العقوبات الأميركية... هل لا تزال صالحة للتطبيق في أفريقيا؟

بعد تلويح واشنطن بفرضها على أطراف الصراع في السودان

مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)
مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)
TT

العقوبات الأميركية... هل لا تزال صالحة للتطبيق في أفريقيا؟

مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)
مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)

أعاد تلويح الولايات المتحدة الأميركية بإمكانية فرض عقوبات على مَن وصفتهم بأنهم «بعض الأشخاص الذين يزعزعون استقرار السودان ويقوضون هدف التحول الديمقراطي»، طَرْح تساؤلات بشأن جدوى العقوبات الأميركية التي باتت تمثل أداة قد تستخدمها واشنطن تجاه بعض دول العالم، ومن بينها دول أفريقية لأسباب متنوعة.

ورأى مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن نهج العقوبات الأميركية «فقد معناه» في ظل تحولات جوهرية تعيشها القارة الأفريقية والعالم بشكل عام. وأشاروا إلى تجارب لدول أفريقية استطاعت التعايش مع العقوبات الأميركية، من دون أن تغير من سياساتها في الاتجاه الذي تريده واشنطن.

وأصدر الرئيس الأميركي جو بايدن، أول من أمس (الخميس)، أمراً تنفيذياً يسمح بفرض عقوبات على «بعض الأشخاص الذين يزعزعون استقرار السودان ويقوضون هدف التحول الديمقراطي».

وكتب بايدن في رسالة إلى رئيس مجلس النواب وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، أنه يرى أن الوضع في السودان «يشكل تهديداً غير اعتيادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة».

وشهدت العقود الماضية فرض الولايات المتحدة لعقوبات على دول أفريقية عدة، لأسباب متنوعة، وتوجد 8 دول أفريقية في قائمة العقوبات التي تطبقها وزارة المالية الأميركية، هي: بوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وليبيا، وزيمبابوي، والصومال، وجنوب السودان، وجمهورية أفريقيا الوسطى. ويتعلق الأمر في الغالب بعقوبات ضد أشخاص أو شركات ومنظمات بسبب خروقات حقوق الإنسان، أو ضمن عقوبات تفرضها الولايات المتحدة بحق أنشطة لمنظمات «إرهابية» أو ناشطين في مجال الجريمة المنظمة.

ويمكن للسلطات الأميركية فرض عقوبات على أشخاص، وبغض النظر عن الدولة التي يقيمون فيها، أو ينتمون إليها حتى بسبب «الفساد»، وذلك بموجب قانون «ماغنيتسكي»، الذي صادق عليه الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، في ديسمبر (كانون الأول) 2012.

وفي 2016، اعتمد «الكونغرس» النسخة الدولية من هذا القانون، الذي يمنح الرئيس الأميركي صلاحية فرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم، من خلال تجميد أصولهم وحظرهم من دخول الولايات المتحدة، وقد تمتد العقوبات لأمور أخرى.

وفرضت الولايات المتحدة على نحو 120 شخصية أفريقية عقوبات طيلة السنوات الماضية، كان من أشهرهم رئيس زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، الذي واجه في 2017 «انقلاباً»، وتوفي في 2019. وأدرجت زيمبابوي في قائمة العقوبات الأميركية منذ بداية الألفية الثانية، بسبب العنف السياسي وتهديد الديمقراطية. كما فرضت الولايات المتحدة عام 2011 عقوبات على رئيس كوت ديفوار لوران غباغبو، وزوجته وأنصاره، بعد إلغاء الانتخابات في بعض مدن البلاد، واستمرت العقوبات رغم اختيار غباغبو لفترة رئاسية ثانية.

ولا يقتصر فرض الولايات المتحدة لعقوبات على دول وشخصيات أفريقية على تطورات الأحداث داخل القارة، بل يمكن أن ترتبط العقوبات بتطورات خارجها، فقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي، فرض عقوبات على 52 فرداً وكياناً بـ9 دول، قالت إنها على صلة بـ«حزب الله» اللبناني.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، قالت وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، إنها ناقشت موضوع العقوبات ضد روسيا الاتحادية، مع جميع الدول التي زارتها خلال جولتها الأفريقية، وحثتها على الالتزام بهذه العقوبات.

