الطب الشرعي يحسمُ في قضية الشاب التي هزّت موريتانيا

وفاته «الغامضة» تسببت في اندلاع احتجاجات وأعمال تخريب ومقتل متظاهر

صورة متداولة لمراهقين يغلقون بالحجارة أحد شوارع نواكشوط خلال الاحتجاجات
صورة متداولة لمراهقين يغلقون بالحجارة أحد شوارع نواكشوط خلال الاحتجاجات
TT

الطب الشرعي يحسمُ في قضية الشاب التي هزّت موريتانيا

صورة متداولة لمراهقين يغلقون بالحجارة أحد شوارع نواكشوط خلال الاحتجاجات
صورة متداولة لمراهقين يغلقون بالحجارة أحد شوارع نواكشوط خلال الاحتجاجات

دُفن اليوم السبت في مقبرة بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، عمر جوب، الذي توفي قبل قرابة أسبوعين بعد ساعات من توقيفه لدى الشرطة، والذي أثارت وفاته جدلاً واسعاً في البلاد، أسفر عن أعمال شغب وتخريب في عدة مدن موريتانية، قتل فيها شخص واحد وأصيب عدة عناصر من قوات الأمن.

وتسلمت عائلة جوب جثمانه ودفنته بهدوء بعيداً عن الأضواء، بعد أن تسلمت التقرير النهائي للتشريح، الذي أكد أن سبب الوفاة سكتة قلبية، مع اعتلال حاد في الجهاز العصبي المركزي، له علاقة بتسمم بجرعة عالية من الكوكايين، مع استهلاك حديث للكحول، وهو ما ينفي وجود «سبب جنائي» للوفاة، وفق ما أعلنت النيابة العامة.

ويأتي هذا التشريح في إطار تحقيق فتحته السلطات الموريتانية في 30 من مايو (أيار) الماضي، بعد ساعات من وفاة جوب، من أجل كشف ملابسات الحادثة بطلب من عائلة الضحية، التي انتدبت طبيباً ومحامياً لحضور التشريح، ومتابعة مجرياته حتى تحديد سبب الوفاة.

لكن الطبيب الشرعي أشار في تقريره إلى أن تشريح الجثة لم يكشف سبباً واضحاً للوفاة، وطلب إجراء فحوصات مخبرية معمقة على عينات من الجثة، وهي المهمة التي تولاها فريق مغربي مختص، استدعته السلطات الموريتانية، بموجب «اتفاقيات التعاون القضائي» بين البلدين.

وقالت النيابة العامة في محكمة نواكشوط الغربية، في بيان أمس (الجمعة)، إنها تسلمت «عبر الطرق الدبلوماسية» نتائج التحاليل المخبرية المكمّلة للتشريح الطبي، مشيرة إلى أن مجريات تسلم النتائج حضرها الطبيب المنتدب من طرف عائلة المتوفى، وسُلّمت للعائلة بواسطة ممثليها نسخة من تقرير التشريح في صيغته النهائية.

وأوضحت النيابة أن تقرير خبير الطب الشرعي المنتدب، حدد سبب وفاة جوب بأنها «ناجمة عن سكتة قلبية، مع اعتلال حاد في الجهاز العصبي المركزي له علاقة بتسمم بجرعة عالية من الكوكايين مع استهلاك حديث للكحول». وخلصت إلى أن الخلاصة التي توصل إليها خبير الطب الشرعي «تعزز ـ مع أنها كافية ـ الاستنتاجات المستخلصة من نتائج البحث المقام به حول القضية، إذ لم تُشر تلك الاستنتاجات إلى سبب جنائي للوفاة».

ويأتي تقرير الطب الشرعي ليغلق قضية هزت الشارع الموريتاني، وتوجهت فيها أصابع الاتهام إلى الشرطة، بسبب أنها أوقفت جوب (38 عاماً) ليلة وفاته، بعد أن عثرت عليه دورية للشرطة وهو يتعارك مع أشخاص آخرين، وكان تحت تأثير مادة مخدرة، وفق ما أعلنت الشرطة.

