موريتانيا بين اقتراعين... وولد الغزواني الرابح الأكبر

قاد البلاد بهدوء إلا أنه يواجه «معارضة صاعدة» واحتمالات الانزلاق

موريتانيا بين اقتراعين... وولد الغزواني الرابح الأكبر
TT

موريتانيا بين اقتراعين... وولد الغزواني الرابح الأكبر

موريتانيا بين اقتراعين... وولد الغزواني الرابح الأكبر

تتأهب موريتانيا لتنصيب برلمان جديد، مع مجالس محلية وجهوية، أفرزتها الانتخابات التي نظمت يوم 13 مايو (أيار) الماضي، وبذا ترتسم ملامح خارطة سياسية جديدة في البلاد، تمهدُ الطريق نحو انتخابات رئاسية مقرّر تنظيمها في منتصف العام المقبل (2024)، ومن المتوقع أن يخوضها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للفوز بولاية رئاسية ثانية. ولد الشيخ الغزواني (66 سنة)، جنرال متقاعد تقلّد العديد من المناصب الأمنية والعسكرية لأربعة عقود من الخدمة. وهو عسكري مثقف وهادئ، كان قد انتخب رئيساً للبلاد عام 2019، وحاول أن يحكم وفق نمط سياسي جديد على الموريتانيين، يقوم على تطبيع العلاقة مع الأحزاب السياسية المعارضة، في إطار ما سمّاه «التهدئة السياسية»، وأصبح يلتقي دورياً بقادة هذه الأحزاب، ويتشاور معها في الشأن العام. كانت فكرة ولد الشيخ الغزواني تستند إلى أن موريتانيا تقع في محيط إقليمي صعب. وهو ما وصفه في برنامجه الانتخابي بأنه موقعٌ «يجعلُ منها هدفاً لجميع الإرهابيين والمهرّبين والمتاجرين من كل صنف»، فهي جزء من منطقة الساحل التي تضربها المجموعات الإرهابية وشبكات التهريب والجريمة المنظمة. ثم إنها تقعُ على حافة صراع الصحراء، وتتأثر بأي تقلب أمني في منطقة غرب أفريقيا، حيث يحتدم الصراع بين روسيا والغرب. وبالتالي، فإنها تحتاج إلى «تهدئة سياسية» تساهم في استقرار الجبهة الداخلية، خاصةً أنها تتحضّر بنهاية العام الحالي لتصدير أول شحنة من الغاز الطبيعي، وهو ما ينعش آمال الموريتانيين بغدٍ اقتصادي مُشرق، بيد أنه، في المقابل، يثير مخاوف النخبة الموريتانية، فلطالما كانت حقول الغاز محفوفة بالمخاطر.

على الرغم من كلام بعض المراقبين والمتابعين عن «خارطة سياسية جديدة» تشكلت إثر الانتخابات الأخيرة في موريتانيا، فإن حزب الإنصاف الحاكم حقق انتصاراً يمكن وصفه بالساحق، حين حصل على 107 مقاعد في البرلمان من أصل 176 مقعداً، . ويضاف إلى هذا فوزه بجميع المجالس الجهوية البالغ عددها 13 مجلساً، وتحقيقه الفوز أيضاً في 165 من المجالس المحلية البالغ عددها 238. لقد كان فوزاً كاسحاً، مع أن المعارضة شككت في نزاهته، واتهمت الحزب الحاكم بالتزوير واستغلال وسائل الدولة، غير أن سيد أعمر ولد شيخنا، وهو الناطق باسم حزب الإنصاف، جدّد رفض حزبه لهذه الاتهامات.

ولد شيخنا في لقاء مع «الشرق الأوسط» قال إنَّ الحزب كان يتوقع هذه النتائج؛ لأن الانتخابات حسب رأيه «كانت بمثابة استفتاء حول برنامج رئيس الجمهورية، والإنجازات التي تحققت، وتوجهات النظام بشكل عام... ولقد جاءت النتائج معبّرة عن اهتمام المواطنين بهذا البرنامج الهادف لتحقيق التنمية والاستقرار».

