فيلمان من تلك الأفلام الجديدة التي تدور حول العالم حاليًا لهما صفحتا سوابق. «المهمّة: مستحيلة: أمّة سافلة» الذي خرج للعروض التجارية قبل أقل من شهر والذي جمع للآن نحو 300 مليون دولار عالميًا و«الرجل من أونكل» The Man From U.N.C.L.E الذي انطلق هذا الأسبوع لعروضه العالمية وسيسعى لحصّته من تلك الملايين، إذا ما استطاع.
والجامع بينهما متعدد الوجوه، لكن في المقدّمة هو أن كليهما ينتمي إلى تلك الموجة من الأفلام المقتبسة من مسلسلات تلفزيونية شهيرة والتي عمدت إليها السينما منذ عقود بين ما عمدت إليه لجذب قدم (أو جيب) الزبون المنزلي إلى صالة العرض.
«المهمّة: مستحيلة» الخامس، يعود - كما حلقاته السينمائية الأربع السابقة - إلى ذلك المسلسل الجاسوسي الذي تم تقديمه على شاشة محطة CBS (الأرضية) ما بين 1966 و1973. المواسم الستة من هذا المسلسل شهدت 171 حلقة توزّعت بطولتها على بيتر غريفز، لاعبًا دور قائد الفريق الجاسوسي الذي يحبط المؤامرات العالمية ويتصدّى للمهمات الصعبة والذي يضم أيضًا سام إليوت وغريغ موريس وبيتر لوبوس ومارتن لانداو من بين آخرين.
الثاني: «الرجل من أونكل» سبق عروض «المهمّة: مستحيلة» بسنتين، إذ انطلق على شاشة محطة NBC سنة 1964 واستمر حتى عام 1968. وهو بدأ كمسلسل بالأبيض والأسود لموسم واحد ثم انقلب إلى الألوان وهو نص على بطلين هما روبرت فون وديفيد ماكولوم.
* نجاح عاصف
كلاهما ورد كثمرة نجاح جيمس بوند في السينما. ففي عام 1962 اقتحم فيلم «دكتور نو» العروض السينمائية مقتبسًا مادته من رواية إيان فليمنغ الموضوعة سنة 1958. لم تكن الرواية البوندية الأولى التي كتبها فليمنغ بل السادسة (الأولى كانت «كازينو رويال» سنة 1953). لكن الترتيب الفيلمي غير الموازي للترتيب الروائي لم يعن شيئا يُذكر لجمهور ذلك الحين. الفيلم قفز فوق كل فيلم جاسوسي سبقه مضيفًا إليها نوعية من التشويق والإثارة التي لم تكن مطروقة من قبل. الجاسوس السرّي الذي ربما كان يجلس بجانبك وأنت تشرب فنجان القهوة في حي سوهو اللندني أو يقتفي خطواتك وأنت تتنزه في «سنترال بارك» في نيويورك، تم استبداله بواحد لا يخشى الظهور وتقديم نفسه: «بوند، جيمس بوند».
وصورة ذلك الجاسوس الذي قد يتنكّر بأزياء مختلفة تنفيذًا لمهامه الصعبة والمحاطة بجدار من السرية، تم قلبها. قد يقدّم بوند اسما مختلفًا لكنه سوف لن يتنكر بقناع. قد يتصرّف كما لو كان مليارديرًا أو مقامرًا، لكنه سيكشف عن نفسه سريعًا.
«الرجل من أونكل» و«المهمّة: مستحيلة» كانا نتاج ذلك النجاح العاصف. فجأة طلب التلفزيون لنفسه نسخًا من شخصيات وعمليات جاسوسية مشابهة: «الرجل من أونكل» لعب على وجود جهة خفية وظّفت في خدمتها اثنين، أميركيًا وروسيًا، لاقتحام عرين المعضلات التي تهدد سلامة العالم و«المهمّة: مستحيلة» استعار من بوند المهام الصعبة: خزنة موضوعة تحت الأرض لا يمكن الوصول إليها إلا بنفق. عالم مقبوض عليه في دولة ديكتاتورية (عادة ما كانت لاتينية أو عربية) وعلى فريق المنظمة إنقاذه، أو محاولة تهريب جهاز تجسس جديد لا بد من إبطال مفعوله والحصول على أسراره. فوق ذلك، هو أيضًا فريق يعمل لصالح مؤسسة مجهولة. تعطي الأوامر من دون أن تظهر.
