هجوم «حرميش»... يوسع ساحة المواجهة في الضفة ويبدد آمال الهدوء

المستوطنون الغاضبون يريدون إعادة الحواجز وعملية واسعة في شمال الضفة

شبان فلسطينيون يواجهون قوة إسرائيلية خلال عملية دهم لمخيم بلاطة (أ.ف.ب)
شبان فلسطينيون يواجهون قوة إسرائيلية خلال عملية دهم لمخيم بلاطة (أ.ف.ب)
TT

هجوم «حرميش»... يوسع ساحة المواجهة في الضفة ويبدد آمال الهدوء

شبان فلسطينيون يواجهون قوة إسرائيلية خلال عملية دهم لمخيم بلاطة (أ.ف.ب)
شبان فلسطينيون يواجهون قوة إسرائيلية خلال عملية دهم لمخيم بلاطة (أ.ف.ب)

بدّد الهجوم الذي نفذه فلسطينيون على مدخل مستوطنة «حرميش» القريبة من طولكرم، شمال الضفة الغربية، آمال الإسرائيليين بأن الهدوء النسبي الأخير في الضفة قد يطول، وثبّت معادلة قديمة على الأرض بأن التصعيد الإسرائيلي سيقابله تصعيد فلسطيني، ولم يعد هناك شيء يسمى ردعاً إسرائيلياً.

جنود إسرائيليون خلال دورية في الضفة الغربية (أ.ب)

وقتل مسلحون فلسطينيون، مئير تماري (32 عاماً) عندما أمطروه بالرصاص من مركبتهم العابرة، وهو يقود مركبته الخاصة قرب المستوطنة فأصابوه بعدة رصاصات.

وبثّت «قناة كان» أن فلسطينيين في مركبة عابرة تحمل لوحة تسجيل إسرائيلية مزيفة اجتازوا مركبة تماري، وأطلقوا النار تجاهه، وأصابوه بـ7 رصاصات، قبل أن يصل إليه المسعفون وينقلوه إلى مستشفى، حيث توفي. وأكد مستشفى «هيليل يافيه» بالخضيرة أن تماري توفي متأثراً بإصابته.

فلسطينيون يرفعون أعلامهم الوطنية خلال احتجاجات ضد بؤر استيطانية في بيت دجن بالضفة، الجمعة (أ.ف.ب)

وجاء الهجوم في وقت سُجل فيه تراجع في معدل الهجمات الفلسطينية، ما رفع آمال الإسرائيليين بإمكانية استمرار حالة هدوء في الضفة الغربية، وخصوصاً مناطق الشمال، التي شهدت هذا العام كثيراً من الهجمات.

وبسبب هذا الهدوء النسبي، تم رفع حواجز إسرائيلية كانت منصوبة في الشوارع، شمال الضفة.

وقال يوسي دغان، رئيس المجلس الإقليمي لمستوطنات الشمال، إنه يجب «إعادة جميع الحواجز الأمنية الإسرائيلية»، مضيفاً: «إنهم يصطادوننا مثل البط».

وقال دغان الغاضب: «هذا الهجوم وقع قرب حاجز أمني أزيل بسبب ضغوط خارجية على الحكومة. كان من الممكن تجنب هذه الهجمات... حين لا توجد حواجز أمنية ويمكن للإرهابي الذهاب والعودة بحرية، وبعد 5 دقائق من إطلاق النار يشرب القهوة في منزله بالقرية، فإننا ندفع ثمن هذا الواقع بدمائنا».

إسرائيليون يسيرون باتجاه مستوطنة «حومش» اليهودية في شمال الضفة، أبريل 2007 (رويترز)

ودعا دغان الحكومة الإسرائيلية إلى شن عملية عسكرية في شمال الضفة الغربية.

وبعد الهجوم، أقام الجيش الإسرائيلي عدة حواجز، وشرع في مطاردة منفذي الهجوم، ما سيخلق مزيداً من التوترات في المنطقة.

وشهدت الضفة الغربية، وتحديداً مدن الشمال؛ نابلس وجنين، كثيراً من التصعيد في العامين الماضيين، حيث نفذ الجيش الإسرائيلي اقتحامات يومية، وسط سلسلة هجمات فلسطينية.

