طه حسين... مؤسسة ثقافية تمشي على قدميها

خمسون عاماً على رحيل صاحب «الأيام»

طه حسين... مؤسسة ثقافية تمشي على قدميها
TT

طه حسين... مؤسسة ثقافية تمشي على قدميها

طه حسين... مؤسسة ثقافية تمشي على قدميها

بعد رحيله، اعتقدت سوزان رفيقة طه حسين أنه كان ينظر إليها من عليائه، ومثلها اعتقد محبوه من كبار الأدباء؛ لأنهم تصوروه خالداً لا يموت، فماذا لو رآنا اليوم في العام الخمسين بعد رحيله؟

كان من المفترض أن تتواصل الاحتفالات هذا العام في مصر كما تفعل الدول في احتفائها بأعلام ثقافتها، بمشاركة كل المؤسسات بحيث تصدر الكتب وتقام المؤتمرات وتصدر طوابع البريد تحمل صور المحتفى به وغير ذلك، لكن عام طه حسين بدأ بتهديد مقبرته بالهدم ككثير من مقابر الكبار في الثقافة المصرية بسبب إنشاء الجسور التي تخترق جبانات القاهرة. لكن العميد أكثر حظاً من الجبرتي وابن خلدون ويحيى حقي، فقد انتهى الأمر بمرور من فوق مقبرته دون إزالتها!

رحل طه حسين في أكتوبر (تشرين الأول) 1973 فلم يرَ اكتمال الغدر بوصيته الكبرى «التعليم» الذي تآكلت مجانيته ولم يعد حقاً طبيعيّاً للبشر كالماء والهواء. ولو لم يتم الغدر بوصيته فما كان لعظامه أو عظام غيره من الكبار أن تتعرض للخطر. ولكان من الطبيعي أن يُخصص العام للاحتفال بذكراه كما تفعل الأمم المتعلمة.

لكن أبناء وأحفاد طه حسين من الكتاب أقاموا احتفالاتهم الخاصة في شكل وفرة من الكتب يتوالى صدورها في القاهرة وغيرها من العواصم العربية، من بينها كتاب الباحث والروائي الدكتور عمَّار علي حسن، الذي صدر مؤخراً كتابه «بصيرة حاضرة... طه حسين من ست زوايا» عن مركز أبوظبي للغة العربية. الكتاب الذي يقع في 504 صفحات لديه طموح أن يكون مرجعاً شاملاً عن طه حسين، يحجز لنفسه موقعاً وسط وفرة التأليف عن عميد الأدب العربي، حيث يستند عمَّار إلى عدد كبير من المراجع مع نفس سردي يعيد بناء سردية متماسكة عن الرجل.

لا يستطيع باحث أن يقاوم ذكريات نشأته التعليمية الأولى وموقع طه حسين منها. هكذا يحكي عمَّار كيف تلقى سيرة العميد «الأيام» التي كانت مقررة على طلاب المدارس، وكيف كان معلموه يجتهدون في النطق ليكون مكافئاً لبلاغة العميد.

ويعتبر عمَّار علي حسن العميد مؤسسة كاملة كانت تمشي على قدمين، ويعتبر أن البحث في منجزه ليس بحثاً في الماضي، بل في الآني؛ نظراً لأن نصه وأسلوبه وسلوكه الثقافي لا يزال قادراً على إفادتنا فيما يواجهنا اليوم. داعياً إلى إعادة درسه بكل جدية بما في ذلك دراسة إخفاقاته بعيداً عن كتابات المغامرين وهواة السجال الذين وقع تراث العميد ضحية لهم.

وكما اختط طه حسين لنفسه منهجاً في دراسة غيره؛ يضع عمَّار لنفسه خطة لدراسة العميد من ست زوايا: المنهج، النص، الذات، الصورة، الموقف، والأفق.

لماذا وكيف؟

المنهج عصب أي علم، ورغم أن طه حسين بدأ حياته في مسار ينشغل بالرواية قبل الدراية، إلا أنه أدرك منذ وقت مبكر بفضيلة المساءلة، وأبرز سؤالين لديه هما: لماذا وكيف؟ ويرى علي أن انشغال طه حسين بالمنهج فاق كل شيء، وفي الوقت نفسه يبدو المنهج بارزاً إلى جانب عطائه المعرفي في كل كتاب. على سبيل المثال، فالمهم في «الشعر الجاهلي» هو ثورة المنهج، وليس ما جاء بالكتاب حول الشعر بذاته.

ورغم ارتباط طه حسين في الذاكرة الثقافية بمنهج الشك الديكارتي، فإن هناك من المصريين والمستشرقين من أثروا فيه أكثر من رينيه ديكارت وبينهم ثلاثة يحملون اسم المرصفي، هم حسين، وسيد علي، ومحمد حسن نائل المرصفي، وهناك حفني ناصف وإسماعيل رأفت مع مستشرقين مثل جويدي ونالينو.

