إحياء «مبادرة السلام العربية»... توجّه سعودي بآمال إقليميّة

توقعات بأن تحظى الجهود بدعم دولي وسط مشاركة عربية وأوروبية

المبادرة السعودية التي تبنّتها الجامعة العربية طُرحت قبل 4 عقود وأعيد طرحها قبل عقدين ومن المنتظر تجدد تقديمها قريباً (واس)
المبادرة السعودية التي تبنّتها الجامعة العربية طُرحت قبل 4 عقود وأعيد طرحها قبل عقدين ومن المنتظر تجدد تقديمها قريباً (واس)
TT

إحياء «مبادرة السلام العربية»... توجّه سعودي بآمال إقليميّة

المبادرة السعودية التي تبنّتها الجامعة العربية طُرحت قبل 4 عقود وأعيد طرحها قبل عقدين ومن المنتظر تجدد تقديمها قريباً (واس)
المبادرة السعودية التي تبنّتها الجامعة العربية طُرحت قبل 4 عقود وأعيد طرحها قبل عقدين ومن المنتظر تجدد تقديمها قريباً (واس)

تمثّل «المبادرة العربية للسلام» التي طرحتها السعودية بصيغة عربية في مرتين ماضيتين، فكرة سياسية عميقة نادى بها كثير من العرب، وهي أن يأخذ الجانب العربي «زمام المبادرة» في تبنّي الدعوة إلى السلام في الشرق الأوسط، وطرح حل جذري للصراع العربي – الفلسطيني، يمنح القضية الفلسطينية حقها، ويحقّق للمنطقة أمل العيش بسلام بين أطرافها كافة، في ضوء أنها تقدّم «السلام العادل» للجانبين، مرفقاً بفوائد جمّة على كثير من الصعد الاقتصادية والأمنية للجانبين في حال اتخذا المبادرة سبيلاً للحل الدائم لقضية السلام في الشرق الأوسط، كما يظهر ذلك في بنودها الـ10 المنشورة في موقع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.

منطق «خذ وأعطِ»

عمرو موسى، أمين عام الجامعة العربية إبّان طرح المبادرة للمرة الثانية في «قمة بيروت» العربية عام 2002، دلّل على ذلك في كتابه «سنوات الجامعة العربية»، قائلاً بتصرّف: «والواقع أننا على الجانب العربي، كنا نبحث عن مخرَج، فالهجمة شرسة علينا باعتبارنا إرهابيين أو على الأقل منتجين لهم، وذلك في أعقاب أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، فكان لا بد من الانتقال إلى شن حرب دبلوماسية تنقلنا من خانة الدفاع دون تقديم تنازلات مؤلمة أو مع تنازلات متبادلة. كان تفكير ولي العهد السعودي في ذلك الوقت هو التفكير السليم الذي ينبع من نفس منطق (خذ وأعطِ) وكان الأمير (الملك) عبد الله هو وحده صاحب المكانة التي تؤهله لطرح المبادرة العربية دون مزايدة من آخرين سوف يتحرجون من مهاجمته أو الاعتراض على ما يقترحه (...) وكان ذا مصداقية هائلة لدى الرأي العام العربي والحكومات العربية جميعاً ولدى العالم، ومن ثم كان اقتراحه أو مبادرته خطوة تاريخية جديرة بالتأييد الشامل لها».

عمرو موسى: «كان تفكير الملك عبد الله في ذلك الوقت هو التفكير السليم الذي ينبع من نفس منطق خذ وأعطِ» (غيتي)

