جانب من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (موقع المجلس على الإنترنت)
قرَّر مجلس النواب الليبي إقالة فتحي باشاغا، من رئاسة حكومة «الاستقرار» الموازية والموالية له، وإحالته للتحقيق، وتكليف وزير ماليته أسامة حماد بتسيير مهام رئاسة الحكومة، بالإضافة إلى وزارة المالية. ولم يكشف عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، عن أي تفاصيل أخرى حول نصاب الحضور أو التصويت، أو أسباب إيقاف باشاغا والتحقيق معه.
ولم يعلّق باشاغا على الفور على هذا القرار الذي اتخذه المجلس في غياب رئيسه عقيلة صالح؛ لكنَّه استبقه بالإعلان بشكل مفاجئ عن تكليف نائبه علي القطراني بتسيير مهام حكومته غير المعترف بها دولياً، وتفويضه بكامل صلاحياته. وقال مستشار باشاغا، أحمد الروياتي، إنَّ خلافات حول توزيع أموال الموازنة العامة «هي السبب وراء تفويض باشاغا لنائبه علي القطراني للقيام بمهام رئيس الحكومة»، مضيفاً أنَّ باشاغا «تعرَّض إلى ضغوط كبيرة من تيارات سياسية مختلفة حول تصريف الموازنة العامة للدولة». وأكَّد أنَّ باشاغا «أحسنَ التصرف، وقام بالحفاظ على الأموال، فأحدثوا هذه الضجة والبلبلة... هم يريدونه أن يتصرف بطرق معينة تخدم مصالحهم الخاصة».
وتزامن ذلك مع دعوة رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، البرلمان، أمس، إلى الاتفاق معه على تشكيل ما وصفها بـ«حكومة موحدة صغيرة» من أجل إجراء الانتخابات. واعتبر المشري أن قرار البرلمان بإيقاف باشاغا تم بطريقة «مريبة» بعد اعتماده تلك الحكومة «بصورة غير شفافة»، متهماً مجلس النواب بالاستمرار في «عبثه السياسي».
ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتةhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/5292103-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B5%D8%B7%D8%AF%D9%85-%D8%A8%D8%B1%D9%81%D8%B6-%D9%82%D9%88%D9%89-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D8%A9
ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة
وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
اصطدمت المساعي الأميركية الرامية إلى تحريك الجمود السياسي في ليبيا برفض علني من قوى عسكرية نافذة في مدينة مصراتة، في اعتراض عسكري منظم على المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، والهادفة إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات المنقسمة.
ويحمل موقف مصراتة ثقلاً خاصاً، بالنظر إلى كونها أحد أبرز مراكز النفوذ العسكري والسياسي في غرب ليبيا، فضلاً عن أنها مسقط رأس رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وتمثل منذ عام 2011 أحد أهم موازين القوى في المشهد الليبي، مستندة إلى تشكيلات مسلحة مؤثرة، وسيطرتها على مرافق اقتصادية واستراتيجية، بينها الميناء والمنطقة الحرة والمطار.
مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)
وأعلن المجلس العسكري في مصراتة رفضه القاطع للمبادرة الأميركية وللأسماء المتداولة في إطارها، كما رفض زيارة مرتقبة لبولس إلى المدينة، مؤكداً أنه «لن يرضى إلا بمحاسبة من ارتكبوا جرائم بحق الشعب الليبي»، في إشارة فيما يبدو إلى الحرب التي شنها الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، على طرابلس (2019-2020).
ويأتي هذا الموقف في وقت تثير فيه المبادرة الأميركية جدلاً واسعاً بين الأوساط السياسية الليبية؛ إذ تستهدف، وفق ما يُتداول في البلاد، تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وإنهاء الانقسام المؤسسي. وتشير التسريبات إلى مقترح يقضي بتولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، مقابل استمرار الدبيبة على رأس حكومة موحدة، وهو ما أثار اعتراضات من أطراف ترى أن أي تسوية ينبغي أن تقود مباشرة إلى انتخابات عامة.