وقالت الشرطة في روايتها للأحداث، إنه تقرر توقيف جوب حتى يتم التحقيق معه حول ملابسات الظروف التي جرى توقيفه فيها، لكنه تعرض لأزمة «ضيق في التنفس»، نقل على إثرها إلى المستشفى، حيث توفي بعد أن عاينه الطبيب المداوم في الحالات المستعجلة.

وبعد وفاة جوب، طالبت عائلته بفتح تحقيق، كما انتدبت المحامي العيد ولد محمدن ليمثلها في الملف، وهو محامٍ معروف في البلد، وشخصية قيادية في المعارضة، ونائب في البرلمان الموريتاني، وفي تصريح صحافي سابق قال ولد محمدن إن «كل الخيوط تقود إلى أن سبب الوفاة هو معاملة سيئة تعرض لها في مباني المفوضية».

وبعد الإعلان عن الوفاة، خرجت مظاهرات تطالب أولاً بالتحقيق في الحادثة ومعاقبة الجناة، قبل أن تتحول إلى أعمال شغب وتخريب، كما حاول بعض المحتجين إحراق مفوضيات للشرطة، على غرار ما حدث في مدينة بوكي، جنوبي البلاد، حيث قتل متظاهر وأصيب ثلاثة من أفراد الشرطة.

صورة متداولة للنيران التي أشعلها متظاهرون في أحد شوارع نواكشوط

وسبق أن أعلنت وزارة الداخلية الموريتانية أن أغلب المحتجين كانوا من الأطفال وبعض الأجانب، كما جرى بالفعل ترحيل عشرات الأجانب المتهمين بالتورط في أعمال التخريب، كانوا جميعهم ينحدرون من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

وزير الداخلية الموريتاني خلال مؤتمر صحافي للتعليق على الأحداث (و.م.أ)

وبعد صدور التقرير النهائي لتشريح الجثة، اتصلت «الشرق الأوسط» بالعيد ولد محمدن، محامي العائلة، لكنه رفض التعليق على سبب الوفاة الذي توصل إليه التقرير النهائي، وقال: «ما زلتُ أدرس الملف وأجمع المعلومات، وسأدلي بتصريح في وقت لاحق».

من جانبه، قال الإعلامي الموريتاني أبي ولد زيدان: «لقد اكتمل التحقيق واتضح سبب الوفاة، واتضح أيضاً من حاول استغلال الحادثة سياسياً وإعلامياً للاحتجاج على نتائج الانتخابات، والضغط من أجل إعادتها، واتضح من حاول الضغط بملف الوحدة الوطنية من أجل كسب معركة سياسية، والحصول على تنازلات من طرف الحكومة».

وأشار ولد زيدان في حديثه مع «الشرق الأوسط» إلى جهات في المعارضة، قال إنها «دخلت في رهان خاسر، فجاءت النتائج عكس ما كانت تطمح له، والموضوع تمت السيطرة عليه، وانتهى التحقيق وكشفت الحقيقة، كما خسروا إعلامياً لأنهم حتى الساعة لم يدلوا بأي تصريح، حتى إنهم للأسف لم يحضروا تشييع المرحوم الذي دفن اليوم في نواكشوط».

وأضاف ولد زيدان أن المعارضة «تتحمل مسؤولية مقتل محمد الأمين ولد صمب في مدينة بوكي، لأنها شحنت العواطف حتى حصل ما حصل، وتتحمل المسؤولية الجنائية لكل ممتلكات الناس التي خربت، وأموالهم التي نهبت، كما تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن التعريض بأمن الدولة وهيبتها، وانتهاك سيادتها ورمزيتها حين حولوا أفراد الشرطة إلى هدف مستباح».