وقتل الإسرائيليون هذا العام 124 فلسطينياً في الضفة، و33 في قطاع غزة، فيما قتل الفلسطينيون في الضفة 20 إسرائيلياً فقط منذ بداية العام الحالي.

وقال تسفي سوكوت، عضو الكنيست من حزب «الصهيونية الدينية»: «خلال عام ونصف عام فقط تم تنفيذ 80 عملية إطلاق نار في شمال الضفة الغربية. ومنذ بداية العام، قتل 23 يهودياً في هجمات متفرقة. نحن بحاجة إلى عملية واسعة في الضفة».

ولم يعقب الجيش الإسرائيلي على دعوات تنفيذ عملية واسعة شمال الضفة، لكنه قال إن وزير الدفاع يوآف غالانت يتابع بنفسه تفاصيل العملية ومطاردة المنفذين، وسيعقد جلسة تقييم أمني.

فلسطينيان يشتبكان مع القوات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

وجاء الهجوم قرب «حرميش» بعد يوم قتل ضابط فلسطيني في جهاز المخابرات العامة، في مدينة جنين، شمال الضفة الغربية، في اقتحام إسرائيلي واسع.

وقال القيادي في حركة «حماس»، عبد الحكيم حنيني، إن عملية «حرميش» رد طبيعي على الاقتحامات الهمجية الإسرائيلية التي ينفذها الاحتلال في الضفة الغربية. وأضاف: «جرائم الاحتلال لن تمر دون رد قوي».

وعدّت حركة «الجهاد الإسلامي في فلسطين» أن العملية «رد طبيعي ومشروع على جرائم الاحتلال، واستجابة ميدانية وسريعة لردع المحتل المجرم وإيلامه في الزمان والمكان المناسبين، وتبعث برسالة قوية أن جرائم العدو المتواصلة بحق شعبنا لن تمر دون عقاب».

وأعلنت «كتيبة طولكرم» التابعة للجناح المسلح لحركة «فتح» مسؤوليتها عن الهجوم قرب «حرميش»، الذي نفذ بعد ساعات فقط من عملية إطلاق نار أخرى في المكان.

خيمة للمستوطنين في بؤرة حومش الاستيطانية بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

وجاء في بيان للكتيبة: «تمكن جنودنا من تنفيذ عملية نوعية (...) لقد فتحوا النار على سيارة تقل مستوطناً، ونؤكد أنه أصيب بشكل مباشر».

وإذا كان الهجوم يشير بوضوح إلى أن التصعيد الإسرائيلي سيقابل بتصعيد فلسطيني، وأن محاولة إسرائيل إظهار الردع في مدن ومخيمات الضفة لا يؤتي ثماره، فإنه أيضاً يشير إلى توسع وتمدد فكرة الكتائب المسلحة في الضفة.

وبعد أن ركزت إسرائيل أكثر على نابلس وجنين، وأطلقت عملية واسعة هناك من أجل قتل واعتقال أكبر عدد ممكن من المسلحين، ظهرت كتيبة طولكرم، وأظهرت في وقت قصير أنها قادرة على تنفيذ عمليات ناجحة.

قبل ذلك، ظهرت مجموعات مسلحة في أريحا، أكثر المناطق الفلسطينية هدوءاً، وكان ذلك مثار حيرة بالنسبة للإسرائيليين، الذين يدركون أكثر من غيرهم أن الدم يطلب الدم.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تدير سياسة ترحيل للفلسطينيين في الضفة الغربية على طريقة دير ياسين

المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون منزلاً متضرراً في قرية الفندقومية بالضفة الغربية جنوب جنين بعد هجوم المستوطنين الإسرائيليين 22 مارس 2026 (إ.ب.أ)

إسرائيل تدير سياسة ترحيل للفلسطينيين في الضفة الغربية على طريقة دير ياسين

السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل لايتر، أبلغ وزارة الخارجية بأن اعتداءات المستوطنين باتت موضوعاً أساسياً في المجتمع الأميركي، وتثير غضباً وانتقادات واسعة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون يوم الاثنين مركبة محترقة في أعقاب هجوم المستوطنين على قرى قرب نابلس بالضفة الغربية (أ.ب)

