس القادة الحوثيين على نهب أراضي المحافظة إلى سعيهم لتعزيز نفوذهم وإحداث تعديلات ديموغرافية فيها، كونها أعلى المحافظات اليمنية في الكثافة السكانية، وضمها لما تُعرف بالحاضنة الشعبية للانقلابيين، وهي المحافظات الواقعة شمال البلاد، رغم أن هذه المحافظات من أشد مناطق البلاد رفضاً لنفوذ الميليشيات نظراً لخبرة أهلها بجرائمها.

ويشير الناشط في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الميليشيات ترى في موقع محافظة إب أهمية استراتيجية كبيرة نظراً لتوسطها مناطق الشمال ما يجعلها امتداداً جغرافياً لعدد من المحافظات المحررة جنوباً، وتخشى الميليشيات من أن هذا الارتباط يُغري أهالي المحافظة بمقاومتها والسعي للالتحاق بالمحافظات المحررة، خصوصاً في ظل الغضب الشعبي المتصاعد.

ولهذا السبب -والحديث للناشط اليمني- تندفع الميليشيات الحوثية إلى إحلال أنصارها في المحافظة وتمكينهم من النفوذ على إيراداتها وعقاراتها، وإفقار أهاليها وزراعة الانقسام بينهم وتطويعهم، إلى جانب ما يتوفر في المحافظة من مساحات شاسعة لم يجر استحداثها، وهو ما ينقل تنافس قادة الميليشيات على الأراضي من المحافظات الشمالية إليها.


مقالات ذات صلة

اليمن لمجلس الأمن: انتهاكات الحوثيين تخدم مصالح إيران في المنطقة

المشرق العربي مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله السعدي (سبأنت)

اليمن لمجلس الأمن: انتهاكات الحوثيين تخدم مصالح إيران في المنطقة

قال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله السعدي، إن الميليشيات الحوثية وسّعت اعتداءاتها على السعودية مستهدفةً المطارات والمنشآت والأعيان المدنية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج الدكتور عبد العزيز الواصل خلال جلسة مجلس الأمن بحضور المبعوث الأممي هانس غروندبرغ (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة)

السعودية لمجلس الأمن: لن نسمح بتحويل اليمن إلى منصة لتهديد أمننا

أكدت السعودية، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، أنها لن تسمح بتحويل اليمن إلى منصة لتهديد أمنها أو حرية الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم العربي عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

تضغط القوات الحكومية اليمنية لاستكمال السيطرة على مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

توسّع الجماعة الحوثية حملات التبرع بالدم في خمس محافظات يمنية، وسط مؤشرات محلية على تزايد أعداد الجرحى وضغوط متصاعدة على المستشفيات وبنوك الدم في مناطق سيطرتها.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي آلاف الأسر اليمنية باتت بلا مأوى بعد الفرار من الهجمات الحوثية (أ.ب)

التصعيد الحوثي يستنزف الخدمات الصحية ويفاقم النزوح

تتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع تجاوز الضحايا خمسة آلاف منذ أغسطس الماضي، ونزوح نحو 200 ألف شخص، بالتزامن مع الضغط على الخدمات الصحية وتفشي الأوبئة.

محمد ناصر (عدن)

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً منذ اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، ما يُبقي «شبح تهجير الفلسطينيين» قائماً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «إسرائيل تحقق أهدافها في غزة، تحت ستار خطة السلام المجمدة»، وأشاروا إلى أن «تل أبيب تسيطر على نحو 75 في المائة من القطاع، ودمرت مناطق أخرى ما بعد الحرب، ما يجعل فرص الحياة صعبة في القطاع».

وفي التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلن «الوسطاء» عن وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل، بعد مفاوضات جمعتهم في مدينة شرم الشيخ المصرية قبل أن يتم التوقيع على الاتفاق النهائي في الثالث عشر من الشهر نفسه، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ووقع على «وثيقة السلام»، قادة دول الوساطة «مصر وأميركا وقطر وتركيا»، وتضمنت وقف إطلاق للنار في غزة، عبر عدة مراحل، تبدأ بوقف العدائيات، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتبادل المحتجزين والأسرى، على أن يلي ذلك مرحلة ثانية تتضمن جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، وتسليم إدارة قطاع غزة للجنة مدنية «تكنوقراط».

