رئيس تركيا السابق يتذكر مراحل علاقته مع إردوغان

عبد الله غُل: لم أحلم يوماً بأن يكون بلدنا كما هو اليوم

 غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)
غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)
TT

رئيس تركيا السابق يتذكر مراحل علاقته مع إردوغان

 غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)
غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)

يصدر قريباً عن دار «نوفل» كتاب للزميل ثائر عباس «يبحث في ذاكرة الرئيس التركي السابق عبد الله غُل»، ليؤرخ لمرحلة وصول حزب «العدالة والتنمية» إلى الحكم في تركيا، ويتحدث عن تفاصيل «الصعود والهبوط التركي»، من خلال مقابلات أجراها مع الرئيس غُل، ولقاءات مع كثيرين من المحيطين به من مسؤولين فاعلين كانوا إلى جانبه خلال الفترة المذكورة، وصولاً إلى مغادرته السلطة.

في الفصل الأخير من الكتاب الذي تنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات منه، ينشر الكاتب حواراً مع الرئيس غُل يتحدث فيه عن خيبة أمله من الواقع الذي أصبحت عليه البلاد. يقول غُل: «رؤيتي كانت لتركيا ديمقراطيّة بنظام برلماني ودولة قانون ومعايير عالية قانونيّاً واقتصادياً. هي الآن بعيدة جدّاً عن هذا، هذه ليست تركيا التي حلمنا بها. هناك حكم شخص واحد في تركيا، فإذا قام بعمله جيّداً تذهب تركيا في الاتّجاه الجيّد، وإذا قام بعمل سيّئ تذهب في هذا الاتّجاه. لا أريد أن ألوم أحداً؛ لكنّ رجلاً واحداً لا يستطيع القيام بكلّ هذا. التاريخ يقول هذا، وليس مفاجئاً أنّ نظام حكم الرجل الواحد لن يحمل النجاح ولا السعادة للشعب التركي».

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

يضيف رداً على سؤال: «لقد أعلنت صراحة أنّني ضدّ النظام الرئاسي عندما بدأ البحث فيه... رئيس الجمهوريّة الحالي هو صديقي، ولهذا كنت أتمنّى له النجاح في قيادة البلاد؛ لكن التجربة أثبتت أنّ هذا ليس صحيحاً وغير مفيد له ولا للوطن. وقد تحدّثت إليه بهذا الشأن كثيراً، وأعلنت ذلك للرأي العامّ. لم يكن ذلك منبعه أي مشكلة شخصيّة، ولا اعتبارات شخصيّة لديّ؛ لكنني أدرس التاريخ السياسي وأعلم ما يعنيه هذا».

قدم للكتاب الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، الذي عاصر العلاقات العربية - التركية. ولعل أكثر ما قاله دلالةً في تقديمه للكتاب، كان عند مقاربته لـ«الاختلاف الشديد» بين رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب إردوغان ومصر. يجزم موسى بأنّه «لم يكن خلافاً شخصيّاً؛ بل كان خلافاً استراتيجيّاً إقليميّاً رئيسيّاً كبيراً. تأكّد ذلك عندما زرت تركيا مع رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علّاوي، ورئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة، ورئيس الوزراء الأردني السابق طاهر المصري، ورئيس مجلس العلاقات العربيّة والدوليّة بالكويت الأخ محمد جاسم الصقر».

ويضيف: «لقد لاحظنا، إذ التقينا الرئيس غُل والرئيس إردوغان والوزير داود أغلو، أنّ الخطّ السياسي المتوتّر حاضرٌ مع الجميع، ولكن اختلف التناول الرقيق من جانب غُل عن التناول القاسي من جانب إردوغان، مع التناول (الحيران) للوزير أحمد داود أوغلو».

وهنا مقتطفات من فصول الكتاب:

غُل - إردوغان... الخلاف الصامت

مثّل إعلان الرئيس التركيّ عبد الله غُل في كلمته أمام البرلمان خلال افتتاح دورته التشريعيّة في عام 2013، أنّه «سيستمرّ في خدمة الشعب والمواطن ما دام يستطيع فعل ذلك»، أول إعلان مُضمَر لصراع خفيّ مع رئيس الحكومة رجب طيّب إردوغان. فالتباينات في السابق بقيت قيد الكتمان، رغم أن التقديرات في الخلافات كانت قائمة، وكان أبرزها صمت غُل في مواجهة التحرّكات الاجتماعيّة، على غرار مظاهرات متنزه «جيزي بارك» في إسطنبول، التي تعاملت خلالها الشرطة بعنف مع المتظاهرين.

والاختلاف على إتاحة مساحة حرّية للشعب يؤكّد المقاربات المختلفة بين الرجلين. ففي احتفال قومي، سمح غُل بمظاهرة في أنقرة، بينما كانت الحكومة ترفض ذلك، وصرّح غُل بأنّه هو من أعطى التعليمات بدخول المتظاهرين إلى ضريح أتاتورك، وانتهت المظاهرة بسلام، وهذا أثار حفيظة إردوغان، ليصرّح بأنّه كيف يمكن لبلد أن يدار برأسين؟ ويقول أحد مساعدي غُل إن هذا «أظهر حكماً أنّ هناك جنوحاً نحو التفرّد بالقرارات، ومحاولة فرض رأي واحد على السلطة في تركيا، الأمر الذي انتهى لاحقاً بابتعاد غُل عن المشهد السياسي، منعاً لأن يجد إردوغان من يقول له: (لا)، أو: (تمهّلْ)».

شهدت العلاقة بين عبد الله غُل وإردوغان سلسلة من المواقف المتباينة والمختلفة. ولعلّ أبرزها كانت المواقف من الحروب التي لاحت في الأفق بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وأهمّها حرب العراق. يومها كان إردوغان رئيساً للحزب، ولكن لم يكن عضواً في الحكومة ولا في البرلمان. وكانت تلك الحادثة أول اختبارات العلاقة بين الطرفين، وبداية التباينات التي قامت على أساس مقاربات مختلفة. والتباين لم يُحصر بالمسألة السورية، والنظام المستقبلي الرئاسي في تركيا، وربما الموقف من الدول العربيّة والأجنبيّة.

تعود العلاقة بين غُل وإردوغان إلى أيّام الدراسة التي جمعتهما، فهما من الجيل نفسه، وفارق العمر بينهما قليل (ثلاث سنوات ونصف سنة). خلال الفترة التي كان فيها إردوغان رئيساً لبلديّة إسطنبول الكبرى، كان ينشط سياسياً مع رفاقه ضمن الاتّجاه الإسلامي، ومنهم عبد الله غُل الذي كان أوّل من زاره في سجنه.

