«يوغوسلافيو المستقبل» في صربيا لـ«مقاومة» النزعات القومية

رجل يحمل علم يوغوسلافيا أمام النصب التذكاري لجوزيف بروز تيتو في بلغراد (أ.ف.ب)
رجل يحمل علم يوغوسلافيا أمام النصب التذكاري لجوزيف بروز تيتو في بلغراد (أ.ف.ب)
TT

«يوغوسلافيو المستقبل» في صربيا لـ«مقاومة» النزعات القومية

رجل يحمل علم يوغوسلافيا أمام النصب التذكاري لجوزيف بروز تيتو في بلغراد (أ.ف.ب)
رجل يحمل علم يوغوسلافيا أمام النصب التذكاري لجوزيف بروز تيتو في بلغراد (أ.ف.ب)

كل عام، تصطف في بلغراد مجموعة صغيرة من المسنين ببزات مهترئة تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية مزيّنة برموز شيوعية إحياءً لذكرى الزعيم السابق جوزيف بروز تيتو. لكن بعد عقود على التفكك الدموي ليوغوسلافيا الاتحادية، بدأت مجموعة أكثر شباباً تملأ صفوف المجتمعين لإحياء ذكرى وفاة تيتو والبكاء على أطلال الجمهورية الاشتراكية الاتحادية السابقة التي كانت توحّد المنطقة. وفي ظل المشاعر القومية العميقة السائدة في صربيا ومعظم بلدان البلقان، يتبنى هؤلاء الشباب هوية أسلافهم «اليوغوسلافية». وذهب عدد متزايد منهم إلى حد تسجيل أنفسهم على أنهم «يوغوسلافيون» في آخر تعداد سكاني في صربيا. وكان إيفان سفيتكوفيتش، وهو طالب اقتصاد في بلغراد يبلغ من العمر 23 عاماً، من بين المسجّلين على أنهم يوغوسلافيون. ويتحدر والداه من كرواتيا وصربيا، أي أنه ثمرة «زواج مختلط»؛ لذا فإنه لا ينتمي إلى إحدى الجنسيتين أكثر من الأخرى. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية «في البلقان، نتشارك ذات اللغة والتاريخ والعقلية... الطبيعي بالنسبة لي هو أن أكون يوغوسلافياً».

امتدت يوغوسلافيا التي أسسها تيتو ومجموعة من حلفائه الاشتراكيين بعد الحرب العالمية الثانية، من سواحل البحر الأدرياتيكي بمحاذاة إيطاليا إلى الحدود مع اليونان جنوباً، لتضم ست جمهوريات ومنطقتين تتمتعان بحكم ذاتي. وعلى مدى أربعة عقود، ازدهرت الجمهورية الاتحادية إلى حد كبير مقارنة بالبلدان الاشتراكية؛ إذ كان بإمكان مواطنيها السفر إلى الخارج والاستمتاع بأوضاع معيشية مريحة في بلدهم. لكن بعد وفاة تيتو مطلع ثمانينات القرن الماضي، بدأت البلاد تتفكك، وعادت النزعات القومية حاملة معها مشاعر ثأر أشعلت سلسلة حروب قُتل على أثرها أكثر من 130 ألف شخص. وتأسست البوسنة وكرواتيا ومونتينيغرو ومقدونيا الشمالية وسلوفينيا وصربيا من الأنقاض، بينما كافحت كوسوفو على مدى عقود لنيل استقلالها. وباتت يوغوسلافيا فصلاً من الماضي مع تحطّم أي طموحات لتوحيد المجموعات العرقية والدينية المنقسمة في المنطقة تحت مظلة واحدة. لكن بالنسبة لأولئك الذين ما زالوا يحنّون إلى زمن الازدهار، يحمل الانتماء إلى يوغوسلافيا معنى مهماً. ويقول زيفكو ميتريف (78 عاماً) الذي قدِم من جمهورية مقدونيا الشمالية لوضع إكليل من الزهور على قبر تيتو «أنا يوغوسلافي... سأبقى كذلك إلى أن أموت». ما زالت إعادة إحياء الهوية اليوغوسلافية في مراحلها الأولى، لكنها باتت ملموسة بشكل متزايد، خصوصاً في صربيا. وفي آخر إحصاء سكاني نظّمته البلاد عام 2022، عرّف نحو 27 ألف شخص عن أنفسهم على أنهم يوغوسلافيون، مقارنة مع 23 ألفاً في 2011، في زيادة نادرة في الأرقام في بلد يشهد تراجعاً في عدد سكانه. بالنسبة لكثر، يعد الأمر نوعاً من أنواع الاحتجاج. وقال الصحافي الكرواتي البارز فيكتور إيفانتشيتش لوسائل إعلام محلية «أرى في النزعة اليوغوسلافية نوعاً من المقاومة. إنه نوع من مناهضة القومية بشكل طبيعي ومسؤول أكثر... إذا كان شخص ما صربياً أو كرواتياً بناءً على جنسيته، فيمكنني أن أكون يوغوسلافياً بناءً على غياب جنسيتي». في صربيا، تعترف السلطات بنحو 20 أقلية عرقية. يمنح ذلك هذه المجموعات تمويلاً عاماً لتتمكن من المحافظة على ثقافتها، إضافة إلى ميّزات انتخابية محددة في صناديق الاقتراع. ويأمل البعض، على غرار المؤلف والمذيع الصربي الشهير داسكو ميلينوفيتش بأن يتم منح هذا الوضع لليوغوسلافيين الذين يتجاوز عددهم نحو نصف الأقليات المسجلة رسمياً.