وأردف ولد شيخنا: «كنا مقتنعين بأن الحزب سيحقق نتائج جيدة لجملة من الاعتبارات، منها الاستناد إلى المنجزات في مجال الحَكامة ومحاربة الفساد، وفي مجال الانحياز للطبقات الهشّة والبرامج الاجتماعية التي أنجزت في هذا المجال، ولأن المواطنين يدركون أن موريتانيا اليوم واحة أمان واستقرار وديمقراطية في محيط ملتهب... وبالتالي، هناك وعي بضرورة تعزيز هذا المناخ وتشكيل مظلة أمان سياسي له».

موت السياسة

غير أن ديدي ولد السالك، رئيس المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية، له رأي آخر؛ إذ يقول فيه إن «الانتخابات الأخيرة لم يكن فيها رابح، بل الجميع خاسرون. والدولة الموريتانية هي أكبر الخاسرين، لأن هذه الانتخابات كانت تعني - وبشكل واضح - موت الحياة السياسية، التي من المفترض أن تقوم على خطاب آيديولوجي واضح، وأفكار ومشاريع تتنافس فيما بينها... وهي لم تشهد أي شيء من ذلك، بل كانت مجرد صراع بين القبائل والشرائح والأعراق».

ثم إن ولد السالك يذهب أبعد من ذلك، ليؤكد أن «الانتخابات الأخيرة أفرزت برلماناً لا لون له ولا طعم، وليست له معالم سياسية واضحة، وإنما هو مجموعة من رجال الأعمال والتجار، مع مَن ترشحوا بخطابات قبلية وشرائحية. أما الذين يحملون أفكاراً سياسية فهم قلة قليلة، وربما يمكنني القول إنه البرلمان الأكثر ميوعة، رغم ميوعة البرلمانات السابقة».

ومن جانبه، يعبّر أحمد سالم ولد الداه، مدير المركز العربي الأفريقي للإعلام والتنمية، عن اعتقاده بأن الانتخابات الأخيرة أفرزت ما سمَّاه «خارطة سياسية جديدة». وهو يدافع عن وجهة نظره بالقول إن «إلقاء نظرة بسيطة على البرلمان الجديد، كافية ليتضح حضور تيارات جديدة، أغلبها من شباب المعارضة، كما يتضح أن أغلب البرلمانيين وجوه جديدة، غير معروفة في الساحة السياسية، سواء في المعارضة أو الموالاة. وبالتالي، علينا أن نتريّث في الحكم عليهم؛ إذ لا يمكننا منذ الآن تصنيف قدراتهم السياسية، ولا إمكانية تأثيرهم وحضورهم داخل قبة البرلمان».

... وهزيمة التاريخ

ولد الداه في حواره مع «الشرق الأوسط» قال إن الحدث الأبرز في هذه الانتخابات هو «النكسة التي تعرّضت لها أحزاب المعارضة التقليدية»، في إشارة إلى حزب تكتل القوى الديمقراطية (اشتراكي) وحزب اتحاد قوى التقدم (يسار تقدمي) وحزب التحالف الشعبي التقدمي (قومي ناصري)، وهي الأحزاب الثلاثة الأقدم في الساحة السياسية، ذلك أنها عجزت مجتمعة عن الحصول على أي مقعد برلماني، للمرة الأولى منذ بداية التعدّدية السياسية في مطلع تسعينات القرن الماضي.

ويشرح ولد الداه، إن «النكسة التي تعرّضت لها أحزاب المعارضة العتيدة دفعتها إلى الكلام عن تزوير الانتخابات، وعن تعرّضها لمؤامرة سياسية، ما يعني أننا دخلنا في مرحلة جديدة من الشد والجذب، بعد سنوات من التهدئة السياسية». ويعتقد أن هذه الأحزاب «تضرّرت كثيراً من التهدئة السياسية، ولم تستثمرها لتعزيز الصلة بقواعدها الشعبية، ولتشرح موقفها السياسي بشكل واضح وصريح؛ لأن أغلب الموريتانيين كانوا يتحدثون عن موت المعارضة حتى قبل الانتخابات، بسبب غيابها عن الساحة وصمتها المطبق، وجاءت النتائج كشهادة وفاة لهذه المعارضة وتأكيداً واضحاً لهذا الموت السياسي».

