الاتهامات الجنائية لترمب تهزّ السباق الرئاسي الأميركي

الجمهوريون قلقون على كل الانتخابات العامة... والديمقراطيون مُربَكون حيال بايدن

ترمب أمام القضاء (أ.ب)
ترمب أمام القضاء (أ.ب)
TT

الاتهامات الجنائية لترمب تهزّ السباق الرئاسي الأميركي

ترمب أمام القضاء (أ.ب)
ترمب أمام القضاء (أ.ب)

مع توجيه اتهامات جنائية فيدرالية (اتحادية)، للمرة الأولى بحق رئيس أميركي سابق أو حالي - هو في الوقت نفسه المرشح الأول على قائمة حزبه - دخل السباق الرئاسي في الولايات المتحدة لانتخابات 2024، الذي بالكاد انطلق، منعطفاً غير مسبوق. ومع بدء محاكمة دونالد ترمب بقضايا تمسّ «الأمن القومي»، واحتمال فوزه بالسباق، لا يستبعد كثيرون أن يقود البلاد من «داخل سجنه». ترمب، الذي أدين مرتين كرئيس، ووجهت إليه مرتين، تهماً جنائية منذ مغادرته البيت الأبيض، كان قد مثل يوم الثلاثاء أمام محكمة فيدرالية في مدينة ميامي بولاية فلوريدا، بتهمة تعريض «أسرار الأمن القومي» للخطر و«عرقلة» المحققين.

جلسة الاستماع التي استغرقت 50 دقيقة، كانت بداية لعملية ستبدأ بعد نحو شهر لمحاكمة الرئيس السابق دونالد ترمب، حين يكون السباق الرئاسي التمهيدي للجمهوريين، قد دخل مرحلة متقدمة، مع تزايد عدد المرشحين إلى أكثر من 12 شخصاً، الذين انضم إليهم أخيراً رئيس بلدية ميامي نفسها.

كل هؤلاء طامحون لنيل ترشيح الحزب، ومواجهة خصمهم مرشح الحزب الديمقراطي، في الانتخابات العامة. بيد ان انتخاب الرئيس، لن يكون الورقة الوحيدة التي سيلقي بها الناخبون الاميركيون في صناديق الاقتراع، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. إذ، كالعادة، سيُجدد انتخاب كل أعضاء مجلس النواب، وأكثر من ثلث أعضاء مجلس الشيوخ، فضلاً عن عشرات حكام الولايات.

ميتش ماكونيل (رويترز)

ومع احتدام القضايا التي يتصارع عليها الحزبان الديمقراطي والجمهوري، كشفت بعض المؤشرات «الواعدة» للديمقراطيين، و«المقلقة» للجمهوريين، عن منحى ينبغي مراقبته جيداً. ورجّح البعض أن تكون بداية لاحتمال حصول تغيير عميق أكثر «اعتدالاً»، في نظرة الأميركيين في بعض الولايات الأكثر تأييداً للجمهوريين، من قضية الإجهاض إلى تقسيم الدوائر الانتخابية. والفضل هنا، يعود إلى المحكمة الأميركية العليا، التي تسبّبت قراراتها «المتناقضة» في هاتين القضيتين بمنح الديمقراطيين الأمل في الفوز بولايات كانت حكراً على الجمهوريين لعقود، وقلق الأخيرين من تأثيرات إحكامها على سيطرتهم تلك.

يقول مراقبون وسياسيون أميركيون: إن حملة إعادة انتخاب ترمب، تعرّضت لضربة كبيرة بعد الكشف عن لائحة الاتهام في قضية الوثائق السرّية. لكن، ومن أجل تقدير هذا الضرر، قد يكون من المجدي إلقاء نظرة على تداعياتها وتأثيراتها، على قادة الحزب الجمهوري، وقاعدته.تحالف جمهوري ضد ترمبوفق تقارير صحافية، فإن العدد الذي يؤيد ترمب في مجلس الشيوخ، يتساوى مع عدد الذين يقولون إنهم يريدون مرشحاً آخر، من بينهم من صوّت لعزله مرتين. لا، بل يرى البعض أن تحالفاً مناهضاً لترمب، يتشكل بين أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، خصوصاً بعد صدور لائحة الاتهام، التي فاقمت «الانزعاج» منه. وعلى الرغم من تقدمه على باقي منافسيه الجمهوريين، فإن عددهم الكبير، مؤشر على الأقل، إلى خوف الحزب من تداعيات الاتهامات على «مرشحهم الأساسي»، ورغبتهم في الاعتراض على سياساته.