على الرغم من الصداقة التي تجمع بين غُل وإردوغان، فإن هذا لا ينفي اختلاف وجهات النظر بينهما، لا سيما في التصوّرات والرؤى حول قيادة تركيا، داخليّاً وإقليميّاً ودوليّاً. غير أنّ التباينات لم تشكّل حواجز شخصيّة وسياسيّة بين الطرفين، يمكن القول إنّ من جعل العلاقة بين غُل وإردوغان بهذه السلاسة هو عبد الله غُل نفسه. يقول المستشار أرشد هورموزلو: «عبد الله غُل بطبيعته شخص هادئ جدّاً، لا يمثّل طبيعة الصراع في أفكاره، وإنما يفضّل الإقناع قبل كلّ شيء، والدعوة إلى قضايا حضاريّة».

في السنوات العشر الأولى من وصول «العدالة والتنمية» إلى الحكم، كانت العلاقة طيّبة بين عبد الله غُل ورجب طيّب إردوغان. عندما كان إردوغان رئيساً للحكومة وغل وزيراً للخارجيّة كانت هناك تباينات بينهما؛ لكنهما لم يصطدما، وكانا يتّفقان على الأمور الأساسيّة. لكن بعد ذلك حدث تغيير، وأصبح إردوغان أقوى، ووظّف قوّته في السياسة. ومنذ عام 2014 أصبح غُل أكثر حذراً في علاقته مع إردوغان لعدم إظهار التباين بينهما.

في عام 2013 قال غُل لإردوغان إنّه لن يترشّح لرئاسة الجمهوريّة إن كان هو يطمح للمنصب، ولكنّه لن يترك السياسة، وتوقع الناس أن يصبح غُل رئيساً للوزراء؛ لكنّ إردوغان لم تكن لديه النيّة لذلك «لأنّه كان يريد حكم البلاد بمفرده»، كما يقول أحد المقرّبين من غُل. غير أنّ غُل لو أصبح رئيساً للحكومة في ذلك الوقت، لما استطاع حكم البلاد كما يريد؛ لأن إردوغان يميل إلى الأحاديّة في السلطة، كما يقول حزبيون في «العدالة والتنمية»، وهو ما أدّى لاحقاً إلى تشظِّي الحزب في عام 2020. في تلك المرحلة، ما كان غُل بوارد تحدِّي إردوغان لأنّه صديقه ولا يزال، كما أنّه لا يريد أن ينشب الصراع داخل الحزب فتقع الملامة عليه.

يقول مطّلعون على معرفة بالرئيسين إنّه عندما كان عبد الله غُل وزيراً للخارجيّة في الحكومة حتى عام 2007، كان لديه تأثير قوي وفعّال على القرارات المتّخذة. وكلّما كان إردوغان يقوم بأمرٍ يتخطّى فيه الحدود، كانت لديه القدرة على إيقافه.

وهكذا عندما كانت تُسنّ القوانين، كان يتم إبلاغه، فيطلب إجراء تغييرات في البرلمان، ولكنّ القليل من الناس يعرفون ذلك، إذ يعتقد معظم الناس أنّ غُل كان يضع ختم الموافقة على معظم القوانين من دون مخالفتها. إلا أنّه كان يفعل ذلك بفاعليّة حتى لا يحصل أي خلاف علني بين الرئيس والحكومة.

وعندما كان يحين موعد التعيينات، كان غُل يبدي رأيه في الأشخاص المطروحين خلال مرحلة التحضير للمسوّدة، حتى لا يُضطرّ إلى استخدام حق النقض على قرار تعيينهم. وكان يعمل على تدخّله في الوقت المناسب حتى يتم تعيين الأشخاص الأكثر جدارة.

ويجزم المصدر بأنّ غُل «مارس سلطاته الرئاسيّة على الحكومة بطريقة غير علنيّة، تجنّب فيها حصول أي نوع من الخلاف العلني، وكان ذلك حتى عام 2014».

وأتت قضيّة الفساد التي طالت أربعة من وزراء حكومة إردوغان عام 2013، في الأحداث المعروفة باسم 17 و25 ديسمبر (كانون الأول)؛ حيث طالت عمليّة أمنيّة أبناء وزراء ورجال أعمال مقرّبين من حزب «العدالة والتنمية»، الأمر الذي عدّته الحكومة محاولة انقلابيّة من «الكيان الموازي» (الاسم الذي تطلقه الحكومة التركيّة على جماعة الداعية فتح الله غولن)، وعملت لاحقاً على الدفاع عن الوزراء ومنع محاكمتهم في المحكمة الإداريّة العليا، وفرضت قوانين جديدة شملت مناقلات لقادة أمنيين محسوبين على جماعة غولن. وعلى الرغم من سعي إردوغان لإجبار الوزراء المتورّطين على الاستقالة، بدل استدعائهم للاستجواب في البرلمان وتشكيل حكومة جديدة، فإنه كان مصرّاً على الاحتفاظ بأحد الوزراء المتورّطين، وهو وزير شؤون الاتّحاد الأوروبي إغمن باغيش، ومع تدخّل غُل امتنع عن تسميته في الحكومة الجديدة.

- سوريا... اللقاء الذي فجّر العلاقات بين دمشق وأنقرة

ساد الظنّ في المنطقة أنّ تجربة التوتّر العسكري على الحدود السورية – التركيّة في عام 1998، انطوت إلى غير رجعة. لكنّ اندلاع الاحتجاجات في سوريا في مارس (آذار) 2011، وتعامل النظام معها بواسطة الحلّ الأمني، ثمّ الحلّ العسكري، بدّل المعادلات، وأعاد خلط الأوراق في علاقة الطرفين التي بدأت بالتشقّق في ربيع 2011، وانكسرت في صيف 2011، إثر زيارة وزير الخارجيّة التركيّة آنذاك أحمد داود أوغلو إلى دمشق، ولقائه مع الرئيس السوري بشار الأسد لمدّة 6 ساعات ونصف ساعة.

اتّسم اللقاء بالتوتّر، وهو واحد من الأخطاء الاستراتيجيّة التي حصلت، من وجهة نظر الرئيس عبد الله غُل الذي كان ميّالاً إلى إرسال مستشاره أرشد هورموزلو، بدلاً من أحمد داود أوغلو، مبعوثاً يحمل الرسالة التركيّة إلى الأسد، قبل أن يستقرّ الخيار على أوغلو الذي يوصف بالمتشدّد، والمقرّب من رئيس الحكومة التركيّة آنذاك رجب طيّب إردوغان، ما أدخل علاقات البلدين في مرحلة جديدة من التأزّم، أدّت عبر مسار السنوات التسع من الأزمة السورية إلى تدخّل تركيا مرّة أخرى عسكريّاً، وبشكل مباشر، داخل الأراضي السورية. وقال غُل مجدداً إنّه «لو كان أرسل مستشاره بدلاً من داود أوغلو... لربما كنا رأينا شيئاً مختلفاً في الأزمة السورية، أعتقد أنّه كان من الممكن أن يقنع الأسد بشكل أفضل».

