العقوبات الأميركية... هل لا تزال صالحة للتطبيق في أفريقيا؟

بعد تلويح واشنطن بفرضها على أطراف الصراع في السودان

مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)
مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)
TT

العقوبات الأميركية... هل لا تزال صالحة للتطبيق في أفريقيا؟

مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)
مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)

أعاد تلويح الولايات المتحدة الأميركية بإمكانية فرض عقوبات على مَن وصفتهم بأنهم «بعض الأشخاص الذين يزعزعون استقرار السودان ويقوضون هدف التحول الديمقراطي»، طَرْح تساؤلات بشأن جدوى العقوبات الأميركية التي باتت تمثل أداة قد تستخدمها واشنطن تجاه بعض دول العالم، ومن بينها دول أفريقية لأسباب متنوعة.

ورأى مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن نهج العقوبات الأميركية «فقد معناه» في ظل تحولات جوهرية تعيشها القارة الأفريقية والعالم بشكل عام. وأشاروا إلى تجارب لدول أفريقية استطاعت التعايش مع العقوبات الأميركية، من دون أن تغير من سياساتها في الاتجاه الذي تريده واشنطن.

وأصدر الرئيس الأميركي جو بايدن، أول من أمس (الخميس)، أمراً تنفيذياً يسمح بفرض عقوبات على «بعض الأشخاص الذين يزعزعون استقرار السودان ويقوضون هدف التحول الديمقراطي».

وكتب بايدن في رسالة إلى رئيس مجلس النواب وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، أنه يرى أن الوضع في السودان «يشكل تهديداً غير اعتيادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة».

وشهدت العقود الماضية فرض الولايات المتحدة لعقوبات على دول أفريقية عدة، لأسباب متنوعة، وتوجد 8 دول أفريقية في قائمة العقوبات التي تطبقها وزارة المالية الأميركية، هي: بوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وليبيا، وزيمبابوي، والصومال، وجنوب السودان، وجمهورية أفريقيا الوسطى. ويتعلق الأمر في الغالب بعقوبات ضد أشخاص أو شركات ومنظمات بسبب خروقات حقوق الإنسان، أو ضمن عقوبات تفرضها الولايات المتحدة بحق أنشطة لمنظمات «إرهابية» أو ناشطين في مجال الجريمة المنظمة.

ويمكن للسلطات الأميركية فرض عقوبات على أشخاص، وبغض النظر عن الدولة التي يقيمون فيها، أو ينتمون إليها حتى بسبب «الفساد»، وذلك بموجب قانون «ماغنيتسكي»، الذي صادق عليه الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، في ديسمبر (كانون الأول) 2012.

وفي 2016، اعتمد «الكونغرس» النسخة الدولية من هذا القانون، الذي يمنح الرئيس الأميركي صلاحية فرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم، من خلال تجميد أصولهم وحظرهم من دخول الولايات المتحدة، وقد تمتد العقوبات لأمور أخرى.

وفرضت الولايات المتحدة على نحو 120 شخصية أفريقية عقوبات طيلة السنوات الماضية، كان من أشهرهم رئيس زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، الذي واجه في 2017 «انقلاباً»، وتوفي في 2019. وأدرجت زيمبابوي في قائمة العقوبات الأميركية منذ بداية الألفية الثانية، بسبب العنف السياسي وتهديد الديمقراطية. كما فرضت الولايات المتحدة عام 2011 عقوبات على رئيس كوت ديفوار لوران غباغبو، وزوجته وأنصاره، بعد إلغاء الانتخابات في بعض مدن البلاد، واستمرت العقوبات رغم اختيار غباغبو لفترة رئاسية ثانية.

ولا يقتصر فرض الولايات المتحدة لعقوبات على دول وشخصيات أفريقية على تطورات الأحداث داخل القارة، بل يمكن أن ترتبط العقوبات بتطورات خارجها، فقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي، فرض عقوبات على 52 فرداً وكياناً بـ9 دول، قالت إنها على صلة بـ«حزب الله» اللبناني.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، قالت وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، إنها ناقشت موضوع العقوبات ضد روسيا الاتحادية، مع جميع الدول التي زارتها خلال جولتها الأفريقية، وحثتها على الالتزام بهذه العقوبات.

