تجددت الرسائل الإيرانية بشأن التقارب مع مصر، فبعد العديد من الإشارات الرسمية خلال الأسابيع الماضية، برز إعلان برلماني إيراني عن «قرب عقد لقاء على مستوى وزيري الخارجية»، وتوقعه «عقد اجتماع رئاسي بعده».
وواصلت القاهرة على المستوى الرسمي التزام عدم التفاعل مع تلك الإفادات، غير أن مراقبين مصريين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» اعتبروا أن تكرار التصريحات الإيرانية «انعكاس لرغبة طهران في استعجال وتسريع الوتيرة»، و«استغلال لقوة الدفع التي أحدثها استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية»، لكن المراقبين أشاروا في الوقت ذاته إلى أن «القاهرة لديها محددات ومتطلبات تحكم خطواتها نحو التقارب مع إيران».
وكان عضو البرلمان الإيراني فدا حسين مالكي، أعلن عن لقاء قريب بين وزيري خارجية مصر سامح شكري، وإيران حسين أمير عبد اللهيان.
وقال مالكي، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إيرانية (الأربعاء) إن «وزيري خارجية إيران ومصر سيلتقيان قريبا، وفي المرحلة المقبلة سيكون هناك اجتماع على مستوى رئيسي إيران ومصر»، مشيرا إلى أنه «قبل هذه اللقاءات سيتم الإعلان عن إقامة العلاقات بين إيران ومصر».
وتأتي تلك التصريحات بعد يومين من زيارة رسمية لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، إلى مصر، هي الثانية له خلال نحو 100 يوم، وعقب زيارة سلطان عمان هيثم بن طارق، الشهر الماضي لمصر، وسط تقارير عن دور للبلدين في ملف التقارب بين القاهرة وطهران.
وتُضاف تصريحات عضو البرلمان الإيراني إلى جملة من الإشارات الإيرانية حول وجود حلحلة في ملف العلاقات بمصر، الذي يشهد جمودا منذ عقود، ففي 30 مايو (أيار) الماضي، أوعز الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لوزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات بمصر.
وكان المرشد الإيراني، علي خامنئي، أكد، قبل أيام، أن بلاده «ترحب باستعداد مصر لاستئناف العلاقات بطهران».
من جانبه، قلّل السفير محمد العرابي وزير الخارجية المصري الأسبق، ورئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، من أهمية التصريحات التي تصدر بشأن العلاقات بدول أخرى عن شخصيات غير رسمية، معتبرا أن التصريحات التي ينبغي التعويل عليها هي ما يصدر عن وزارتي الخارجية في البلدين.
ووصف العرابي لـ«الشرق الأوسط» تكرار التصريحات الإيرانية بشأن التقارب مع مصر، سواء على المستويين الرسمي أو غير الرسمي بأنه «انعكاس لرغبة الإيرانيين في إنجاز التقارب مع القاهرة»، مضيفا أن هناك بالفعل «محاولات للتقارب من الجانبين في هذا الصدد»، إلا أنه استدرك «لكن لا نستطيع القول إنه تمت بلورة الأمر بشكل كامل ونهائي».
وأوضح وزير الخارجية المصري الأسبق أن «إيران تعتقد أنها استطاعت عبور مسافة واسعة عبر استئناف علاقاتها الدبلوماسية بالسعودية، وربما تسعى إلى استغلال قوة الدفع التي وفرها ذلك الاتفاق في اتجاهات أخرى، في مقدمتها التقارب مع مصر».
ولفت إلى أن إدارة ملف العلاقات المصرية - الإيرانية يجب أن تضع في الاعتبار أن لمصر مجموعة من المتطلبات والمحددات الواضحة المتعلقة بالسلوك الإيراني في المنطقة، مشيرا إلى أن مصر «لا تنظر إلى العلاقة بإيران من المنظور الثنائي وحسب، ولكنها بحكم دورها الإقليمي تتابع من كثب ما يجري في الإقليم والمواقف والتحركات الإيرانية»، ولفت في هذا الصدد إلى أن تدخلات إيران في بعض الملفات، ومن بينها الملف اللبناني «لم تتغير حتى الآن».
وتابع رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية القول إنه من المفيد الحديث بشكل إيجابي عن خطوات جادة على سبيل التقارب بين مصر وإيران، لكن ينبغي أيضا أن يكون واضحا أن «الدولة المصرية هي التي تحدد متى وكيف يمكن استعادة العلاقات بإيران ووفق أي محددات».