رون دي سانتيس (رويترز)

صحيفة «بوليتيكو» ترى أن بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين يتخذون خطوات «هادئة» في هذا الاتجاه: أربعة أيّدوا مرشحين من غير ترمب، وقال آخران إنهما يريدان مرشحاً مختلفاً. وكثيرون آخرون متشائمون عند سؤالهم عن آفاقه الانتخابية، بمن فيهم بعض المدافعين المخلصين الذين ما زالوا «محايدين» رسمياً حتى الآن.

ونقلت «بوليتيكو» عن السيناتور مايك براون من ولاية إنديانا الجمهورية، وحليف ترمب منذ فترة طويلة، قوله إنه «اعتباراً من الآن سأقول فقط لقد أيّدت سياساته». ثم تابع براون «أنا لم أمنح تأييدي الرسمي بعد. كنت واضحاً تماماً أنني أود أن أرى شخصاً ما يوضح للحزب الجمهوري ما سنفعله في السياسات». وبينما يعد براون للترشح لمنصب حاكم الولاية، أردف إنه لن يؤيد أحد منافسي ترمب، بل ينتظر نهج الرئيس السابق في «التبلور».

وعلى الرغم من أن الفوز في الانتخابات التمهيدية الجمهورية، لا يقرّره التوازن بين مؤيدي هذا المرشح أو معارضيه من أعضاء مجلس الشيوخ. غير أن منتقدي ترمب هناك، يمثلون شريحة كبيرة من قاعدة الحزب، بما في ذلك المانحون، الذين يريدون أن يتغلب «جمهوري مختلف» على الرئيس جو بايدن.

كيفن ماكارثي (أ.ب)

ومع تحييد سيناتور ولاية إنديانا نفسه عن تأييد ترمب «الآن»، خسر الرئيس السابق دعم سيناتورَي ولاية ساوث داكوتا، جون ثون ومايك راوندز، وسيناتورَي ولاية نورث داكوتا، كيفن كرامر وجون هوفن، لمصلحة منافسيه تيم سكوت ودوغ بورغوم، على التوالي. ويترافق هذا التحول أيضاً، مع تصاعد الأصوات التي تعتقد أن أي مرشح جمهوري غير ترمب، يستطيع الفوز في الانتخابات العامة، مع الاعتراف بأنه المرشح الأوفر حظاً في الانتخابات التمهيدية.

هذا الموقف يعكس رفض زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، أن يقول يوم الثلاثاء، بعد مثول ترمب أمام المحكمة، عما إذا كان سيدعمه إذا حصل على ترشيح الحزب الجمهوري، أو ما إذا كان ترمب قد ارتكب أي خطأ. فقد قال ماكونيل، الذي لم يتحدث أو يتواصل مع ترمب، منذ احداث الهجوم على الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، «ببساطة، لن أبدأ في التعليق على المرشحين المختلفين لدينا للرئاسة». لكن السيناتور الجمهوري السابق والنافذ جون كورنن، المقرب من ماكونيل، قال: إن الحزب الجمهوري في حاجة إلى «أداء أفضل» من ترمب كي يفوز في الانتخابات العامة. وعكست تصريحات العديد من الجمهوريين، اختيارهم بعناية لكلماتهم، سواءً في انتقاد ترمب أو الإشادة بمنافسيه، في محاولة لتفادي إغضاب قاعدته الشعبية. وبدلاً من ذلك، على سبيل المثال، قالت السيناتور سينثيا لوميس من ولاية وايومينغ، إن رسالة تيم سكوت التطلعية «مرتفعة» في الانتخابات التمهيدية، وأن رون دي سانتيس، حاكم فلوريدا - الذي لم يحصل بعد - على تأييد أي عضو في مجلس الشيوخ «طرح قضايا يريد الناس معالجتها في هذه الدورة الانتخابية».الاتهامات رفعت شعبية ترمبمن جهة ثانية، مع شبه الإجماع، على أن ترمب في طريقه للفوز بالانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، بدا أن كل الاتهامات التي يتعرّض لها، ترفع من نسبة تأييده بين ناخبي الحزب الجمهوري لا العكس. وفي استطلاع أخير، ارتفع هذا التأييد إلى أكثر من 60 في المائة. في حين أن من بين 12 مرشحاً جمهورياً يتنافسون معه، يحظى دي سانتيس فقط بنسبة قبول تصل تقارب الـ20 في المائة، في حين حظي مايك بنس، نائب ترمب السابق، بنسبة 4 في المائة، والباقون حصلوا على نسبة 1 في المائة.

