هل اقتربت قمة «السيسي - إردوغان»؟

مشاورات بين القاهرة وأنقرة لتحديد مكان اللقاء

مصافحة الرئيسين المصري والتركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
مصافحة الرئيسين المصري والتركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

هل اقتربت قمة «السيسي - إردوغان»؟

مصافحة الرئيسين المصري والتركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)
مصافحة الرئيسين المصري والتركي بحضور أمير قطر على هامش افتتاح كأس العالم نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تقترب العلاقات المصرية - التركية من منعطف جديد، يضيف إلى الحراك الإيجابي المتسارع على صعيد التقارب بين القاهرة وأنقرة، إذ وجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، دعوة إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي لزيارة تركيا، حسبما أعلن القائم بالأعمال التركي في القاهرة، السفير صالح موتلو شان.

ولم يحدد شان في تصريحاته التي نقلتها صحيفة «زمان» التركية مكان انعقاد القمة المرتقبة، مكتفياً بالقول إن «الزعيمين سيحددان مكان الاجتماع، الذي سيعقد في أنقرة أو القاهرة».

وستكون تلك القمة، حال عقدها، ثاني لقاء مباشر بين الرئيسين المصري والتركي بعد مقابلتهما نهاية العام الماضي في العاصمة القطرية؛ الدوحة، على هامش حضورهما افتتاح كأس العالم لكرة القدم، وهي المقابلة التي كسرت جمود العلاقات الذي دام منذ عام 2013، عقب الإطاحة بحكم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، الذي دعمته تركيا بقوة في إطار تبنيها لمشروع تمكين تنظيم «الإخوان» في عدة دول عربية منذ عام 2011، في أعقاب ما بات يُعرف بـ«الربيع العربي».

ترفيع العلاقات الدبلوماسية

وكان الرئيس المصري قد هنأ في اتصال هاتفي نهاية الشهر الماضي، نظيره التركي، بإعادة انتخابه بعد نجاحه في جولة ثانية من الانتخابات الرئاسية التركية، كما قرر الرئيسان البدء الفوري في ترفيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتبادل السفراء، وأعرب إردوغان عن «التقدير لهذه اللفتة الطيبة من الرئيس السيسي».

من جانبه، أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن «الأرض باتت مهيأة لعقد قمة مصرية - تركية»، مشيراً في هذا الصدد إلى جملة من التفاهمات التي شهدها ملف العلاقات الثنائية خلال الفترة الماضية.

وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط»، أن «القمة نجحت قبل أن تنعقد»، مشيراً إلى أن «جملة من العوامل تدفع باتجاه اعتبار انعقاد تلك القمة (ضرورة ملحة) في توقيت يبدأ فيه الرئيس التركي ولاية جديدة، يريد خلالها تأكيد توجهات سياساته الجديدة نحو المنطقة، فضلاً عن تجاوب القاهرة مع هذه التوجهات الجديدة».

تفاهمات جادة

وأشار إلى أن الفترة الأخيرة شهدت تفاهمات وصفها بـ«الجادة» في القضايا الثنائية، ولم تعد هناك «مناكفات» بين الطرفين، فضلاً عن توالي الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الجانبين، مشدداً على أن القمة ستكون «فرصة لترجمة ما يجري من إجراءات إيجابية وتحويله إلى خطوات عملية»، وهو ما اعتبره «أمراً مهماً» للطرفين المصري والتركي، على حد سواء.

وأعرب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، عن اعتقاده بأن القمة حال انعقادها سواء في القاهرة أو في أنقرة ستركز في المقام الأول على الأطر الثنائية، ثم تنطلق منه إلى الملفات الإقليمية، وستكون لها «انعكاسات إيجابية» على عدد من ملفات المنطقة التي تضطلع فيها القاهرة وأنقرة بأدوار فاعلة.

وبحث وزير الخارجية التركي الجديد، حقان فيدان، مع نظيره المصري سامح شكري، الأسبوع الماضي، سبل تطبيع العلاقات بين البلدين، وتناول الاتصال ملفات التعاون الثنائي وتبادل الزيارات على مختلف المستويات.

ولم يكن فيدان بعيداً عن ملف العلاقات مع مصر، إذا كان بحكم منصبه كرئيس للاستخبارات التركية قريب الصلة بالتطورات التي شهدها مسار العلاقات بين البلدين خلال العامين الماضيين.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (رويترز)

اللقاءات المباشرة

وشهدت الشهور الأخيرة عدداً من اللقاءات المباشرة بين وزيري الخارجية في البلدين، إذ زار وزير الخارجية المصري تركيا مرتين في أقل من 6 أسابيع، كانت أولاهما لتقديم الدعم للحكومة التركية في أعقاب زلزال 6 فبراير (شباط) الماضي، وهو ما كان موضع إشادة من جانب السلطات التركية، كما قدمت مصر مساعدات إغاثية لضحايا الزلزال.