ورأى الناشط السياسي، سليمان البيوضي، أن التحركات السياسية والعسكرية في مصراتة تشهد تصاعداً متسارعاً، معتبراً أن رئيس الحكومة «لم يعد يملك الحلفاء القادرين على الدفاع عن أي صفقة سياسية داخل المدينة»، وأن القوى الفاعلة في غرب البلاد تعيد رسم تحالفاتها من خلال لقاءات ومصالحات غير معلنة.
وأضاف البيوضي أن فرص تطبيق مبادرة بولس تبدو محدودة في ظل موازين القوى الحالية، محذراً من أن أي زيارة إلى مصراتة من دون تفاهمات مسبقة قد تفضي إلى توترات يصعب احتواء تداعياتها، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك».
الدبيبة مع رئيس الوزراء القطري في الدوحة (حكومة الوحدة)
وفي خضم هذه التفاعلات، لم يصدر أي تعليق من الدبيبة أو حكومته بشأن الجدل الدائر، في حين واصل الدبيبة تحركاته الخارجية بإجراء زيارة إلى قطر، لتكون ثاني محطة خليجية له بعد زيارته الأخيرة إلى الإمارات، في إطار مساعٍ لتعزيز علاقات حكومته مع دول الخليج، واستقطاب مزيد من الاستثمارات.
وقال الدبيبة إنه بحث، السبت، في الدوحة مع رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتشجيع الاستثمارات القطرية في ليبيا، إلى جانب مناقشة آليات تطوير الشراكة بين البلدين في عدد من القطاعات ذات الأولوية، مبرزاً أن المحادثات تناولت أيضاً تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، والجهود المبذولة لدعم المسار السياسي، فضلاً عن التعاون في قطاع النقل الجوي، بالتزامن مع اقتراب افتتاح مطار طرابلس الدولي.
ونقلت وكالة الأنباء القطرية عن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري تجديد موقف الدوحة الثابت الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها، وتحقيق تطلعات شعبها نحو الاستقرار والتنمية، مؤكداً دعم بلاده الكامل للمسار السياسي الليبي، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وكل الحلول السلمية التي تصون سيادة ليبيا وتحافظ على وحدتها.
وفي موازاة السجال السياسي، برزت مؤشرات على استمرار مساعي توحيد المؤسسة العسكرية؛ إذ أكد رئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، الفريق خالد حفتر، أهمية مواصلة العمل على توحيد المؤسسة العسكرية، ورفع مستوى التأهيل والتدريب لمنتسبيها، إلى جانب تسوية الأوضاع المالية للعسكريين النظاميين في المنطقة الغربية، وضمان استفادتهم من منظومة التأمين الصحي.
رئيسا أركان شرق وغرب ليبيا مع قائد «أفريكوم» الجمعة (الجيش الوطني)
وجاءت تصريحات حفتر خلال لقائه قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، داغفين أندرسون، على هامش مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في العاصمة الأنغولية لواندا، الجمعة، بحضور رئيس أركان المنطقة الغربية، صلاح النمروش، حيث أشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، والدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
وفي مؤشر على استمرار التنسيق العسكري بين الشرق والغرب رغم الخلافات السياسية، أفادت وسائل إعلام محلية بأن رئيسَي أركان القوات في المنطقتين الشرقية والغربية يعتزمان عقد اجتماع في مدينة سرت الأسبوع المقبل، لبحث الخطوات التنفيذية الخاصة بتوحيد المؤسسة العسكرية، وتشكيل غرفة أمنية وعسكرية مشتركة، في وقت تبدو فيه المبادرة الأميركية أمام اختبار صعب مع اتساع دائرة التحفظات داخل أحد أبرز معاقل النفوذ العسكري في غرب البلاد.
وتعيش البلاد في ظل انقسام حكومي وعسكري بين حكومتين؛ إحداهما «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة الدبيبة، وأخرى مكلفة من البرلمان وتسيطر على شرق وأجزاء واسعة من جنوب البلاد برئاسة أسامة حماد، وهي مدعومة من «الجيش الوطني».
الجيش السوداني يصعّد هجماته على «الكرمك» الحدودية مع إثيوبياhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/5292095-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%B5%D8%B9%D9%91%D8%AF-%D9%87%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%AA%D9%87-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%85%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%D8%A5%D8%AB%D9%8A%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7
الجيش السوداني يصعّد هجماته على «الكرمك» الحدودية مع إثيوبيا
دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)
يواصل الجيش السوداني عملياته الهجومية في جبهة القتال بإقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، في محاولة للتقدم بوتيرة متسارعة نحو مدينة الكرمك الاستراتيجية القريبة من الحدود الإثيوبية، التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» منذ مارس (آذار) الماضي.