ويرى ديدي ولد السالك، رئيس المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية، أن «تراجع الأحزاب السياسية التقليدية، حالة طبيعية جداً، ساهم فيها الكثير من العوامل؛ العامل الأول هو أن هذه الأحزاب شاخت قياداتها، وهرمت منظومتها الداخلية، والعامل الثاني أنها خرجت من حصار الأنظمة السابقة، وخاصة نظام الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، منهكة جداً، كما مزقها التفكك والانشطار، والعامل الثالث دخولها في جو التهدئة السياسية في عهد الرئيس الحالي، متخلية بذلك عن خطابها المعارض والمحرض على النضال».

في المقابل، ولد السالك يرى أن العامل الأخير الذي لعب دوراً محورياً في تراجع المعارضة التقليدية هو «موت الحياة السياسية في موريتانيا؛ إذ لم يعد هنالك أي أحد يهتم بالأفكار والقِيَم، ولا بمَن يملكون تاريخاً من النضال، وإنما أصبحت هنالك صراعات عبثية، تحرّكها المصالح الشخصية الضيقة».

وللعلم، ليستْ وحدها أحزاب المعارضة التقليدية هي التي تراجعت، بل إن حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (إسلامي) الحديث العهد نسبياً في الساحة السياسية، والذي رغم أنه واصل صدارته لأحزاب المعارضة في البرلمان، تراجع عدد مقاعده من 18 مقعداً إلى 11 فقط في البرلمان الجديد، وأيضاً تراجع عدد مقاعد حزب الصواب (تقدمي - بعثي)، المتحالف مع الناشط الحقوقي بيرام الداه اعبيد، أحد أبرز الوجوه المنافسة في آخر اقتراعين رئاسيين (2014 و2019).

معارضة جديدة

إنَّ نهاية المعارضة التي توصف في موريتانيا بـ«التاريخية»، كانت إيذاناً بتقاعد شخصيات ظلت حاضرة لعدة عقود في المشهد السياسي، على غرار أحمد ولد داداه ومسعود ولد بلخير ومحمد ولد مولود، ولكن في المقابل صعدت معارضة جديدة كانت «الحصان الأسود» لهذه الانتخابات. وهذا ما علّق عليه سيد أعمر ولد شيخنا، الناطق باسم حزب الإنصاف الحاكم، بقوله إن «المعارضة التقليدية تشهد منذ سنوات حالة ضعف وتراجع، ومشاكل بنيوية ومؤسسية وقيادية، وبالتالي لا تشكل جهة استقطاب مؤثرة». ثم يتابع: «مع هذا، هناك قوى معارضة جديدة حققت نتائج جيدة، ونحن ندرك أن الوضع الصحي للديمقراطية هو وجود موالاة ومعارضة في كامل اللياقة السياسية».

تتمثلُ هذه المعارضة الجديدة في تيارات شبابية، من مشارب فكرية وسياسية مختلفة، لا يجمعها سوى فكرة المعارضة وإتقان لعبة الإعلام الجديد. ويقود هذه المعارضة «ائتلاف أمل موريتانيا» الذي حصد 7 مقاعد في البرلمان الجديد، متفوقاً على العديد من الأحزاب العتيدة. وهنا يعلّق ديدي ولد السالك موضحاً أن «النتائج التي حققها ائتلاف أمل موريتانيا كانت متوقعة؛ لأنه مثّل خيار الشباب، وفيه شخصيات كانت فاعلة في أحزاب عريقة، بالإضافة إلى شباب متطلع نحو التغيير، وخاصة شباب المهجر الذي ترشح وصوّت لأول مرة في هذه الانتخابات... ورغم تباين هذه الأطراف فكرياً، فإنها تشكّل معاً قوة دافعة، وإذا استطاع أفرادها الاندماج في حزب سياسي، فإنهم سيشكلون حينئذ أحد تيارات المعارضة القوية في المستقبل».