في المقابل، زار وزير الخارجية التركي آنذاك، مولود جاويش أوغلو، القاهرة في مارس (آذار) الماضي، وأشار في مؤتمر صحافي بمقر الخارجية المصرية، إلى أن ثمة ترتيبات للقاء رئيسي البلدين.

واعتبر كرم سعيد الباحث في الشأن التركي، أن انعقاد قمة مصرية - تركية قريباً «لن يكون أمراً مفاجئاً»، مشيراً إلى أن السياق الذي تتخذه العلاقات بين البلدين يؤكد وجود دفع نحو تلك الخطوة، التي ستكون على حد تعبيره، «انفراجة كبيرة تكلل ما شهده مسار العلاقات خلال العامين الماضيين».

وأوضح سعيد لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتصال الهاتفي بين السيسي وإردوغان عقب فوز الأخير بالانتخابات الرئاسية التركية جسد طبيعة الإرادة السياسية لقيادتي البلدين على الارتقاء بمستوى العلاقات وعدم تركه لمباحثات وزارية أو بين مسؤولي البلدين، وهو ما «يعكس رغبة في حسم الأمور على مستوى القمة».

زوال الحساسيات

وأعرب الباحث في الشأن التركي عن اعتقاده بأن القمة بالفعل يمكن أن تكون «قريبة» بالنظر إلى زوال «الحسابات أو الحساسيات السياسية» التي كان يمكن أن تثيرها خلال مرحلة الانتخابات التركية، وتوظيفها من جانب أحزاب المعارضة لمهاجمة إردوغان الذي تسببت سياساته ومواقفه في مرحلة سابقة بتدهور العلاقات مع مصر.

وتطرق سعيد إلى بعد آخر تعكسه القمة المصرية - التركية حال انعقادها، وهو تأكيد نجاح سياسات الدولة المصرية في إدارة علاقاتها الخارجية، وبخاصة مع الدول التي ساندت تنظيم «الإخوان» في مرحلة ما بعد الثورات العربية في 2011.

وأشار إلى أن لقاء السيسي مع إردوغان الذي كان أكبر داعمي التنظيم سيكون «رسالة ذات مغزى» لقوى الإسلام السياسي بخطأ حساباتها وعدم قدرتها على القراءة الصحيحة لاتجاهات العلاقات بين الدول، فضلاً عما يمكن أن تسببه تلك القمة المصرية - التركية من مفاقمة حالة التأزم داخل هياكل تنظيم «الإخوان»، الذي يشهد حالياً انقسامات بين عدة جبهات؛ أبرزها جبهتا إسطنبول ولندن.

«الإخوان»

وكانت السلطات التركية اتخذت على مدى العامين الماضيين عدداً من الإجراءات المشددة تجاه عناصر محسوبة على «الإخوان» ومنابرهم الإعلامية التي تنطلق من الأراضي التركية، وفرضت ضوابط للحد من تحريضهم ضد السلطات المصرية، وهو ما اعتبر وقتها إشارات تركية تؤكد جديتها في طي صفحة التوتر مع القاهرة.

ورغم أن كرم سعيد يرى أن ورقة الإخوان «لم تعد ذات قيمة أو جدوى في ملف العلاقات التركية مع مصر»، فإنه يرجح أن تكون القمة بين رئيسي البلدين في القاهرة، ليكون وقعها أكبر على قوى الإسلام السياسي، إذ سيكون استقبال إردوغان الذي دأب لسنوات على مهاجمة الدولة المصرية وشخص رئيسها، في القاهرة رسالة بالغة القوة، يمكن اعتبارها بمثابة «اعتذار ضمني» عن حملات الهجوم السابقة، فضلاً عن أن وزير الخارجية المصري بروتوكولياً كان المبادر بزيارة الأراضي التركية غداة زلزال فبراير الماضي.


مقالات ذات صلة

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

شمال افريقيا جرافة تستخدم لفصل المواد الحاملة للذهب في موقع تعدين في «دلقو المحس» شمال السودان 7 مايو 2026 (أ.ب)

قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية

استهدف قصف جوي الثلاثاء والأربعاء، مناجم للتعدين عن الذهب في أقصى شمال السودان مع الحدود المصرية أسفر عن قتلى وجرحى وسط صمت رسمي بشأن الجهة المنفذة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
رياضة عربية حسام حسن كان غاضباً في بعض فترات المباراة (رويترز)

حسام حسن يشكو رضا عبد العال لـ«تشويه سمعته»

صَعّد حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، صدامه مع المحلل الرياضي واللاعب السابق، رضا عبد العال، بداعي «الإساءة إليه وتشويه سمعته».