المستوطنون يواصلون هجماتهم الواسعة في الضفة الغربية

واصل المستوطنون الإسرائيليون، الاثنين، هجماتهم العنيفة والواسعة في الضفة الغربية؛ إذ أحرقوا المزيد من المنازل والمنشآت المملوكة للفلسطينيين في مواقع متعددة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي طفل فلسطيني يمرّ يوم الأحد بجوار كتابات عبرية مسيئة على جدران منزل متضرر من هجوم المستوطنين في قرية جلود جنوب نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

«انتقام» المستوطنين من الصواريخ الإيرانية يظهر في الضفة

المتطرفون الإسرائيليون يشنون هجمات واسعة بالضفة في أكثر من 20 موقعاً في محاولة لجعل ليالي الفلسطينيين صعبة، فيما بدا انتقاماً من الصواريخ الإيرانية.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي بؤرة استيطانية جديدة للمستوطنين اليهود أُقيمت على مشارف قرية أبو فلاح شمال شرقي رام الله يوم 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)

بعثات أوروبية تدين هجمات المستوطنين القاتلة بالضفة الغربية

صعّد المستوطنون هجماتهم في الضفة الغربية المحتلة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023...

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يلتقي مستوطنين بالضفة الغربية في أغسطس الماضي (موقع آي 24 نيوز العبري) p-circle

«تهديد داخلي في ظل الحرب»... زامير قلق من تداعيات عنف المستوطنين بالضفة

أبدى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قلقاً من تداعيات جرائم ميليشيات المستوطنين في الضفة الغربية، والتي باتت تحصد أرواح الفلسطينيين بالقتل والتنكيل.

نظير مجلي (تل أبيب)

السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
TT

السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

جال السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا في عدد من القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان، شملت بلدات كوكبا ومرجعيون والقليعة، في زيارة حملت رسائل تضامن مباشرة مع السكان المسيحيين الصامدين في بلداتهم، في ظل تصاعد التوترات الأمنية وتفاقم الضغوط المعيشية.

وقال بورجيا خلال الجولة إن «الواجب يفرض أن نكون حاضرين ومتضامنين، وأن نتشارك الأفراح والآلام حيثما تدعو الحاجة»، في إشارة إلى البعد الإنساني للزيارة. والتقى، برفقة رئيس «كاريتاس لبنان»، عدداً من الأهالي، مطّلعاً على أوضاعهم المعيشية وشهاداتهم حول تداعيات الوضع الأمني على حياتهم اليومية.

مساعدات دولية لدعم السكان

بالتوازي، وصلت إلى قضاء مرجعيون قافلة مساعدات مؤلفة من 15 شاحنة محمّلة بمواد إغاثية، جرى تفريغها في بلدة القليعة بإشراف رئيس البلدية حنا ضاهر.

ونُظّمت القافلة بإشراف برنامج الغذاء العالمي، وبمساهمة منظمات دولية، في إطار الاستجابة الإنسانية للأوضاع الناجمة عن التصعيد العسكري.

وشملت المساعدات مواد غذائية، ومستلزمات للنظافة الشخصية، ومياه شرب، إضافة إلى بطانيات وفرش وأدوات مطبخ أساسية، بهدف دعم قدرة الأهالي على الصمود في مناطقهم.

وأكد المنظمون أن هذه القافلة تشكل الدفعة الأولى ضمن خطة طوارئ، على أن تتبعها شحنات إضافية خلال الأيام المقبلة لتوسيع نطاق الاستجابة.

السفير البابوي خلال وصوله إلى الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

قرى حدودية بين الصمود والهشاشة

وتُعد القرى المسيحية في قضاء مرجعيون، ومنها القليعة وكوكبا، من أبرز البلدات الواقعة على تماس مباشر مع الحدود الجنوبية، وقد شكّلت تاريخياً نموذجاً للتنوع الديني في المنطقة، حيث تتداخل مع محيط ذي غالبية مسلمة.

وعاشت هذه القرى على مدى عقود تحت وطأة التحولات الأمنية، من الاحتلال الإسرائيلي الذي انتهى عام 2000، إلى تداعيات حرب يوليو (تموز) 2006، وصولاً إلى جولات التصعيد المتكررة منذ عام 2023 حتى اليوم، ما جعلها في موقع هش بين الاستقرار والانكشاف.