وذكرت الوزيرة حينها أنها «هددت الجميع برد سريع وحاسم من واشنطن على انتهاك هذه العقوبات». وتثير تلك العقوبات خلافات واضحة بين السلطات الأميركية ونظيرتها في الدول الأفريقية؛ فبعدما أدرجت الولايات المتحدة في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 على لائحة العقوبات 4 أعضاء من خلية تابعة لتنظيم «داعش» في جنوب أفريقيا، لقيامهم بـ«توفير الدعم المالي للتنظيم الإرهابي»، أدرجت 8 شركات يمتلكها الأفراد التابعون للخلية على لائحة العقوبات.

وردت جنوب أفريقيا في يناير (كانون الثاني) الماضي، على لسان وزيرة خارجيتها، ناليدي باندور، بالقول إن بلادها أكدت للولايات المتحدة الأميركية على ضرورة «التراجع عن سياسة العقوبات أحادية الجانب»، مشيرة إلى أنها «تؤثر على الدول التي لا تدخل في الصراعات».

ورأى إبراهيم إدريس، خبير الشؤون الأفريقية المقيم في الولايات المتحدة، أن التهديد الأميركي بفرض عقوبات على طرفي الصراع في السودان «أمر محتمل»، بالنظر إلى الخطاب الأميركي الذي استخدمته الولايات المتحدة في «مجلس الأمن»، والذي لوَّحت خلاله بالعصا في مواجهة الصراع في السودان.

وأوضح إدريس لـ«الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة استخدمت الأسلوب ذاته خلال النزاع بين «جبهة تحرير تيغراي»، والحكومة الفيدرالية الإثيوبية، قبل 3 أعوام؛ إذ ضغطت بالعقوبات على حكومتي إثيوبيا وإريتريا التي شاركت قواتها في النزاع إلى جانب حكومة أديس أبابا، وكانت «العقوبات أداة أميركية أساسية لدفع القوى المتنازعة إلى وقف إطلاق النار وقبول التفاوض، وهو ما تحقق لاحقاً في (اتفاق بريتوريا)».

واعتبر خبير الشؤون الأفريقية أن «منهج العقوبات بات غير مجدٍ»، مستشهداً في هذا الصدد بالتجربة الإريترية التي واجهت عقوبات أميركية لمدة عقدين، ومع ذلك لم تثنها العقوبات عن مواقفها، بل سعت إريتريا إلى تطوير علاقاتها مع الصين وروسيا، وكذلك بالتجربة السودانية نفسها خلال سنوات حكم البشير، مشيراً إلى أن قيادات «مجلس السيادة السوداني» الحالي عاشوا تلك الفترة، ويمكنهم أيضاً التعامل معها مستقبلاً، عبر تطوير علاقات مع أطراف دولية وإقليمية أخرى تساعد السودان على تفادي أي تأثير محتمل للعقوبات.

من جانبه، أشار إسحاق عبد الرحمن، الباحث السياسي التشادي، إلى أن العقوبات الأميركية «فقدت أي معنى كان لها قبل سنوات»، لافتاً إلى أن كثيراً من تلك العقوبات «كان يُولَد ميتاً قبل تطبيقه».

وأضاف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أن أساليب الالتفاف حول العقوبات الأميركية في دول القارة وفي غيرها معروفة لكثير من الأطراف، بل وربما تشارك فيه الالتفاف حول تلك العقوبات مؤسسات وشركات أميركية، ضارباً مثالاً بما عُرف بقضية «إيران كونترا» في ثمانينات القرن الماضي. وتابع أن العديد من الدول الأفريقية استطاعت أن تطور على مدى السنوات الماضية علاقات ممتدة ومتعمقة مع قوى دولية صاعدة، مثل روسيا والصين، مضيفاً أن إصرار واشنطن على اتباع نهج العقوبات القديم «لم يعد صالحاً، في ظل المتغيرات التي تشهدها القارة؛ فمن تعاقبه واشنطن سيجد إلى جانبه حلفاء أقوياء من خارج الدائرة الغربية».


مقالات ذات صلة

مجلس الشيوخ الأميركي يتبنى عقوبات جديدة على روسيا

الولايات المتحدة​ السيناتور الجمهوري جيم ريش رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي (رويترز)

مجلس الشيوخ الأميركي يتبنى عقوبات جديدة على روسيا

تبنى أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي بغالبية واسعة، الجمعة، رزمة عقوبات جديدة على روسيا، تستهدف خصوصاً عائدات موسكو من قطاع الطاقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (يمين) والعقيد راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو (وسط) حفيد الرئيس السابق راؤول كاسترو ووزير القوات المسلحة الجنرال ألفارو لوبيز مييرا خلال حضورهم جنازة الجنود الكوبيين الـ 32 الذين قتلوا خلال التوغل الأميركي في فنزويلا (أ.ف.ب)