هناك ركائز ومسارات متعددة قادت طه حسين إلى «الشك من أجل التحقق»، أهمها تكوينه التراثي؛ فقد استفاد من دراسته للفقه الإسلامي، وهو العلم الذي يدرس الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، كما ساهمت في شكه ضرورة التثبت التي يشدد عليها القرآن الكريم، بالإضافة إلى علم الجرح والتعديل أو «علم الرجال» الذي تفردت به الأمة الإسلامية وقام عليه عماد رواية الأحاديث النبوية.

اختبار النص

الركيزة الثانية لحضور طه حسين - فيما يرى عمار علي حسن - هي نصه الذي مر باختبار الزمن ولم يزل حيّاً من بعده. وأولى خصائص نصه أنه ابن الإملاء، لا ينشأ إلا في حضور المستمع؛ لهذا فكل ما بين أيدينا هو «حديث طه حسين لا كتابته» وهذه مسألة جوهرية من النظر إلى نصوصه، وقد عبّر طه حسين عن هذه المسألة «أنا لا أكتب وإنما أُملي. وقد لاحظ البعض ذلك وخصوصاً فيما يتعلق بمقالاتي. فإذا أمليت في بيتي، مشيت وأنا أُملي. إذا أمليت في الصحيفة فإنني أجلس إلى مكتبي ساكناً بلا حراك كأنني تمثال... (كتابات من الشاطئ الآخر)، جمع وترجمة عبد الرشيد الصادق المحمودي».

على الأرجح يكون المتكلم أقوى شعوراً بذاته من الكاتب المنفرد بنفسه ولديه فرصة لينساها. يحمل «الأيام» طرفاً من مشافهة طه حسين، ومن ثباته بينما يُملي نصاً لصيقاً بحياته إلى هذا الحد، ويبين في الوقت ذاته مدى قدراته السردية التي تبدت في هذا النص بأكثر مما ظهرت في نصوصه السردية الأخرى. وهناك شهادات من تلاميذه في الجامعة تقول إن أسلوبه في إلقاء محاضراته كان يشبه أسلوبه في إملاء ما يكتب، وينقل عمَّار عن عبد المنعم شميس قوله «كان في محاضراته يشبه الشيخ محمد رفعت في ترتيله للقرآن».

ولأنه لم يكن يعيد التنقيح؛ فنصه بِكر فكر فيه طه حسين طويلاً قبل أن يمليه، لم يكن يطلب من المدون أن يعيد قراءته ولم يكن يعرض نصوصه على أحد من أصدقائه قبل النشر كعادة بعض الكتاب، ويتفق عمار مع المحمودي في اعتبار طه حسين هو سيد النثر العربي الحديث، منزلته كمنزلة الجاحظ من النثر القديم إجادة وتنوعاً. له بصمته التي لا يخطئها قارئ بعد أسطر عدة، بما يتميز به من إيقاعية وحس قصصي واحتفاء بالمألوف من الكلمات وتكرارية للتوكيد وصيغ أفعل التفضيل. لكن لغة طه حسين لم تكن وليدة عن تصور نظري منطقي لبنية اللغة، بل كانت لغة وظيفية تلتزم المعنى بصرامة.

الوعي بالذات

في تناقض مع منهجه في التمحيص رفع البعض طه حسين إلى أعلى مراتب السمو ورماه البعض الآخر بكل ما يهبط به ويذري بمكانته، فماذا عن صورته في مرآة ذاته؟

في «الأيام» لم يشأ أن يعبّر عن ذاته بالضمير الأول، بل أشار إلى نفسه بوصفه «الفتى» ولكنه تحدث بصيغة «الأنا» في مواقف متفرقة في ندوات وحوارات تكشف عن تصوره لنفسه. عد طه حسين الكتابة فعل حرية، وكان في هذا معجباً بسقراط الذي كانت حريته قرينة وجوده. وقد وضع الحرية قبل العدل في سلم القيم لديه، معتبراً أنها الطريق إلى الفضائل، فالشعور بالعدل يقوى ويشتد كلما قويت الحرية واشتدت. هذا الإيمان المطلق بالحرية يضع طه حسين على مسافة من أصحاب نظرية الالتزام الذين يمكنهم التخلي عن الحرية ولو جزئيّاً في سبيل تحقيق أهداف كبرى.

صور العميد

تتسيد صورة قاهر الظلام غيرها من صور طه حسين لدى الغالبية العظمى من الناس، هي نقطة النور المبهر التي تجذب الجميع. وقد حوَّل عميد الأدب العربي إعاقته إلى ميزة؛ إذ مدته بأشياء لا غنى عنها للكاتب الجاد، منها العزلة ومنها انطلاق الخيال لرسم عالم لا يراه، وتعزيز البصيرة والذاكرة اللاقطة، وقد تعرضت ذاكرته القريبة للضعف بعد الثمانين، فسرعان ما كان ينسى زواره بعد انصرافهم.