بالنسبة لميلينوفيتش، لا يجب أن يشكّل حل يوغوسلافيا قبل عقود عائقاً في طريق الاعتراف بالمجموعة. ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية «اندثرت مملكة روتينيا قبل وقت طويل، لكن الروتينيين ما زالوا موجودين». ويضيف «انتهت فالاشيا منذ زمن. الروما، على علمي، لم تكن لديهم دولة قط، لكنهم ما زالوا روما». منذ أكثر من عقد، رفض المسؤولون في صربيا طلباً رسمياً بالاعتراف باليوغوسلافيين، مشيرين إلى عدم امتلاك المجموعة «لغة وأبجدية وأدباً». لكن ميلينوفيتش وصف رد الحكومة بالمضحك، لافتاً إلى أن يوغوسلافيا كانت لديها لغة رسمية وأبجديتان وهي موطن الكاتب المعروف إيفو أندريتش الذي فاز بجائزة نوبل في الأدب. وأوضح أن «كل الأمم مُبتكرة وتمثّل فكرة سياسية. لا توجد الأمة بشكل طبيعي، وإلا فسيكون للدببة والطيور والسناجب أمة». لكن قد تجد المساعي الجديدة لنيل الاعتراف آذاناً صاغية في أوساط السكان، بحسب وزير حقوق الإنسان والأقليات الصربي توميسلاف زيغمانوف. وقال زيغمانوف لوكالة الصحافة الفرنسية «كمواطن في هذا البلد الداعم للمعتقدات الليبرالية، أؤيد ذلك بالتأكيد». ويمكن أن يتم تبني المبادرة في حال جمع 11 ألف توقيع من أفراد المجموعة، أي ما يعادل 40 في المائة من السكان المسجّلين كيوغوسلافيين في التعداد. وبينما تبنى العديد من اليوغوسلافيين الهوية في نوبة حنين إلى الماضي، يعدّ ميلينوفيتش وغيره أن القرار مرتبط أكثر بتأسيس مستقبل أفضل تتفوق فيه الأفكار التقدمية على النزعات القومية. ويؤكد ميلينوفيتش «لسنا يوغوسلافيين سابقين. نحن يوغوسلافيون مستقبليون... الأمر ليس مرتبطاً بيوغوسلافيا سابقة، بل بتلك المستقبلية».