واشنطن تفرض عقوبات على مسؤولين عسكريين كوبيين لشرائهم أسلحة من الصين وروسيا

تتهم واشنطن الكيانات المرتبطة بالدولة التي استهدفتها العقوبات الجديدة، بمساعدة كوبا في الحصول على أسلحة من دول تعتبر معادية للولايات المتحدة، بما في ذلك الصين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي العقوبات الأميركية شملت «فلاي بغداد» عام 2024 بتهمة تغذية أنشطة «الحرس الثوري» الإيراني (أ.ف.ب)

«فلاي بغداد» تستأنف نشاطها بعد رفع عقوبات أميركية

استأنفت شركة الطيران العراقية الخاصة «فلاي بغداد» رحلاتها الجوية، بعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات التي كانت قد فرضتها عليها قبل عامين.

«الشرق الأوسط» (لندن - بغداد)
أميركا اللاتينية أشخاص يسيرون في أحد شوارع هافانا بكوبا... 3 أغسطس 2026 (رويترز)

بعد انقطاع شامل... عودة تدريجية للكهرباء في كوبا

بدأ التيار الكهربائي يعود تدريجياً، الاثنين، إلى كوبا التي شهدت عتمة شاملة، هي السادسة منذ مطلع العام.

«الشرق الأوسط» (هافانا)
شؤون إقليمية زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لعناصر من «الحرس الثوري» في مضيق هرمز فبراير الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

عقوبات أميركية على كيانات إيرانية بتهمة ابتزاز السفن

أعلنت الولايات المتحدة، الأربعاء، فرض عقوبات جديدة على كيانات إيرانية، بينها اثنان مرتبطان بـ«الحرس الثوري»، متهمة إياهما بفرض «بدلات تأمين» على السفن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الأمم المتحدة: «إيبولا» يقضي على مصاب كل ثلاثين دقيقة في الكونغو الديمقراطية

متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة: «إيبولا» يقضي على مصاب كل ثلاثين دقيقة في الكونغو الديمقراطية

متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)

أعلن مسؤول بارز في الأمم المتحدة، الجمعة، أن فيروس «إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية يودي بحياة شخص كل ثلاثين دقيقة، داعيا إلى تحرك دولي أكبر لمكافحة تفشيه.

عمال في المجال الطبي يحملون غطاء نعش أحد المتوفين بفيروس «إيبولا» في أحد مستشفيات الكونغو الديمقراطية (إ.ب.أ)

وقال توم فليتشر، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، في بيان «يُعد هذا التفشي الأسرع انتشارا على الإطلاق»، مضيفا «نحن بحاجة إلى السرعة وتوسيع نطاق الاستجابة والتضامن قبل أن يتقدم الفيروس علينا أكثر».

وأودى تفشي فيروس إيبولا بحياة ما لا يقل عن 2128 شخصا من بين أكثر من 4500 إصابة منذ الإعلان عن ظهوره في الكونغو الديمقراطية في 15 مايو (أيار)، حيث كانت الأمم المتحدة قد نبهت إلى أن هذا التفشي في طريقه ليصبح الأكثر فتكا في تاريخ المرض.

وحذر فليتشر بعد أن استعرض أحدث الجهود لاحتواء الفيروس الذي ينتقل عبر ملامسة سوائل الجسم ويسبب حمى نزفية، من أن «إيبولا ينتصر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ولا يمكننا السماح للفيروس بأن يتجاوز استجابتنا».

وكشف أن «الوباء يقتل شخصا كل 30 دقيقة»، مشيرا إلى أن «أعدادا أكبر بكثير من الناس معرضون للخطر».

وذكر فليتشر أن الدول تبرعت حتى الآن بنحو 300 مليون دولار لصندوق مخصص لمكافحة هذا التفشي.

وعقب اجتماع لوكالات الأمم المتحدة، أعلن عن تخصيص 30,5 مليون دولار إضافية من صندوق الطوارئ التابع للأمم المتحدة، لتضاف إلى 24 مليون دولار خُصصت لمساعدة جمهورية الكونغو الديمقراطية وأربع دول أخرى في التصدي للوباء.

وسُجلت إصابات في ست مقاطعات في الكونغو الديمقراطية، إضافة إلى أوغندا، كما رُصدت حالات بالقرب من الحدود مع جنوب السودان.

