رسمت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في أحدث تقرير لها نشرته اليوم الثلاثاء، صورة قاتمة عن مجمل الأوضاع الخدمية والأمنية في قضاء سنجار (80 كيلومتراً غرب الموصل) ذي الغالبية السكانية الإيزيدية، الذي احتله تنظيم «داعش» في أغسطس (آب) 2014، وأقدم على قتل واختطاف وسبي الآلاف من رجاله ونسائه.
ومع حالة الفوضى الأمنية وتردي الخدمات والتنافس السياسي بين 12 جماعة مسلحة، ليس من المتوقع أن يشهد القضاء عودة إلى أوضاعه الطبيعة بعد 8 سنوات من هزيمة التنظيم الإرهابي، وطرده من القضاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. وقال تقرير المنظمة الحقوقية إن «إعادة إعمار سنجار، الذي تضرر بشدة في القتال ضد (داعش) متوقفة بسبب الخلاف السياسي حول إدارته».
ونقلت المنظمة عن مسؤول محلي قوله إن «12 جماعة مسلحة تتنافس للسيطرة على سنجار، وأسفرت محاولات الحكومة لاستعادة السيطرة الإدارية على المنطقة عن اشتباكات عنيفة ومزيد من النزوح، كان آخرها في مايو (أيار) 2022».
ويتنافس في القضاء خليط من جماعات مسلحة تتبع «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و«حزب العمال التركي» (البكه كه) ومجموعة فصائل إيزيدية مسلحة موزعة الولاءات، إلى جانب صنوف القوات الأمنية الاتحادية وبعض فصائل «الحشد الشعبي». ووثق التقرير «الاستخدام العسكري للمدارس في سنجار وتجنيد الأطفال من قبل الجماعات المسلحة في 2016».

حملة الإعمار
ورغم حملة الإعمار التي أمر بها رئيس الوزراء محمد السوداني، في أبريل (نيسان) الماضي، وخصص لها 50 مليار دينار عراقي (نحو 34 مليون دولار)، فإن التقرير أشار إلى أن «الخلاف السياسي بين الحكومة الفيدرالية في بغداد وحكومة إقليم كردستان حال دون استخدام الأموال المخصصة سابقاً، في حين أن البنية التحتية المتضررة والخدمات الأساسية السيئة عرقلت عودة أكثر من 200 ألف شخص نزحوا من المنطقة منذ 2014، منهم 85 في المائة من الأقلية الإيزيدية في العراق».
ونقل التقرير عن إحصاءات عن «المنظمة الدولية للهجرة»، ووكالة الأمم المتحدة للهجرة، بشأن الأضرار الجسيمة التي تعرض لها قضاء سنجار خلال الحرب مع «داعش». ويقول السكان إن «الكهرباء والمياه غير متوفرتين باستمرار، ولا يزال العديد من المرافق التعليمية والصحية متضررة أو مدمرة، وهناك نقص الموظفين حيثما وجدت هذه المرافق».
وفي إشارة إلى النزاع على القضاء بين بغداد وأربيل، نقل التقرير أيضاً عن محافظ نينوى نجم الجبوري، قوله إن «أربيل وبغداد ترفضان إنفاق الأموال قبل الاتفاق على من سيكون مسؤولاً عن الإدارة المحلية لسنجار، لكن المناقشات توقفت دون الاتفاق على مرشح مناسب لمنصب قائممقام سنجار، وكثيراً ما يرفض السنجاريون الذين يشعرون بالتهميش والإقصاء من العملية، المرشحين المقترحين».
اتفاق بغداد وأربيل
وكانت بغداد وأربيل وقعتا عام 2020 اتفاقاً شاملاً حول مجمل القضايا في سنجار، وخصصتا 28 مليار دينار عراقي (18 مليون دولار) لـ«صندوق إعادة إعمار سنجار»، لكن جهود الإعمار متلكئة، وفق ما ذكر التقرير الذي أشار إلى أن «كل الذين قابلناهم يتحدثون عن نقص الخدمات العامة الملائمة كعائق أمام العودة، بالإضافة إلى الوضع الأمني غير المستقر، وعدم تقديم الحكومة تعويضات عن المنازل والأعمال التجارية المدمرة».
وقال مدير تربية سنجار حسن صالح مراد: «في سنجار 206 مدارس، لكن 96 منها فقط تعمل حالياً بسبب مجموعة من العوامل، مثل نقص الطاقم التعليمي، واستمرار تهجير العائلات، وتدمير المباني المدرسية. ونظراً لنقص المعلمين والمرافق المدرسية، تضم المدرسة الواحدة ما بين 600 وألف تلميذ مسجلين فيها، رغم أنها لا يمكن أن تستوعب أكثر من 400 طالب». وأضاف أن «الجماعات المسلحة تستخدم 3 مدارس قواعد عسكرية، ما يقوّض الوصول إلى التعليم ويُعرّض البنية التحتية للمدارس لخطر الهجوم».

دائرة الصحة
وتواجه دائرة الصحة في سنجار أيضاً الاكتظاظ، ونقص المهنيين المؤهلين، ودمار البنية التحتية. يوجد مستشفيان عامان يخدمان المنطقة، أحدهما في مدينة سنجار والآخر في سنوني شمال جبل سنجار. وقال مدير مستشفى سنجار العام الدكتور دلشاد علي: «لقد تضرر المستشفى أثناء العمليات العسكرية. نحن نعمل في موقع بديل صغير الآن، ولدينا فقط 53 سريراً بدلاً من 130 سريراً امتلكناها سابقاً. لا يزال الموقع الأصلي لمستشفى سنوني يعمل. من بين 26 مركزاً للصحة الأولية، تعمل جميعها باستثناء مركزين في منطقة سنوني الفرعية، واللذين يحتاجان إلى إعادة بناء».
والأمر ذاته ينطبق على بقية الخدمات ومنها التيار الكهربائي، وقال مدير دائرة كهرباء سنجار محمد مجيد، إن «المحطة 132، هي محطة توليد الكهرباء الرئيسية في سنجار، والمحطة 133، محطة احتياطية، وقد دُمرتا أثناء العمليات العسكرية ولم يُبنيا مجدداً». وأضاف: «نحن قادرون حالياً على توفير 18 ساعة من الكهرباء يومياً لأننا في الربيع والطقس ليس حاراً جداً، لكن بمجرد حلول الصيف، نستطيع توفير 12 ساعة فقط في اليوم».
كان المتحدث باسم وزارة الهجرة العراقية، علي عباس جهانكير، قال لـ«الشرق الأوسط»، الأسبوع الماضي، إن «نحو 36 ألف أسرة، ومعظمهم من قضاء سنجار ذات الأغلبية السكانية الإيزيدية، ما زالوا يوجدون في 26 مخيماً للنزوح داخل إقليم كردستان، وعودتهم إلى مناطقهم دونها أسباب عديدة، منها ضعف البنى التحتية في مناطقهم».