غياب حلول بديلة واقعية

ويعد غياب أي حلول واقعية أخرى من قبل الجانبين العربي والإسرائيلي، فضلاً عن عدم تشجّع المجتمع الدولي بطرح مقاربات جديدة تركز على إحلال السلام في الشرق الأوسط بوصفه نتيجة رئيسية، بعدما أوشك حل الدولتين على الوصول إلى «طريق مسدود» مرة أخرى، فضلاً عن أن الاتفاقات السابقة على غرار «كامب ديفيد» و«وادي عربة» بين أطراف عربية وإسرائيل بوساطة دولية، أفضت إلى سلام ثنائي في الغالب، تفسيرات منطقية للقابلية التي حظيت بها «المبادرات السعودية» مما كشف عن انسجامها مع مختلف المراحل على تعاقب العقود، حيث طُرحت مبادرة الملك فهد بن عبد العزيز في «قمة فاس» العربية التي انعقدت على مرتين؛ الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1981، ثم تم تعليق أعمالها، لتنعقد ثانيةً في سبتمبر العام التالي، ثم أُعيد طرح المبادرة على يد الملك عبد الله بن عبد العزيز – الأمير آنذاك – في قمة بيروت 2002، واليوم تعود لتتهيّأ للطرح على طاولة دولية من جديد بعد 4 عقود من طرحها لأول مرة، وكأن قدرها أن تُطرح كل عقدين، مما يعزّز فكرة قابليّتها لكل زمان ومكان وسط غياب خيارات بديلة محتملة وذات تأييد واسع على غرارها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن عامل تمتُّع السعودية في كل مرحلة زمنية من تلك المراحل التي قدمت فيها «المبادرة العربية للسلام» بموثوقية غير مسبوقة على الصعيدين الدولي والعربي، أكسب المبادرة تأييداً كبيراً «نسبيّاً» في المرتين السابقتين اللتين طرحتا فيهما.

الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات في مجلس التعاون الخليجي الدكتور عبد العزيز العويشق قال إنه «في ظل الجمود الدولي لحل القضية الفلسطينية فإن المبادرة العربية، بقيادة السعودية، تظل الأداة الأكثر أهمية لتحريك هذا الجمود»، مجدّداً التأكيد خلال حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن «المبادرة العربية التي تم إقرارها في القمة العربية عام 2002 بعد أن كانت مبادرة أطلقتها المملكة العربية السعودية عام 2000 لحل القضية الفلسطينية بعد فشل الجهود الأميركية في قمة كامب ديفيد في شهر يوليو (تموز) من ذلك العام، هي الإطار الرئيسي للسياسة العربية تجاه القضية، وقد أكدت القمم العربية المتعاقبة على هذه المبادرة».

الوفد السعودي بقيادة الملك فهد بن عبد العزيز خلال «قمة فاس» 1981-1982 (موقع الفهد)

يستمر العويشق بالتأكيد على أن المبادرة التي «تشمل عناصر عدة؛ الأول الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة والعودة إلى حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، والثاني حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194، والثالث تأسيس دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، ومقابل ذلك تعلن الدول العربية انتهاء الصراع العربي-الإسرائيلي وتأسيس علاقات طبيعية مع إسرائيل» تحظى بدعم «معظم دول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، الحليف الأساسي لإسرائيل، ففي قمة جدة للأمن والتنمية التي عُقدت في 16 يوليو العام الماضي، بحضور الرئيس الأميركي ومشاركة دول مجلس التعاون ومصر والأردن والعراق، نص البيان المشترك على أن يتم حل القضية وفقاً لمبادرة السلام العربية والقرارات الدولية، وفي البيان الوزاري المشترك بين وزراء خارجية دول مجلس التعاون والوزير الأميركي أنتوني بلينكن في السابع من الشهر الجاري في الرياض، اتفق الجانبان على أن يكون حل القضية الفلسطينية متوافقاً مع مبادرة السلام العربية».

«إعادة إطلاق» بمشاركة متعدّدة

وفي سبتمبر الماضي، رعى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان اجتماعاً مغلقاً انفردت «الشرق الأوسط» بتفاصيله التي ناقشت «إعادة إطلاق» المبادرة العربية للسلام على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحضور الممثل الأعلى للشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي والأمين العام لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية الفلسطيني، ومساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، وعدد من وزراء خارجية وممثلين عن دول عربية وأوروبية.

وأشارت وثيقة صادرة عن الاجتماع إلى أنه ركّز على «دراسة خطط عمل ملموسة لإعادة تعبئة الشركاء الإقليميين والدوليين لإعادة الالتزام بجهودهم لدعم استئناف عملية السلام على أساس مبادرة السلام العربية وقرارات الأمم المتحدة ومرجعيات السلام ذات الصلة».