وذكرت الوزيرة حينها أنها «هددت الجميع برد سريع وحاسم من واشنطن على انتهاك هذه العقوبات». وتثير تلك العقوبات خلافات واضحة بين السلطات الأميركية ونظيرتها في الدول الأفريقية؛ فبعدما أدرجت الولايات المتحدة في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 على لائحة العقوبات 4 أعضاء من خلية تابعة لتنظيم «داعش» في جنوب أفريقيا، لقيامهم بـ«توفير الدعم المالي للتنظيم الإرهابي»، أدرجت 8 شركات يمتلكها الأفراد التابعون للخلية على لائحة العقوبات.

وردت جنوب أفريقيا في يناير (كانون الثاني) الماضي، على لسان وزيرة خارجيتها، ناليدي باندور، بالقول إن بلادها أكدت للولايات المتحدة الأميركية على ضرورة «التراجع عن سياسة العقوبات أحادية الجانب»، مشيرة إلى أنها «تؤثر على الدول التي لا تدخل في الصراعات».

ورأى إبراهيم إدريس، خبير الشؤون الأفريقية المقيم في الولايات المتحدة، أن التهديد الأميركي بفرض عقوبات على طرفي الصراع في السودان «أمر محتمل»، بالنظر إلى الخطاب الأميركي الذي استخدمته الولايات المتحدة في «مجلس الأمن»، والذي لوَّحت خلاله بالعصا في مواجهة الصراع في السودان.

وأوضح إدريس لـ«الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة استخدمت الأسلوب ذاته خلال النزاع بين «جبهة تحرير تيغراي»، والحكومة الفيدرالية الإثيوبية، قبل 3 أعوام؛ إذ ضغطت بالعقوبات على حكومتي إثيوبيا وإريتريا التي شاركت قواتها في النزاع إلى جانب حكومة أديس أبابا، وكانت «العقوبات أداة أميركية أساسية لدفع القوى المتنازعة إلى وقف إطلاق النار وقبول التفاوض، وهو ما تحقق لاحقاً في (اتفاق بريتوريا)».

واعتبر خبير الشؤون الأفريقية أن «منهج العقوبات بات غير مجدٍ»، مستشهداً في هذا الصدد بالتجربة الإريترية التي واجهت عقوبات أميركية لمدة عقدين، ومع ذلك لم تثنها العقوبات عن مواقفها، بل سعت إريتريا إلى تطوير علاقاتها مع الصين وروسيا، وكذلك بالتجربة السودانية نفسها خلال سنوات حكم البشير، مشيراً إلى أن قيادات «مجلس السيادة السوداني» الحالي عاشوا تلك الفترة، ويمكنهم أيضاً التعامل معها مستقبلاً، عبر تطوير علاقات مع أطراف دولية وإقليمية أخرى تساعد السودان على تفادي أي تأثير محتمل للعقوبات.

من جانبه، أشار إسحاق عبد الرحمن، الباحث السياسي التشادي، إلى أن العقوبات الأميركية «فقدت أي معنى كان لها قبل سنوات»، لافتاً إلى أن كثيراً من تلك العقوبات «كان يُولَد ميتاً قبل تطبيقه».

وأضاف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أن أساليب الالتفاف حول العقوبات الأميركية في دول القارة وفي غيرها معروفة لكثير من الأطراف، بل وربما تشارك فيه الالتفاف حول تلك العقوبات مؤسسات وشركات أميركية، ضارباً مثالاً بما عُرف بقضية «إيران كونترا» في ثمانينات القرن الماضي. وتابع أن العديد من الدول الأفريقية استطاعت أن تطور على مدى السنوات الماضية علاقات ممتدة ومتعمقة مع قوى دولية صاعدة، مثل روسيا والصين، مضيفاً أن إصرار واشنطن على اتباع نهج العقوبات القديم «لم يعد صالحاً، في ظل المتغيرات التي تشهدها القارة؛ فمن تعاقبه واشنطن سيجد إلى جانبه حلفاء أقوياء من خارج الدائرة الغربية».