عندما بدأت المظاهرات في مصر وتونس، وصلت الأحداث إلى سوريا، وبدأ الشعب السوري يتّجه إلى التظاهر بدوره، وبدأت الأحداث من درعا. ولكن في سوريا كان ثمّة اختلاف. الجماهير التي كانت تحتشد في مصر وتونس واليمن كانت ترفع شعار: «الشعب يريد إسقاط النظام»، ولكن في سوريا كانت المظاهرات تنادي بأنّ «الشعب يريد إصلاح النظام». فلذلك، يرى غُل أنّه كان من الممكن التعايش مع السلطة، بالانتقال إلى نوع معيّن من الديمقراطيّة، خصوصاً بعدما وقعت أحداث درعا.

بدأ الأتراك يتحدّثون مع الأسد حول التطوّرات، ولطالما قالوا له إنّه يجب أن يأخذ المبادرة في قسم من الإصلاحات التي تُطمئن الشعب، وإنّ المبادرة يجب أن تتمّ بشكل فوري لإصلاح الوضع؛ لأن الخيار الآخر هو تدخّل الآخرين، وإن حدث فسيكون أي شيء يقدّمه متأخّراً وقليلاً جدّاً ولن يكون مفيداً. قد يضطرّ إلى تقديم تضحيات أكبر فيما بعد.

يتذكّر غُل: «كنا نتحدّث وكان يرسل إلينا بعضاً من مستشاريه، وبينهم ممن هم معه حاليّاً، وكنت أدلي أمامهم ببعض الأفكار. إلا أنّ المسار ذهب بشكلٍ مختلف تماماً، وبدأ القمع باستخدام السلاح والبراميل المتفجّرة، ما أثار الشعب كلّه». قدّم غُل مقترحات غير مباشرة للأسد، ضمن سياق الحديث عن موضوع الانتخاب الحرّ، وعن الحياة الحزبيّة والانتخابات، من ضمنها إطلاق سراح كثيرين من الموقوفين بقرار رئاسي.

في أغسطس (آب) قرّر الرئيس التركي أن يبعث مندوباً شخصيّاً، ورسالة لعلّها الأخيرة، إلى الرئيس بشّار الأسد، في محاولة لرأب الصدع؛ لأن الأمور بدأت تتطوّر وتتحوّل إلى صراع مسلّح، فكتب رسالة مؤثّرة ذكر فيها مرئيّاته، وطلب من مستشاره أرشد هورموزلو أن يصوغ الرسالة بالمفهوم نفسه باللغة العربيّة، بالنظر إلى أنّ غُل كان يتصوّر أنّ الرئيس بشّار الأسد شخصيّاً سوف يقرأها، إذا سُلّمت له باليد من المبعوث الشخصي، وسيقرأ حتماً الصيغة العربيّة.

يذكر هورموزلو أن مسارات نقل الرسالة التي تلاها تهشّم العلاقات التركيّة – السورية. يقول: «كان توجّه الرئيس أن أنقل أنا هذه الرسالة إلى الرئيس بشّار الأسد، وأن أتحدّث معه شخصيّاً بهذه الأفكار، وبلُغته. ولكن في اللحظات الأخيرة، طلب الدكتور أحمد داود أوغلو وزير الخارجيّة آنذاك، بما أنّه يدير هذا الملفّ، أن يقوم هو بحمل الرسالة، وطلب من الرئيس بشكل شخصي أن يكون هو الشخص الذي يحمل هذه الرسالة».

ذهب وزير الخارجيّة أحمد داود أوغلو إلى دمشق، وكان اللقاء الذي استمرّ 6 ساعات ونصف ساعة. وكما أذيع في وسائل الإعلام، انفجر داود أوغلو غضباً بوجه الأسد، وعامله بطريقة فوقيّة أثارت غضب الأخير، فأنهى الاجتماع. يقول المستشار: «أتصوّر أنّ ما سمعه الرئيس بشار الأسد وما حدث في ذلك اللقاء كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير للأسف».

من وجهة نظر تركيّة، ظهر أنّه كان هناك صراع في سوريا بين جهات معيّنة ترى الانفتاح، وجهات أخرى تدعو إلى التشدّد، لدرجة أنّ الرئيس السوري قرّر أن يلقي خطاباً في البرلمان، وانتظر الأتراك هذا الخطاب باهتمام كبير. يتذكّر هورموزلو أنّه في تلك اللحظات «هيّأنا جهاز التلفزيون في المكتب الملاصق لمكتب الرئيس؛ لأن كبار المسؤولين كانوا سيطّلعون على محتوى الخطاب عندما يُترجم ويُنشر، ولكن كنت معهم وأترجم لهم الخطاب بصورة فوريّة».شعر الموجودون بخيبة أمل؛ لأنّهم كانوا يتوقعون أن الرئيس سيفصح عن مفاجأة كبيرة تريح جميع الأطراف، ولكن قيل له إنّه كان هناك خطاب جيّد، بالمفهوم الذي كان الأتراك ينتظرونه، وقد تمّ تغييره في اللحظات الأخيرة. يقول غُل: «هذا ما سمعناه، وأتصوّر أنّ الموضوع قد يكون صحيحاً؛ لأن الرسائل الإيجابيّة التي كانت تصل من دمشق عن الخطاب تحوّلت إلى نوع من التشدّد، وهذا يعني أنّ الخطاب أصابته أصابع التغيير من الجهة المتشدّدة، أي الصقور الموجودين في محيط الرئاسة».