وفي مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، أشار الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط إلى أن «السعودية تقود منذ عام مضى جهداً عربياً دولياً في هذا الإطار»، مضيفاً أن «اجتماعاً دوليّاً كبيراً سيعقد في سبتمبر المقبل لدعوة عدد كبير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لإعادة التركيز على تنشيط مبادرة السلام وتحديد منطلقات أساسية لكيفية تنفيذها»، وهو الأمر نفسه الذي أعاد الترحيب به بيان قمة جدة العربية الـ32 الشهر الماضي، والوزاري الخليجي – الأميركي، والوزاري الخليجي الأسبوع الماضي على التوالي.

ولم يكشف أي من المصادر التي تحدثت حول إعادة إحياء المبادرة عن تعديلات منتظرة على بنودها، غير أن تجديدها وتطوير منطلقاتها وفق الحاجة، أمر لا تستبعده الحسابات الإقليمية والدولية.

ضوئية من قرار مجلس جامعة الدول العربية تبنّي مبادرة السلام التي قدمتها السعودية في قمة بيروت 2002 (موقع الجامعة العربية)

ضوئية من قرار مجلس جامعة الدول العربية تبنّي مبادرة السلام التي قدمتها السعودية في قمة بيروت 2002 (موقع الجامعة العربية)

ضوئية من قرار مجلس جامعة الدول العربية تبنّي مبادرة السلام التي قدمتها السعودية في قمة بيروت 2002 (موقع الجامعة العربية)

ترحيب فلسطيني

الجانب الفلسطيني كشف لـ«الشرق الأوسط» عن ترحيبه بـ«أي جهد سعودي لتحريك المسار السياسي المتعلق بفلسطين والصراع العربي - الإسرائيلي ونثق بهذا الجهد والدور»، مشدّداً عبر حسين الشيخ، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، على محوريّة السعودية دوليّاً وإقليميّاً، وأنها «بسياستها واستداراتها المهمة في السياسة الإقليمية والدولية يمكنها إحداث تغيير جدّي في تفعيل العملية السياسية وتكتيل وتجميع الكل، ونحن الفلسطينيين نثق بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان».

نموذج إقليمي جديد للاستقرار والازدهار

«الاستقرار السياسي هو إحدى اللبنات الأساسية للنمو الاقتصادي المستدام، هذا العامل المهم هو السبب الكامن وراء رغبة الملك سلمان، وقبله الملك الراحل عبد الله، في ترسيخ الاستقرار المستقبلي للمنطقة على سلام دائم بين العالم العربي وإسرائيل، يتجسد في حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني»، وفقاً لما يعتقد الكاتب والأستاذ في جامعة جورج تاون روب سوبحاني.

ويعزّز نظريّة سوبحاني، ما تضمّنه البيان الختامي لـ«قمة بيروت» العربية عام 2002، من أن المبادرة جاءت «انطلاقاً من اقتناع الدول العربية بأن الحل العسكري للنزاع لم يحقق السلام أو الأمن لأي من الأطراف».

ويجادل سوبحاني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأنه «لا يوجد أحد يفهم الفوائد الاقتصادية والسياسية والروحية للسلام أفضل من ولي العهد السعودي بصفته مهندس النهضة السعودية، وهو يدرك تماماً أن حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو عامل مهم في خلق نموذج إقليمي جديد، ويبدو أن السلام، خاصةً السلام الدائم الذي يأخذ في الاعتبار الازدهار الاقتصادي للشعب الفلسطيني، هو الدافع لكيفية رؤية الأمير محمد بن سلمان لمبادرة السلام العربية».

