تهديدات سيبرانية لنظم «الذكاء الصناعي التوليدي»

من «تشات جي بي تي» المحاور إلى «هاك جي بي تي» القرصان

تهديدات سيبرانية لنظم «الذكاء الصناعي التوليدي»
TT

تهديدات سيبرانية لنظم «الذكاء الصناعي التوليدي»

تهديدات سيبرانية لنظم «الذكاء الصناعي التوليدي»

يستخدم المجرمون السيبرانيون منذ سنوات تقنيات الذكاء الصناعي لقرصنة نظم الشركات وتعطيل العمليات التجارية. ولكنّ أدوات الذكاء الصناعي التوليدي كـ«تشات جي بي تي» تضع قادة الأعمال أمام نسقٍ جديدٍ من التحديات.

تأمّلوا السيناريوهات المعقولة التالية:> قرصان يستخدم «تشات جي بي تي» ChatGPT لتوليد رسائل بهدف التصيّد الاحتيالي بناءً على مواد الترويج التي تعتمدها الشركة ورسائل التصيّد التي أثبتت نجاحها في تجارب سابقة، وينجح في خداع الأشخاص المدرّبين جيّداً على تمييز الرسائل الإلكترونية؛ لأنّها لا تبدو كالرسائل التي تدرّبوا على رصدها.> يتّصل روبوت محادثة بموظّف في المحاسبة ويتحدّث مستخدماً صوتاً مزيّفاً يبدو تماماً كصوت المدير. بعد تبادل بعض الطرائف، يطلب «المدير» من الموظّف تحويل آلاف الدولارات إلى حساب «لتسديد فاتورة». يعلم الموظّف أنّه يجب ألّا يفعل ذلك، ولكنّ المدير يمكنه القيام ببعض الاستثناءات، أليس كذلك؟

> يستخدم القراصنة السيبرانيون الذكاء الصناعي لـ«تسميم» المعلومات في أي نظام بشكلٍ واقعي، وصناعة ملفّ قيّم يمكنهم سحبه قبل اكتشاف عملية الاحتيال.

> في رسالة إلكترونية مزيّفة، ولكن مقنعة من إعداد الذكاء الصناعي التوليدي، يناقش أحد المديرين التنفيذيين في الشركة التغطية على عجز مالي. تنتشر الرسالة «المسرّبة» على نطاقٍ واسع بمساعدة جيش من روبوتات المحادثة على التواصل الاجتماعي، فتؤدّي إلى هبوط حاد في أسعار الأسهم وإلى ضررٍ دائم في سمعة الشركة.

قد تبدو هذه السيناريوهات مألوفة جداً للأشخاص الذين يتابعون بعناية قصص مواد «ديب فيك» والفوضى التي تحدثها على التواصل الاجتماعي أو الاختراقات الموجعة في أنظمة تكنولوجيا المعلومات في الشركات، ولكنّ طبيعة التهديدات الجديدة تقع في خانة مختلفة وفئة مخيفة؛ لأنّ التقنية التي تقف خلفها أصبحت «مخيفة أكثر».

- ابتكارات غير معهودة

استخدم معظم الاعتداءات السيبرانية حتّى اليوم منطلقات غير معقّدة. تخيّلوا ملايين التهديدات المتواصلة التي تفتقر إلى الأدمغة وتنجح فقط عندما تقع على نقطة أو نقطتي ضعف في الحاجز الدفاعي. في المقابل، تأتي التهديدات الأكثر تعقيداً – أي الاحتيالات والسرقات الكبرى التي نسمع عنها أحياناً في وسائل الإعلام – على شكل اعتداءات تتطلّب مشاركة بشرية حقيقية لتنجح.

هذا العصر الجديد من البرمجيات المدعومة بالذكاء الصناعي يعني أنّه لم يعد بإمكان الشركات استخدام منطلقات أفضل الممارسات التي كانت فعّالة قبل بضعة أشهر. بمعنى آخر، لن يكفي بعد اليوم أنّ تعتمد الشركات على الدفاع من العمق، أي تطبيق استراتيجية السياسات الأمنية الصحيحة، واستخدام الأدوات التقنية للوقاية والرصد، وتعزيز وعي الموظفين بالقواعد الأمنية؛ لأنّ عصراً جديداً قد بدأ.