الرأي



آيسلندا أمام خيار تاريخي: هل تقودها مخاوف الأمن والغلاء إلى أبواب الاتحاد الأوروبي؟

جانب من مظاهرة مؤيدة للانضمام للاتحاد الأوروبي... في آيسلندا (إ.ب.أ - أرشيفية)
جانب من مظاهرة مؤيدة للانضمام للاتحاد الأوروبي... في آيسلندا (إ.ب.أ - أرشيفية)
TT

آيسلندا أمام خيار تاريخي: هل تقودها مخاوف الأمن والغلاء إلى أبواب الاتحاد الأوروبي؟

جانب من مظاهرة مؤيدة للانضمام للاتحاد الأوروبي... في آيسلندا (إ.ب.أ - أرشيفية)
جانب من مظاهرة مؤيدة للانضمام للاتحاد الأوروبي... في آيسلندا (إ.ب.أ - أرشيفية)

تستعد آيسلندا لإجراء استفتاء تاريخي في 29 أغسطس (آب) المقبل حول استئناف مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعكس تحولاً في المزاج العام مدفوعاً بتغيرات جيوسياسية وارتفاع تكاليف المعيشة. ورغم أن التصويت لن يعني انضماماً فورياً إلى الاتحاد، فإنه قد يفتح الباب أمام مفاوضات جديدة مع بروكسل بعد أكثر من عقد على تجميد طلب الانضمام.

ويُعدّ الاستفتاء بشأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أحد أبرز النقاشات التي تشهدها الدولة الواقعة في شمال أوروبا منذ استقلالها عن الدنمارك عام 1944.

تأثير مواقف ترمب من غرينلاند

عاد ملف الانضمام إلى الواجهة بعدما تراجع عنه عام 2015، إثر انحسار تداعيات الأزمة المالية العالمية، لكن التطورات الدولية الأخيرة، لا سيّما مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند، أعادت إحياء النقاش حول حاجة الدولة الواقعة في شمال الأطلسي إلى مظلة سياسية وأمنية أوروبية، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

ويؤكد مؤيدو الانضمام أن الاقتصاد الآيسلندي يعاني من ارتفاع الأسعار وأسعار الفائدة، ويرون أن اعتماد عملة اليورو قد يخفف الضغوط المعيشية، ويمنح البلاد استقراراً أكبر، كما يشيرون إلى أن آيسلندا ترتبط أصلاً بالاتحاد الأوروبي عبر المنطقة الاقتصادية الأوروبية واتفاقية «شنغن»؛ ما يجعل العضوية الكاملة امتداداً طبيعياً للعلاقات القائمة.

السيادة والثروة السمكية

في المقابل، يتمسك المعارضون بفكرة الحفاظ على السيادة الوطنية، معتبرين أن استقلال القرار السياسي والاقتصادي كان أساس نجاح البلاد، وارتفاع مستويات الرفاهية فيها.

ويبرز قطاع الصيد بوصفه القضية الأكثر حساسية؛ إذ يشكل أكثر من 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر آلاف فرص العمل. ويخشى الرافضون للانضمام أن يؤدي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى فقدان السيطرة على حصص الصيد، بما يهدد أحد أهم الموارد الاقتصادية للبلاد.

كما يعبّر بعضهم عن مخاوف من تأثير العضوية في الهوية الوطنية واللغة الآيسلندية، فضلاً عن خشيتهم من أن تصبح الدولة الصغيرة أقل قدرة على حماية مصالحها داخل الاتحاد.

صورة عامة لمدينة ريكيافيك عاصمة آيسلندا التُقطت من كنيسة هالغريمسكيركيا (رويترز - أرشيفية)

خطوة أولى لا تعني العضوية

حتى إذا صوّتت الأغلبية بـ«نعم» للانضمام، فلن تصبح آيسلندا عضواً في الاتحاد الأوروبي تلقائياً، بل ستبدأ مرحلة جديدة من المفاوضات مع بروكسل، يليها استكمال متطلبات الانضمام، بما في ذلك بحث مسألة اعتماد اليورو.