«مبادرة سلام عربية بنسخة محدثة»

من جانبه، يرى المحلل السياسي نضال السبع، أنه «بعد النجاح الكبير الذي حققته السعودية، بتأمين الإجماع العربي على عودة سوريا إلى الجامعة العربية من خلال معادلة الخطوة مقابل الخطوة، تتجه الرياض اليوم إلى إعادة الزخم للمبادرة العربية للسلام، وإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية»، مفسّراً بأنه يظهر أن «الإدارة الأميركية تعمل جاهدة على الدفع نحو التطبيع وتعزيز حضور إسرائيل في العالم العربي، وبالنسبة للرياض فهي تعتبر نفسها الأب الروحي للمبادرة العربية للسلام التي أُعلنت في بيروت عام 2002 وهي أول من حمل مشروع سلام حقيقي للمنطقة، وربما ترى أن الظروف مهيأة للدفع نحو مبادرة سلام عربية بنسخة محدثة، وهكذا طرح سيأخذ مفعوله العربي والدولي، والأهم، أن هذه النسخة المحدثة تشكّل أرضية للوصول إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية والمنطقة بما فيها الجولان المحتل»، حسبما علّق السبع لـ«الشرق الأوسط».

يتابع السبع: «في المرحلة المقبلة، سوف نشهد حراكاً سعوديّاً دبلوماسياً، عنوانه الدفع نحو الحل السياسي الشامل والدائم وفق المبادرة العربية للسلام المحدثة مقابل تطبيع العلاقات».

وتتوقّع مصادر تتابع الأحداث، أن من شأن إعادة إحياء مبادرة السلام العربية أن تمنح زخماً جديداً لجهود السلام في المنطقة في ضوء اتجاه دول كثيرة إلى حل كثير من الخلافات والمشكلات الثنائية مثل الاتفاق بين السعودية وإيران في الصين في شهر مارس (آذار) الماضي.



وزير الداخلية السعودي: تكامل القطاعات جسَّد كفاءة العمل المشترك في «الحج»

الأمير عبد العزيز بن سعود لدى لقائه الوزراء ورؤساء الجهات المشاركة في الحج (واس)
الأمير عبد العزيز بن سعود لدى لقائه الوزراء ورؤساء الجهات المشاركة في الحج (واس)
TT

وزير الداخلية السعودي: تكامل القطاعات جسَّد كفاءة العمل المشترك في «الحج»

الأمير عبد العزيز بن سعود لدى لقائه الوزراء ورؤساء الجهات المشاركة في الحج (واس)
الأمير عبد العزيز بن سعود لدى لقائه الوزراء ورؤساء الجهات المشاركة في الحج (واس)

أكد الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، وزير الداخلية السعودي رئيس لجنة الحج العليا، الجمعة، أن ما شهده حج هذا العام من تكامل بين مختلف القطاعات الأمنية والخدمية والصحية والتطوعية جسَّد كفاءة منظومة العمل المشترك في الموسم.

جاء ذلك خلال لقائه الوزراء ورؤساء الجهات المشاركة في موسم الحج، بمكة المكرمة، يتقدمهم الدكتور توفيق الربيعة، وزير الحج والعمرة، والمهندس صالح الجاسر، وزير النقل والخدمات اللوجستية، وفهد الجلاجل، وزير الصحة، وسلمان الدوسري، وزير الإعلام، بحضور الأمير الدكتور عبد العزيز بن محمد بن عيّاف، نائب وزير الداخلية المكلّف، وعدد من المسؤولين.

وشدَّد الأمير عبد العزيز بن سعود، على أهمية الاستفادة من التجارب والخبرات الميدانية، ومواصلة تطوير الخطط ورفع مستوى الجاهزية والإعداد المبكر للمواسم المقبلة، بما يُعزِّز جودة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، ويواكب تطلعات القيادة السعودية.

الأمير عبد العزيز بن سعود أكد مواصلة تطوير الخطط ورفع مستوى الجاهزية والإعداد المبكر للمواسم المقبلة (واس)

وأشار وزير الداخلية إلى أن ما تحقَّق من نجاح في تنفيذ خطط الحج جاء بفضل الله، ثم بالدعم والمتابعة المستمرين من القيادة، وحرصها على تسخير جميع الإمكانات البشرية والتقنية والخدمية لخدمة الحجاج، وتمكينهم من أداء مناسكهم بأمن ويسر وطمأنينة.