وأشار فليتشر إلى إرسال 20 موظفا إضافيا إلى «الخطوط الأمامية» لمواجهة إيبولا، لكنه أكد أن هناك حاجة للمزيد.

وقال «نحتاج إلى مضاعفة عدد الفرق التي تضمن عمليات دفن آمنة وكريمة، ومضاعفة القدرة الاستيعابية للعلاج ثلاث مرات وتحسين عمليات تتبع المخالطين ونشر المزيد من المديرين ذوي الخبرة».

وأضاف «والأهم من ذلك، يجب علينا تلبية الاحتياجات الهائلة للمياه والنظافة والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية في المنطقة».

ويعود التفشي الـ17 للإيبولا إلى سلالة بونديبوغيو التي لا يوجد لها علاج أو لقاح معروف.

وأودى فيروس إيبولا بحياة أكثر من 15 ألف شخص في إفريقيا على مدار الخمسين عاما الماضية.

أما التفشي الأكثر فتكا الذي امتد بين عامي 2018 و2020، فقد أدى إلى وفاة نحو 2300 شخص من أصل 3500 إصابة.


مالي: تحرير 82 عسكرياً كانوا في قبضة المتمردين

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)
TT

مالي: تحرير 82 عسكرياً كانوا في قبضة المتمردين

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

أعلن في دولة مالي، الخميس، عن تحرير 82 عسكرياً كانوا في قبضة المتمردين الطوارق، وقعوا في الأسر خلال المواجهات العسكرية في شمال مالي منذ 2023، وسط تضارب في الروايات حيال عملية التحرير.

وتشهد دولة مالي مواجهات مسلحة عنيفة بين الجيش المالي المدعوم من القوات الروسية، والمتمردين الطوارق المتحالفين مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة»، وقد وصلت هذه المواجهات ذروتها في شهر أبريل (نيسان) الماضي، حين هاجم المتمردون وتنظيم «القاعدة» عدة مدن مالية، من بينها العاصمة باماكو، وهي الهجمات التي قتل فيها وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا.

وخلال هذه المعارك، وقع في الأسر عشرات الجنود الماليين، فيما قتل المئات من المتمردين ومسلحي «القاعدة»، حسب إحصائيات الجيش المالي.

تصاعد الدخان في مكان الهجوم في مدينة غاو شمال مالي (أ.ب)

رواية المتمردين

وفي تطور جديد، أعلنت «جبهة تحرير أزواد»، المشكَّلة في الغالب من المقاتلين الطوارق، إطلاق سراح 82 عسكرياً مالياً، وهو ما بررته بأنه يأتي امتثالاً لما قالت إنها «قيم الإسلام النبيلة القائمة على الرحمة والإحسان».

كما أكدت الجبهة أنها تفرج عن العسكريين الماليين «استناداً إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني، وإلى اتفاقيات جنيف المتعلقة بمعاملة الأسرى»، دون أن تشير إلى وجود أي صفقة، مكتفية بالقول إنها سلمت العسكريين المفرج عنهم إلى ممثلين عن الجيش المالي، «وفقاً للترتيبات التي تم الاتفاق عليها بهذا الشأن».

وأوضحت الجبهة، في بيان صحافي، أنها هي من حدد زمان ومكان تسليم الأسرى، دون أن تضيف أي تفاصيل أخرى.

أرشيفية لهجوم شنه مسلحون انفصاليون في مدينة غاو شمال مالي (أ.ب)

رواية الجيش

من جانبها، أعلنت هيئة الأركان العامة للجيوش في مالي، عن تحرير العسكريين من الأسر لدى من وصفتها بأنها «جماعات مسلحة إرهابية تابعة لتحالف (نصرة الإسلام والمسلمين) و(جبهة تحرير أزواد)»، وأكدت قيادة الجيش أن «العسكريين المحررين باتوا الآن في أمان، وتتكفل بهم المصالح المختصة».

ولم تفصح هيئة أركان الجيش المالي عن أي تفاصيل حول كواليس تحرير الجنود الأسرى، ولكنها احتفت بتحريرهم وقالت إنه «يأتي تتويجاً لعملية انطلقت منذ لحظة أسرهم، وشهدت تخطيطاً صارماً وتعبئة منسقة للقدرات اللازمة لإدارة هذا النوع من العمليات».

وأشادت قيادة الجيش بما قالت إنه «شجاعة وصمود وكرامة العسكريين خلال فترة احتجازهم»، كما أعربت عن «امتنانها العميق لعائلاتهم على صبرها وثقتها وقوتها المعنوية الملحوظة طوال هذه المحنة».