«اليونيسف» تحذر من «ضياع جيل كامل من الأطفال» في السودان

أطفال سودانيون فرّوا من الفاشر إلى مخيم في تشاد (رويترز)
أطفال سودانيون فرّوا من الفاشر إلى مخيم في تشاد (رويترز)
TT

«اليونيسف» تحذر من «ضياع جيل كامل من الأطفال» في السودان

أطفال سودانيون فرّوا من الفاشر إلى مخيم في تشاد (رويترز)
أطفال سودانيون فرّوا من الفاشر إلى مخيم في تشاد (رويترز)

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، اليوم الجمعة، إن أكثر من ثمانية ملايين طفل حُرموا من التعليم في السودان، بعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع الصراع بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، محذرة من «ضياع جيل كامل من الأطفال».

وفي مقابلة مع موقع أخبار الأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للتعليم، قالت إيفا هيندز، المتحدثة باسم المنظمة في السودان، إن 11 في المائة من المدارس تُستخدم ملاجئ للعائلات النازحة، أو لأغراض غير تعليمية، مضيفة أن خمسة ملايين طفل اضطروا للنزوح من منازلهم «مما تسبَّب في انقطاع صلتهم بالمعلمين والمواد الدراسية».

وأضافت: «خسر الأطفال السودانيون كثيراً فيما يتعلق بالتعليم منذ بداية الصراع. هناك ملايين الأطفال غير ملتحقين بالمدارس، اليوم. ووفقاً لأحدث التقديرات المتوفرة لدينا، يبلغ عددهم نحو ثمانية ملايين طفل».

وتابعت: «هذا عدد هائل من الأطفال غير ملتحقين بالمدارس، وهذا، بالطبع، لا يهدد مستقبلهم فحسب، بل يمكن أن يؤثر أيضاً على أُسرهم ومجتمعهم والبلاد ككل».

وكشفت أن 6400 مدرسة مغلقة تماماً حالياً في السودان، ولا تقدم أي خدمات تعليمية، وأن مدرسة واحدة من كل ثلاثة أصبحت غير صالحة للاستخدام نتيجة التدمير أو الأضرار الناتجة عن الحرب.

أطفال سودانيون في مخيم للنازحين بالقضارف (أ.ف.ب)

الصراع مستمر

ومضت تقول: «بما أن الصراع مستمر منذ فترة طويلة، ونحن نقترب، الآن، من ثلاث سنوات، فقد جرى تدمير أو إلحاق أضرار بعدد كبير من المدارس، خلال الصراع. واليوم، ما يقدَّر بنحو ثلث المدارس لم تعد صالحة للاستخدام. نحو 11 في المائة من المدارس يُستخدم لأغراض أخرى».

وتابعت: «هناك معلمون فرّوا من البلاد، وهناك حاجة إلى الكتب والمواد التعليمية، لذا فإن الوضع صعب من حيث استمرار التعليم، فقد اضطر ما يقرب من خمسة ملايين طفل إلى النزوح من منازلهم منذ بداية الصراع. والنزوح، بالطبع، يؤدي إلى الحرمان بطرق عدة».

ودعت المتحدثة قادة العالم إلى توفير تمويل مرِن وضمان وصول المساعدات لمنع «ضياع جيل كامل من الأطفال». وقالت: «أعتقد أنه من الأهمية ألا نغفل عما يحدث في السودان، وألا ندير ظهرنا لهذه المأساة. إننا نواجه أزمة إنسانية هائلة وأزمة نزوح كبرى، وهو ما يفرض مخاطر جسيمة على الأطفال، إذ يضع مستقبلهم في خطر، ويهدد فرصهم في التعلم أو مواصلة الدراسة أو العودة إليها».

وأضافت: «لذا، لا يمكننا السماح بحدوث ذلك. ومن أجل هؤلاء الأطفال، علينا أن نظل يقظين تجاه ما يحدث، وأن نتخذ إجراءات فعلية».

وتسبَّب الصراع، الذي اندلع بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، في أبريل (نيسان) 2023، إلى نزوح الملايين، وأدى إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وفقاً للأمم المتحدة.