وأعرب الأمير عبد العزيز بن سعود، عن شكره وتقديره للوزراء ورؤساء الجهات المشاركة ومنسوبيها كافة، على ما بذلوه من جهود كبيرة خلال موسم الحج بمستويات عالية من التنسيق والتكامل والجاهزية، أسهمت في تحقيق مستهدفات الخطط المعتمدة وخدمة ضيوف الرحمن على الوجه المأمول.


عبد الكريم الطويل... رحلة صبر بدأت من لهيب البارود وانتهت بالطواف

الحاج السوري عبد الكريم الطويل القادم من قرية الحوز الواقعة في ريف حمص الغربي (الشرق الأوسط)
الحاج السوري عبد الكريم الطويل القادم من قرية الحوز الواقعة في ريف حمص الغربي (الشرق الأوسط)
TT

عبد الكريم الطويل... رحلة صبر بدأت من لهيب البارود وانتهت بالطواف

الحاج السوري عبد الكريم الطويل القادم من قرية الحوز الواقعة في ريف حمص الغربي (الشرق الأوسط)
الحاج السوري عبد الكريم الطويل القادم من قرية الحوز الواقعة في ريف حمص الغربي (الشرق الأوسط)

في ريف حمص الغربي، حيث يعبر نهر العاصي بين القرى، وتولد الحكايات من طين الأرض وصبر السنابل، تبدأ حكاية الحاج السوري عبد الكريم محمد خضر الطويل، الذي لم يكن لديه حلم سوى رؤية الكعبة وأداء مناسك الحج، وهو ما تحقق له أخيراً في موسم هذا العام.

جاءت هذه اللحظة المنتظرة بعد سنوات طوال قضاها الحاج عبد الكريم تحت لهيب البارود وحرارة الشمس، فقد خلالها 9 من أفراد أسرته، لتترك تلك الفواجع تجاعيد عميقة على وجهه، وتختزل أياماً طواها الفقد.

في قرية «الحوز»، كان الطويل، البالغ 57 عاماً، مزارعاً بسيطاً يستنبت الأرض فتعطيه خيراً وفيراً من ثمارها. وفي عام 2010، حزم أمتعته يملؤه الشوق لأداء مناسك الحج، لكن القدر كتب له رحلة أخرى من الصبر والاحتساب، فقد خلالها 5 من أبنائه و3 من أشقائه وابن عمه.

فمع اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، تبدَّلت حياة عبد الكريم بالكامل، تحوَّلت يد المزارع من حمل الفأس والتراب إلى السلاح دفاعاً عن الأرض والعِرض، قبل أن تداهمه حملات الاعتقال في رمضان 2012، فينجو بأعجوبة من مصيرٍ كان ينتظر كثيرين من أبناء قريته. أما إخوته، فلم يكونوا بذات الحظ، إذ ذاقوا الاعتقال والتعذيب، وقُتِل شقيقه الأكبر تاركاً خلفه 10 أيتام، في مشهدٍ كسر ظهر العائلة ولم يكسر يقينها.

ومنذ تلك اللحظة، دخل الرجل، البالغ 57 عاماً، في رحلةٍ طويلة من الألم؛ نهاره في الأراضي الزراعية بحثاً عن لقمة تسد جوع أطفاله، وليله على خطوط الحراسة والمواجهة. يقول بصوتٍ أثقلته الذاكرة: «عشنا مأساة حقيقية، لكن إيماننا بعدالة قضيتنا كان أقوى من كل شيء».

وفي عام 2013، اجتاحت قريتهم جحافل الموت، فاشتعلت الأرض بالمعارك، واضطرت العائلة إلى التهجير، نحو الحدود اللبنانية. ومن بلدة عرسال، اتخذ عبد الكريم قرار العودة إلى سوريا، مؤمناً بأن «الموت في الوطن أكرم من حياة المنفى»، لكن الوجع الأكبر كان ينتظره هناك.

ففي ليلة قصفٍ دامية، قُتِل ابن عبد الكريم الأول أمام مرأى عينيه، فحمله الأب ودفنه بيده تحت جنح الظلام، وما إن بزغ صباح اليوم التالي حتى لحق به ابنه الثاني، ليواريهما الثرى جنباً إلى جنب، بينما كان نصف قلبه يُدفن معهما. وتوالت الفواجع تباعاً؛ أصيب ابنه محمد، وفارق الحياة متأثراً بجراحه، وبعد أيام لحق به ابنه الرابع عيسى، ثم يوسف خامس أبنائه، وكأن الموت كان يطرق باب الرجل مرةً بعد أخرى دون رحمة.