ورغم إعلان الوسطاء في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تشكيل «لجنة تكنوقراط»، برئاسة علي عبد الحميد شعث لإدارة القطاع، لكن لم يتم تمكينها حتى الآن من ممارسة دورها، وسط انتهاكات مستمرة ورفض إسرائيلي لخريطة الطريق التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تمهيداً لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية.

وبموازاة ذلك، لم تتخل إسرائيل عن مخطط «تهجير الفلسطينيين» من غزة، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن «حكومته تمتلك خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».

وتحذر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، منذ بداية الحرب على غزة، في السابع من أكتوبر 2023.

وشدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على «رفض بلاده الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني»، وأكد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري لي چيه ميونغ، الخميس، «رفض بلاده التصعيد الإسرائيلي الخطير، للأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية».

ويرى عضو «المجلس المصري الشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «إسرائيل تحقق أهدافها تحت ستار خطة السلام»، مضيفاً: «هناك حالة جمود في تنفيذ مراحل خطة ترمب في غزة، ورغم ذلك تواصل تل أبيب ممارساتها ضد الفلسطينيين بالقطاع».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الإسرائيلي يحتل غالبية أراضي القطاع، كما يواصل تدمير البنية التحتية، ويضع العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تجعل الحياة مستحيلة في القطاع»، ويدفع في نفس الوقت إلى «تنفيذ مخطط التهجير».

وأشار إلى أن «إسرائيل لا تريد الوصول لمرحلة إعادة الإعمار في غزة، وتريد تجميد الوضع حتى تنفذ مخططها الكامل»، موضحاً أن «هناك صعوبة في تشكيل قوة السلام الدولية التي ستتولى تنفيذ مراحل خطة ترمب، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع».

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوقيع عليه في قمة السلام بشرم الشيخ المصرية، غير أنها لم تر النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ولا تزال هناك خروقات لوقف إطلاق من الجانب الإسرائيلي، وفق رئيس «الهيئة الدولية لدعم فلسطين»، صلاح عبد العاطي، وقال إن «حرب الإبادة لم تتوقف رغم مرور عام على اتفاق السلام، وهناك مئات الضحايا يومياً، بجانب منازل يتم تدميرها»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تُصعّب أي محاولات لعملية الإعمار».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الإسرائيلي لم يلتزم باستحقاقات خطة السلام، بما في ذلك دخول المساعدات لسكان القطاع، حيث يسمح بقدر بسيط يصل إلى 37 في المائة من نسبة المساعدات التي أقرتها خطة السلام».

ونوه إلى أن «الجانب الإسرائيلي لا يسمح بدخول المعدات والوقود، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية هناك»، وقال إن هناك «عدة خطط لإعادة الإعمار، من بينها الخطة المصرية، لكنها مرهونة بتنفيذ استحقاقات خطة ترمب».

وأقرت القمة العربية الطارئة بالقاهرة، في مارس (آذار) 2025، الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة تتضمن مشاريع إسكان ومراكز مجتمعية وميناءً تجارياً ومراكز تكنولوجية وفنادق على الشواطئ، وكان مقرراً أن تنتهي من التنفيذ بعد ثلاث سنوات بتكلفة تصل إلى 53 مليار دولار.


«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
TT

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الخامس، الجمعة، مع استكمال القوات الحكومية تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي، في تطور يعزز مكاسبها على الساحل الغربي، بينما تتواصل المعارك في أرياف تعز الجنوبية والغربية، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الجوية ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم في مناطق عدة من البلاد.

وقالت مصادر عسكرية إن ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بإسناد جوي من التحالف الداعم للشرعية، أحكمت السيطرة على باب المندب ومعسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل، إلى جانب جزيرة ميون والسلاسل الجبلية المحيطة بالمضيق، بما فيها المواقع التي تشرف على الممر البحري الحيوي.