وفيما يحتفي الطرفان، المتمردون والجيش، بالإفراج عن الجنود الأسرى، يتساءل مراقبون عن الصفقة التي تم بموجبها ذلك، حيث تجري العادة بأن المتمردين يقدمون طلبات مقابل الإفراج عن الأسرى، من أهمها تحرير سجناء لدى باماكو.

حركة مرور على أحد الطرق الرئيسية في العاصمة المالية باماكو (أ.ف.ب)

حصيلة الجيش

على صعيد آخر، كان الجيش المالي قد أعلن، الثلاثاء، أن عملياته العسكرية أسفرت عن مقتل أكثر من 1800 مسلح، وتدمير عشرات القواعد اللوجستية التابعة للمتمردين والجماعات الإرهابية، خلال شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2026.

وقال العقيد بكاري بوبكر مايغا، مدير الاتصال والعلاقات العامة في الجيش المالي، إن عمليات الجيش أسفرت عن مقتل 1850 مسلحاً، وتدمير 45 قاعدة للجماعات المسلحة، خلال هذه الفترة، وذلك في أعقاب الهجوم الذي شنه المتمردون ضد قاعدة للجيش في أنفيس.

جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو يوم 30 أبريل 2026 (أ.ب)

وأضاف مايغا في حصيلة قدمها أمام الصحافة، أن الجيش المالي دمر 153 سيارة من نوع (بيك آب)، وأكثر من 230 دراجة نارية، ومعدات لوجستية مختلفة، مشيراً إلى أن الجيش نفذ خلال هذه الفترة «1545 طلعة جوية، مثلت 5336 ساعة طيران»، أسهمت في «تحييد العديد من المواقع اللوجستية المنسوبة للجماعات المسلحة الإرهابية».

وأشار إلى العمليات العسكرية، التي نفذها الجيش لتأمين الأنشطة الاقتصادية، ومن بينها «مواكبة 15589 صهريجاً»، نحو نصفها محمل بالوقود، ضمنها أكثر من 900 صهريج تم إدخالها في 11 يوليو إلى العاصمة باماكو.


14 مرشحاً يتنافسون في انتخابات رئاسية «شبه محسومة» في زامبيا

صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)
صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)
TT

14 مرشحاً يتنافسون في انتخابات رئاسية «شبه محسومة» في زامبيا

صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)
صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)

توجه الناخبون في زامبيا، الخميس، إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس للبلاد من بين 14 مرشحاً، يعد أوفرهم حظاً الرئيس المنتهية ولايته هاكايندي هيشيليما، الساعي لولاية رئاسية ثانية، ويراهن في ذلك على ما حققه من نتائج اقتصادية مهمة خلال سنواته الخمس الأولى، في بلد يعد ثاني منتج للنحاس في القارة الأفريقية.

ودُعي نحو 8.7 مليون ناخب للتصويت في البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 22 مليون نسمة، وذلك في إطار انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية تجري في وقت واحد، ويتوقع إعلان النتائج يوم الاثنين المقبل.

الرئيس المنتهية ولايته هاكايندي هيشيليما وسط ناخبين وإعلاميين بعد الإدلاء بصوته في لوساكا الخميس (إ.ب.أ)

ورقة الاقتصاد

وتُشكل هذه الانتخابات اختباراً جديداً لهذا البلد المشهود له بالاستقرار في منطقة أفريقيا الجنوبية؛ إذ يتولى الرئيس هيشيليما قيادته منذ عام 2021، ويخوض الانتخابات مستنداً إلى سجله الاقتصادي، بعدما قاد زامبيا خلال عملية إعادة هيكلة ديونها وتحقيق التعافي الاقتصادي، في أعقاب تخلفها عن سداد ديونها السيادية عام 2020.

وحصلت حكومته على اتفاق تاريخي لإعادة هيكلة الديون، واستعادت برنامجاً مع صندوق النقد الدولي، لتستأنف النمو المتوقع عند 5 في المائة هذا العام، وحصلت على إشادات من المانحين والمستثمرين الدوليين.

ولكن هيشيليما، الذي وصل إلى السلطة بعد انتقال ديمقراطي سلمي، يواجه اتهامات بالتضييق على الحريات السياسية خلال السنوات الخمس التي حكم فيها البلاد، رغم أنه ظل في صفوف المعارضة لعقود طويلة، وخسر الانتخابات الرئاسية 5 مرات، قبل أن يفوز بها في محاولته السادسة (2021).