ويرى الاتحاد الأوروبي أن انضمام آيسلندا سيشكّل إضافة مهمة، نظراً إلى أنها دولة غنية وديمقراطية مستقرة، ولن تكون عبئاً مالياً على ميزانية الاتحاد، بخلاف عدد من الدول المرشحة الأخرى.

تداعيات تتجاوز آيسلندا

يرى مراقبون أن نتيجة الاستفتاء قد تتجاوز حدود آيسلندا؛ إذ قد تؤثر في النقاش الدائر داخل النرويج بشأن علاقتها بالاتحاد الأوروبي، خصوصاً أنها تشارك آيسلندا عضوية المنطقة الاقتصادية الأوروبية واتفاقية «شنغن».

وتعكس هذه التطورات تحولاً أوسع في نظرة بعض الدول الأوروبية الغنية إلى الاتحاد، بعدما بات يُنظر إليه ليس فقط كشريك اقتصادي، بل أيضاً كضمانة سياسية وأمنية في ظل تصاعد التوترات الدولية.

وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب كبير بين مؤيدي الانضمام ومعارضيه، بينما يبقى الناخبون المترددون العامل الحاسم في الاستفتاء. وبين من يرى في الاتحاد الأوروبي ملاذاً يوفر الاستقرار، ومن يخشى التفريط بالسيادة والثروات الوطنية، تتجه آيسلندا إلى أحد أكثر القرارات المصيرية في تاريخها الحديث.


«قمة ناتو» لمناقشة زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز «الجناح الشرقي»

شرطية تركية تشارك في عملية تأمين قمة حلف «ناتو» عشية انطلاقها بأنقرة (إ.ب.أ)
شرطية تركية تشارك في عملية تأمين قمة حلف «ناتو» عشية انطلاقها بأنقرة (إ.ب.أ)
TT

«قمة ناتو» لمناقشة زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز «الجناح الشرقي»

شرطية تركية تشارك في عملية تأمين قمة حلف «ناتو» عشية انطلاقها بأنقرة (إ.ب.أ)
شرطية تركية تشارك في عملية تأمين قمة حلف «ناتو» عشية انطلاقها بأنقرة (إ.ب.أ)

يبحث قادة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) خلال قمتهم الـ36 التي تنطلق في أنقرة الثلاثاء، على مدى يومين، عدداً من الملفات المهمة، في مقدمتها تعزيز القدرات الدفاعية للحلف وزيادة الإنفاق العسكري للدول الأعضاء إلى 5 قي المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

وتتصدر أجندة قادة دول «ناتو»، الذين يتقدمهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تطورات حرب روسيا وأوكرانيا وانعكاساتها على الأمن الأوروبي، إلى جانب التحديات الأمنية في الشرق الأوسط، وحماية الممرات البحرية وسلاسل إمدادات الطاقة، في ضوء أزمة مضيق هرمز التي برزت خلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأكدت واشنطن، عشية انعقاد القمة، أن ملفي تأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز ومواجهة الطموح النووي الإيراني سيتصدران جدول أعمال قمة أنقرة.

استعدادات ضخمة

كما قال ممثل تركيا الدائم لدى «ناتو»، السفير باسات أوزتورك، إن الهدف الأساسي للقمة هو إظهار وحدة الحلف وتضامنه وتماسكه بصورة واضحة. وأفاد رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، بأن تركيا ستواصل كونها عنواناً ثابتاً للسلام والتعاون، وستواصل فاعليتها في كل مجال، من الوساطة إلى المساعدات الإنسانية، وستستمر في كونها «صوت الضمير العالمي والدبلوماسية».

وأعلنت دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، الاثنين، عن تفاصيل المشاركين والإجراءات الأمنية والتغطية الإعلامية والتنظيمية الخاصة بالقمة، مؤكدة أن تركيا ستستضيف واحدة من أكثر قمم «ناتو» شمولاً في تاريخه.