وتشير تقارير ميدانية متواترة إلى أن الجيش نفّذ خلال اليومَين الماضيَين ضربات جوية مكثفة باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة، استهدفت مواقع وخطوط دفاع متقدمة لـ«قوات الدعم السريع» في محيط مدينة الكرمك، ثاني أكبر مدن الإقليم. وتنطلق العمليات العسكرية التي يقودها الجيش والقوات المتحالفة معه من منطقة البركة، الواقعة على بُعد نحو 15 كيلومتراً من المدينة.
وبثت عناصر من الجيش السوداني مقاطع مصورة تظهر تقدم قواته في محاور متقدمة باتجاه الكرمك. وخلال الأيام الماضية، حقق الجيش تقدماً ملحوظاً في جبهة النيل الأزرق، تمثّل في استعادة السيطرة على بلدات الكيلي ومقجة وسركم، الواقعة على الطريق الرئيسي الرابط بين الدمازين، عاصمة الإقليم، ومدينة الكرمك، مما دفع «قوات الدعم السريع» إلى التراجع نحو مناطق أعمق داخل الإقليم.
في المقابل، نفى قائد «قوات الدعم السريع» في محور النيل، اللواء حمودة البيشي، صحة الأنباء التي تحدثت عن تقدم الجيش نحو مدينة الكرمك، واصفاً إياها بأنها «مزاعم لا أساس لها من الصحة». وأكد البيشي، في تدوينة نشرها عبر صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك»، أن المدينة لا تزال بالكامل تحت سيطرة قواته.
سيارات عليها آثار طلقات نارية في إحدى ساحات الخرطوم 11 يونيو 2026 (رويترز)
وشهد إقليم النيل الأزرق خلال الشهرَين الماضيَين تصعيداً ملحوظاً في العمليات العسكرية، تبادل خلاله الجيش و«قوات الدعم السريع» السيطرة على عدد من البلدات الصغيرة.
وتكتسب مدينة الكرمك أهمية استراتيجية نظراً إلى موقعها الحدودي مع إثيوبيا، وكانت قد سقطت قبل أشهر في قبضة قوات تحالف «تأسيس»، الذي تقوده «قوات الدعم السريع» بالتنسيق مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو.
ولا تزال قوات تحالف «تأسيس» تنتشر بأعداد كبيرة في مناطق دوكان وكرن كرن وخور الحسن بمحافظة الكرمك، إلى جانب مناطق أخرى تمتد باتجاه مدينة قيسان.
وكان الجيش السوداني قد أعلن، في وقت سابق، إرسال مزيد من القوات والتعزيزات العسكرية إلى إقليم النيل الأزرق، في إطار مساعيه لاستعادة جميع المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات الدعم السريع».
مسيّرات تهاجم أم درمان
وفي ولاية الخرطوم، أفادت مصادر محلية بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدّت، السبت، لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مواقع في مدينة أم درمان، مرجحة أن تكون تلك المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع». كما ذكر سكان في مدينة أم درمان، ثاني أكبر مدن العاصمة الخرطوم، أنهم سمعوا دوي انفجارات متتالية في شمال غربي المدينة، ناجمة عن عمليات اعتراض نفذتها الدفاعات الجوية ضد عدد من الطائرات المسيّرة، دون التمكن من التحقق من طبيعة الأهداف التي كانت تستهدفها.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، شهدت ولاية الخرطوم هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، تصاعدت وتيرتها خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع عودة آلاف المواطنين إلى منازلهم في الولاية.