محمد عجم (القاهرة)
المشرق العربي ميناء طرطوس (سانا)

سوريا تصلح الكابل البحري المتضرر بين طرطوس والإسكندرية

أعلنت الشركة السورية للاتصالات إنجاز أعمال إصلاح الكابل البحري المتضرر الناقل لحركة الإنترنت بين طرطوس والإسكندرية وإعادة تشغيله بشكل كامل بجهود كوادرها الوطنية

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا لقاء الرئيسين المصري والأميركي على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا (الرئاسة المصرية)

لقاء السيسي وترمب... دفعة محتملة لاتفاق غزة ووساطة سد النهضة

تصدر ملفا اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة وأزمة «سد النهضة» الإثيوبي، مناقشات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء

محمد محمود (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان الراحل محمد مرزبان

وفاة الفنان المصري محمد مرزبان بعد تعرضه لحادث سير

غيَّب الموت صباح اليوم (الأربعاء) الفنان المصري محمد مرزبان وفقاً لما أعلنه الفنان أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العنف الجنسي سلاح حرب في السودان

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
TT

العنف الجنسي سلاح حرب في السودان

سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)
سيدة سودانية في مخيم لاجئين (غيتي)

دخلت الحرب في السودان عامها الرابع، مُثقلة بقصص عن انتهاكات وأهوال تتوارى خلف جدران منازل مهدمة ومخيمات نزوح مكتظة بنساء وفتيات نجون من العنف الجنسي، لكنها نجاة لن تكتمل إلا بمحاسبة الجناة وعدم تمكينهم من الإفلات.

بين تجربة مثقلة بصدمة الاختطاف، والاغتصاب، ثم الخوف من الوصمة الاجتماعية، تمتد معاناة الناجيات إلى ما بعد لحظة الانتهاك، لتتحول إلى رحلة طويلة من الألم والعزلة وانعدام الاستقرار.

وفي بلد تتآكل فيه منظومة الرعاية الصحية، والدعم النفسي، وآليات المحاسبة القانونية، يتحول العنف الجنسي من فعلٍ حربي يقع في سياق عسكري إلى أزمة مجتمعية ممتدة، وتتقاطع فيها الجريمة مع الصمت، والانتهاك مع العجز عن إنصاف الضحايا.

«الشرق الأوسط» رصدت معاناة ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في السودان، وتحدثت إلى عدد من الناجيات. كما وثّقت إحصاءات، وجمعت آراء خبراء قانونيين ونفسيين، مع الحرص على حجب أسماء النساء، وبعض التفاصيل التعريفية، حفاظاً على سلامتهن، وخصوصيتهن.


انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
TT

انشقاق فارس النور مستشار حميدتي السياسي يعمّق أزمة «الدعم السريع»

فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)
فارس النور المستشار السياسي لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

تتواصل موجة الانشقاقات داخل «قوات الدعم السريع»، وكان أحدثها إعلان القيادي البارز فارس النور استقالته من جميع مناصبه في «قوات الدعم السريع» وتحالف «تأسيس» الداعم لها.

وأكد النور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قراره بالانشقاق، قائلاً إنه استقال بهدف البحث عن فرص جديدة للسلام والحوار. ويشغل فارس النور عضوية المجلس الرئاسي في تحالف «تأسيس»، كما عينته الحكومة الموازية التي تتخذ من مدينة نيالا مقراً لها حاكماً لإقليم الخرطوم. وشغل لسنوات منصب مستشار قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان من أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال مفاوضات جدة عام 2023.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لكونها تختلف عن معظم حالات الانشقاق السابقة التي شهدها معسكر «الدعم السريع» خلال الفترة الأخيرة؛ ففي حين ارتبطت الانشقاقات السابقة بقادة ميدانيين يمتلكون قوات أو نفوذاً عسكرياً على الأرض، ينتمي فارس النور إلى خلفية سياسية ومدنية، وارتبط اسمه بالمشروع السياسي لتحالف «تأسيس» أكثر من ارتباطه بالعمليات العسكرية المباشرة.