Your Premium trial has ended


سلطات غرب ليبيا تحقق في محاولة اغتيال قيادة أمنية بطرابلس

الدبيبة خلال اجتماعه بقيادات أمنية وعسكرية بحكومته (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال اجتماعه بقيادات أمنية وعسكرية بحكومته (مكتب الدبيبة)
TT

سلطات غرب ليبيا تحقق في محاولة اغتيال قيادة أمنية بطرابلس

الدبيبة خلال اجتماعه بقيادات أمنية وعسكرية بحكومته (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال اجتماعه بقيادات أمنية وعسكرية بحكومته (مكتب الدبيبة)

وسَّعت السلطات الأمنية في غرب ليبيا دائرة البحث لاعتقال مطلقي النار على اللواء فرج المبروك، رئيس فرع جهاز الشرطة القضائية في طرابلس، بينما تُجرى تحقيقات في الحادثة وسط اتهامات تلاحق مجموعات مسلحة.

ونجا المبروك من محاولة اغتيال، مساء الخميس، بعد إطلاق النار عليه من مجموعة مسلحة مجهولة أمام «مركز الإصلاح والتأهيل» في الجديدة بتاجوراء، داخل الضواحي الشرقية للعاصمة.

وخلال السنوات التي تلت «ثورة 17 فبراير (شباط)» عام 2011، تبدّل المشهد العام في ليبيا، ونمت في قلبه جماعات مصالح وميليشيات مسلحة اتسعت بينها رقعة التناحر، مُخلّفةً عمليات اغتيال عديدة تُفجع الليبيين.

اللواء فرج المبروك رئيس فرع جهاز الشرطة القضائية في طرابلس (مؤسسة الإصلاح والتأهيل بالعاصمة)

وتحدث مصدر أمني بغرب ليبيا لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، عن إجراء تحقيقات بـ«تعليمات موسعة» من عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة (الوحدة)، في محاولة اغتيال المبروك، وقال إن هناك «مخاوف في دائرة رئيس الوزراء من عودة التهديدات المسلحة، التي قد تطول قيادات أمنية أو عسكرية»، علماً أنه سبق للدبيبة القول إن «زمن الميليشيات انتهى في ليبيا»، في إشارة إلى بسط قبضته على التشكيلات المسلحة بالعاصمة كافة.

وتعهدت وزارة العدل بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بملاحقة الجناة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية كافة وتقديمهم إلى العدالة، مشددة على أنها «لن تتهاون في التصدي لأي اعتداء يطول موظفيها أو منتسبي الجهات التابعة لها»، مؤكدة «استمرارها في أداء واجبها الوطني في صون أمن الوطن».

وتتولى الشرطة القضائية في ليبيا تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية، وحفظ الأمن داخل المحاكم والسجون.

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وسبق أن أعلن وزير الداخلية ورئيس الوزراء السابق، فتحي باشاغا، أنه تعرض لمحاولة اغتيال، كما نجا مستشار رئيس حكومة «الوحدة»، رئيس هيئة السلامة الوطنية بالحكومة، عبد المجيد مليقطة، من محاولة مماثلة.

وكان مليقطة قد تعرض لمحاولة اغتيال في 14 من يونيو (حزيران) 2024، عبر استهدافه بعبوة ناسفة، زُرعت في سيارة وُضعت في مسار مروره في طرابلس؛ ما أسفر عن إصابته بجروح قبل أن يفر المتهمون حينها إلى تونس.

وثمنت إدارة مؤسسة الإصلاح والتأهيل بتاجوراء «الجهود الوطنية الكبيرة»، التي يبذلها المبروك في أداء مهامه، مؤكدة «وقوفها الكامل والدائم إلى جانب قيادات ومنتسبي جهاز الشرطة القضائية في أداء واجبهم الوطني»، مشيرة إلى أن سلامة القيادات الأمنية والعاملين في مؤسسات الدولة «تُعد أولوية وطنية، وأي اعتداء أو تهديد يستهدفهم يُعد مساساً بهيبة الدولة ومؤسساتها، ومحاولة يائسة للنيل من استقرار الوطن وأمنه».