العديد من المراقبين يرون أن مشكلة المرشحين المنافسين لترمب، ليست فقط، أنهم «رهائن» بيد قاعدة ترمب الشعبية الضخمة، بل هم مكبّلون بضرورة الدفاع عن «جمهوري» يتعرض لهجوم الديمقراطيين.

أيضاً، المشكلة قد تكون أبعد من ذلك. فغالباً ما واجه الجمهوريون هذا النوع من التحديات، مع قضايا خطيرة تعرّض لها رؤساء جمهوريون سابقون، حاولوا - بحسب بعض المراقبين - الانقضاض على سيادة القانون وتخطي المؤسسات والقيم الديمقراطية. وهنا نذكر فضيحة «ووترغيت» مع ريتشارد نيكسون، إلى فضيحة «إيران كونترا» مع رونالد ريغان، إلى تلفيق جورج بوش «الابن» الحجج لاجتياح العراق، ووصولاً إلى ترمب والقضايا المرفوعة ضده... من الوثائق السرية إلى قلب نتائج الانتخابات!

غير أن امتناع قادة الحزب عن التعليق مباشرة ضد ترمب، واصطفاف عدد كبير منهم - بمن فيهم جميع المرشحين المنافسين له - وراء خطاب إدانة قرار الاتهام، ومهاجمة القضاء، والنظام السياسي برمّته، في تناغم مع خطاب ترمب الذي رفعه منذ ترشحه للرئاسة عام 2015، أظهر أن الحزب قد حسم قراره في اختيار مرشحه للانتخابات العامة.

هكذا صمت ميتش ماكونيل، ووقف كيفن ماكارثي (رئيس مجلس النواب) وستيف سكاليز (الرقم 2 في المجلس) ورون دي سانتيس ومايك بنس وراء ترمب، متهمين الإدارة بأنها «تسلح إنفاذ القانون»، وتهدد «المجتمع الحر»، والتعهد «بتنظيف» وزارة العدل، في حال فاز أحدهم.

فقط جمهوري واحد بارز في الكونغرس أدان ترمب بالفعل، هو السيناتور ميت رومني. إذ قال في بيان: «في جميع المراحل، أبدت وزارة العدل والمستشار الخاص العناية الواجبة، ومنحت السيد ترمب الوقت والفرصة لتجنب الاتهامات التي لم تكن متاحة بشكل عام للآخرين». وأضاف «لقد وجّه ترمب هذه التهم لنفسه، ليس فقط بأخذ وثائق سرّية، بل أيضاً برفض إعادتها عندما أتيحت له فرص عديدة لفعل ذلك». وكان لافتاً موقف وليم بار، وزير العدل السابق إبان رئاسة ترمب، الذي وصف الاتهامات، بأنها «جدية جداً وخطيرة» على رئيس سابق يطمح للعودة إلى البيت الأبيض. واعتبر أنها «تشكل تهديداً حقيقياً لفرص الجمهوريين في الفوز بالانتخابات العامة»، محذراً من أن شريحة واسعة من المستقلين قد تميل للتصويت إلى أي شخص آخر غير ترمب. انقسام ديمقراطي يبحث عن بديلفي المقابل، بينما يكاد يجمع الديمقراطيون على أن ترمب يستحق لائحة الاتهام، فإنهم كانوا أكثر انقساماً، حيال ما إذا كان هذا الأمر جيداً للبلاد ولحزبهم، وعلى تأثيرها على الانتخابات. وفي حين التزم الرئيس جو بايدن وكبار مسؤولي إدارته وقيادات الحزب الكبرى، الصمت إلى حد كبير، بشأن لائحة اتهام ترمب، كان الديموقراطيون العاديون أكثر حرصاً على الكلام بمزيج من الابتهاج والتخوف العميق، من أن تؤدي الملاحقة الفيدرالية لرئيس سابق ومرشح حالي للبيت الأبيض، إلى «إفساد» السياسة الأميركية.

ومع صدور الاتهامات في بداية الحملة الرئاسية لعام 2024، التي يتوقع فيها العديد من الديمقراطيين، إعادة المباراة بين بايدن وترمب، يشعر بعض الديمقراطيين بالسعادة لمحاسبة ترمب «أخيراً» على أفعاله المخالفة للمعايير. غير أن آخرين يخشون أن يختار ترمب التحدي مرة أخرى، وأن يستجيب أنصاره بالعنف - في حالة إدانته ومحاكمته - كما حصل عام 2021، وهو أمر يمكن أن يتكرّر عام 2024، في حال خسر الانتخابات مرة أخرى.