أمَّا أحمد سالم ولد الداه، فيعتبر أن «المعارضة الجديدة تقودها شخصيات قفزت من سفينة أحزاب المعارضة التقليدية قبل أن تغرق... وهؤلاء كانوا يدركون وضعيتها الانتخابية وسوء علاقتها بقواعدها الشعبية... لقد كانت قراءتهم سليمة لمسار الأحداث». ثم يضيف أن «حراكاً سياسياً جديداً، طابعه شبابي بالدرجة الأولى، بدأ يحدث داخل صفوف المعارضة، وقد يظهر تأثيره بشكل أكبر خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة».

نهاية التهدئة

بعد إعلان نتائج الانتخابات، خرجت أحزاب المعارضة في أول مظاهرة لها منذ عام 2019، أي منذ أن دخلت في تهدئة مع نظام ولد الشيخ الغزواني. ولقد رفعت هذه الأحزاب والقوى في مظاهرتها مطلب إلغاء نتائج الانتخابات وإعادة تنظيمها من جديد، وهو مطلب رفضته السلطة، بحجة أن المعارضة كانت شريكة في كل مراحل التحضير للانتخابات، وهي من انتدبت نصف أعضاء اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات.

وفي هذا السياق، يعتقد ولد الداه أن المعارضة التقليدية «تدفع نحو خلق أزمة انتخابية قد تتجه لأن تكون أزمة سياسية». وأشار إلى أنها اكتشفت متأخرة أنها خسرت كل شيء، ثم يستطرد: «مع أن الانتخابات سبقها اتفاق سياسي وقّع عليه 25 حزباً سياسياً (هو إجمالي عدد الأحزاب المرخّصة في موريتانيا)، وأشرفت عليه وزارة الداخلية، فإنها في النهاية كانت محل رفض من أحزاب المعارضة».

وفي هذا السياق يقول ولد شيخنا إن «الانتخابات كانت تُدار من لجنة مستقلة للانتخابات، تشارك فيها جميع الأحزاب السياسية؛ مولاةً ومعارضة، ولا يوجد حكيم من حكماء اللجنة تكلّم عن تزوير أو استقال أو تحفّظ عن سير العملية، ومع هذا يمكن أن تحدث خروق هنا أو هناك، مجالها الطعن لدى المؤسسات المختصة».

أما ولد السالك فيؤكد أن «الانتخابات من الناحية النظرية أجريت في ظل توافق سياسي، لكن الإخفاقات التي واكبتها تعود إلى جملة من العوامل. ولعل العامل الأهم هو المحاصصة في اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات؛ إذ إن المحاصصة دوماً تكون على حساب المبدئية والشفافية والنزاهة، المحاصصة ضد فكرة المواطنة والدولة... وبالتالي، كان المفروض أن تشكل اللجنة من شخصيات وطنية تتمتع بالكفاءة والاستقلالية عن الأحزاب وعن السلطة»، ويضيف ولد السالك «أنه بالإضافة إلى ما سبق لم تُتح للجنة فترة زمنية كافية للتحضير الجيد للانتخابات، وتدريب لجانها وهيئاتها».

وحول مدى تأثير نتائج الانتخابات الأخيرة على مستقبل التهدئة السياسية، يختتم ولد السالك بالقول: «ظهر أن التهدئة السياسية ليست قائمة على بنية توافقية، كما أريد لها منذ البداية بسبب فشل التشاور الوطني. لذا من الطبيعي أن تعود الساحة إلى الشدّ والجذب، وستظهر معارضة جديدة تتمثل في الحركات الشبابية التي ستتبلور منها المعارضة الصاعدة، مستغلة حالة اللا رضا في الشارع والدخول في أجواء الانتخابات الرئاسية».

