الحوثيون يلزمون تجار الحديدة بدفع الأتاوات.. ويحبسون السكان كدروع بشرية

المقاومة الشعبية تقتل القياديين الحوثيين «أبو فؤاد» وعبد العزيز الشريف

جانب من قصف قوات التحالف على قوات المتمردين في مدينة الحديدة (رويترز)
جانب من قصف قوات التحالف على قوات المتمردين في مدينة الحديدة (رويترز)
TT

الحوثيون يلزمون تجار الحديدة بدفع الأتاوات.. ويحبسون السكان كدروع بشرية

جانب من قصف قوات التحالف على قوات المتمردين في مدينة الحديدة (رويترز)
جانب من قصف قوات التحالف على قوات المتمردين في مدينة الحديدة (رويترز)

احتدمت المواجهات العنيفة بين المقاومة الشعبية، المساندة لشرعية الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، والميليشيات الحوثية وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في جميع المدن والمحافظات الشمالية التي تسيطر عليها هذه الأخيرة، في الوقت الذي كثفت فيه طائرات التحالف العربي بقيادة السعودية من غاراتها على مواقع الميليشيات المتمردة في محافظة الحديدة، غرب اليمن، وسقط عشرات القتلى والجرحى في صفوف الميليشيات، في حين يخشى أهالي المعتقلين أن يكون قد تم وضعهم دروعا بشريا وأهدافا للطيران التحالف.
ويطالب أهالي المعتقلين في محافظة الحديدة الميليشيات الحوثية وأنصارها من قوات الرئيس السابق صالح بسرعة الإفراج عن معتقليهم الذين يضعوهم في مقراتهم العسكرية والتي أصبحت أماكنهم معرضة لقصف قوات التحالف مما يجعلهم دروعا بشرية. ويقول أحد أهالي المعتقلين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «جماعة الحوثي المسلحة وقوات صالح لم تستجب لقرارات القضاء بالإفراج عن أهالينا المعتقلين لديها رغم أن هناك من يعانون من أمراض مزمنة بينهم وهم ينتظرون الموت دون مراعاة ظروفهم الصحية، وهم يضعونهم دروعا بشرية خاصة أن طيران التحالف كثف من غاراته في الأيام الماضية ولا يزال يقصف جميع المقرات العسكرية الخاصة بهم».
وطالب أهلي المعتقلين محافظ المحافظة، العميد حسن أحمد الهيج، والمجالس المحلية وجميع من لهم ارتباطات بالحوثي بسرعة التدخل للإفراج عن أهاليهم وتشكيل إن وجب الأمر لجنة من جميع المكونات السياسية والمجتمع المدني والمشايخ والأعيان للتدخل والضغط على المسلحين الحوثيين للإفراج عنهم قبل أن يكونوا عرضة لطيران التحالف في حال تم وضعهم ضمن الأهداف التي يتم شن الغارات عليها، محملين مسؤولية حياتهم إلى «محافظ المحافظة العميد الهيج، والنيابة العامة، والمجلس المحلي حال، تم استهدافهم من قبل طيران التحالف بسبب وضعهم دروعا بشرية من قبل الحوثيين».
وعلى صعيد آخر، يشكو عدد من التجار وأصحاب المحلات التجارية في مدينة الحديدة استمرار ميليشيات الحوثي في ابتزازهم وفرضهم بقوة السلاح مبالغ مالية يتم تسليمها إليهم بحجة أنها يعود مردودها لصالح المجهود الحربي والتعبئة العامة ومختومة بختم «جبهة الإمداد والتموين - اللجنة المركزية لجمع الإنفاق في سبيل الله». ويقول أحد التجار، رفض الكشف عن هويته، لـ«الشرق الأوسط»، إن «جماعة الحوثي بواسطة المدعو جحاف، أحد أتباع المخلوع صالح، وبرفقته مسلحون من الجماعة، تقوم بابتزازنا وإجبارنا بقوة السلاح على دعم ما يسمونه المجهود الحربي والتعبئة العامة التي تقودها في حربها في عدد من المدن والمحافظات اليمنية».