باستخدام مجموعات من النصوص والأصوات والرسومات والفيديوهات، سيطلق الذكاء الصناعي التوليدي العنان لابتكارات غير معروفة وغير قابلة للكشف في مجال القرصنة، لا سيّما أنّ الدفاعات الناجعة ضدّها غير قابلة للأتمتة بعد.

- ردع ووقاية ذكية

> مواجهة الذكاء الصناعي التوليدي بالذكاء الصناعي التوليدي. يجب على الشركات أن تستخدم الذكاء الصناعي التوليدي لتقوية قدراتها الدفاعية وتسريع قدرتها على الاستجابة للتهديدات الجديدة في الوقت الحقيقي.

تعمل شركة «أوبن إي.آي». (صانعة «تشات جي بي تي») وغيرها على إطلاق أدوات كـ«جي بي تي. زيرو» GPTZero ستتيح للشركات رصد ما إذا كانت النصوص الجديدة (التي لا تتضمّن توقيعاً قابلاً للتعريف) هي من إنتاج الذكاء الصناعي التوليدي. تستطيع الشركات من خلال إدراج هذه الأدوات في خوادم البريد الإلكتروني تحسين احتمالية حجب رسائل التصيّد المتطوّرة.

ثانياً، من الضروري جداً أن يتحسّن الرصد بالوقت الحقيقي وبسرعة. تعتمد شركات كثيرة على رصد النمط لصدّ الاعتداءات، ولكنّ المشكلة هي أنّ الأنماط تتشكّل بناءً على معلومات من اعتداءات سابقة. لذا؛ ولمواجهة الاعتداءات المدفوعة بالذكاء الصناعي التوليدي، نحتاج إلى عصرٍ جديد من الوقاية «الذكية».

يملك الذكاء الصناعي التوليدي القدرة على تحسين قدرة الشركات على الرصد السريع للاعتلالات في السلوكيات والأفعال بين الموظفين أو أي مكان آخر في قلب أنظمة الشركة. تعدّ سلوكيات الموظفين – والتي يمكن تحديدها من خلال الأنظمة التي يلجون إليها، وكمية البيانات التي يصلون إليها، والجهات التي يتواصلون معها عبر البريد الإلكتروني – قابلة للتوقّع بشكلٍ يومي بحسب المهام الوظيفية الموكلة إليهم؛ الأمر الذي يمكن وصفه ببصمتهم السلوكية. إذا تغيّرت هذه البصمة فجأة ومن دون تعديل في توصيف وظيفتهم، قد يشير هذا الأمر مثلاً إلى وجود محاولة للقرصنة أو سلوك خاطئ من أحد الموظفين.

تستطيع الشركات استخدام الذكاء الصناعي التوليدي مع بعض أدوات الذكاء الصناعي لتحديد مدى الضرر – أو تحديد عدم حصول اختراق. أُعلن أخيراً عن عددٍ لا بأس به من إضافات المتصفّح وتطبيقات الطرف الثالث المطوّرة المدفوعة ببرنامج «جي بي تي - 4»؛ لذا يجب أن نتوقّع إطلاق أدوات أمنية مدعومة بالذكاء الصناعي قريباً.

> تدريب الأفراد على الاعتداءات الأكثر ذكاءً. يبقى السلوك البشري الواعي للأمن ضرورياً وأساسياً للسلامة السيبرانية، ولكنّ الناس يستمرّون في ارتكاب الأخطاء. تعمل حملات توعية كثيرة على توصيف التهديدات القائمة وتقدّم قواعد يجب اتباعها: لا تنقروا على الروابط، واحرصوا على استخدام كلمات مرور قوية، وحدّثوا جميع البرمجيات، والكثير غيرها.

في مجال الذكاء الصناعي التوليدي، يحتاج التدريب الواعي إلى الانتقال من السياسات التي تحكم السلوك إلى الجهوزية المعتمدة على المعرفة التي تتيح للموظف رصد التهديدات الجديدة. بمعنى آخر، يجب على الموظّف أن يعرف ما يكفي من المعلومات عن القرصنة ليتطوّر من مجرّد عارفٍ للقواعد إلى مدافعٍ نشط. مع تقدّم أدوات الذكاء الصناعي التوليدي، فقدت سياسات أمن المعلومات التقليدية فاعليتها؛ لأنّ المقاربة المبنية على القواعد لم تعد ببساطة ناجعة.