من الانتخابات الموريتانية (أ.ف.ب)

طريق ولد الغزواني المفتوح نحو الرئاسة

> كانت أعين الموريتانيين حين صوتوا في الانتخابات التشريعية الأخيرة بنسبة مشاركة تجاوزت السبعين في المائة، منتصف الشهر الماضي، موجهة حقاً نحو الانتخابات الرئاسية، منتصف العام المقبل. والقصد هنا، بصورة خاصة، الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذي بدأ مشروعه الانتخابي بوعد كبير تمثَّل في «التهدئة». فهل سينجحُ الرجلُ في تنظيم انتخابات رئاسية هادئة؟... هكذا يتساءلُ من يتابعون المشهد الموريتاني.

المؤكد هو أن ولد الشيخ الغزواني كان أكبر رابح في الانتخابات الأخيرة، حين حصلت الأحزاب الداعمة له على غالبية ساحقة في البرلمان. بل إن جميع أحزاب المعارضة لم تتجاوز حصتها 27 مقعداً من أصل 176 مقعداً في البرلمان، وهي نسبة ضئيلة جداً، جاءت لتؤكد أن ولد الغزواني خلال أربع سنواتٍ مضت من حكمه، نجح في أن ينتزع من المعارضة حجة «الإقصاء» التي ظلت تشكل ركيزة أساسية من خطابها طوال عقود، وقارعت بها عدة أنظمة متعاقبة.

في هذا السياق، يرى أحمد سالم ولد الداه أن الرئيس الموريتاني لم يستفد فقط من هزيمة المعارضة، وإنما أيضاً من التنافس داخل أحزاب الموالاة، ويضيف: «لاحظنا أن الانتخابات شهدت صراعاً قوياً بين أحزاب الموالاة، في الكثير من الدوائر الانتخابية. وتركز هذا الصراع حول أي حزب يمثل البرنامج الانتخابي للرئيس. لقد كان ولد الغزواني هو الرابح من كل ذلك، دون أن يظهر في أي مهرجان سياسي أو يعلن الانحياز لأي حزب».

أمَّا ديدي ولد السالك فيقول: «لا أعتقد أن الرئيس الحالي كسب الكثير من الرهانات في هذه الانتخابات؛ لأن ما ظهر من ولاءات وما ترتب عليها من نتائج، هو حالة مكررة عشناها أكثر من مرة في العقود الماضية، وهي ناتجة عن وضع اجتماعي يسود فيه الفقر والأمية وغياب الوعي، وتحكم السلطة في كل شيء، بما في ذلك الانتخابات نفسها». وخلص من ثم إلى أن الرئيس ولد الشيخ الغزواني قد لا يكون مشغولاً كثيراً بما سيحدث في الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ «لأن القاعدة تقول إن من يترشّح من القصر هو من يفوز، مهما كانت حصيلته السياسية، وهذه القاعدة لن تتغير ما لم يحدث تغيّر عميق في المجتمع».

ولكن في المقابل، من الواضح أن السلطة في موريتانيا منشغلة لفكرة تنظيم انتخابات «هادئة». وهي تراهن على أن يستمر «تطبيع» العلاقة مع المعارضة، لا سيما بعد تكرار أعمال عنف يُخشى أن تصبح لازمة للانتخابات في موريتانيا. بل إنها باتت تثير القلق من أن تتطور ما لم يتيسّر علاجها. إذ وقعت أعمال عنف عقب رئاسيات 2019، وتجدّدت في أعقاب انتخابات الشهر الماضي، وأخذت نسقاً تصاعدياً وطابعاً عرقياً.

وفي كلتا المرتين خرج الجيش ليعيد الأمن في بعض المدن، واضطرت السلطات لقطع الإنترنت للحدّ ممّا وصفته بـ«الشائعات وخطاب الكراهية»، ومع ذلك تؤكد السلطات دوماً جاهزيتها للتعامل مع أي وضعية للسيطرة عليها، بينما تظل احتمالات الانزلاق قائمة.

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني (أ.ف.ب) نهاية المعارضة التي توصف في موريتانيا بـ«التاريخية»، كانت إيذاناً بتقاعد شخصيات ظلت حاضرة لعدة عقود في المشهد السياسي


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.