ولكن على الرغم من ذلك، يقول البعض إن «الضرر الطويل الأمد الذي قد يلحق بالأمة وبنظام العدالة من اللافعل يفوق بكثير الأخطار السياسية والأمنية». ووفق ديفيد والترز، حاكم ولاية أوكلاهوما الديمقراطي السابق، «لدينا قوة شريرة في وسطنا يجب مواجهتها».حافز للتساؤلاتفي مطلق الأحوال، كانت لائحة الاتهام حافزاً للديمقراطيين، من جميع ميولهم، لطرح الأسئلة، عما إذا كانت ستؤدي إلى انفصال مؤيديه عنه، أم ستجعله مرشح الجمهوريين... وماذا سيحدث إذا أدين وكان لا يزال مرشحاً؟

كثيرون من الديمقراطيين يعتقدون أن الضرر اللاحق بفرص ترمب في الحصول على فترة رئاسية أخرى سيطغى على ترشيحه. إذ قال جاي جاكوبس، رئيس الحزب الديمقراطي لولاية نيويورك، «كثيرون من الأميركيين الوطنيين يتسمون بالفطرة السليمة والوطنية بحيث لن يمر هذا بأي طريقة أخرى». ولكن ديمقراطيين يشعرون بالقلق مما سيحدث إذا بُرّئت ساحة ترمب، وقد يوجه ضربة قوية للثقة المنخفضة أصلاً، بالحكومة والمحاكم ونظام العدالة ككل.

من جانب آخر، يخشى ديمقراطيون آخرون من أن تعزّز إدانة ترمب فُرص أحد منافسيه الجمهوريين، فتضر بفرص إعادة انتخاب بايدن، لا سيما وسط عجز الحزب الديمقراطي عن اتخاذ قرار جريء يطالب الرئيس «الثمانيني»، بالتنحي من الحملة لمصلحة مرشح ديمقراطي آخر أصغر سناً، ليس بالضرورة أن يكون نائبة الرئيس كامالا هاريس، بحسب العديد من الاقتراحات والتمنيات المتداولة في الاروقة الخلفية.

القاضي جون روبرتس (أ.ب)

المحكمة العليا الأميركية تخلط الأوراق... مؤقتاً!

> يرى عدد كبير من المراقبين الأميركيين، وبالأخص من الحزب الديمقراطي، أنه يمكن الدفع بشخصية ديمقراطية، تعمل على استثمار «الإيجابيات» التي ترتبت عن قرارات المحكمة العليا، في قضيتَي الإجهاض العام الماضي، وتقسيم الدوائر الانتخابية الأسبوع الماضي.

فقد تحوّل حظر الإجهاض، إلى رافعة للديمقراطيين، حتى في بعض الولايات الأكثر ولاءً للجمهوريين. وانعكس هذا في انتخابات 2022 النصفية، حين فشل الجمهوريون في السيطرة على مجلس الشيوخ، وحققوا سيطرة باهتة على مجلس النواب.

أيضاً يمكن طرح قضية أخرى ذات مصداقية، تتصل بقرار المحكمة العليا الذي أُعلِن عنه الأسبوع الماضي، وقضى بلا دستورية التقسيم الإداري الذي صوّت عليه مجلس نواب ولاية آلاباما الجمهورية للحد من تصويت الناخبين السود. إذ يمكن أن يكون القرار حاسماً لانتصار الديمقراطيين، ليس فقط في هذه الولاية الجنوبية، بل في ولايات أخرى وربما الانتخابات الرئاسية أيضاً.

البعض رجّح أن ينتج من هذا القرار، إبدال ما يصل إلى خمس مقاطعات ذات غالبية من البيض الجمهوريين، بمقاطعات ديمقراطية ذات غالبية من الأقلية، بعدما طلب من ولاية آلاباما على وجه التحديد، إنشاء دائرة ثانية في مجلس النواب، من أجل توفير فرصة لمرشح أسود للفوز. ويُعد القرار تأكيداً غير متوقع للمادة 2 من قانون حقوق التصويت لعام 1965.

هذا التطور أدى فوراً إلى تغيير الحسابات الجارية حول السباقات الرئيسة في مجلس النواب على امتداد الولايات الأميركية. فتقسيم الدوائر الانتخابية في غالبية الولايات الجمهورية، مصمم منذ عقود لضمان نجاح المرشحين الجمهوريين «البيض»، بحسب «انتقادات تاريخية». ويرى خبراء أن أصداء قرار المحكمة العليا يمكن أن تتردد عبر ولايات الجنوب العميق والوسط، ما يؤدي إلى إنشاء مقاعد جديدة ذات غالبية اصوات سوداء وديمقراطية قوية في ولايات متعددة».