ويضيف: «ليست المرة الأولى التي يقومون فيها بفرض مبالغ مالية، فهم أيضا منذ دخولهم مدينة الحديدة وهم يقومون بأساليب ابتزازية حقيرة، بالإضافة إلى التهديد والوعيد لنا ولعدد من أصحاب المحلات التجارية، ومن يمتنع عن إعطائهم أي مبلغ مالي يتهمونه بأنه (داعشي) ويمول المقاومة الشعبية، بمعنى أنهم يحرضون عليه بالقتل، وآخر ذلك اقتحام منزل رجل الأعمال سعيد القريع، الخميس الماضي، واختطافه، حيث نسبوا له تهمة بأنه يدعم المقاومة الشعبية وبأنه داعشي».
وتشهد مدينة الحديدة منذ أيام، وحتى كتابة الخبر، حملة اختطافات ومداهمات واسعة النطاق لجميع المناوئين لها من ناشطين وسياسيين وصحافيين ومن تشتبه في انتمائه للمقاومة الشعبية التهامية، مستعينة في ذلك بشرطة نسائية لتوهم أهالي المنازل التي تريد اقتحامها بأن الشرطة النسائية هي من ستقوم بمداهمة المنزل، وما يحدث عكس ذلك، وما إن تدخل الشرطة النسائية من باب المنزل حتى يفاجئوا بدخول المسلحين الحوثيين وسط النساء والأطفال دون مراعاة لحرمة المنازل، ويقومون بتفتيش المنزل والبحث عن رب البيت.
ويقول يحيى عمر، أحد أهالي مدينة الحديدة، لـ«الشرق الأوسط»: «بعد شن طائرات التحالف لغاراتها على مواقع للحوثيين بالمدينة وأنباء عن اقتراب بوارج التحالف العربي إلى سواحل الحديدة، كثف المسلحون الحوثيون وأنصارهم من عمليات الملاحقات والاختطافات ومن انتشارهم بالأحياء السكنية والشوارع الرئيسية، ونصبوا الكثير من النقاط الأمنية لهم، مع انتشار كثير من الأطقم العسكرية عند مداخل المحافظة ومخارجها، وهو ما قوبل بسخط كبير ورفضه جميع أبناء الحديدة لما يقومون به من انتهاك لحقوقهم».
ويضيف: «تواصل الجماعة حملة اعتقالها واختطافها لجميع المناوئين لهم، ووصل الأمر إلى مداهمة المنازل والعبث فيها في بعض قرى محافظة الحديدة وفي المدينة أيضا، تحت حجة أنها تبحث عن مشتبهين لديها بانضمامهم للمقاومة، أو من يضعون الشرائح لطيران التحالف حسبما يقولون، ويتم اقتيادهم إلى أماكن مجهولة حيث لا يزال العشرات من أبناء تهامة في المعتقلات ويرفضون الإفراج عنهم».
وبينما شنت طائرات التحالف بقيادة السعودية، أمس، قصفها لعدد من المقار العسكرية الخاصة بالمسلحين الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح في محافظة الحديدة، وسط تحليق كثيف للطيران في سماء المدينة، يقول شهود محليون إن «طائرات التحالف شنت غاراتها على مواقع المسلحين الحوثيين وأنصارهم على امتداد الشريط الساحلي لليمن من جهة مدينة المخأ، الواقعة على ساحل البحر الأحمر جنوب مدينة الحديدة، وصولا إلى اللحية، شمال المدينة، أمس، من بينها مباني المعهد الفني في مديرية اللحية شمال المدينة، ومنزل عبد الولي الشهاوي أحد القادة العسكريين في اللواء 117 في باب المندب بمديرية الخوخة، جنوب مدينة الحديدة، وسقوط قتلى وجرحى من الحوثيين وأنصارهم ممن كانوا في المنزل الذي يتخذونه مقرا لهم. كما استهدف طيران التحالف الشرطة العسكرية بجوار المكتبة المركزية التي يتخذها الحوثيون مقرا لهم في مدينة الحديدة وذلك بخمسة صواريخ بالإضافة إلى مبان قديمة كانت بجواره».