مقالات ذات صلة

خطاط عراقي ينجز مخطوطة ضخمة للقرآن الكريم في 6 سنوات (صور)

يوميات الشرق جزء من مشروع الخطاط العراقي علي زمان لمخطوط القرآن الكريم في جامع مهرماه سلطان بإسطنبول (أ.ب)

خطاط عراقي ينجز مخطوطة ضخمة للقرآن الكريم في 6 سنوات (صور)

ينظر الخطاط العراقي علي زمان بفخر إلى تحفته الفنية، وهي مخطوطة ضخمة للقرآن الكريم مكتوبة بخط اليد، استغرق إنجازها 6 سنوات من العمل الدؤوب والتفاني.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي لدى وصولهما إلى المؤتمر الصحافي في البيت الأبيض أمس (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو يستعد لترمب بخطة بديلة في غزة... وتركيز على إيران

وسط زخم من التقديرات والتسريبات الإسرائيلية عما جرى إعداده في تل أبيب للقاء دونالد ترمب، مع بنيامين نتنياهو، اعتبرت مصادر إسرائيلية أن اللقاء «معركة مصيرية».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية زلزال مرمرة المدمر في 1999 خلّف 17 ألف قتيل بينهم ألف في إسطنبول إلى جانب دمار واسع (أرشيفية - إعلام تركي)

شيء مريب يحدث في أعماق بحر مرمرة... إسطنبول مهدَّدة بكارثة

هناك شيء مريب يحدث في أعماق بحر مرمرة في تركيا. الصدع الموجود تحت هذا الحوض المائي الداخلي يشهد زلازل تتزايد في القوة، تتحرك تدريجياً نحو الشرق.

روبن جورج أندروز
المشرق العربي وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (رويترز) p-circle

وزير الخارجية التركي: نزع سلاح «حماس» ليس أولى الأولويات في غزة

رأى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن نزع سلاح حركة «حماس» لا يمكن أن يكون الأولوية الرئيسية في غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة سعودية  التركي كيفانتش كيرتاي، المتوج بالميدالية الذهبية في سلاح الشيش (الشرق الأوسط)

التركي كيفانتش بعد ذهبية سلاح الشيش: شعرت لحظات أنني لا أستطيع التنفس

شهدت منافسات المبارزة لسلاح الشيش ضمن دورة ألعاب التضامن الإسلامي بنسختها السادسة، أجواءً حماسية اتسمت بنديّة واضحة بين المتنافسين، بعدما جمعت المباريات النهائي

عبد العزيز الصميلة (الرياض )

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)
TT

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) حتى 3 فبراير (شباط) ليؤكد على مكانته بوصفه وجهة للثقافة العربية وعرساً للقراءة يختلط فيه الفكر بالإبداع بالأجواء الكرنفالية الاحتفالية التي يقبل عليها الجميع من الأعمار كافة.

واحتفت جوائز المعرض في دورته الأخيرة بأصوات جديدة تتسم بالموهبة والحيوية في مجالات مختلفة كالإبداع والنشر والنقد الأدبي، حيث فاز مدحت صفوت بجائزة «النقد الأدبي» عن كتابه «بلاغة الكود» مناصفة مع الدكتور صلاح السروي عن كتابه «مفهوم الرواية»، فيما ذهبت جائزة «العلوم الإنسانية - التراث والهوية» إلى الباحث حسن محمد الشافعي عن كتاب «الاغتراب والحداثة في النقد الثقافي العربي».

وفازت هناء متولي بجائزة «أفضل مجموعة قصصية» عن كتابها «ثلاث نساء في غرفة ضيقة»، كما ذهبت جائزة «أفضل ديوان شعر عامية» إلى الشاعر سعيد شحاتة عن ديوانه «فريدة... جدارية أمي اللي باعت عفشها»، بينما فازت الكتابة الشيماء رجب الشرقاوي بجائزة الرواية في فئة «الشباب» عن «ترنيمة عصفور أزرق»، فيما ذهبت جائزة «أفضل ناشر عربي» مناصفة بين مجموعة «بيت الحكمة للصناعة الثقافية» من مصر، ودار «أصالة» من لبنان.

التراث والترجمة

أما جائزة التراث، فجاءت مناصفة، حيث فاز بها كتاب «العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان» تحقيق الدكتور عاطف يمني، وكتاب «رسالتان في الاجتهاد والتجديد للشيخين حسن العطار ورفاعة الطهطاوي»، تحقيق الدكتور حسام عبد الظاهر، وهما صادران عن دار الكتب والوثائق القومية.

وفي مجال الفنون بالتعاون مع أكاديمية الفنون المصرية، فاز كتاب «رحلة العائلة المقدسة» للمؤلف صلاح أحمد عبد الحليم، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

وذهبت جائزة الترجمة لكتاب «التاريخ الإجرامي للجنس البشري» للمترجم الدكتور رفعت السيد علي، الصادر عن المركز القومي للترجمة، وفي فرع كتاب الطفل المترجم فازت موسوعة «التسلسل الزمني لكل شيء: من الحيوانات المنقرضة إلى الحروب العالمية» للمترجمة زينب عاطف سيد، الصادرة عن دار نهضة مصر.

جوائز التميز للمرة الأولى

واستحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه وتم تقسيمها على عدة فئات شملت «أفضل جناح بيئي محلي» وذهبت إلى جناح حلايب وشلاتين، و«أفضل عرض فنون تشكيلية» وكانت من نصيب معرض الكاريكاتير «نجيب محفوظ بعيون العالم»، كما نالت الهيئة العامة لقصور الثقافة جائزة «أفضل جناح في تخفيض أسعار»، في حين فاز الكاتب والممثل خالد الصاوي بجائزة «أفضل حفل توقيع» لديواني «كلام مرسل» و«أجراس»، فضلاً عن رواية «أطلال»، أما الكاتب نبيل عبد الفتاح فحصد جائزة «أفضل ندوة لمحلل سياسي».

وقال الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، إن جوائز التميز بمعرض القاهرة الدولي للكتاب تأتي ترجمة عملية لتوجهات الدولة المصرية في الاستثمار في الإنسان، وتعزيز دور الثقافة بوصفها أداة رئيسية لبناء الوعي، وتنمية القدرات الإبداعية، وترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية، مشيراً إلى أن المعرض أصبح منصة ثقافية شاملة تتجاوز عرض الكتب إلى دعم المبادرات النوعية والاحتفاء بالتجارب المتميزة في مختلف مجالات العمل الثقافي.

وذكر أن «هذا الحضور الكثيف الذي بلغ 6 ملايين و200 ألف زائر يعكس المكانة الراسخة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في وجدان المصريين والعرب والمقيمين على أرض مصر»، مشيراً إلى أن هذه الأرقام القياسية تترجم العلاقة العميقة بين الشعب المصري والكتاب، وتؤكد أن القراءة والمعرفة تظلان في صدارة اهتمامات المواطنين رغم كل التحديات.

أيام الفاطمي المقتول

وأعلن الناقد محمد بدوي فوز الكاتب التونسي نزار شقرون بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى، عن روايته «أيام الفاطمي المقتول»، حيث أوضح بدوي، خلال الإعلان عن الجائزة، أن الرواية الفائزة تميزت بطرح سردي عميق ورؤية فنية ناضجة، استطاعت أن توظف التاريخ والخيال في بناء روائي محكم، بما يعكس روح الجائزة وأهدافها في دعم الرواية العربية المعاصرة.