* آرمي هامر
آرمي هامر، أحد بطلي فيلم «رجل من أونكل» الحالي قال لي قبل بضعة أشهر عندما التقيته عابرًا في «سوق الفيلم الأميركي» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أجاب ملاحظًا تيار المسلسلات التلفزيونية التي غرفت من حكايات التجسس:
«بكل تأكيد هي ظاهرة. (رجل من أونكل) هو واحد منها. طبعًا لم تكن على أيامي (هو من مواليد 1986) لكني شاهدت، عندما بدأنا التحضير لهذا الفيلم، حلقات منها ووجدتها مسلية. قديمة بتقنيات اليوم لكنها مسلية».
* تناهى إلي أنك الوحيد الذي اكترث لمشاهدة حلقات المسلسل القديم.
- معقول؟ (يضحك)… أعتقد أن هنري كافيل شاهد بضع حلقات أيضًا… (المخرج) غاي (ريتشي) لا بد شاهد بعض الحلقات… لا أستطيع أن أجزم.
* هل تلعب دور الجاسوس الروسي أم دور الجاسوس الأميركي؟
- هذه ناحية مهمّة أخرى. أقصد أنه في خلال تلك الفترة التي كانت فترة حرب باردة بين الولايات المتحدة وروسيا، تم إنتاج مسلسل يضم جاسوسين متعاونين أحدهما أميركي والآخر روسي. أنا ألعب دور إيليا، الروسي.
* الهاتف في حذاء
على أن المسلسلات الجاسوسية لم تكن الوحيدة التي تم تحويلها إلى السينما. التقليد يذهب إلى حين ارتأت شركات هوليوود أنها تستطيع اجترار ما قامت بإنتاجه تلفزيونيًا. بالتالي، هناك تقليد كبير للمسلسلات التي توجّهت بعد استنفاد عروضها التلفزيونية (وأحيانًا قبل أن تستنفد تلك العروض) إلى الشاشات الكبيرة. .
من هذه القائمة «أنا جاسوس» هو الجاسوسي الوحيد، بينما توزّعت المسلسلات الأخرى ما بين التشويق البوليسي مثل «الهارب» و«ميامي فايس» و«ذا إكويلايزر» وبين الخيال العلمي («ملفات إكس»: «ستار ترك») والوسترن («مافيريك» و«وايلد وايلد وست» و«لون رانجر» والكوميدي («عائلة أدامس»: «برادي بَنش») والجاسوسي الكوميدي «غت سمارت».
كذلك كانت هناك المهام العسكرية متمثلة بمسلسل «الفريق أ» الذي احتل رقعة من الثمانينات على الشاشة الصغيرة ثم انتقل إلى السينما سنة 2010. والمرأة احتلت بطولة الكثير من المسلسلات التي انتقل بعضها إلى الشاشة الكبيرة مثل «ملائكة تشارلي» و«سكاركرو ومسز كينغ» و«She Spies».
المرأة كانت شريكة المهام الصعبة في مسلسل «غت سمارت» الذي هو كناية عن مسلسل جاسوسي ساخر من المسلسلات والأفلام الجاسوسية الجادة. لخمس سنوات تلفزيونية (1965 إلى 1970) قام العميل ماكسووَل سمارت، الذي يحمل الرقم 86. بالتواصل عبر حذائه الخاص مع قيادته. لعبه ببراعة الكوميدي دون أدامز وشاركته البطولة العميلة 99 (باربرا فلدون) في كل الحلقات الـ138 باستثناء واحدة.
* ستيف كاريل
عندما قررت وورنر اقتباس البرنامج الناجح سنة 2008 إلى فيلم، اختارت ستيف كارل للبطولة الرجالية وآن هاذاواي للنسائية. ستيف كاريل قال لنا في العام ذاته خلال وجوده في مهرجان تورونتو السينمائي:
«في تاريخي كممثل محترف ورغم الأفلام الكوميدية الكثيرة التي قمت بها، لم يسعدني دور كهذا الدور. كنت أتوق لتمثيل شخصية العميل الذي لا يجيد عمله بل يختلق لنفسه ولجهاز المخابرات مشاكل جديدة في كل مرّة. هل تعرف أنه لا يربح الجولات إلا بالصدفة. يا لها من فكرة رائعة».