صورة جماعية لقادة حلف «ناتو» خلال قمتهم في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

وحسب البيانات الرسمية، ستجمع القمة رؤساء دول وحكومات 32 دولة أعضاء، إلى جانب عدد كبير من القادة المدعوين، وما يقرب من 100 وزير، فضلاً عن الكثير من الدبلوماسيين وممثلي المنظمات الدولية. وتم تخصيص 3 مطارات لخدمة الوفود والمشاركين في القمة، التي يشارك في تأمينها 56 ألفاً و288 عنصر أمن، منهم 48 ألفاً و841 من أفراد الشرطة و7 آلاف و447 من عناصر قوات الدرك و639 من موظفي وكوادر الأمن السيبراني.

انتشار أمني كثيف في أنقرة استعداداً لقمة «ناتو» (إ.ب.أ)

وتقام خلال القمة، التي يتابعها أكثر من 3 آلاف صحافي، فعاليات مختلفة تنظمها الرئاسة التركية، ومؤتمر ميونيخ للأمن، ومؤسسة الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركية (سيتا)، تحت شعار «الحلفاء في أنقرة» تناقش القضايا الرئيسية المؤثرة في أجندة الأمن العالمي والإقليمي من زوايا مختلفة.

كما تناقش مسائل أمنية راهنة مثل قدرات «ناتو» في الردع والدفاع، وبنية الأمن الأوروبي، والعلاقات عبر الأطلسي، والصناعات والتقنيات الدفاعية، والتهديدات الهجينة، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وحماية البنى التحتية الحيوية، والأبعاد الأمنية للحرب في أوكرانيا، والتطورات في البحر الأسود والبلطيق والشرق الأوسط والخليج ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وممرات الطاقة والنقل، والأمن البحري، ودور المرأة في الأمن وإدارة الأزمات، والصمود الديمقراطي، والأمن الغذائي.

تعزيز مكانة تركيا

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية زكي أكتورك، إن القمة ستبرز مجدداً مكانة تركيا في منظومة الأمن الدولية ودورها الاستراتيجي داخل «ناتو». كما أكد رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، وفي تصريح ليل الأحد – الاثنين، أن قمة «ناتو» في أنقرة، مهمة من حيث إعادة تأكيد الالتزام بمستقبل الحلف، وأن الحلف مضطر إلى دخول مرحلة جديدة. ولفت إلى أن ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014 فتح عهداً جديداً في القارة الأوروبية، وأن الاتحاد الأوروبي لم يتمكن من إبداء موقف قوي إزاء ذلك، وأن «ناتو» لم يقدّم حينها أي منظور واضح.

وإلى جانب قضيتي زيادة الإنفاق الدفاعي والتصنيع الحربي، سيناقش قادة «ناتو» في أنقرة أهمية تأمين حدود الجناح الشرقي للحلف مع تفاقم التهديدات الروسية وتزايد الاختراقات عبر المسيَّرات في دول مثل بولندا وإستونيا ورومانيا، وشبهات تورط «أسطول الظل الروسي» في عمليات تخريب الكابلات البحرية في بحر البلطيق، وهو ما ينظر إليه من جانب الخبراء على أنه محاولة من روسيا لاختبار قدرات دول «ناتو» على رد الفعل.

إردوغان يأمل أن تعزز قمة «ناتو» بأنقرة مكانة تركيا في الحلف وعلى الساحة الدولية (الرئاسة التركية)

ويأمل الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في أن تعزز قمة «ناتو» في أنقرة صورة تركيا بوصفها قوة إقليمية وترسيخ موقعها وسيطاً بين الولايات المتحدة وأوروبا، وعامل توازن بين «ناتو» وروسيا، في ظل التوتر الجيوسياسي المتصاعد.

والتزمت تركيا نهجاً حذراً، منذ حرب روسيا وأوكرانيا، وتبنت نهجاً يقوم على التوازن الدقيق؛ إذ زودت أوكرانيا بالطائرات المسيّرة وذخائرها، وحافظت، في الوقت ذاته، على علاقاتها مع روسيا، واستضافت عدداً من جولات المفاوضات بين الجانبين العام الماضي في إسطنبول، إضافة إلى دورها في التوصل إلى اتفاق ممر الحبوب في البحر الأسود عام 2022، وتبنت موقفاً مماثلاًَ في الحرب على إيران.