ليبيون ينشدون إطلاق حملة واسعة لمواجهة الفساد على غرار العراقhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/5292081-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%8A%D9%86%D8%B4%D8%AF%D9%88%D9%86-%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82
ليبيون ينشدون إطلاق حملة واسعة لمواجهة الفساد على غرار العراق
من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)
لم يكن أكثر ما استوقف قطاعات واسعة من الليبيين في الحملة الواسعة، التي تشنها السلطات العراقية على مسؤولين وسابقين ومتهمين بالفساد، هو حجم الأموال والمصوغات الذهبية المضبوطة، ولا أسماء المسؤولين الذين طالتهم أوامر القبض، بقدر ما أثاره المشهد نفسه من سؤال تكرر على نطاق واسع: هل يمكن أن يتكرر ذلك في ليبيا؟
جلسة سابقة لمجلس النواب برئاسة صالح وبحضور نائبيه دومة والنويري (مجلس النواب الليبي)
ومع توالي صور المداهمات وإعلانات توقيف نواب ومسؤولين حاليين وسابقين في العراق أخيراً، تحولت الحملة إلى مادة للنقاش داخل الأوساط الليبية، حيث رأى كثيرون فيها نموذجاً ينشدونه في بلدهم المصنف دولياً بين أكثر 5 دول العالم معاناة من الفساد، في ظل تعثر جهود المحاسبة، واستمرار الانقسام السياسي والمؤسسي.
تفاعل ليبي مع الحملة
امتد التفاعل الليبي مع الحملة العراقية، التي يقودها رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، منذ الأسبوع الماضي، من مواقع التواصل إلى شخصيات سياسية وأكاديمية وناشطين ليبيين، رأوا فيها مناسبة لإعادة فتح النقاش بشأن مستقبل مكافحة الفساد في ليبيا.
على سبيل المثال، استغل رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، الحملة العراقية لتوجيه انتقادات إلى أعضاء مجلس النواب، الذين طال بقاؤهم لأكثر من 12 عاماً، عاداً أن بعضهم يتصرف وكأنه بمنأى عن القانون والمحاسبة، بينما رأى الناشط السياسي المبروك السويح أن «التجربة الليبية تعثرت رغم استلهامها النموذج العراقي عند تأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عام 2014، بسبب الانقسام السياسي الذي ضرب البلاد».
تحدثت لجان خبراء المنظمة الدولية عن مظاهر فساد على نطاق واسع خصوصاً في قطاع النفط (رويترز)
في المقابل، توقع الخبير في إصلاح النظام الصحي، هاشم بالخير، إطلاق حملة مماثلة في ليبيا، فيما ذهب المدون عبد القادر الفارسي إلى استعجال انطلاق هذه الحملة والتساؤل عن موعدها. أما الباحث السياسي، محمد الأمين، فقد اختصر هذه الأمنيات بقوله: «المرآة عراقية... والوجع ليبي».
وتأتي هذه الأصداء بينما لا تزال ليبيا تسجل تراجعاً في مؤشرات مكافحة الفساد الدولية؛ إذ أظهر أحدث تصنيف لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية تراجعها إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في عام 2025.
ولا تبدو هذه المقارنات بعيدة عن واقع ترصده تقارير الأمم المتحدة بصورة متكررة؛ إذ لطالما تحدثت لجان خبراء المنظمة الدولية في تقاريرها السنوية عن مظاهر فساد على نطاق واسع، خصوصاً في قطاع النفط وسوء الإدارة، علماً بأن النفط يمثل نحو 95 في المائة من إيرادات الدولة الليبية.
ولم تقتصر التحذيرات من استفحال الفساد في ليبيا على التقارير الدولية، بل تكررت على لسان كبار المسؤولين الأمميين السابقين والحاليين المعنيين بالملف الليبي.
المبعوثة الأممية إلى ليبيا حذرت من أن «الفساد الذي يصب في مصالح خاصة يؤثر على التنمية» (غيتي)
فقد سبق أن حذرت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، من أن «الفساد الذي يصب في مصالح خاصة يؤثر على التنمية»، فيما وصفت الممثلة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة، ستيفاني ويليامز، ما تشهده البلاد بأنه «فساد فظيع وسوء الإدارة في جميع أنحاء البلاد».
أما المبعوث الأممي الأسبق، غسان سلامة، فقد رسم صورة أكثر قتامة عندما قال في تصريحات سابقة إن «حجم الفساد في ليبيا لا يمكن تصوره... كل يوم هناك مليونير جديد».