* تذكر صحافة الستينات أن دون أدامز قال ذات مرّة إنه لو لم يمثل بعد هذا المسلسل أي دور آخر لكان «غت سمارت» كافيًا له...
- صحيح. أعتقد أن شهرته لا تزال قائمة على هذا الدور.
* هل صحيح أنك كتبت بعض المشاهد بنفسك؟
- لا أود أن أنشر هذا الأمر. الحقيقة هي أنني تدخلت كثيرًا في الكتابة ليس لأن السيناريو لم يكن صالحًا أو أي شيء من هذا القبيل، بل لأنه كُتب من قبل اختياري كممثل وكان لا بد من تبني بعض التغييرات في هذا النطاق.
* يبدو الدور مطابقًا لك تمامًا. لو لم تكن أنت من قام به، من ترشّح له؟
- دون أدامز، لكنه بالطبع لم يعد معنا (توفي سنة 2005) وإلا لكان ظهر معي ولو في دور شرف. أعتقد، لكي أجيب على سؤالك، سأختار بل موراي. أراه مناسبا بطريقته الخاصّة لهذا الدور.
* مغامرة
وهذا ما يحيلنا إلى لب الموضوع وجوهر أسبابه: لماذا تقدم هوليوود على إعادة صنع مسلسلاتها التلفزيونية إذا ما كانت مغامرة الاقتباس ليست مضمونة؟
المنتج مايك ميدافوي يلقي نظرة فاحصة على هذا التيار فيقول خلال «سوق الفيلم الأميركي» في العام الماضي: «لم أجرب أن أنتج فيلما مقتبسًا عن مسلسل تلفزيوني. وصلتني الكثير من السيناريوهات. اتصل بي الكثير من أصحاب المشاريع وهنا في هذا السوق كان علي أن أرفض عرضًا جديدًا. ليس أن الاقتباس فعل خطأ من أي نوع، بل مرد ذلك حبي للبحث عن مواد مكتوبة خصيصًا للسينما. ربما كل أفلامي هي من هذا النوع. ليس لدي سوى فيلم واحد هو اقتباس من فيلم سابق».
* أي فيلمين؟
- «كل رجال الملك» (1996) الذي كان بالطبع فيلما سابقًا (1949). لكني أفهم سعي المنتجين الآخرين لتحويل المسلسلات إلى أفلام. المسألة لها علاقة بوجود جمهور جاهز تابع تلك المسلسلات على الشاشة الصغيرة ويدفعه الفضول لمتابعتها على الشاشة الكبيرة.
* لكن هذا ليس سوى فئة من الجمهور. الكثير من المسلسلات قديمة من الستينات والسبعينات.
- لا أعتقد أنها فئة قليلة لكنها بالطبع ليست كل الحضور. المسلسل يعيش كاسم من بعد أن يعيش كحلقات أسبوعية والكثير من الجمهور الشاب تجده يتحرك بسبب الفضول نفسه لكي يشاهد هذه الأفلام المستوحاة من تلك المسلسلات.
* يتم تغيير الأبطال مع العناية في اختيار ممثلين شبّان أو نجوم بصفات معيّنة…
- مؤكد. لا نفع يُرجى جراء الاستعانة بالممثلين أنفسهم حتى ولو كانوا ما زالوا على قيد الحياة. لكن هذا لا يعني أن النجاح مضمون. ككل الأفلام الأخرى، بصرف النظر عما إذا كانت مقتبسة أو مكتوبة خصيصًا، سيدخل الفيلم الآتي من التلفزيون في ذلك النفق المظلم خلال إنتاجه وحتى وصوله إلى موعد عرضه وقد ينجح وقد يفشل أسوة بباقي الأفلام.
* ساخنة، باردة، مثلّجة
في بداية «رجل من أونكل» يلمس المخرج البريطاني غاي ريتشي أجواء الستينات.