«التهديد الروسي»

وقبل أيام من انعقاد قمة أنقرة، شدد الأمين العام لـ«ناتو»، مارك روته، على أهمية تركيا بالنسبة للحلف، مشيداً بقوة جيشها وبحجم وكفاءة صناعاتها الدفاعية.

وعبَّر روته في تصريحات لوكالة «الأناضول»، التركية الرسمية، عن أمله في أن تشهد قمة أنقرة تنفيذ الوعود التي تم قطعها في قمة لاهاي العام الماضي، لافتاً إلى أن الإنفاق الدفاعي أحد المحاور الثلاثة الرئيسية التي نوقشت في لاهاي، وستكون كذلك على جدول أعمال قمة أنقرة.

روته متحدثاً خلال زيارة لشركة «أسيلسان» للصناعة الدفاعية التركية 22 أبريل الماضي (رويترز)

وذكر روته أن الدول الأوروبية وكندا تمكنت خلال عامين فقط من تخصيص ما يصل إلى 250 مليار دولار إضافية للدفاع، «ونقترب خلال عام أو عامين من الحد الأعلى لما يمكن تحقيقه فيما يتعلق بزيادة الإنفاق الدفاعي، لكن القضية لا تقتصر على تخصيص مزيد من الموارد، بل يتعين أيضاً توفير الأفراد من الرجال والنساء الذين سيخدمون في القوات المسلحة، إلى جانب رفع القدرة الإنتاجية للصناعات الدفاعية؛ وهو ما ينبغي إنجازه بوتيرة سريعة». وأشار إلى أن الأولوية الثانية تتمثل في مواصلة دعم أوكرانيا، والثالثة هي بناء «ناتو 3.0»، أي أوروبا أكثر قوة داخل «ناتو» أكثر قوة.

وبيّن روته أن تحقيق هذه الأولويات يتطلب زيادة إنتاج الصناعات الدفاعية بصورة كبيرة؛ لأن القدرة الإنتاجية للصناعة الدفاعية تمثل جزءاً لا يتجزأ من قوة الردع التي يمتلكها الحلف.

وأوضح أن ما يقصد بـ«ناتو 3.0» هو نموذج يختلف عن «ناتو 2.0» الذي كان يعتمد بصورة مفرطة على الولايات المتحدة، التي ستواصل وجودها في أوروبا بقدراتها العسكرية التقليدية وبقوتها النووية الرادعة، لكن المرحلة المقبلة ستكون «(ناتو) تتحمل فيه أوروبا مسؤوليات أكبر، وستتولى الدول الأوروبية قريباً قيادة القيادات العسكرية المشتركة الثلاث التابعة للحلف».

وأضاف روته: «كما ستضطلع أوروبا بدور قيادي في تقديم الدعم المالي لأوكرانيا، في حين ستواصل الولايات المتحدة توفير الكثير من المعدات العسكرية الحيوية، على أن تتكفل أوروبا وكندا تمويلها، وكل ذلك يعني (ناتو) يتسم بتوزيع أكثر عدالة للأعباء، ويصبح نتيجة لذلك أكثر قوة، وأكثر قدرة على ردع روسيا، وأقل سذاجة في تعامله مع الصين».

وعن رؤيته لأكبر تهديد للحلف، قال روته إن روسيا هي أكثر موضوع يؤرقه وأكبر تهديد، فهي تتحرك مع كوريا الشمالية وإيران والصين، وتعمل بكين أيضاً على زيادة قدرتها العسكرية بسرعة، ومن المتوقع أن تمتلك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030؛ لذا لا ينبغي أن نكون ساذجين بشأن الصين أيضاً. ففي ظل هذا التحالف الرباعي يبقى التهديد الرئيسي الذي نواجهه على المدى البعيد هو روسيا».