تحتاج الشركات إلى التخلّي عن الاستراتيجية المبنية على الامتثال لصالح أخرى يُصار فيها إلى تطوير مهارات الموظف؛ الأمر الذي يتطلّب تدريبات بقيادة مختص، وجهاً لوجه أو عبر الإنترنت، وتطوير المعرفة التي تتخطّى السياسات التقليدية.

باختصار، يمكن القول إنّ أفضل دفاع في وجه الحيل المدعومة بالذكاء الصناعي يكون بالتعلّم من الذكاء الصناعي نفسه، وهذا الأمر لا يعني استراتيجيات دفاعية أسرع وأقوى فقط، بل استراتيجيات أذكى للتقنية والنّاس أيضاً.

لن تستطيعوا مواجهة «الزومبي» الذكي بتعلية السور، ولكن يمكنكم تعزيز الدفاعات التقليدية بأدوات جديدة معززة بالذكاء الصناعي. في عالم جديد ومخيف من «هاك جي بي تي» HackGPT المتسلل والقرصان، يجب أن تبدأوا من اليوم بالتحضير للحفاظ على أمن وسلامة شركاتكم.

- باحثة علوم الكومبيوتر بجامعة ستراثكلايد الأسكوتلندية - بروفسورة النظم المعلوماتية بجامعة مسيسيبي الأميركية - مدرس أقدم في كلية سلاون للإدارة بمعهد ماساشوسيتس للتقنية. «سلاون مانيجمنت ريفيو» - معهد ماساتشوستس للتقنية

ـ خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

تحذير لمستخدمي «ChatGPT»: دعوات مزيفة عبر «أوبن إيه آي»

تكنولوجيا يستغل المحتالون ميزات الدعوات الرسمية في «OpenAI» لإرسال رسائل احتيالية تبدو موثوقة تقنياً (شاترستوك)

تحذير لمستخدمي «ChatGPT»: دعوات مزيفة عبر «أوبن إيه آي»

يحذّر خبراء «كاسبرسكي» من أسلوب احتيالي جديد يستغل دعوات «أوبن إيه آي» الرسمية لخداع مستخدمي «ChatGPT» ودفعهم إلى الروابط والمكالمات الوهمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تُظهر بيانات عام 2025 أن الغالبية العظمى من هجمات التصيد الاحتيالي تستهدف سرقة بيانات تسجيل الدخول للحسابات الإلكترونية (شاترستوك)

47 مليون رابط تصيد احتيالي استهدف مستخدمي الشرق الأوسط خلال عام

تكشف «كاسبرسكي» تصاعد التصيد الاحتيالي في الشرق الأوسط حيث تُسرق بيانات الدخول ويُعاد بيعها، ما يحول الهجمات الفردية إلى مخاطر سيبرانية طويلة الأمد.

نسيم رمضان (لندن)
أوروبا أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن الخرق الأمني جرى بسبب ضعف إجراءات «السلامة الرقمية» (رويترز)

سرقة ملفات «حساسة» في هجوم سيبراني على الداخلية الفرنسية

أعلنت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، أنه تم «استخراج... بضع عشرات» من السجلات السرية خلال هجوم سيبراني على وزارة الداخلية الفرنسية استمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 6 يوليو 2021 (رويترز) p-circle 01:59

«عملية الأخطبوط»… قراصنة إيرانيون يزعمون اختراق هاتف رئيس وزراء إسرائيلي سابق

زعمَت مجموعة قرصنة إيرانية تُدعى «حنظلة» (Handala)، يوم الأربعاء، أنها نجحت في اختراق الهاتف المحمول لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
تكنولوجيا معرض «بلاك هات» أفسح مساحة كبيرة للطلاب ضمن فعالياته (تصوير: تركي العقيلي) p-circle

ما الذي يدفع «ناشئين» سعوديين للالتحاق بقطاع الأمن السيبراني؟

أظهر تقرير حديث للهيئة الوطنية للأمن السيبراني في السعودية، أن حجم القوى العاملة في قطاع الأمن السيبراني بالمملكة؛ بلغ أكثر من 21 ألف مختص خلال عام 2024.

غازي الحارثي (الرياض)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».