مقالات ذات صلة

بوتين: روسيا جزء لا يتجزأ من نظام الاقتصاد العالمي

الاقتصاد بوتين يتحدث خلال نسخة العام الماضي من منتدى بطرسبرغ الاقتصادي (موقع المنتدى)

بوتين: روسيا جزء لا يتجزأ من نظام الاقتصاد العالمي

وجَّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالة حازمة إلى المجتمع الاستثماري الدولي، أكَّد فيها أن روسيا ستبقى «جزءاً لا يتجزأ من النظام الاقتصادي العالمي».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الولايات المتحدة​ كوبيون في مدينة ميامي الأميركية يرفعون لافتة تحتفي بتوجيه اتهامات ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو يوم 20 مايو (إ.ب.أ)

روسيا والصين ترفضان سياسة «العصا» الأميركية ضد كوبا

رفضت روسيا والصين سياسة العصا التي ترفعها الولايات المتحدة ضد كوبا، مع إرسال واشنطن حاملة طائرات إلى جنوب البحر الكاريبي ضمن حملتها ضد النظام الشيوعي في هافانا.

علي بردى (واشنطن)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة كوزمينو في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)

أوروبا تؤكد التزامها بالعقوبات المفروضة على النفط والغاز الروسي

أكدت المفوضية الأوروبية التزام الاتحاد الأوروبي بالعقوبات المفروضة على واردات النفط والغاز الروسيين، وذلك رداً على قرار بريطانيا السماح باستيراد الديزل الروسي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد رافعات مضخات نفط في روسيا (رويترز)

ترخيص أميركي مؤقت يتيح لباكستان شراء النفط الروسي

أفادت مصادر دبلوماسية بأن باكستان من بين الدول التي قد تستفيد من ترخيص مؤقت جديد أصدرته الولايات المتحدة، يتيح لدول مختارة مستوردة للطاقة شراء النفط الروسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ سيارة قديمة تعبر أمام لوحة عليها صور الزعيم الكوبي التاريخي فيديل كاسترو وشقيقه راوول كاسترو والرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل في هافانا (رويترز)

كوبا تحذر من «حمام دم» إذا حاول الأميركيون غزوها

حذر الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل من «حمام دم» إذا هاجم الأميركيون بلاده، بينما فرضت واشنطن عقوبات على جهاز المخابرات الكوبي ولوحت باتخاذ المزيد من الإجراءات.

علي بردى (واشنطن)

حكومة جنوب أفريقيا تعقد اجتماعاً عاجلاً لاحتواء التوتر ضد المهاجرين

رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا (أرشيفية - رويترز)
رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا (أرشيفية - رويترز)
TT

حكومة جنوب أفريقيا تعقد اجتماعاً عاجلاً لاحتواء التوتر ضد المهاجرين

رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا (أرشيفية - رويترز)
رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا (أرشيفية - رويترز)

أعلنت حكومة جنوب أفريقيا الاثنين، تكثيف إجراءاتها ضد المهاجرين غير النظاميين، مؤكدة أن تطبيق القانون من اختصاص السلطات، وذلك مع تصاعد الاحتجاجات ضد الأجانب غير القانونيين.

وعقد عدد من الوزراء اجتماعاً طارئاً لبحث الاحتجاجات التي استمرت لأسابيع في أنحاء البلاد ضد الأجانب غير النظاميين، والذين تتهمهم جماعات مناهضة للهجرة بارتكاب جرائم والاستيلاء على وظائف السكان المحليين.

وأثار إنذار وجّهته إحدى المجموعات الشعبية، يطالب بترحيل المهاجرين غير النظاميين بحلول 30 يونيو (حزيران)، مخاوف من اندلاع أعمال عنف، وذلك بعد اضطرابات سابقة أودت بحياة العشرات.

وقال نائب وزير الداخلية نغابولو نزوزا للصحافيين عقب الاجتماع: «لدينا بالفعل مشكلة هجرة غير نظامية».

وأضاف: «لكن لا ينبغي أن يكون وجود هذه المشكلة مبرراً لإغراق البلاد في فوضى».

وأكد أن الحكومة بصدد تعزيز الرقابة والتفتيش على الحدود، وأن أعداداً متزايدة من المهاجرين غير النظاميين يتم ترحيلهم.