وشددت إدارة مؤسسة الإصلاح والتأهيل على استمرارها في أداء مهامها المنوطة بها بكل حزم ومسؤولية، والتزامها التام بتنفيذ القوانين والتشريعات النافذة، والعمل جنباً إلى جنب مع جميع الجهات الأمنية والقضائية.

في السياق نفسه، أعربت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا عن إدانتها واستنكارها الشديدين حيال محاولة اغتيال المبروك، من قبل «مسلحين خارجين عن القانون ملثمين» بالقرب من مقر رئاسة جهاز الشرطة القضائيّة في منطقة الفرناج بمدينة طرابلس، في أثناء خروجه من مقر عمله، والتي أسفرت عن تعرضه لإصابات بأعيرة نارية.

وقالت المؤسسة في بيانها إن محاولة اغتيال المبروك هي «اعتداء مباشر على سلطات إنفاذ القانون؛ ما يستوجب العمل من وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية المختصة على ضمان كشف هوية الجناة المتورطين في ارتكاب هذه الجريمة، وضمان ملاحقتهم وتقديمهم إلى العدالة».

وحمّلت المؤسسة الوطنية وزارة الداخلية «كامل المسؤولية القانونية حيال تصاعد معدلات الجريمة والخروقات الأمنية، وحوادث القتل والاعتداءات المسلحة، التي تشهدها مدينة طرابلس وضواحيها، كونها الجهة المسؤولة عن تحقيق الأمن والاستقرار». وانتهت إلى أن استمرار وقوع هذه الخروقات الأمنية وتصاعد معدلات الجريمة في طرابلس وضواحيها يمثّل «فشلاً كبيراً وواضحاً» في ضمان تحقيق الحد الأدنى من الأمن والاستقرار.

ومنذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، ومقتله عام 2011، تسود ليبيا حالة من الفوضى، حيث تتنافس على السلطة حكومة عبد الحميد الدبيبة التي يوجد مقرها في طرابلس بغرب البلاد، وفي الشرق حكومة أسامة حماد المدعومة من المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني».

وتعاني العاصمة طرابلس من عدم استقرار دائم بسبب تغول الميليشيات المسلحة، وصراعها على «النفوذ والسيطرة». وفي هذا السياق رصد ليبيون تحركات مسلحة وانتشار آليات عسكرية ثقيلة، وتدشين سواتر ترابية من قبل مجموعات مسلحة في منطقة العزيزية (جنوب العاصمة طرابلس بنحو 40 كيلومتراً).

ولم تعلق السلطات في طرابلس على هذه التحركات ولا أسبابها، لكن مصدراً أمنياً بغرب ليبيا وضع الأمر في إطار ما سماه «جمهورية الميليشيات»، التي «تفعل ما تريد وتطغى على المواطنين، ما دامت تنال رضا السلطات».


هواجس مصرية من حديث ترمب المتكرر عن «سد النهضة» ودعمه للقاهرة

لقاء بين ترمب والسيسي على هامش منتدى دافوس (الرئاسة المصرية)
لقاء بين ترمب والسيسي على هامش منتدى دافوس (الرئاسة المصرية)
TT

هواجس مصرية من حديث ترمب المتكرر عن «سد النهضة» ودعمه للقاهرة

لقاء بين ترمب والسيسي على هامش منتدى دافوس (الرئاسة المصرية)
لقاء بين ترمب والسيسي على هامش منتدى دافوس (الرئاسة المصرية)

تحدث الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للمرة السابعة في أقل من عام عن «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل ورغبته في حل الأزمة بشأنه مع مصر، مكرراً مدحه لنظيره المصري عبد الفتاح السيسي، ما أثار هواجس عند مصريين من هذا التكرار. وأكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن منبع تلك الهواجس «هو عدم وضوح غرض ترمب الحقيقي من ذلك».