ووصل عدد الروايات المتقدمة لجائزة نجيب محفوظ إلى 108 روايات، وتشكلت لجنة التحكيم من النقاد محمد بدوي وحسين حمودة وخيري دومة والروائي محمد بدوي طه. وتأتي الجائزة بقيمة 500 ألف جنيه مصري بالإضافة إلى ميدالية ذهبية تكريماً لإرث نجيب محفوظ الأدبي، وهي ممولة بالكامل من البنك الأهلي المصري.

ومن جانبه، علق نزار شكرون على فوزه قائلاً عبر صفحته بموقع «فيسبوك»: «فخور هذه الليلة بفوزي بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، تتويج له مذاق خاص على أرض مصر العزيزة، سعيد باقتران اسمي وعملي الروائي باسم الروائي الكبير نجيب محفوظ، هذه لحظة فارقة في حياتي الأدبية، أهدي هذا الفوز لزوجتي الحبيبة هدى وابني إياد ورائي».

وسبق أن احتفى عدد من الأدباء والنقاد المصريين برواية «أيام الفاطمي القتيل» ومنهم الكاتب إبراهيم عبد المجيد الذي علق على العمل قائلاً: «بطل الرواية هو الميت الذي يخرج من تابوته ليحكي لنا ما حدث، حتى نعرف هل مات مقتولاً في مصر، التي منها حُملت الجثة إلى مدينته البيضاء في تونس، أم كان موته عادياً. الأمر يتوسع ليشمل ما شاهده قبل موته، أو بعد دفنه وإخراج جثته لفحصها مرة أخرى. أي أن الرواية يكتبها الميت نفسه». الشعر... موعد للفرح

وازدانت أروقة المعرض بالشعر والشعراء الذين صنعوا حالة من البهجة عبر الأمسيات التي ضمت عشرات الشعراء من جميع الأجيال، فضلاً عن الندوات الفكرية التي تحدث فيها أصحاب التجارب الكبرى عن تفاصيل رحلتهم مع القصيدة، كما في اللقاء الشعري الذي أجراه الشاعر محمد الكفراوي مع الشاعر جمال القصاص.

استحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه

وأشار الكفراوي إلى أنه عبر مسيرته الشعرية التي تصل إلى 65 عاماً، أمتعنا فيها جمال القصاص بأشعاره وصوره وخياله الجامح الفوّاح، منذ بداياته في «خصام الوردة» عام 1984، ومن بعد ذلك «شمس الرخام» 1990، و«ما من غيمة تشعل البئر» عام 1995، وصولاً إلى مرحلة فارقة في «السحابة التي في المرأة» 1997، ثم «من أعلى بمحاذاة الموسيقى»، و«الإسكندرية... رباعية شعرية»، وحتى ديوانه الأخير «تجرحني بخفة وتعلو».

وقال الشاعر جمال القصاص رداً على سؤال العودة إلى البدايات وممارسته الشعر: «بداياتي مع الشعر جاءت عبر انشغالي في مرحلة مبكرة جداً بالكتابة، والرسم الذي كان موهبتي الأولى، بدأت أكتب الزجل وذلك دون اقتناع مني، كان ذلك انشغالاً بالسطح لا العمق، كانت بداياتي قراءاتي للشعر، وقد نسخت بخط يدي ديوان إيليا أبو ماضي، ومن بعده درست العَروض بنفسي، وفي سن السادسة عشرة نشرت أول قصيدة لي، ومن هنا جاءت محبتي للشعر».

وتابع القصاص: «كان الشعر بمثابة بحرٍ لي، وخاصة أن الوصول إلى الشاطئ هو وصول مراوغ، ولم يأتني الشعر مباشرة، أنا من بحثت عنه واكتشفت أن في داخلي شاعراً، فالشعر بالنسبة لي تمرين يومي على الفرح، هو لحظة فرح حقيقية لا تأتي من الخارج».

وأدار الناقد محمد سليم شوشة حواراً مفتوحاً مع الشاعر المغربي حسن نجمي الذي وصفه شوشة بأنه «من أبرز الأصوات الشعرية في العالم العربي»، مشيراً إلى امتداد تجربته بين الشعر كجوهر للتجربة الإنسانية، والبعد النقدي، بالإضافة إلى حضوره في الرواية. وأوضح أن «الندوة تهدف إلى الحوار والتفتيش في سيرة وتجربة الشاعر التي تستدعي التراث العربي عامة والمغربي خاصة، وتسعى إلى إعادة تشكيل القصيدة بأشكال متعددة، ما يجعله صوتاً أصيلاً ومتميزاً».

وقال نجمي إن الإنسان لا يختار أقداره بل يعيشها قدر استطاعته، مشيراً إلى أنه «لا يوجد شاعر يقرر أن يكون شاعراً»، كما أن الطريق إلى الشعر صعب ولا يمكن تعلمه بسهولة أو اختياره، فضلاً عن أن الشاعر الحقيقي لا يمنح نفسه صفة الشاعر بسهولة، مستشهداً بتجربة محمود درويش الذي لم يكن يعلن عن نفسه شاعراً، ورأى أن الانتساب لهذه الصفة صعب جداً.


الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق
TT

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية. وقد أصدر حتى الآن عدة كتب لافتة. نذكر من بينها: «هل توجد فلسفة إسلامية؟»، ثم كتابه الضخم والمهم جداً عن ابن سينا بعنوان: «ابن سينا أو إسلام الأنوار». وهذا يعني أن إسلام الأنوار كان موجوداً في تاريخنا سابقاً وليس حديث العهد، وأن ابن سينا هو أحد كبار ممثليه، بالإضافة إلى بقية العباقرة والعظماء. ومؤخراً أصدر الدكتور عمر مرزوق كتاباً جديداً بعنوان: «المعتزلة: العقل والإيمان والحرية في أرض الإسلام».