وقالت وزيرة الدفاع أنجي موتسيكغا: «يحق لضباط إنفاذ القانون وحدهم طلب التحقق من هويات الأشخاص».

والأسبوع الماضي، لجأ مئات الأجانب من دول من بينها الكونغو الديمقراطية ورواندا والصومال إلى مدينة دوربان الساحلية في شرق البلاد طلباً للحماية، قائلين إن سكاناً محليين يطرقون الأبواب ويطلبون منهم المغادرة بحلول يونيو.

وشهدت كيب تاون احتجاجات في نهاية الأسبوع.

والاثنين، تظاهر مئات من سكان بلدة كاتليهونغ جنوب غربي جوهانسبرغ، مطالبين الشرطة بالتحقق من وثائق الأجانب الذين يديرون أعمالاً تجارية.

وشهدت جنوب أفريقيا موجات متكررة من العنف ضد الأجانب على مدى العقدين الماضيين.

وفي 2008، قُتل 62 شخصاً في أعمال شغب معادية للمهاجرين، ونزح الآلاف. وتلت ذلك موجات عنف أخرى في عامي 2015 و2016.

ويقول محللون إن ذلك يعكس مشاكل هيكلية عميقة في هذا البلد، حيث تبلغ نسبة البطالة نحو 33 في المائة.


مسلحون يخطفون 10 أشخاص ويضرمون النار في منزل زعيم محلي وسط نيجيريا

الجيش النيجيري يؤمِّن منطقة قرب مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
الجيش النيجيري يؤمِّن منطقة قرب مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
TT

مسلحون يخطفون 10 أشخاص ويضرمون النار في منزل زعيم محلي وسط نيجيريا

الجيش النيجيري يؤمِّن منطقة قرب مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا (أرشيفية - رويترز)
الجيش النيجيري يؤمِّن منطقة قرب مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

خطف مسلحون عشرة أشخاص على الأقل، وأضرموا النار في منزل أحد القادة المحليين في هجمات «منسقة» بولاية كوارا وسط نيجيريا، حسبما أعلنت الشرطة الاثنين.

وقال المتحدث باسم الشرطة أدتون إيجيري - أدييمي، إن «قطاع طرق» هاجموا «بشكل متزامن» قصر أمير ياشيكيرا ومركزاً للشرطة في البلدة نحو الساعة الثانية من صباح الاثنين.

وتقع ياشيكيرا على بعد نحو 190 كيلومتراً من إيلورين عاصمة الولاية.

وأضاف المتحدث: «خلال الهجوم، أُضرمت النيران في جزء من القصر، كما اختُطف عشرة أشخاص واقتيدوا إلى جهة مجهولة».

وتُتهم عصابات مسلحة تطلق عليها الأجهزة الأمنية والسكان المحليون «قطاع طرق» بمهاجمة قرى نائية ونهب منازل وحرقها واختطاف الناس طلباً للفدية، لا سيما في أجزاء من شمال غرب نيجيريا ووسطها.

وتم صدّ الهجوم على مركز الشرطة وفق إيجيري - أدييمي.

وأضاف أن فريقاً مشتركاً من الأجهزة الأمنية يقوم بعمليات بحث في «الغابات المحيطة ومخابئ المجرمين» لإنقاذ الضحايا.

وشهدت عدة مناطق ريفية في ولاية كوارا تصاعداً في الهجمات العنيفة خلال الأشهر الأخيرة، ونُسب بعضها إلى مجموعات متطرفة.

في نوفمبر (تشرين الثاني) اختُطف 38 شخصاً على الأقل من كنيسة في بلدة إيروكو.

وبعد نحو أسبوع اختُطف عشرة آخرون من قرية إسابا.

وفي فبراير (شباط) قتل مسلحون 162 شخصاً على الأقل في قرية وورو ذات الأغلبية المسلمة.