وأوضح النور أسباب استقالته قائلاً: «قدمت استقالتي نتيجة قناعة متزايدة بأن الأزمة السودانية وصلت إلى مرحلة من الانسداد السياسي والجمود. ومع استمرار الحرب وتفاقم معاناة المواطنين، أصبح من الضروري إيجاد مساحات جديدة للعمل. ومن هذا المنطلق اتخذت قرار الاستقالة حتى أتمكن من إدارة حوار مع مختلف الأطراف السودانية، بعيداً عن أي تصنيف سياسي أو عسكري، والمساهمة في الوصول إلى حل شامل للأزمة السودانية».

ويأتي انشقاق فارس النور ضمن سلسلة من الانشقاقات التي شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال الأشهر الماضية.

ففي شهر مايو (أيار) الماضي أعلن بشارة الهويرة، الذي كان يتولى مسؤولية العمليات العسكرية بمحور مدينة بارا في ولاية شمال كردفان، انشقاقه عن القوات.

كما سبقه إعلان القائد الميداني البارز النور آدم، المعروف باسم «النور القبة»، انسحابه من «قوات الدعم السريع» وانضمامه إلى الجيش السوداني بعد مغادرة قواته مواقعها في شمال دارفور.

وقبل ذلك أعلن أبو عاقلة كيكل، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» في ولاية الجزيرة، تعاونه مع الجيش السوداني في خطوة اعتبرت من أهم الانشقاقات خلال الحرب نظراً للنفوذ الكبير الذي كان يتمتع به في وسط السودان.

كما أعلن مؤخراً القيادي علي رزق الله، المعروف باسم «السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع» والتحاقه بالجيش.

ورغم تفاوت الوزن العسكري والسياسي لكل حالة من هذه الحالات، فإن تكرار الانشقاقات خلال فترة زمنية قصيرة أثار تساؤلات متزايدة حول مدى تأثيرها على تماسك «قوات الدعم السريع» ومستقبل تحالفاتها السياسية والعسكرية.


ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
TT

ديون مصر... وفاء بالالتزامات يحبطه الاقتراض المتجدد

وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)
وزير النقل المصري كامل الوزير متحدثاً في جلسة برلمانية (رويترز)

على الرغم من التأكيدات المصرية الرسمية على الالتزام بسداد الديون الخارجية وعدم التأخر في أي قسط مستحق، فإن الأرقام تُظهر ارتفاع الدين الخارجي باستمرار، وهو ما أرجعه خبراء ومحللون إلى أن عمليات السداد تقابلها قروض مستمرة من مؤسسات مانحة، وأن أقل هذه القروض من صندوق النقد الدولي.

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليسجل 163.9 مليار دولار، مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات البنك المركزي المصري.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التزام مصر بسداد التزاماتها الدولية، مشيراً إلى سداد نحو 38.7 مليار دولار من الديون الخارجية خلال ذلك العام.

الديون الجديدة

ويُرجع الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، سبب ارتفاع الديون رغم الالتزام بالسداد إلى أن جدول سداد التزامات الديون على مصر يتضمن أقساط القروض الأساسية وفوائدها، مضيفاً: «في حال وجود دين ثابت، فإن سداد التزامات الأقساط والفوائد يقود بالضرورة لخفض الديون بمقدار ما تم سداده؛ ولكن في الحالة المصرية الأمور مختلفة، فمصر فعلاً ملتزمة في سداد الأقساط والفوائد ولا يوجد أي تأخير فيها، ولكن في الوقت نفسه تتم إضافة ديون جديدة من المانحين، سواء دول أو مؤسسات دولية».

واستطرد عبد المطلب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تركيز واهتمام المراقبين دائماً يكون منصباً على قروض صندوق النقد الدولي، في حين أن أقل القروض تأخذها منه مصر، ولكن هناك قروضاً من بنك التنمية الأفريقي، وقروضاً من البنك الدولي، وهي قروض ممتدة لأكثر من 25 عاماً، بجانب قروض من مؤسسات أخرى ومن الاتحاد الأوروبي وكذلك من بعض الدول. ومن هنا، نجد أن ما يُضاف من قروض جديدة أكبر مما يُسدد، ولذلك نجد أن الدين يزيد رغم الالتزام بالسداد».

محافظ البنك المركزي المصري قدّم تطمينات للسيسي حول سداد الالتزامات قصيرة المدى من الديون (الرئاسة)

وتشير بيانات البنك الدولي الصادرة في مايو (أيار) الماضي إلى أن التزامات مصر الخارجية تبلغ حتى نهاية العام الحالي نحو 38.65 مليار دولار، تتضمن نحو 12.7 مليار دولار ودائع لدى «البنك المركزي» لصالح دول الخليج.