ويرى هذا المفكر الجزائري المرموق أن المؤلفات الفلسفية العربية كانت محط اهتمام بحّاثة الغرب ومستشرقيه أكثر بكثير من بحّاثة الإسلام وشيوخه. وهذا ليس تناقضياً إلا في الظاهر فقط. فالواقع أن الاستشراق العلمي الأكاديمي هو الذي نشر مخطوطاتنا وحققها وأنقذها. وأكبر دليل على الانحطاط الذي نعيشه اليوم هو أننا بدلاً من أن نشكر الاستشراق الأكاديمي الرصين على هذه الخدمات الجليلة التي قدمها لنا ولتراثنا، رحنا نشتمه ونصب جام غضبنا عليه. لماذا؟ يقول لنا عمر مرزوق في هذا الصدد ما فحواه: لا ريب في أنه يوجد غربيون كارهون لنا ولتراثنا، ولكنهم أقلية قليلة قياساً إلى كبار المستشرقين الأكاديميين المتبحرين في العلم. وبالتالي فلا ينبغي التعميم إطلاقاً. لا ينبغي أن ننكر أفضال علماء الاستشراق الكبار الذين لم يكتفوا بتحقيق مخطوطاتنا التراثية فقط، وإنما طبقوا عليها المنهج التاريخي - النقدي الحديث لأول مرة في التاريخ، فأضاءوها بشكل غير مسبوق. وإذا ما واصلنا الهجوم الغبي عليهم، فنحن سنكون الخاسر الأكبر وليس هم. هل يُعقل أن نكون أعداء للعلم فقط وأحباء للجهل؟

وفي هذا الصدد ينبغي الاعتراف بالحقيقة التالية: وهي أن الحضارة الغربية هي وحدها التي تحررت من ظلاميات العصور الوسطى وغياهبها وتكفيراتها. وهي الظلاميات والتكفيرات التي لا تزال تهيمن على جمهور المسلمين حتى الآن. ثم يردف الدكتور عمر مرزوق قائلاً: وحدها الحضارة الأوروبية الحديثة تؤمّن للمثقفين حرية البحث والنقد والتمحيص حتى في المجال العقائدي الديني الحساس جداً. وهذه الحرية تؤمّنها أيضاً للباحثين العرب والمسلمين الذين يشتغلون في جامعات الغرب. ومن دون هذه الحرية النقدية الأكاديمية لا إبداع فكري، ولا استكشافات خلّاقة. ولذلك فإن الباحثين العرب يبدعون في عواصم الغرب وليس في عواصم العرب. وهذا يعني أن الحقيقة ممنوعة الإقامة في العالم الإسلامي حتى إشعار آخر. ينبغي العلم أن المستشرقين الأكاديميين لا يرفضون الفلسفة ولا يكفّرونها، بل إنهم يحتفلون بها على عكس جهابذة الشيوخ في العالم العربي والإسلامي. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الساحة الثقافية العربية والساحة الثقافية الفرنسية أو الأوروبية بشكل عام. ولهذا السبب ازدهرت الفلسفة في الغرب واضمحلت حتى ماتت في الشرق؛ وذلك لأنه من دون حرية فكرية لا فلسفة ولا عقل ولا حضارة ولا من يحزنون!

ثم ينبهنا الدكتور عمر مرزوق إلى الحقيقة التالية: وهي أن ثقافتنا التراثية التقليدية لا تهتم بالعلوم الإنسانية ولا بالفلسفة، بل تحتقرهما احتقاراً شديداً. ولماذا تهتم بهما إذا كانت تعتقد في قرارة نفسها أنها تمتلك الحقيقة المطلقة التي لا حقيقة بعدها؟ ولذلك تطغى علينا الجهالات القروسطية. انظروا إلى مدارسنا وجامعاتنا إلا ما رحم ربك. انظروا إلى برامج تعليمنا، وبخاصة فيما يتعلق بمادة التربية الدينية. شيء مخيف. انظروا إلى فضائياتنا وظلامياتنا. شيء مرعب. انظروا كيف يتحدثون عن الأديان الأخرى ويزدرونها. حياتنا كلها مليئة بتصورات تراثية تكرارية واجترارية عقيمة لا تقدم ولا تؤخر، بل قل تؤخّر وتجمّد حركة التاريخ. إنها تعرقل تقدمنا وتطورنا؛ وذلك لأنها تصورات متكلسة ومتحنطة جداً. لقد أكل عليها الدهر وشرب. نحن في وادٍ والعالم المتقدم كله في وادٍ آخر. وعلى الرغم من وجود عباقرة عرب ومسلمين على مدار التاريخ، فإنهم كانوا منبوذين أو مشبوهين من قبل أساطين الأصوليين المهيمنين على عامة الشعب. الشارع دائماً لهم قديماً وحديثاً، بل كان عباقرتنا معتبرين بمثابة زنادقة خارجين على الملة والدين. لذلك لم تزدهر الفلسفة والعلوم العقلانية عندنا كما ازدهرت في أوروبا والغرب عموماً. فكبار الفلاسفة من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وسواهم كانوا مكفّرين من قبل الأصوليين. كل أساطين الأصولية كانوا يكرهون الفلسفة ويحذرون منها ومن مخاطرها على العقيدة والدين. كلهم هاجموا الفلسفة واعتبروها ذات طابع وثني. لقد اعتبروها كعلم دخيل لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الكفر والإلحاد. كيف يمكن أن تزدهر حضارة عربية في مثل هذا الجو؟ وعندما نقول الفلسفة نقصد العقل لا النقل. النقل شبعنا منه. هل يمكن أن تزدهر حضارة ما من دون فكر عقلاني وعلم نوراني يشق غياهب الظلمات؟

ثم يستدرك عمر مرزوق هنا قائلاً: ولكن من الظلم أن نتهم شيوخ الإسلام وحدهم بمعاداة الفلسفة. فالواقع أن الأصوليين المسيحيين في أوروبا كانوا يفعلون ذات الشيء. وكانوا يرعبون العلماء والفلاسفة من أمثال غاليليو وديكارت وسبينوزا وعشرات الآخرين. كانت سيوف محاكم التفتيش مسلطة على رؤوس الجميع. ولكن الفرق بين العالم العربي وأوروبا هو أن محاكم التفتيش انتهت عندهم منذ زمن طويل، في حين أنها لا تزال مسلطة على رقابنا حتى الآن. لا يزال قمع الفلسفة (أي الفكر العقلاني الحر) متواصلاً منذ ألف سنة؛ أي منذ تكفيرها على يد الإمام الغزالي. وكذلك منذ اضطهاد الفقهاء المتشددين لابن رشد في قرطبة. هذا ناهيك بعبقري العباقرة ابن سينا الذي عاش مشرداً مرعوباً ملاحقاً من قبل فقهاء عصره الناقمين عليه والمكفّرين له، بل تعرض للسجن والإهانات، وربما مات مسموماً في نهاية المطاف وهو في عز الشباب: 57 سنة. هل اغتالوه؟ شبه مؤكد. ولا ننسَ مقتل السهروردي على يد صلاح الدين الأيوبي بعد أن وشى به شيوخ حلب المتشددون... إلخ. ولا ننسَ ولا ننسَ... لهذا السبب ماتت الفلسفة وانقرضت في أرض الإسلام، في حين أنها انتعشت كل الانتعاش في أوروبا، بل صعدت بشكل صاروخي منذ القرن السادس عشر حتى اليوم. ثم بعد كل ذلك يسألونك: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ إذا عُرف السبب بطل العجب. ولكن الأنوار العربية قادمة لا ريب فيها، وإلا فعلى الدنيا السلام!