اتهامات باريس بدعم انفصاليي «أزواد» تعيد الجدل حول دور فرنسا في مالي

متمردون من الطوارق يجرون دوريات بشوارع كيدال في مالي (أ.ف.ب - أرشيفية)
متمردون من الطوارق يجرون دوريات بشوارع كيدال في مالي (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

اتهامات باريس بدعم انفصاليي «أزواد» تعيد الجدل حول دور فرنسا في مالي

متمردون من الطوارق يجرون دوريات بشوارع كيدال في مالي (أ.ف.ب - أرشيفية)
متمردون من الطوارق يجرون دوريات بشوارع كيدال في مالي (أ.ف.ب - أرشيفية)

أعاد الهجوم الذي شنّته «جبهة تحرير أزواد» وسيطرتها على مدينة كيدال في شمال مالي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، الجدل حول طبيعة العلاقة بين فرنسا والحركات الانفصالية الطوارقية. فقد اتهم المجلس العسكري الحاكم في باماكو، بقيادة الجنرال أسيمي غويتا، باريس بدعم الجبهة، خصوصاً بعدما ظهر متحدثها محمد المولود رمضان في وسائل إعلام فرنسية، متحدثاً عن نجاحات الجبهة، معلناً وجود «تحالف ظرفي» مع «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وفق تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية.

وتنفي كل من باريس وقيادات الجبهة وجود أي دعم مباشر أو تنسيق رسمي بينهما، مؤكدتين أن فرنسا لا تقدّم مساعدات عسكرية أو مالية للمتمردين. ورغم النفي المتبادل، تتحدث مصادر أمنية ودبلوماسية عن استمرار قنوات تواصل محدودة وغير رسمية بين بعض الأجهزة الفرنسية وقيادات الجبهة في إطار متابعة التطورات الأمنية في منطقة الساحل.

و«جبهة تحرير أزواد» في شمال مالي تنظيم عسكري يقوده بشكل أساسي مقاتلون وزعماء من قومية الطوارق، ويسعون مع حركات أخرى إلى الانفصال وإقامة دولة مستقلة في إقليم أزواد.

جنود ماليون خلال دورية مشتركة قرب الحدود مع النيجر في منطقة دانسونغو 23 أغسطس 2021 (رويترز)

جذور العلاقة بين فرنسا والطوارق

تعود العلاقات بين فرنسا والطوارق إلى عقود مضت، إذ حظيت القضية الطوارقية في تسعينات القرن الماضي بتعاطف داخل أوساط سياسية ومدنية فرنسية. كما أقامت أجهزة الاستخبارات الفرنسية خلال العقد الأول من الألفية علاقات مع شخصيات وقبائل طوارقية للحصول على معلومات حول نشاط الجماعات المتشددة في شمال مالي، بعد تمدد تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» في المنطقة.

وتعززت هذه الروابط خلال الأزمة الليبية عام 2011، عندما عاد مئات المقاتلين الطوارق من ليبيا إلى مالي بعد سقوط نظام معمر القذافي، مما أسهم في اندلاع تمرد جديد في شمال البلاد.

جنود من عملية «سرفال» في وادي ترز شمال مالي مارس 2013 (رويترز)

من «سرفال» إلى القطيعة

بلغ التعاون غير المباشر بين الطرفين ذروته خلال عملية «سرفال» العسكرية الفرنسية عام 2013، حين استعادت القوات الفرنسية مدناً عدة من قبضة الجماعات المتشددة في مالي. إلا أن قرار عدم السماح للجيش المالي بدخول كيدال في المرحلة الأولى أثار غضباً واسعاً في مالي، حيث اعتُبر دليلاً على انحياز باريس إلى حلفائها الطوارق.

ومع وصول المجلس العسكري إلى السلطة في مالي عام 2020 وطرد القوات الفرنسية من البلاد عام 2022 لصالح تعزيز الشراكة مع روسيا، تراجع النفوذ الفرنسي بشكل كبير في هذا البلد الأفريقي. ورغم ذلك، ما زالت فرنسا تجد صعوبة في الابتعاد كلياً عن مالي، نظراً لأهمية البلاد في معادلة الأمن الإقليمي ومكافحة التنظيمات المتشددة في منطقة الساحل، مما يجعل شبكات الاتصال القديمة مع الفاعلين الطوارق ذات قيمة استراتيجية مستمرة، وإن كانت أقل تأثيراً مما كانت عليه في السابق، وفق تقرير صحيفة «لوموند».