اليورو أحد الأسباب

الخبير الاقتصادي محمد أنيس أشار إلى أن عملية الإصلاح الاقتصادي التي تعمل الحكومة المصرية على تنفيذها، سواء أكانت في شكل إجراءات تستهدف إعادة الهيكلة أو الاستمرار في تنفيذ مشروعات قومية كبرى، تقابلها أعباء مالية تستلزم الحصول على قروض جديدة، خاصة أن معظم المشروعات القومية ليست لها عوائد مالية سريعة أو مباشرة لسداد القروض أو الأعباء المحملة عليها من فوائد.

وتقدر أعباء خدمة الدين في الموازنة العامة المصرية للعام المالي الحالي بنحو 5.27 تريليون جنيه (105.4 مليار دولار)، تشمل أقساط الديون وفوائدها.

وحدّد الخبير المصرفي طارق إسماعيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أسباب الارتفاع المستمر للدين الخارجي في عدة نقاط. منها «تحليل سلة العملات للديون الخارجية المصرية، ما يشير إلى أن اليورو ثاني أكبر عملة من حيث حجم الدين، بما يقارب 19 في المائة من حجم الدين الخارجي».

وتابع قائلاً: «وفق أداء العملات عام 2025، فإن الدولار انخفض عالمياً بما يوازي ارتفاع اليورو أمام الدولار بنحو 14 في المائة تقريباً، والدين الخارجي المصري مقوِّم بالدولار الأميركي. وعليه، فكل مليار يورو تم اقتراضه أثَّر بالزيادة على حجم الدين بنحو 140 مليون دولار بنهاية العام. الأمر نفسه تكرر مع عملات أخرى، ولكن بنسب أقل لانخفاض حجم تمثيلها في محفظة الدين الخارجي المصري، مثل العملات الآسيوية».

ومن ضمن الأسباب أيضاً، بحسب إسماعيل، أن «فكرة تدوير الديون عند استحقاق آجالها قائمة بقوة؛ فمثلاً عند استحقاق سداد سندات خارجية عادة تقوم مصر بطرح سندات جديدة لسداد المستحقة، نتيجة لأن هناك فجوة ضخمة بين إيرادات الدولة ومصروفاتها، ما يضطر الدولة لتمويل عجز الموازنة عن طريق الاقتراض، وأيضاً زيادة اقتراض القطاع الخاص للاستفادة من التمويلات الإنمائية الميسرة التي توفر مكوناً دولارياً بشروط أقل صرامة من البنك المركزي».

جانب من جلسة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

وكان محافظ البنك المركزي حسن عبد الله قد قدم تطمينات رسمية بشأن سداد الالتزامات قصيرة المدى خلال اجتماعه، الشهر الماضي، مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيراً إلى أن صافي الاحتياطيات الدولية لمصر، التي بلغت نحو 53 مليار دولار في أبريل (نيسان) الماضي، تعادل نحو 158 في المائة من الديون الخارجية قصيرة الأجل.

وتحدث نائب رئيس مجلس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى، الشهر الماضي، عن ملف الديون، ووصف وضع الدَّين العام بأنه «مأساوي»، مؤكداً أن «خدمة الدين تلتهم نحو 60 في المائة من إيرادات الدولة».

الحلول المقترحة

يحدد عبد المطلب سبل الحلّ في «التوقف نهائياً عن الحصول على قروض جديدة أياً كان مصدرها، والعمل على زيادة موارد النقد الأجنبي حتى يمكن تقليل رصيد الدين الخارجي، وترويج فرص الاستثمار في مصر، بما يسمح بزيادة فرص تحويل جزء من القروض إلى استثمارات».

بينما يكمن الحلّ، بحسب أنيس، «في تحديد الحكومة سقفاً للدين يجب ألا تتخطاه، وليكن 168 مليار دولار، وهو أعلى رقم وصل إليه الدين الخارجي لمصر، وأيضاً إعادة ترتيب الأولويات بالنسبة للمشروعات التي يتم تنفيذها بحيث تعاد جدولة تنفيذها مرة أخرى، وإطالة أمد التنفيذ بما لا يضطر البلاد لاستمرار الاقتراض في الوقت الذي تسدد فيه الديون القديمة».

وفي ظل الاتهامات المستمرة له بأنه أكثر أعضاء الحكومة حصولاً على القروض، ردّ وزير النقل كامل الوزير، خلال جلسة لمجلس النواب، الثلاثاء، على اعتراضات بعض أعضاء المجلس على التوسع في الاقتراض لصالح وزارته، قائلاً: «لا نقترض لنستهلك، بل نقترض لننمو. نحن لا ننظر لتكاليف اليوم فقط، وإنما للعائد في المستقبل»، مؤكداً أنه يسدد قروض وزارته، ويحقق فائضاً بالدولار لخزينة الدولة.