تشابه بين التجربتين العراقية والليبية
هنا يرى عبد الرحيم الشيباني، عضو الحوار السياسي الليبي الذي رعته الأمم المتحدة، أن هناك أوجهاً من التشابه بين التجربتين العراقية والليبية، تتمثل في سقوط نظامين شموليين كانا يحتكران إدارة الموارد العام في بلدين نفطيين (إشارة إلى نظامي الرئيسين معمر القذافي وصدام حسين في البلدين). وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «نتائج الحوار السياسي المهيكل برعاية الأمم المتحدة الذي شارك فيه «تضمنت معالجات مهمة لتعزيز دور الأجهزة الرقابية ومكافحة الفساد»، لكنه عاد ليؤكد أن «الإرادة السياسية تظل المؤشر الحقيقي على انتقال الدولة إلى مرحلة جديدة في مكافحة الفساد».
ومن منظور الشيباني، «فمن المستبعد بلوغ تقدم حقيقي في مكافحة الفساد في ليبيا من دون إنهاء الانقسام السياسي؛ لأن ذلك سيمهد لإعادة هيكلة الاقتصاد، وبناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر استقراراً».
ويأتي هذا التفاعل الليبي بالتزامن مع تأكيد رئيس الوزراء العراقي استمرار حكومته في ملاحقة المتهمين بالفساد واسترداد الأموال العامة، بعد حملة شملت مسؤولين ونواباً حاليين وسابقين، إلى جانب مسؤولين كبار في قطاع النفط، وأسفرت عن ضبط مبالغ مالية كبيرة ومصوغات ذهبية، استناداً إلى مذكرات قضائية.
نائبتا المبعوثة الأممية ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون خلال لقاء مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
ووسط الإشادة الواسعة بالحملة العراقية، يرى خالد الزنتوني، الرئيس السابق لـ«شركة الاستثمارات الخارجية والمحفظة طويلة المدى»، أن الفساد ليس ظاهرة تخص العراق أو ليبيا وحدهما. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الفساد موجود في كثير من دول العالم، حتى في بعض الدول المتقدمة والعربية، ومؤشرات الشفافية الدولية تؤكد اتساع هذه الظاهرة، لكن الفارق يكمن في قدرة الدول على مكافحتها».
وأعرب الزنتوني عن الأسف من أن «مفهوم الفساد أصبح محل تباين في الفهم، حتى إن بعض الممارسات باتت تُبرر، رغم أنها تشكل جرائم واضحة، مثل تقاضي العمولات على العقود الحكومية، أو إساءة استخدام الاعتمادات المستندية، أو الأنشطة المرتبطة بالسوق الموازية، التي أسهمت في تراجع قيمة الدينار الليبي نتيجة عمليات غسل الأموال».
النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
ومع ذلك، يشير الزنتوني إلى أن «مكتب النائب العام يقود خلال الفترة الأخيرة جهوداً إيجابية في مكافحة الفساد، من بينها التحقيقات المتعلقة بتهريب الوقود، التي انتهت إلى توجيه اتهامات لعدد من المتورطين، لكن الطريق لا يزال طويلاً ومعقداً بسبب التعقيدات الأمنية والسياسية، وأحياناً الاجتماعية».
وشدد الزنتوني على «ضرورة دعم الأجهزة القضائية وتمكينها من أداء دورها، وتعاون السلطتين التشريعية والتنفيذية مع مكتب النائب العام وسائر الجهات المختصة، بما يضمن ممارسة مهامها بحرية وعدالة، ومن دون توفير أي حصانة أو حماية لأي متورط، أياً كان موقعه».
أما الشيباني فلا يرى خياراً سوى الوفاء بمتطلبات أساسية لمكافحة الفساد، من بينها «تشريعات تمنح الدولة القدرة على ملاحقة المتورطين وفق إجراءات قانونية عادلة، مع ضمان حقوق الدفاع، إلى جانب تطوير المنظومات الرقابية بما يتوافق مع المعايير الدولية، وتدريب الكوادر المختصة، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة في إدارة المال العام».
كما دعا إلى «التعاون مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الشفافية الدولية، وإنشاء قواعد بيانات موثوقة تساعد على قياس مؤشرات النزاهة، والتأكد من التزام المؤسسات بمعايير الشفافية والإفصاح المالي».