ورغم ذلك، حافظت هذه البلدات على حضورها السكاني، مدفوعة بعوامل التمسك بالأرض والروابط الاجتماعية، غير أن الأزمات الاقتصادية الأخيرة، إلى جانب التوترات الأمنية، دفعت بعض العائلات إلى النزوح المؤقت، وسط مخاوف من اتساع ظاهرة الفراغ السكاني.

ويؤكد أبناء المنطقة أن التحدي لم يعد أمنياً فقط، بل بات مرتبطاً بقدرتهم على الاستمرار في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع الخدمات، ما يضفي أهمية إضافية على المبادرات الإغاثية والزيارات التضامنية.

رسائل دينية سابقة

وكان بورجيا قد زار قبل أيام مدينة صور، حيث شارك في قداس ترأسه المطران جورج إسكندر. وفي كلمته، شدد على أن زيارته تهدف إلى «حمل المحبة إلى بيوت اللبنانيين»، مستحضراً دعوات البابا ليو الرابع عشر إلى التمسك بالأمل والسير في طريق السلام.

وقال: «لبنان بلد مميز بتنوعه، وما يجمع أبناءه أكبر مما يفرقهم»، داعياً إلى «رفع الصلاة من أجل السلام وعدم الانجرار إلى منطق الحرب»، ومؤكداً أن «البابا يتابع ما يجري في لبنان عن كثب ويقف إلى جانب شعبه».


إعادة تموضع للجيش والأمن اللبنانيين بالجنوب لتجنب الوجود على تماس مع الإسرائيليين

دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
TT

إعادة تموضع للجيش والأمن اللبنانيين بالجنوب لتجنب الوجود على تماس مع الإسرائيليين

دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)
دورية للجيش اللبناني جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)

ينفّذ الجيش والقوى الأمنية اللبنانية إعادة انتشار لوحداتهما في الجنوب «وقائياً»، تحت ضغط النيران الإسرائيلية، في خطوة يُنظر إليها بوصفها استراتيجية لتجنّب وجود العناصر الرسمية على تماس مباشر مع القوات الإسرائيلية أو حدوث احتكاك بينها.

ويأتي ذلك في ظل غياب قرار سياسي بمواجهة التوغلات الإسرائيلية عسكرياً، كما يُفسَّر الإجراء على أنه تطبيق لـ«تكتيكات الحماية» لعناصرهما في منطقة تشهد اشتباكات.

عناصر من الجيش اللبناني قرب الأنقاض جنوب لبنان (أرشيفية - مديرية التوجيه)

وقال مصدر أمني لبناني مطّلع لـ«الشرق الأوسط»، إن القوى الأمنية تعتمد مبدأ ميدانياً ثابتاً يقوم على البقاء إلى جانب الأهالي حتى اللحظة الأخيرة، موضحاً أن «العناصر تبقى حيث يوجد المدنيون، وتنسحب فقط بعد اكتمال النزوح، وقبل أي توغل إسرائيلي محتمل، بما يضمن عدم تعريضهم أو تعريض السكان للخطر».

وحسب المصدر، يرتبط انتشار القوى الأمنية مباشرة بحركة النزوح وواقع كل بلدة، إذ «يُشكّل وجود الأهالي عاملاً حاسماً في بقاء مخافر قوى الأمن».

ويكشف المصدر أنه «لا يجري إخلاء المخافر وفق خطة مركزية معلنة، بل استناداً إلى معطيات ميدانية متغيرة»، إذ «كلّ بلدة تُخلى من سكانها يُصار حكماً إلى إخلاء مخفرها، وتلتحق العناصر بأقرب نقطة عسكرية». وفي هذا السياق، برزت بلدة الخيام بوصفها «من آخر النقاط التي حافظت على وجود أمني إلى جانب السكان حتى المراحل الأخيرة من النزوح، قبل أن يتم إخلاؤها».

انكفاء عسكري ورفض أهلي للإخلاء

تعكس بلدة دبل تعقيد التداخل بين القرار الأمني ورد الفعل المحلي. إذ كشف مصدر من أبناء البلدة لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش اللبناني كان يمتلك نقطة متقدمة عند أطرافها، إلا أنه ومع بدء توغلات إسرائيلية محدودة في محيطها، جرى سحب هذه النقطة ليلاً إلى داخل البلدة، وتحديداً إلى المدرسة الرسمية.