وتوترت العلاقات بين القاهرة وطهران، منذ انطلاق الثورة الإيرانية عام 1979، عندما وافق الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، على استضافة شاه إيران رضا شاه بهلوي، في مصر، رغم مطالبة طهران بعدم استقباله؛ لكن العلاقات بين البلدين لم تُقطع رسميا إلا بعد توقيع مصر اتفاق سلام مع إسرائيل، كما أطلقت السلطات الإيرانية اسم أحد قتلة السادات على شارع بالعاصمة طهران.
وأبقت القاهرة وطهران على اتصالات دبلوماسية، في حدها الأدنى عبر مكتب لرعاية المصالح بالبلدين، والتقى الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، نظيره المصري حسني مبارك عام 2003 على هامش قمة مجتمع المعلومات في جنيف، وعقب رحيل نظام مبارك زار الرئيس الإيراني الأسبق، محمود أحمدي نجاد القاهرة عام 2013 (خلال حكم تنظيم الإخوان) للمشاركة في القمة الإسلامية.
وكانت التوترات بين إيران ودول الخليج إحدى أبرز العقبات الرئيسية التي تحول دون تحسين العلاقات المصرية الإيرانية، إلا أن إعلان السعودية وإيران، في مارس (آذار) الماضي، استئناف العلاقات الدبلوماسية بوساطة صينية، مثّل نقطة تحول إقليمية في هذا الصدد.
في المقابل، يرى أحمد المسلماني، رئيس «مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية» والمستشار السابق للرئيس المصري، أن ثمة متغيرات «تشير إلى وجود اتجاه جاد نحو استعادة العلاقات الدبلوماسية المصرية الإيرانية خلال العام الحالي».
ووصف المسلماني لـ«الشرق الأوسط» استئناف العلاقات السعودية الإيرانية بأنه «كان عامل تشجيع كبيرا في إطار العلاقة الخاصة بين مصر والسعودية»، لافتا إلى أن الأمر يرتبط كذلك بوجود ما وصفه بـ«مرونة آيديولوجية» من جانب إيران خلافا لما مضى، معتبرا أن «مرحلة ما بعد قاسم سليماني، آخر الآيديولوجيين الكبار في إيران، تشهد تحولات ومراجعات عميقة».
وأضاف أن ما وصفه بـ«البراغماتية الشرق أوسطية الجديدة» التي تدفع كل الدول في المنطقة للبحث عن مصالحها في مواجهة العديد من الأزمات الدولية والاقتصادية «ساهمت بدور واضح في تحولات المواقف الإيرانية»، مضيفا أن محركات المواقف الإقليمية باتت تعتمد على «كثير من الاقتصاد وقليل من الآيديولوجيا».
ولم يستبعد المسلماني أن تشهد الفترة المقبلة خطوات أكثر بعدا في علاقات إيران ليس بالمنطقة فقط، ولكن بالولايات المتحدة والدول الأوروبية، فضلا عن إمكانية توقيع الاتفاق النووي وفق إجراءات صارمة للمراقبة والتفتيش الدولي، معتبرا أن ذلك سيكون «صدمة آيديولوجية في إيران، واختبارا صعبا لجدية النهج الإصلاحي في إدارة هذه الانحناءة الكبيرة وتسويقها للداخل الإيراني».
ولفت إلى أن «العلاقات المصرية بإيران لا ترتبط فقط بالموقف مع السعودية، فقد كانت للرياض علاقات دبلوماسية مع طهران حتى عام 2016، في حين لم تكن هناك علاقات إيرانية بمصر»، وأشار إلى أن «الأمر يرتبط كذلك بالآيديولوجيا المصرية تجاه النظام الإيراني».
وأوضح أنه حتى في حالة الاتفاق على استئناف العلاقات بين البلدين فسيكون السلوك الإيراني «موضع مراقبة وتقييم من القاهرة»، معربا عن توقعه أنه «إذا سارت العلاقات في مسارها الدبلوماسي والاقتصادي والسياحي فسوف تستمر وتتعمق، أما إذا امتدت إلى محاولات آيديولوجية أو مذهبية من جانب إيران، فإنها ربما تُقطع مجددا وقد تصبح أسوأ من ذي قبل».