وحقق رجل الأعمال الحذق، ذو الأصول المتواضعة، الفوز في الانتخابات الرئاسية لعام 2021 ببراعة، حين أسقط غريمه السياسي إدغار لونغو من السلطة، والذي توفي العام الماضي حين كان يقيم في جنوب أفريقيا.

ناخبون ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)

منافسة مفاجئة

وفيما بدت الأمور شبه محسومة لصالح الرئيس المنتهية ولايته، حسب مراقبين محليين، برز اسم عضو البرلمان المخضرم، بريان موندوبيلي (55 عاماً)، بصفته المنافس الجدي الوحيد من بين 13 مرشحاً لمواجهة الرئيس.

ويتزعم موندوبيلي تحالفاً معارضاً يحظى بدعم أنصار ⁠سلف هيشيليما، الرئيس الراحل إدغار لونغو، ولكنه يخوض الانتخابات الرئاسية للمرة الأولى، ما يعكس انعدام خبرته السياسية، ولكنه يوصف بأنه قادر على إرباك سيناريو الفوز المحسوم مسبقاً للرئيس المنتهية ولايته.

موندوبيلي، الآتي من خلفية قانونية؛ حيث سبق أن عمل محامياً، يعتمدُ في خطابه السياسي على انتقاد السياسات الاقتصادية للحكومة؛ إذ يقدم نفسه على أنه مدافع عن 70 في المائة من السكان، يعيشون بأقل من 3 يوروات يومياً.

واتهم موندوبيلي، الأربعاء، الحكومة بإعاقة حملته الانتخابية، وقال إن الشرطة تدخلت عدة مرات في أنشطته الانتخابية، كما تعرضت حملته لأعمال عنف من أنصار الرئيس، وإلغاء تصاريح الطيران، ما منعه من عقد بعض التجمعات الانتخابية في الأقاليم، وفق تعبيره.

وقال موندوبيلي: «الانتخابات ليست حدثاً عابراً. وما حدث للتو لا يمكن أن يفضي إلا إلى استنتاج واحد ووحيد: الانتخابات لن تكون حرة ولا عادلة».

لوحة انتخابية تحمل صور وأسماء المرشحين الـ14 للانتخابات الرئاسية في لوساكا الخميس (رويترز)

ولكن حظوظ موندوبيلي في الفوز تظل محدودة؛ إذ بدأ حملته الانتخابية في مايو (أيار) الماضي، فلم يكن أمامه سوى وقت قصير لترسيخ حضوره وإقناع الناخبين بالتصويت لحزب يكاد يكون اسمه غير معروف.

الاستقرار أولاً

ويتبع التصويت في زامبيا مناطق نفوذ تقليدية؛ إذ يسيطر هيشيليما وحزبه «الحزب المتحد للتنمية الوطنية» على الجنوب والغرب، في حين يظل الشمال وحزام النحاس (كوبيربيلت) معاقل لـ«الجبهة الوطنية» التابعة للرئيس السابق لونغو، والتي تُشكّل القاعدة الانتخابية لموندوبيلي.

ورغم أن الاقتراع هذا العام يتسم بـ«تنافسية مفاجئة»، فإنه يُتوقع أن يظل الناخبون الباحثون عن الاستقرار أوفياء لهيشيليما، حسب توقعات باتيانس موسوسا، المتخصصة في الشأن الزامبي في المعهد النوردي لأفريقيا ومقره السويد.

مسؤول انتخابي في مركز اقتراع في لوساكا الخميس (رويترز)

وتُضيف المحللة في حديث مع «وكالة الصحافة الفرنسية»: «رغم الانتقادات الموجهة لبطء تقدمه في معالجة الاختلالات الهيكلية والتصدّي للفساد، والمخاوف المتعلقة بإعطائه الأولوية للمصالح الخاصة، فإنه يُنظر إليه بوصفه قائداً أكثر قدرة على التنبؤ بمساره».

وتتوقع اللجنة الانتخابية الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية بحلول 17 أغسطس (آب)، ويجب أن يحصل المرشح الرئاسي على أكثر من 50 في المائة من الأصوات للفوز ⁠من الجولة الأولى، وإلا تُجرى جولة ثانية بين الاثنين الحاصلين على أعلى عدد من الأصوات.

وإذا ⁠اتجهت الانتخابات الرئاسية إلى جولة ثانية فيتعين إجراؤها خلال 37 يوماً من موعد الاقتراع الأول.