دورية مؤلّلة للجيش اللبناني برفقة قوّات الأمم المتّحدة (أرشيفية - مديرية التوجيه)

ويضيف المصدر أن «الانسحاب لم يتوقف عند هذا الحد، إذ جرى في اليوم التالي، سحب العناصر بالكامل من دبل باتجاه رميش، ما أدّى إلى غياب أي وجود عسكري فعلي داخل البلدة، مع بقاء العناصر من أبناء دبل في منازلهم بلباس مدني».

الأكثر حساسية كان طرح قرار بنقل العسكريين من أبناء البلدة مع عائلاتهم إلى خارج البلدة، وهو ما فُهم محلياً بوصفه تمهيداً لإفراغ البلدة. إلا أن هذا التوجه قوبل برفض واسع من الأهالي.

ويكتسب هذا الرفض ثقله من المعطى العددي، إذ يناهز عدد العناصر الأمنية من أبناء دبل نحو 200 بين الجيش والقوى الأمنية، ما يعني أن خروجهم مع عائلاتهم كان سيؤدي عملياً إلى تفريغ البلدة بشكل شبه كامل. وقد أدى تحرك سياسي أهلي، شمل وزارتي «الدفاع» و«الداخلية» ومرجعيات دينية، إلى تجميد هذا التوجه.

ورغم التوتر، يؤكد المصدر أن البلدة ليست محاصرة، مشيراً إلى أن طريق «دبل - رميش» لا يزال مفتوحاً، ما سمح بتراجع فكرة الإجلاء. وفي ظل هذا الواقع، يلتزم الأهالي والعناصر منازلهم، فيما تبقى المراكز العسكرية والمخافر قائمة في بلدات مجاورة مثل عين إبل ورميش.

وكانت وسائل إعلام محلية قد أفادت بأن الجيش اللبناني أعاد التموضع عند حاجز الخردلي، المدخل الأساسي إلى منطقة جنوب الليطاني من القطاع الشرقي، كما يستعد لإعادة الانتشار عند حاجز كفرا، في ضوء تقدم القوات الإسرائيلية نحو بيت ليف ووادي العيون المقابلين له من الجهة الجنوبية.

قيادة الجيش: رفع الجهوزية ومواجهة الشائعات

في موازاة هذه التحركات، تَفقَّد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل عدداً من الوحدات في بيروت وصيدا، واطّلع على التدابير الأمنية المتخذة في قطاعات مسؤوليتها.

وتوجّه إلى العسكريين مشدداً على ضرورة الحفاظ على الجهوزية «لمنع الإخلال بالأمن، والحزم في وجه أي محاولة للمساس بالاستقرار الداخلي».

وقال: «رغم الشائعات وحملات التحريض التي تسعى إلى التقليل من شأن تضحيات العسكريين وجهودهم، لن يتوانى الجيش عن تحمّل مسؤولياته الوطنية»، داعياً العسكريين إلى «عدم التأثر بهذه الشائعات، والتمسك بعقيدتهم والالتزام بأداء واجبهم الوطني».

خيار وقائي

في قراءة عسكرية، قال النائب السابق والعميد المتقاعد شامل روكز لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري «لا يمكن توصيفه بكونه حالةَ انسحاب عسكري تقليدي، بل يندرج ضمن إعادة تموضع ميدانية مدروسة تفرضها طبيعة المواجهة غير المتكافئة، في ظل التفوق الجوي والناري الإسرائيلي، وما يرافقه من فرضية استهداف مباشر للنقاط المكشوفة».

وأوضح أن «الجيش اللبناني يتحرك ضمن هامش تحدده السلطة السياسية، إذ لا يوجد حتى الآن قرار صادر عن مجلس الوزراء يقضي بالتصدي أو الانخراط في مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي».

وأضاف أن المؤسسة العسكرية «تدير انتشارها على هذا الأساس، بما يوازن بين الحضور الميداني ومتطلبات السلامة».