ويضيف الشهود: «استهدفت غارات التحالف مواقع لميليشيا الحوثي وصالح داخل متنزه مهجور على الشريط الساحلي لمدينة الحديدة، كانت تتخذه الميليشيا ثكنة عسكرية لها، وانتشرت أنباء عن سقوط قتلى وجرحى، وتمت رؤية سيارات الإسعاف تهرع للمكان، بعدما كان قد تم استهداف أيضا معسكر خالد بن الوليد بمدينة المخأ ومنطقة السقم بمديرية حيس بالحديدة ومنطقة الكويزي التي استهدفت فيها مزرعة درويش التي تتحصن فيها الميليشيات المتمردة، وكذا إدارة الأمن بمديرية الدريهمي، جنوب المدينة، ومعسكر الجبانة التابع للبحرية، شمال المدينة».
بالمقابل، وفي حين تشهد مدينة الحديدة عمليات تصفية لقادة حوثيين وموالين لهم، بالإضافة إلى استهداف تجمعاتهم ودورياتهم العسكرية في جميع مدن ومحافظات إقليم تهامة، أكد مصدر مقرب من المقاومة الشعبية، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المقاومة قتلت القيادي الحوثي المكنى بـ(أبو فؤاد)، بشارع الميناء، وذلك بعد يوم من استهدافها، أول من أمس، القيادي في ميليشيات الحوثي المدعو عبد العزيز الشريف أمام منزله في شارع الميناء بالحديدة من خلال وضع كمين له، وهو أحد قيادات الجماعة وشقيق المسؤول الأمني للمسلحين الحوثيين بمحافظة المحويت، وكذا استهداف قيادي آخر يدعى محمد طاهر المؤيد من خلال وضع كمين له، وهو مسؤول التموين العسكري للحوثيين بالحديدة ومن أهم القيادات الحوثية».
ويضيف: «تمكنت المقاومة الشعبية أيضا من إعطاب شاحنة لنقل المياه تابعة للميليشيات الحوثية في منطقة الخوخة، جنوب الحديدة، وقتل سائقها، كما شنت هجوما استهدفت به دورية عسكرية لميليشيات الحوثي في الخط الدولي ما بين الصليف والضحي بجوار محطة الحاشدي، مما أسفر عن مقتل ثلاثة من الحوثيين وأربعة جرحى».
وتأتي غارات التحالف في وقت كان قد كشف فيه تحالف رصد بالحديدة (منظمة مجتمع مدني) عن ارتكاب جماعة الحوثي المسلحة وأنصارها في مدينة الحديدة، غرب اليمن، لـ40 حالة انتهاك وجريمة. وقالت المنظمة في بلاغها الصحافي، الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه: «أقدمت جماعة الحوثي على ارتكاب 40 حالة انتهاك وجريمة خلال ثمان وأربعين ساعة في مدينة الحديدة (عاصمة المحافظة) فقط، وذلك خلال يومي الخميس والجمعة 20 و21 أغسطس (آب) الحالي، والتي شملت اعتداءات بحق أشخاص، وسجلت فيها حالة قتل واحدة، و28 حالة اختطاف من أبناء مديريتي الحوك والحالي بالحديدة، وحالة اعتداء جسدي، بالإضافة إلى اعتداءات على الممتلكات التي تمثلت باقتحام 7 منازل ومحل تجاري، ومقر منظمة مجتمع مدني، وكذا العقوبات الجماعية التي تمارسها الجماعة المسلحة بحق أبناء المحافظة والتي تتمثل في انقطاع الكهرباء والماء وانعدام المشتقات النفطية، واستمرارها في احتجاز واختطاف العشرات من الناشطين السياسيين، ورفض الأوامر القضائية التي تقضي بالإفراج عنهم، وهو ما قوبل بتصعيد المقاومة الشعبية من عملياتها وبالتوعد بالرد الحازم وإيقاف العمل الإجرامي الذي تقوم بها الجماعة ضد أبناء تهامة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.