وهو المثل بالنسبة لكل من عانوا وسوف يعانون من هذه الإعاقة، فانتصار طه حسين انتصار لهم، وها هو الأديب الكويتي عبد الرازق البصير يقول عن تأثير طه حسين عليه: «لم أكد أمضي في قراءة كتاب (الأيام) حتى انفتح لي باب الأمل في الحياة» وها هو الشاعر اليمني عبد الله البردوني يرفض تعلم الكتابة بطريقة «برايل» لأن طه حسين حقق ما حقق دون أن يتعلمها.

غير قاهر الظلام، للعميد صور متعددة؛ فهو التلميذ النجيب الذي يجلّ أساتذته مثل لطفي السيد ومحمد عبده وماسنيون ويجد في نفسه الشجاعة ليختلف معهم ويعبّر عن اختلافه، وهو الأستاذ البارع والأب الذي يقبل اختلافات أبنائه دون أن ينكروه أو ينكرهم، وهو المدافع عن كرامتهم وعن استقلال الجامعة.

لكن ذلك لم يمنع طه حسين من اكتساب صورة الشخص الأسطورة بعد رحيله، فها هو يوسف إدريس يزور مكتبه مع آخرين بعد وفاته، ويقول إننا وقفنا ننتظر أن يطل علينا بقامته المديدة، فقد كان في نظرنا خالداً لا يموت».

الرجل الموقف

قد يشبعنا نص جميل وترضينا فكرة شجاعة، لكن بمجرد أن نكتشف أن الكلمات لم تمسس قلب كاتبها أو أن سلوكه ومواقفه تختلف عما يدعو إليه سرعان ما يفقد الكاتب مكانته. لهذا يجعل عمَّار علي حسن مواقف العميد السياسية والثقافية ميزاناً يزن به رصيده الهائل من الكلمات. الحرية هي القيمة العليا التي دافع عنها في كل شيء، واعتبرها أم الفضائل.

وكان العدل الاجتماعي وتهيئة الفرص المتساوية من أهم أولويات طه حسين، وعمل لتحقيق ذلك من خلال جهوده لإصلاح التعليم الذي عدَّه كالماء والهواء، يجب أن يكون حقاً للجميع مؤمناً بديمقراطية لا رأسمالية التعليم. وخاض في سبيل ذلك معارك في مناصبه المختلفة وفي الصحافة ضد خصوم شرسين بينهم العقاد الذي وقف ضد المجانية؛ إذ كان مهووساً بالعداء للاشتراكيين والثوريين.

وفي غمار السياسة أسفر عن مثقف عضوي منخرط في كل شئون البلاد، تفاعل بوعي مع تطورات الواقع، ملتزماً خط النهضة منفتحاً على كل التيارات، ويتوقف عمَّار ملياً أمام صلة طه حسين بضباط يوليو (تموز)، وهذه صفحة يحلو للبعض أن يزايد فيها على العميد، لكنه كان ثائراً من قبلهم، والتقى معهم في أشياء دون أن يتطابق مع سياساتهم، وهم أكبروه - ولو في البدايات - ولم يتطابق معهم أو يعبثوا برأسه، وإن حاول حماية نفسه بستار من المجاملات الشكلية لم تخف الخلاف. وقد نبّه إلى خطورة غياب الحرية في محاضرة ألقاها في نادي الضباط بعد نحو ستة أشهر من قيام الثورة.

وأخيرا، يتساءل عمار علي حسن عن أسباب بقاء طه حسين حيّاً إلى اليوم، هل هو جمال نصه؟ لقد جايله آخرون بنصوص جميلة، وتجاوزت المدارس الفكرية الكثير من أفكاره، فهل يعيش لأننا لم نزل نتعثر في أسئلة زمنه؟ ويخلص إلى أن سره في تحوله إلى أمثولة ومثلاً أعلى لتحرر الفرد بسبب المسافة بين ما كان ينتظره كأعمى ريفي وبين ما حققه من مكانة فكرية عالية.


مقالات ذات صلة

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

​فقدت الساحة الشعرية والفكرية في السعودية والخليج، أحد أبرز رموز الشعرية والفكرية، الشاعر والكاتب محمد العلي، عن عمرٍ ناهز 94 عاماً

ميرزا الخويلدي (الدمام)
ثقافة وفنون سعيد الغانمي

السرد المضاد في حكاية سنمّار

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية.

محمد خضير سلطان
ثقافة وفنون تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية.

محمود الزيباوي

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).