وفيما يتعلق بإخلاء بعض النقاط، ومنها ما يُتداول بشأن دبل، شدد روكز على أن «المسألة لا ترتبط بتخلٍّ عن الأرض أو انهيار في الجبهة، بل بإجراءات وقائية تفرضها الوقائع الميدانية؛ حيث تصبح بعض المواقع أهدافاً سهلة تحت القصف».

وأشار إلى أن إعادة التموضع «تحمل بُعداً عملياتياً ومعنوياً، إذ تهدف إلى تجنب الاحتكاك المباشر في ظل غياب قرار سياسي، والحفاظ على معنويات العسكريين وعدم زجّهم في مواجهات غير متكافئة»، معتبراً أنّ «القيادة العسكرية تعتمد مرونة عالية في إدارة الانتشار، عبر الانتقال من مواقع مكشوفة إلى أخرى أكثر أماناً».

ولفت إلى أن ما يجري «يندرج ضمن تكتيكات الحماية وإعادة الانتشار المعتمدة في بيئات عالية الخطورة»، مؤكداً أن «المشهد يعكس إدارة دقيقة للتوازن بين القرار السياسي والواقع الميداني؛ حيث لا يمكن فصل أداء الجيش عن توجيهات الدولة، ولا عن طبيعة التهديد القائم».


إسرائيل و«حزب الله» يستعدان لقتال طويل في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يستعدان لقتال طويل في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

يستعد «حزب الله» لقتال طويل في جنوب لبنان، مشترطاً الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، قبل التوصل إلى أي اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار، وذلك «تجنباً لنتائج الحرب الماضية»، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة لمحادثات «حزب الله» مع المسؤولين السياسيين، فيما تشير التحشيدات الإسرائيلية المتواصلة إلى أن الجيش يستعد أيضاً لقتال طويل في جنوب لبنان.

وتفسر المعلومات في لبنان عن عدد المقاتلين الذين يتم استهدافهم في غارات، التي تتعزز بالصور الإسرائيلية للملاحقات في مناطق القتال، استراتيجية «حزب الله» العسكرية التي تظهر تبدلاً عما كان يتبعه في الحرب الماضية، عبر تصغير المجموعات القتالية إلى مقاتلين اثنين أو ثلاثة بالحد الأقصى، منعاً للاستنزاف، كما أعطى المجموعات على الأرض صلاحيات من دون الرجوع إلى القيادات الأعلى منها، «بما تراه مناسباً في الميدان».

دمار ناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة السكسكية جنوب لبنان أسفرت عن وقوع قتلى (أ.ب)

وقالت المصادر المواكبة لمحادثات الحزب مع المسؤولين السياسيين اللبنانيين إنه «يستعد لمعركة طويلة»، وإنه «لن يقبل بأي اتفاق سياسي لا يضمن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية قبل دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تجنباً لأن تستفيد إسرائيل من أي تعليق للقتال، لنسف مزيد من البيوت أو فرض أمر واقع بتثبيت نقاط عسكرية داخل الأراضي اللبنانية». وقالت المصادر إن الحزب «يقول إن مجموعاته ستواصل مقاومة التوغلات الإسرائيلية، حتى انسحابها بالكامل، مهما طال الوقت»، فيما «يكفل أي اتفاق سياسي عودة الأسرى» الذين ازداد عددهم منذ بدء الحرب القائمة، وعودة النازحين إلى قراهم ومنازلهم».

المفاوضات معلقة

وتُظهر تلك التسريبات أن الحزب رفع سقف شروطه تمهيداً لأي اتفاق مسبق، علماً أنه «لا مفاوضات قائمة، ولا رسائل متبادلة» مع الجانب الإسرائيلي عبر أي وسيط دولي حتى الآن، في وقت رفعت فيه إسرائيل سقف شروطها إلى الحد الأقصى أيضاً، عبر المطالبة بمفاوضات سياسية مع الدولة اللبنانية تحت النار وفي ظل الاحتلال لأراضٍ لبنانية، وتترافق مع إجراءات لبنانية تتخذها الحكومة لجهة نزع سلاح «حزب الله» وتأمين شمال إسرائيل بالكامل، وإنهاء أي تهديد لها، حسبما قالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط».