«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو
TT

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي» - دار الرافدين: بغداد، 2025 - للكاتب الصحافي العراقي علي حسين، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية. الأول، تمثِّله صورة سارتر وبرميله المضخم، عربياً وعراقياً. والثاني، التأويل المعرفي - الفلسفي للوجودية في سياقها العالمي. هل ثمة فارق بين السياقين؟ لا شك؛ فهذا من نافلة القول، سوى أن «سارتر» كان في الطليعة في الحالتين! وهذا أحد كشوفات العنوان، المعلنة سلفاً، أو سواها. فـ«برميل سارتر» ذو قصدية فائقة؛ بانطوائها على دلالات مختلفة، وربما متعارضة. ففي لحظة تشييع «سارتر» تستعيد رفيقة دربه سيمون دي بوفوار أحد خطب رفيقها الراحل، وقد صعد على «برميل» ليتحدث أمام حشد من الطلبة والعمال عن الدور المفترض للمثقف، فهو «منحاز» للشعب. وعليه، من ثمَّ، أن يعرف أزمنة «البيانات»، و«الندوات» الصاخبة، ومثلها «المقالات» المنشورة بالصحف «الإصلاحية»، كل هذا «قد ولَّى». هذا محدد رئيس لدلالة «البرميل» وصاحبه «سارتر»، ولا ينبغي تركه يمضي في سبيله من دون «ضبط»؛ وهكذا فعل علي حسين ذاته بعنوان كتابه، ثم باستعادة مشهد صورة سارتر واقفاً على البرميل ذاته، فكانت الصورة عتبة أساسية توطئ للكتاب وتعيد توجيهه.

سارتر أم الوجودية؟

أفكر أن هناك «صورة» مسبقة أعدت باحترافية عن الفيلسوف الوجودي، وعن الوجودية كلها، كما أتصوَّر. وقد أفترض أن روافد كثيرة قد تضافرت معاً على تكوينها، في المقدمة منها المنطق الشعبي بأصوله الفولكلورية؛ حيث «البرميل» بديلاً عن «منصة» الجامعة أو القاعات الفخمة، حتى المقهى الشهير. ولقد أحسن الكاتب علي حسين اختيار عنوان كتابه، بل كان موفقاً في «استعادته» مشهد الوجودية في أصولها العالمية، وبظلالها العربية والعراقية المميزة.

لا أحد من فلاسفة القرن العشرين الكثيرين، وهو القرن الأشهر بأحداثه المتفجِّرة وكوارثه الكبرى، يمكن له أن يمثّل «الوجود» وفلسفته سوى سارتر ورفيقة دربه «سيمون دي بوفوار». وقد أجزم أن أي مؤرخ سينحاز، مجبراً، لمنطق سارتر وبرميله. وكأننا، هنا، إزاء قدرية لا مفرَّ منها ترغم الجميع على هذا التأويل والتاريخ المعدُّ سلفاً، بانتظام عجيب. ولكن لماذا «سارتر» وحده؛ «كامو»، أو «كيركغارد»، حتى نيتشه، وغيرهم ممن حقَّقوا شهرة عريضة، وأنجزوا منظومات فلسفية فكرية كبرى تتفوق كثيراً، ربما على «فلسفة» سارتر وبرميله، شأن الألماني هايدجر، لا تُذكر أسماؤهم في سياق التأسيس للفلسفة الأكثر تأثيراً في السياق العالمي بعيد الحرب العالمية الثانية! لا ينشغل كتاب «برميل سارتر»، ولا مؤلفه، بهذا الجدل، فهما معنيان بالدلالة الأولى للعنوان، مثلما أنهما، كما يظهر لنا من الكتاب نفسه، مشغولان بتتبُّع ورصد التحولات الكبرى التي أحدثتها الوجودية بصفتيها: الفلسفية - المعرفية والسياسية. وتبدو القيمة الفلسفية مترسِّخة وذات قيمة أساسية، وهي ما يهتم بها الكتاب، بينما تتوارى القيمة السياسية خلف مظاهر التفلسف.

في تقديم الكتاب ذي العنوان الاتهامي، ربما: «أنت المسؤول عن قراءة هذا الكتاب»، لا يشرح لنا علي حسين الكثير عن صاحبنا سارتر، ولا عن الوجودية. إنما يمضي في تلمُّس العذر له، أولاً؛ لأنه عاكف على قراءة كتب فلاسفة الوجودية، بقصد تأليف كتاب «متأخر»، ولا شك، عن الوجودية، الفلسفة الأكثر صخباً، بعد الماركسية وأحزابها السياسية، ويترك الأمر برمته، من ثمّ، للقارئ بأن يلقي على عاتقه مسؤولية القراءة والفهم، وربما تقدير إشكالية الكتابة، مجدداً، عن «فلسفة» صارت من الماضي «المجيد» في عصر الذكاء الصناعي. فهل هذا الأمر كافٍ لتسويغ الكتابة عن الوجودية وفلاسفتها بعيداً عن حاضرها التاريخي؟ هذا السؤال، في حقيقة الأمر، لا قيمة له في سياق الكتابة السيرية النقدية لشخصية فلسفية كبرى، أو لفلسفة أساسية كما هو شأن كتاب «برميل سارتر». وهذا مما نجد صداه في تقديم علي حسين لكتابه، لكنه يعرف أن المزاج الشخصي للمثقفين العراقيين، وهل يختلف العرب هنا! تتحكم به «الموضة» المنهجية والفكرية، وقد مضى زمن الوجودية وموضتها، فلا يحفل كثيراً باعتراضات بعض مثقفينا المشبعين بمنطق الموضة الثقافية.