ولفت روته إلى أن «ناتو» ينطلق من منظور أمني ينظر إلى التهديدات القادمة من جميع الاتجاهات وليس روسيا فحسب؛ فالإرهاب يُعدّ أيضاً جزءاً مهماً من النهج الشامل للحلف؛ ولذلك تكتسب التقييمات والمعلومات التي تقدمها القيادتان السياسية والعسكرية في تركيا حول هذا الملف أهمية بالغة لحماية أمن الحلف بأكمله».

مظاهرة احتجاجية رافضة استضافة تركيا قمة «ناتو» في أنقرة (رويترز)

مظاهرات احتجاجية

وبينما دخلت استعدادات قمة أنقرة مرحلتها النهائية، شهد الكثير من المدن التركية، في مقدمتها أنقرة وإسطنبول وإزمير، مظاهرات احتجاجية، استمرت حتى ليل الأحد – الاثنين، وتم خلالها اعتقال تحو 200 من الأكاديميين والصحافيين والمحامين وأعضاء في أحزاب بسارية وشيوعية، نددت بـ«ناتو» وما وصفته بممارساته الإمبريالية.

وأبدت أحزاب المعارضة احتجاجها على الاعتقالات التي مثلت الموجة الثانية بعد توقيف 175 شخصاً في مظاهرات مماثلة على مدى الأسبوعين الماضيين، في حين تتهم السلطات المشاركين في المظاهرات بـ«الإرهاب».


بريطانيا تفرض عقوبات على روسيا على خلفية استخدام أسلحة كيميائية ضد نافالني

أكاليل زهور على واجهة السفارة الروسية في برلين عاصمة ألمانيا يوم 16 فبراير 2026 تكريماً للمعارض الروسي أليكسي نافالني في الذكرى السنوية الثانية لوفاته (رويترز)
أكاليل زهور على واجهة السفارة الروسية في برلين عاصمة ألمانيا يوم 16 فبراير 2026 تكريماً للمعارض الروسي أليكسي نافالني في الذكرى السنوية الثانية لوفاته (رويترز)
TT

بريطانيا تفرض عقوبات على روسيا على خلفية استخدام أسلحة كيميائية ضد نافالني

أكاليل زهور على واجهة السفارة الروسية في برلين عاصمة ألمانيا يوم 16 فبراير 2026 تكريماً للمعارض الروسي أليكسي نافالني في الذكرى السنوية الثانية لوفاته (رويترز)
أكاليل زهور على واجهة السفارة الروسية في برلين عاصمة ألمانيا يوم 16 فبراير 2026 تكريماً للمعارض الروسي أليكسي نافالني في الذكرى السنوية الثانية لوفاته (رويترز)

فرضت بريطانيا اليوم الاثنين عقوبات على تسعة أفراد وكيانات روسية، قالت إنهم طوروا أسلحة كيميائية استخدمت لقتل زعيم المعارضة أليكسي نافالني ومهاجمة جاسوس سابق في إنجلترا.

وجاءت هذه العقوبات في اليوم نفسه الذي انتقدت فيه المملكة المتحدة نهج روسيا «غير الآمن» تجاه سفن البحرية الملكية في القطب الشمالي.

وأعلنت وزارة الخارجية البريطانية عن فرض عقوبات ضد سبعة أفراد ومعهدين علميين. وقالت إنهم تورطوا في تطوير سم «الإبيباتيدين» المستخدم في تسميم نافالني داخل مستعمرة عقابية في القطب الشمالي عام 2024، وغاز الأعصاب «نوفيتشوك» المستخدم في هجوم عام 2018 بمدينة سالزبوري الإنجليزية، والذي استهدف ضابط المخابرات الروسي السابق سيرجي سكريبال.

وأسفر ذلك الهجوم عن إصابة سكريبال وابنته بمرض شديد، ومقتل امرأة محلية تدعى دون ستورجيس. وفرضت بريطانيا عقوبات على معهد البحوث العلمية الحكومي الروسي «إس سي سيجنال»، والمعهد العلمي الحكومي للبحوث والاختبارات في الطب العسكري، إلى جانب العديد من المسؤولين والعلماء البارزين.