آليات لقوات «اليونيفيل» قرب مبانٍ مدمرة نتيجة غارات إسرائيلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ويلتقي ذلك مع التصريحات الإسرائيلية، إذ قال الجيش الإسرائيلي، في بيان: «إذا لم تقم الحكومة اللبنانية بنزع سلاح (حزب الله) فسنفعل ذلك»، في وقت حذّر فيه مسؤول في الأمم المتحدة من «أننا نشهد خطاباً مقلقاً بشكل متزايد بشأن أنشطة في جنوب لبنان من الجيش والسلطات الإسرائيلية»، مضيفاً: «ما نحتاجه هو احترام وحدة أراضي لبنان وسيادته بشكل كامل».

توغل 10 كيلومترات

واستطاعت القوات الإسرائيلية تحقيق توغل استراتيجي على الساحل اللبناني، إذ أحرزت تقدماً يناهز 10 كيلومترات من النقطة الحدودية، جنوب غربي الناقورة، باتجاه نقطة البياضة، الواقعة على بعد نحو 12 كيلومتراً عن مدينة صور الساحلية. وقالت مصادر محلية في الجنوب إن التقدم على هذا المحور يُنظر إليه على أنه سلس، بالنظر إلى أن دفاعات «حزب الله» موجودة إلى الشرق، وهي الجهة التي سيسلكها الجيش الإسرائيلي للوصول إلى شمع وطير حرفا، والسيطرة على المرتفعات المحيطة، بما يمكنه من الإشراف على وديان زبقين ومجدل زون، وهي المنطقة التي لم يستطع التقدم إليها في الحرب الماضية، رغم سيطرته على بلدة شمع.

ومن جهة أخرى، أحرز الجيش الإسرائيلي تقدماً إضافياً في بلدة القنطرة، حتى بات يلامس أطراف وادي الحجير، وهو وادٍ استراتيجي، كان قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 آخر نقاط السيطرة الإسرائيلية، ومن شأن الوصول إليه أن يقطع خطوط إمداد مقاتلي «حزب الله» من الوادي، ومجرى نهر الليطاني، باتجاه العمق.

دبابة إسرائيلية تتوغل باتجاه الأراضي اللبنانية من سياج شائك (إ.ب.أ)

وفي مقابل التوغل الإسرائيلي، أعلن «حزب الله» عن سلسلة عمليات عسكرية استهدفت دبابات إسرائيلية ونقاط تجمع، ونشر صوراً لاستهداف مدرعات في ديرسريان والطيبة بصواريخ موجهة ومسيّرات. ويقول إن مقاتليه يشتبكون مع القوات الإسرائيلي من مسافة صفر في بعض نقاط التوغل وداخل أحياء القرى. ولامس عدد العمليات العسكرية، يوم الخميس، 90 عملية، أعلن عنها في بيانات منفصلة، وهو الرقم الأكبر منذ بدء الحرب في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ما يشير إلى تصعيد كبير.

وبلغ عدد القرى التي تسيطر عليها إسرائيل بشكل كامل 11 بلدة، تتنوع بين الخط الأول والثاني والثالث للحدود.

وبالتزامن، استهدفت الغارات الإسرائيلية منطقة الزهراني، ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في بلدتي الصرفند والسكسكية، كما استهدفت منطقة البزالية في البقاع، شرق لبنان، وعشرات القرى في أقضية صور والنبطية وبنت جبيل ومرجعيون وجزين، فضلاً عن استهداف في الضاحية الجنوبية لبيروت.

تحذيرات من الوضع الإنساني

إنسانياً، قالت المسؤولة في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، المعنية بلبنان، كارولينا ليندهولم بيلينغ، إن التقديرات تشير إلى أن نحو 150 ألف شخص معزولون بعد تدمير الجسور على نهر الليطاني. وأضافت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية».

نازحون من الضاحية الجنوبية لبيروت ينتظرون مساعدة غذائية في مركز للإيواء في بيروت (أ.ب)

بالموازاة، قال ماركولويجي كورسي، ​ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في لبنان، خلال مؤتمر ‌صحافي، الجمعة، ​إن ‌النازحين ⁠في ​لبنان لا ⁠يجدون ملاذاً آمناً حتى في العاصمة بيروت، وذلك ⁠في خضم ‌الهجوم ‌الإسرائيلي ​على ‌«حزب الله».