الأربعاء قال ترمب إن لدى الولايات المتحدة «علاقة رائعة وقوية» مع مصر، وكشف أنه سيحاول عقد لقاء بين زعيمي مصر وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق بشأن «سد النهضة»، وذلك خلال لقائه السيسي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا. وخلال اللقاء كرر ترمب مدحه للسيسي ووصفه بأنه «رجل قوي وعظيم».

وقبل ذلك بـ24 ساعة، تحديداً يوم الثلاثاء، وخلال مؤتمر صحافي في واشنطن، تحدث ترمب عن أنه «أوقف قتالاً» بين مصر وإثيوبيا كأحد إنجازاته في وقف الحروب حول العالم. كما أبدى تعجبه من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، ووصفه بالأمر الفظيع الذي يمنع تدفق المياه عن مصر، مشيراً إلى أن «مصر ليس لديها ما يكفي من المياه»، وأنها تحتاج لمياه النيل في عديد من الاستخدامات.

كما يأتي حديث ترمب في دافوس بعد 4 أيام من إرساله خطاباً إلى نظيره المصري، الجمعة، مؤكداً فيه استعداد واشنطن للتدخل واستئناف المفاوضات حول «سد النهضة» وحل الأزمة بشكل نهائي، وهو ما رحب به السيسي.

سياق دولي أوسع

وزير الموارد المائية والري المصري السابق، الدكتور محمد عبد العاطي، قال: «عند تناول حديث ترمب المتعدد والمتجدد، وكذلك رسالته إلى الرئيس السيسي بشأن (سد النهضة)، لا يمكن فصل كل ذلك عن سياق دولي أوسع بدأ يعترف بأن هذا الملف تجاوز كونه خلافاً فنياً بين ثلاث دول (مصر والسودان وإثيوبيا)، وأصبح قضية استقرار إقليمي مرتبطة بالأمن المائي والغذائي لملايين البشر».

وأضاف: «فمن الناحية الفنية المائية، جوهر الأزمة لا يزال كما هو: سد ضخم بسعة تخزينية كبيرة أُنشئ على النيل الأزرق دون اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل»، وفقاً لعبد العاطي، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «المسألة هنا ليست في عدد السنين التي يتم فيها الملء فقط، بل في آلية التشغيل السنوي وكيفية التنسيق بين السدود على مجرى النيل الأزرق و(السد العالي)».

«أما على الصعيد السياسي، فإن لقاء الرئيس السيسي مع الرئيس ترمب في دافوس يحمل رسالة مفادها أن مصر ما زالت تراهن على الحل التفاوضي، وترحب بأي دور دولي جاد يقوم على الحياد والالتزام بالقانون الدولي، لكن التجربة السابقة علمتنا أن الوساطات لا تنجح إلا إذا اقترنت بإرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، وليس بمجرد إدارة للأزمة»، وفقاً لعبد العاطي.

ترمب تحدث عن سد النهضة 7 مرات في أقل من عام (الرئاسة المصرية)

لكن وزير الري المصري السابق أوضح أن الهواجس بشأن حديث ترمب المتكرر عن السد ومدحه للسيسي، منبعه عدة أسئلة تحاول أن تزيل الغموض وتتلخص في «هل تمثل رسالة ترمب وحديثه المتكرر بدايةً للوصول إلى اتفاق؟ أم يمكن القول إنها تفتح نافذة جديدة، لكنها نافذة مشروطة؟.. فالنجاح مرهون بالانتقال من العموميات السياسية إلى التفاصيل الفنية الملزمة، ومن التصريحات إلى نصوص قانونية واضحة. فهل يحدث ذلك؟ فإذا ما توافرت هذه العناصر، قد نكون أمام فرصة حقيقية لتسوية عادلة ومتوازنة، لكن تكرار الحديث دون الانتقال لهذه الأمور يبقي الوضع محل تأويلات».