كيركغارد

الوجودية، هنا، ليست محض «فلسفة» أو «اتجاه» فكري وسياسي ساد ثم باد، إنما هي بعض ماضي المؤلف ذاته، فالكتاب ليس عرضاً ثقافياً لفلسفة معينة فحسب، إنما هو «سيرة» مضمرة للكاتب علي حسين نفسه. في الأقل تتحدَّث عن «قراءات» المؤلف لكتب الفلاسفة الوجوديين. ولعل هذا المنطق السيري، ربما سوَّغ للكاتب أن يخوض بالأسئلة الكبرى التي واجهتها الوجودية بنسختها العربية، وقد ظهرت بمناخ «ثقافي» تآمري يعتاش على أسئلة المؤامرة والشك. فمن هو الوجودي؟ سؤال بصيغة عالمية ولا شك، يندر أن تخلو منه ثقافة عالمية، لكنه يصطدم عندنا بإشكالات الوجود كله، وبالصدارة منها الإشكالية السياسية. وبرغم ذلك، يظل سؤال الوجود ذا منطق متفرد وإشكالي. فالوجودي يُفهم، كما يجادل الكاتب ذاته في مواضع مختلفة من كتابه، على أنه «العبثي»، وهو «الملحد»، وربما هو «المنحل» أخلاقياً، مثلما قد يكون رداً متأخراً على تقديم «الماهية» على الوجود، كما يُفهم من مقولة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، بما جرى لها على يد الأب الروحي للوجودية الفيلسوف الدنماركي «كيركغارد» بتبريز الوجود على الماهية؛ بقوله: «أنا أفكر، فأنا إذن لست موجوداً». ولا أدري لماذا لا أستعيد، هنا، مقولة الكاتب ذاته، في ردِّه على المعترضين على راهنية الوجودية؛ لتسويغ الكتابة عنها؛ فهو يرى أن الرفض الحالي للوجودية بوصفها فلسفة هو بذاته موقف وجودي؛ لماذا؟ لأن الرفض يعبر عن الاختيار، وهذا واقع في «صميم» السؤال الفلسفي للوجودية.

الوجودية تستعيد آباءها

لكن البحث عن المسوغات اللازمة لتأمل الوجودية بوصفها فلسفة كبرى هو بذاته مسوغ كافٍ للبحث في الأصل الفلسفي للوجودية. ولا مسوِّغ لأمر ما أصلح من «اختراع» تاريخ له. هكذا سيجد علي حسين أن سؤال الوجود يفرض عليه بصفته مؤرخ الوجودية الحالي، أو الأخير، البحث في الأصول الأولى للوجودية؛ لماذا لا أقول إن التاريخ، هنا، ليس سوى محاولة أولى للبحث عن الأب المؤسس؟ والأب الأول هو بروتاغوراس اليوناني، المولود في أسرة فقيرة في جزيرة «أيديرا»، إحدى الجزر اليونانية، وقد كانت، وقتذاك، مقراً لديمقريطس، مؤسس المدرسة الذرية. وبروتاغوراس ذاته صاحب مقولة «الإنسان مقياس كل شيء»، وهي المقولة المنفتحة على إرث السفسطائيين، الذين يعدهم بعض المؤرخين الآباء الأوائل المؤسسيين للوجودية، ولا سيَّما بروتاغوراس وسقراط. وسيكتب كيركغارد لاحقاً أن بروتاغورس هو «أول من تفلسف حول الإنسان، وأن الفلسفة التي انبثقت عنه هي فلسفة للحياة». وسيغدو «التفلسف» حول الإنسان، أو ما سُمي لاحقاً بفلسفة الوجود وسؤالها المتفرِّد، هو النقيض الفلسفي لمنطق الفلسفة الأول وأسئلتها الخاصة بالميتافيزيقيا والظواهر المجاورة. وهو ما نهضت به الصياغات الأساسية الكبرى لفلاسفة الوجودية، كما عرض لها الكاتب علي حسين في كتابه.

لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟

وقد يكون من المناسب حقاً، أن نقف عند قضيتين أساسيتين. تتعلَّق الأولى بالإحاطة الموسعة التي يجدها القارئ متجسِّدة في كتابة السير الموجزة للفلاسفة الكثيرين الذين عرض المؤلف لحياتهم ومساهمتهم في الفلسفة الوجودية. وهذا أمر يُحسب كثيراً لعلي حسين؛ فقد تضمن كتابه عرضاً لحياة ومساهمة أكثر من 25 فيلسوفاً وكاتباً أساسياً ممن أسهموا في صياغة الفلسفة الوجودية. ويدخل في صميم هذه الإجادة ما نجده من إفاضة وتوسع في ذكر المصادر بأصولها العالمية وترجماتها العربية المختلفة. وللكتاب سمة أو قضية ثانية لا ينبغي إغفالها، وهي أن الكتاب يقترح مساهمة عربية أساسية في الفلسفة الوجودية، وهذا مما لا نجده، ربما منفرداً بفصل أو فقرة خاصة لدى غيره ممن كتبوا عن الوجودية وفلاسفتها الأساسيين. نتحدث عما أورده المؤلف عن الفيلسوف المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي ومساهمته الفاعلة في التأسيس للفلسفة الوجودية في العالم العربي. وقد يعنيني كثيراً، في هذا المقام، أن أطمح بأن أقرأ، قريباً، كتاباً مماثلاً من تأليف الكاتب نفسه، لنقل جزءاً متمماً ثانياً لبرميل سارتر، موضوعه الصياغة العربية للوجودية، لنسميها الأثر الوجودي في الثقافة العربية، ولا سيَّما العراق، البلاد التي شهدت تجذُّراً مختلفاً لليسار السياسي. وأزعم أن العرب قد قدموا فهماً مختلفاً عن الوجودية.

والآن؛ لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟ أفكر أن هذا من نافلة القول، وكتاب برميل سارتر يفارق منطق «الموضة» في سياق الفكر العربي وما يسود فيه من اتجاهات ومقولات فكرية. الأصل، كما يقول لنا علي حسين، وكما نفترض معه، أن سؤال الوجود هو سؤال الإنسان في مخاضاته المختلفة. وهو سؤال تاريخي يكرره الإنسان كلما استجده لديه جديد. وأزعم أننا في هذه المنطقة من العالم بحاجة ماسة لأن نتخلص من سلطان «الموضة» وسردياتها المنهجية الثقافية المكرَّرة، وهي سلطة تجعل من المعرفة العلمية ومناهجها المختلفة سلعة تُستبدل كلما جدَّ فيها جديد. وهذا بعض ما يفعله كتاب برميل سارتر بتقديم قراءة جديدة لفلسفة شغلت العالم لعقود متعدِّدة. وحبذا لو سعى آخرون لإضاءة آليات اشتغال الفكر العربي وخطاباته في ضوء أنظمة الموضة المنهجية الأخرى، مثل البنيوية أو التفكيكية حتى خطاب ما بعد الاستعمار. حقاً؛ إنه عمل مفيد، بل متفرد، يكسر دورة الموضة ويبطئ من فاعلية سردياتها المدمِّرة.