ويرى كثرة من الديمقراطيين، أنه مع إمكانية إضافة المزيد من المقاطعات في ولايات أخرى، اعتماداً على المزيد من الدعاوى القضائية، في ولايات أخرى مثل لويزيانا ونورث كارولينا وجورجيا وتكساس وفلوريدا، قد يتمكن الديمقراطيون ليس فقط من الحصول على المقاعد الخمسة الضرورية لاستعادة السيطرة على مجلس النواب، عام 2024، بل والتأثير بشكل حاسم على ميزان القوى السياسي في واشنطن.

ومع احتمال صدور قانون جديد لحقوق التصويت في آلاباما ولويزيانا وجورجيا قبل عام 2024، كحد أدنى، وجدت المحاكم الأدنى بالفعل أن الخرائط الحالية في تلك الولايات من المحتمل أن تنتهك قانون 1965، وكذلك في تكساس وفلوريدا، بحيث يمكن إنشاء منطقة أو أكثر من المناطق ذات الغالبية اللاتينية.

عموماً، وفي حين أن معظم الباحثين القانونيين يتفقون على أن قرار المحكمة العليا، يشكل نصراً لحركة الحقوق المدنية التقليدية وللديمقراطيين الذين يسعون لاستعادة السيطرة على مجلس النواب، فإنهم يجادلون أيضاً، بأن الانتصار كان متواضعاً نسبياً من الناحية القانونية، وقد يكون مؤقتاً. إذ انضم اثنان من الأعضاء المحافظين الذين يسيطرون على المحكمة، هما رئيسها جون روبرتس والقاضي بريت كافانو، إلى القضاة الليبراليين الثلاثة، ليعطوا الغالبية للقرار. واختار روبرتس وكافانو، تجنب الضغط على القضية، ضد إعادة تقسيم الدوائر على أساس العرق، جزئياً بسبب «الجدل الذي أطلقته المحكمة في حكمها المثير لحظر الإجهاض، إلى جانب الصدمات الأخرى التي أحدثتها قراراتها في القضايا التاريخية المتعلقة بالبنادق وتغير المناخ. ولذا؛ سعيَا بشكل متزايد إلى إبعاد نفسيهما عن اليمين المتشدد، وفق مراقبين، لكنهما لم يغيّرا رأييهما بشأن استخدام العرق من قِبل الجهات الحكومية، بما في ذلك الكونغرس. وبدلاً من ذلك، وضعا جانباً السؤال الدستوري للمستقبل.

هذا، وكانت قد تصاعدت الدعوات للحزب الديمقراطي إلى استغلال هذا التطور، الذي عُد أول حدث مهم منذ عقود للدفع بمرشح رئاسي آخر، وتحويل المعركة، من معركة شخصية مع ترمب... إلى معركة على مستقبل النظام السياسي والديمقراطية الأميركية.


مقالات ذات صلة

مبعوث ترمب يطلب من «فيفا» استبدال إيران بإيطاليا في كأس العالم 2026

رياضة عالمية دونالد ترمب (أ.ف.ب)

مبعوث ترمب يطلب من «فيفا» استبدال إيران بإيطاليا في كأس العالم 2026

طلب مبعوث بارز للرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» استبدال إيران بإيطاليا في كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الشرطة الأميركية تغلق طريقاً بالقرب من موقع التسرب (أ.ب)

أميركا: وفاة شخصين ونقل 19 للمستشفى بعد «تسرب كيميائي» من مصنع

أفادت السلطات الأميركية بوفاة شخصين، ونقل 19 شخصاً آخرين إلى المستشفى عقب تسرب مواد كيميائية بمصنع في ولاية فرجينيا الغربية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لافتة «مؤسسة غيتس» في سياتل بالولايات المتحدة يوم 30 أبريل 2025 (أ.ب)

«مؤسسة غيتس» تُراجع علاقاتها بإبستين بعد الكشف عن رسائل إلكترونية تثير قلق المموّلين

أكدت «مؤسسة غيتس»، المموّل العالمي في مجال الصحة، يوم الأربعاء، أنها تُجري مراجعة لعلاقاتها مع المُدان بجرائم جنسية الراحل جيفري إبستين.

«الشرق الأوسط» (سياتل)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بيروت - 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

قاليباف: الهدنة غير منطقية ما دام ينتهكها الحصار البحري

قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن وقف إطلاق النار الكامل لا معنى له في ظل الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز) p-circle

«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

في ظلّ تعثّر المفاوضات واستمرار الحرب الروسية - الأوكرانية دون أفقٍ واضح للحسم، يتقدم بعضُ الطروحات غير التقليدية إلى الواجهة، في محاولة لكسر الجمود السياسي...

«الشرق الأوسط» (كييف)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.