المسلسل التلفزيوني في الأصل دار في رحاها، كما فعلت أفلام جيمس بوند ذاتها قبل أن تفاجأ بأن الحرب الباردة بين الشرق والغرب دخلت مرحلة جليدية. في مطلع الفيلم الحالي، ينقل ريتشي بعض أجواء تلك الفترة كون الأحداث في ربع الساعة الأول أو نحوه، تدور في برلين. ما إن ينتهي من برلين وينتقل إلى روما يختار المخرج التخلي عن تلك الأجواء وتقديم استعراضه الأسلوبي المحض الخالي من الصلابة.
من ناحيته، تعامل المسلسل المذكور مع واقع الحرب الباردة على نحو مغاير لتعامل «المهمّة: مستحيلة» فهو كان أكثر ترحابًا بالتعاون المخابراتي بين الشرق والغرب، في حين بقي «المهمّة: مستحيلة» منضبطًا تحت لواء العداوة التقليدية. أبطاله أميركيون فقط (خمسة بيض وواحد أسود) وأعداؤه لفيف من الروس والصينيين واللاتينيين والعرب وأوروبيون ربما هاربون من مسؤوليتهم حيال اليهود في الحقبة النازية أو متشددون يريدون دمار العالم أو بيع الأسلحة المحرّمة إلى جمهورياته الديكتاتورية.
هذا المنوال سيطر على أفلام جيمس بوند حتى أواخر السبعينات. الشرير في «مونراكر» فرنسي يهدف لإشعال الحرب بين القوّتين. لكنه عاد إلى معاداة الشرق الروسي سنة 1983 في «أكتوبوسي» وفي «منظر للقتل» (1985) ثم أقلع تمامًا من عام 1989 عندما تأكد أن الناس لم تعد تؤمن كثيرًا بحكايات من ترتيب أوضاع الماضي.
سنة 2002 أيقن منتجو بوند أن عليهم إجراء عملية تجميل كبيرة إذا ما أرادوا الاستمرار في «البزنس». تأكد ذلك مع نجاح خارق لمنوال مغامرات جاسوسية جديد نتج عن عودة «المهمّة: مستحيلة» في فيلمين آخرين (الثاني والثالث) وعن إطلاق منافس قوي آخر هو الجاسوس جاسون بورن في فيلم «هوية بورن».
من المثير ملاحظة أن «المهمّة: مستحيلة» الأول (1996) تجاوز المعطيات اليمينية التقليدية عندما انبرى ليصوّر أنه بعد أن وضع أعداء الأمس (المخابرات المركزية الأميركية والكي جي بي الروسية) عداوتهما جانبا، وبعد أن صار العالم على شفير تحوّله إلى قرية واحدة لم يعد هناك أمام أعضاء فريق هذه المهام سوى الدفاع عن وجودهم حيال مؤامرات تُحاك من أطراف معادية مجهولة تتضمن الجهة الأميركية التي كانوا يعملون لها.
المنوال ذاته ورد في فيلم «هوية بورن»: مات دامون في شخصية الجاسوس السابق الذي فقد ذاكرته. كل ما يعرفه أن هناك جهة تريد قتله. الجهة ليست أعداء الأمس بل أعداء اليوم. عبر ملاحقاته يكتشف أن هذا العدو ليس سوى وكالة المخابرات الأميركية.
حتى جيمس بوند كان عليه أن يعيد ترتيب أوراقه في السنوات العشر الأخيرة. لقد مضى الزمن الذي كان فيه العالم محكومًا بقوّتين فقط. لم يعد من «الدارج» الحديث عن نظام شيوعي ضد نظام رأسمالي. بوند في «كازينو رويال» (نسخة 2006) أعاد تكوين نفسه مع ممثل جديد (دانيال كريغ). في «قدر من الأسى» Quantum of Solace، سنة 2008 تغير الأعداء تمامًا ومنوال العداوة وأسبابها وفي «سكايفول» (2012) يعود إلى الرحم مكتشفًا أن الإرهاب لا يعرف نظامًا ولا حدودًا بل يستطيع أن يضرب كما يشاء وفي كل الاتجاهات.