وذكرت المصادر أن القوات نفذت عملية التفاف مباغتة تجاوزت خلالها خطوط الدفاع الأمامية للحوثيين، ووصلت إلى خنادقهم وأنفاقهم المستحدثة، حيث أسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة واستسلام آخرين.

ويمثل تأمين المضيق وجزيرة ميون، في حال تثبيت السيطرة المعلنة، تحولاً مهماً في مسار العمليات على الساحل الغربي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأهميتها في حماية الملاحة الدولية.

ويأتي ذلك بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مرتفعات كهبوب، التي تشرف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بباب المندب.

الضغط نحو الوازعية

مع تثبيت المواقع الجديدة، تواصل القوات الحكومية اليمنية عملياتها في جبهة الوازعية غرب تعز، مستهدفة تأمين المرتفعات الشرقية للمديرية وتضييق الخناق على المواقع الحوثية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، تمهيداً لتوسيع التقدم باتجاه المخا، وفق المعطيات الميدانية الواردة من الجبهة.

القوات الحكومية اليمنية تتقدم في الوازعية وتضغط لاستكمال تطهير باب المندب (إ.ب.أ)

وترافق ذلك مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحركات عسكرية للحوثيين في الوازعية والشمايتين وجبل حبشي، إلى جانب مواقع في شرجب والتربة وجبل قحام المطل على مديريتي المقاطرة والأحكوم على الحدود بين تعز ولحج.

وأفادت مصادر ميدانية باستهداف آليات وتعزيزات حوثية في منطقتي الحقل والقحاف بمديرية جبل حبشي، فيما ذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري الحكومي أن إحدى الغارات أسفرت عن تحييد وإصابة 23 عنصراً.

كما طالت الضربات مواقع في جبال نُمان والصيبارة ومنطقة الحرثة، وجرداد في مديرية الشمايتين.

عنصر من قوات الحكومة اليمنية في جبهات جنوب تعز (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا تزال الجماعة الحوثية تضغط على المناطق الريفية جنوب تعز وغربها، في محاولة للحفاظ على مواقعها وفتح مسارات تقدم جديدة.

وأفادت مصادر محلية بسيطرتها على المحشاء والعدف والعرمة في مديرية جبل حبشي في الجبهة الغربية، وتقدمها باتجاه منطقة الشارق، وسط قصف طال قرى في المنطقة وأسفر، بحسب تلك المصادر، عن مقتل أحد المعلمين في المحشاء.

وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهة على أكثر من محور في محافظة تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المناطق الغربية وتأمين الطرق الحيوية، بينما يحاول الحوثيون الاحتفاظ بنقاط الضغط في الأرياف الجنوبية والغربية ومحيط المدينة.

1729 استهدافاً عسكرياً

في مؤشر على اتساع العمليات العسكرية، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الخميس، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال النزيلي إن العمليات أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 300 عربة ووسيلة ومعدة عسكرية، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة وخطوط إمداد وتعزيزات.

مقاتلون من ألوية العمالقة في جبهة باب المندب (أ.ب.أ)

بالتوازي، امتدت الغارات الجوية إلى ثماني محافظات، هي تعز وإب والبيضاء وأبين وصعدة وصنعاء وريمة والحديدة، وفق إفادات محلية.

وشملت الأهداف مواقع في العاصمة المختطفة صنعاء، ومعسكراً للحوثيين في يريم بإب، ومواقع في السياني بالمحافظة نفسها، وأخرى في بني مطر غرب صنعاء ومواقع في كسمة، حيث محافظة ريمة، ومواقع في جبال جميل وجرجرة والنسرين بالبيضاء، إضافة إلى عقبة ثرة ومواقع أخرى في الحديدة وصعدة.

وفي لحج، أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استهدف مناطق الأغبرة والمحاولة والمشامرة شمال غربي مديرية المضاربة، واستعادة مواقع في جبل سيف، بمساندة تعزيزات قبلية.

كما استمرت المواجهات والقصف المتبادل وعمليات الطائرات المسيّرة في جبهات جنوب مأرب والجوف، مع غارات استهدفت معسكر ماس ومواقع في منطقة اللبنات.


الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.