علامات استفهام حول تكرار المدح

أما عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، فقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «منبع الهواجس أن ترمب تدخل من قبل وفشل في حل الأزمة، بل طالب مصر بقصف (سد النهضة)، ولكن حكمة السيسي والإدارة المصرية حالت دون حدوث ذلك، والآن يكرر ترمب كثيراً حديثه عن السد، وأنه يريد أن ينهي هذه الأزمة، وفي سياق ذلك يمدح الرئيس السيسي كثيراً، وهو الأمر الذي يثير علامات استفهام ويحتاج توضيحات».

وأضاف بكري أن هناك عدة تساؤلات، مفادها كيف سينهي ترمب هذه الأزمة وعلى أي أساس؟ وهل سيدافع عن حق مصر وحصتها التاريخية من مياه النيل؟ أم أنه يريد من وراء كل ذلك فتح الطريق للقبول بتقاسم جديد للمياه وحلول أخرى لا تقبل بها مصر؟

وسبق أن تحدث ترمب عن سد النهضة 4 مرات منها عندما خرج بتصريح مثير للجدل في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، عبر منصته «تروث سوشيال» قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت السد بشكل غبي»، لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي الرابع من يوليو (تموز)، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض، قائلاً: «الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة». ومساء الثامن من يوليو، قال في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن إنه «سيعمل على الأزمة بين مصر وإثيوبيا على المدى الطويل».

خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد، قال إن «ترمب لا يتحرك بدافع إنساني، ولا حباً فى مصر، كما أنه غير قادر على حل كامل للأزمة، وغير قادر على إعادة عقارب الساعة للوراء، ويعلم أن السد أصبح أمراً واقعاً يصعب تغييره، وبالتالي يرى فى هذا التوقيت أنه مناسب تماماً لإعادة التوظيف السياسي الاستراتيجي للأزمة، فهو يريد امتلاك ملف أزمة (سد النهضة) دون حله، فأميركا لديها قدرة على تقليل المخاطر دون وقف الضرر عن مصر».

مخاوف من تضارب المصالح

عبد الواحد، الذي عمل على ملف المياه سابقاً في جهاز المخابرات العامة بمصر، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «ترمب يريد استعادة الملف إلى السيطرة الأميركية وامتلاك كافة الأوراق لصالح بلاده، فهو يعترف أن أميركا هي من مولت السد، ولكن هذا ليس اعترافاً بالذنب بقدر ما هو إعلان ملكية سياسية للأزمة».

وتابع: «الهواجس تأتي من أن ترمب يريد أن يدير الأزمة بما يحقق مصالح أميركا، لكن ماذا يريد من مصر في المقابل؟ هل يريد ربط ملف المياه بملفات أخرى إقليمية؟ أم يريد فرض نماذج إدارة مائية معينة تديرها شركات دولية (أميركية) تتحكم في تدفقات المياه، والتخزين، وفرض زراعات معينة؟»، مشيراً إلى أن «من يتحكم في المياه يتحكم في الغذاء وبالتالي يتحكم في القرار السياسي».

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أثناء افتتاحه سد النهضة في سبتمبر الماضي (الخارجية الإثيوبية)

أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «طبيعة ترمب أنه رجل أعمال وصفقات اقتصادية، والحذر من أن تكون له أغراض أخرى، خصوصاً وأن قضية غزة لم تنته بعد وهناك تحركات مريبة لإسرائيل في أفريقيا مرتبطة بها، كما أن هناك رغبة كبيرة لإثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر، ومصر تقف لها في تحقيق ذلك دون الطرق الشرعية، وقد تكون هناك صفقة يخطط لها ترمب تقود لموافقة إثيوبيا على الدعوة الأميركية للوصول إلى اتفاق حول السد إذا ضمنت لها واشنطن الوصول إلى البحر».

شراقي أضاف: «ترمب وصف من قبل النيل بأنه حياة المصريين، وتحدث عن مدى أهمية مياهه وأنه سوف يسعى لاستمرار جريانها، فأهلاً بأن يكون لأميركا دور للوصول إلى اتفاق عادل ولكن دون أن تكون لها أغراض أخرى في المقابل».