وبين الاعتقال والمواجهات، فقد عبد الكريم كذلك اثنين من إخوته وابن عمه، حتى وصل عدد من ودّعهم من عائلته ومحيطه القريب إلى تسعة. ومع كل قبرٍ كان يحفره بيديه، لم يكن عبد الكريم يفقد إيمانه، بل كان يتمسك به أكثر. وظلّ حلم الطواف حول الكعبة معلقاً في قلبه كنافذة ضوء وسط هذا الركام الهائل من الأحزان والأوجاع.

وفي موسم حج هذا العام، وقف الحاج السوري أخيراً أمام الكعبة المشرفة لأول مرة في حياته، مُرتدياً ثوب الإحرام الأبيض، بينما يحمل جسده آثار أكثر من 11 رصاصة استقرت بين الحوض وأسفل القدم. هنا، انهارت دموعه للمرة الأولى كما يقول، واختلطت الدعوات بأسماء أبنائه وإخوته الذين سبقوه، مستشعراً أن الله الذي اختبره بكل هذا الفقد، قد منحه في النهاية لحظة الطمأنينة التي انتظرها 16 عاماً.

يقول عبد الكريم إن حجّه هذا هو أولى ثمار الصبر الطويل، وإنه لا ينظر إلى الماضي بحسرة، بل بيقينٍ أن أبناءه وإخوته كانوا طريقه إلى الله، وإنهم سيكونون شفعاء له يوم القيامة. ولم يخفِ إعجابه الشديد بالخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، وما وجده من خدمات وتنظيم في موسم الحج، مؤكداً أن ما تقدمه السعودية للحجاج يفوق الوصف، ويعكس امتداد مواقفها الإنسانية مع الشعب السوري عبر السنوات.


نائب أمير مكة المكرمة يُسلّم كسوة الكعبة للسدنة

من مراسم تسليم كسوة الكعبة إلى سدنة بيت الله الحرام (إمارة منطقة مكة المكرمة)
من مراسم تسليم كسوة الكعبة إلى سدنة بيت الله الحرام (إمارة منطقة مكة المكرمة)
TT

نائب أمير مكة المكرمة يُسلّم كسوة الكعبة للسدنة

من مراسم تسليم كسوة الكعبة إلى سدنة بيت الله الحرام (إمارة منطقة مكة المكرمة)
من مراسم تسليم كسوة الكعبة إلى سدنة بيت الله الحرام (إمارة منطقة مكة المكرمة)

نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، سلّم الأمير سعود بن مشعل بن عبد العزيز نائب أمير منطقة مكة المكرمة نائب رئيس اللجنة الدائمة للحج والعمرة، كسوة الكعبة المشرفة إلى سدنة بيت الله الحرام.

ووقّع محاضر التسليم، الدكتور توفيق الربيعة وزير الحج والعمرة رئيس مجلس إدارة «هيئة العناية بشؤون الحرمين»، وكبير السدنة عبد الملك الشيبي.

وتأتي مراسم التسليم إيذاناً باستبدال الكسوة مطلع شهر محرم 1448هـ الموافق 16 يونيو (حزيران) المقبل، بعد أن أتمّت الهيئة صناعة الجديدة لهذا العام في «مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة المشرفة»، باستخدام الحرير الطبيعي المصبوغ باللون الأسود.

ويبلغ ارتفاع ثوب الكعبة 14 متراً، ويتوسط ثلثه الأعلى حزام بعرض 95 سنتيمتراً وطول 47 متراً، مكوّن من 16 قطعة محاطة بزخارف إسلامية.

وتُجسِّد مراسم التسليم عناية القيادة السعودية بالكعبة، واهتمامها بجميع مراحل صناعة الكسوة، واستبدالها وفق أعلى معايير الدقة والإتقان.