الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

تضرر مصانع ومصارف ومتاجر... وانقطاع الكهرباء والمياه... وارتفاع الأسعار ونقص في السلع الأساسية

سوداني أمام متاجر تضررت جراء الاشتباكات في السوق المركزي بالخرظوم في 27 أبريل الماضي (رويترز)
سوداني أمام متاجر تضررت جراء الاشتباكات في السوق المركزي بالخرظوم في 27 أبريل الماضي (رويترز)
TT

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

سوداني أمام متاجر تضررت جراء الاشتباكات في السوق المركزي بالخرظوم في 27 أبريل الماضي (رويترز)
سوداني أمام متاجر تضررت جراء الاشتباكات في السوق المركزي بالخرظوم في 27 أبريل الماضي (رويترز)

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة.
وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية.
حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019. وفرّ عشرات الآلاف حتى الآن من العنف في الخرطوم ومدينتي بحري وأم درمان المجاورتين، بينما يحتمي ملايين آخرون في منازلهم مع توالي القصف والضربات الجوية على الأحياء السكنية. وتباطأت حركة نقل البضائع والأشخاص إذ تجوب قوات، وأحيانا عصابات، الشوارع. ولم يعد بالإمكان الاعتماد على شبكات الاتصالات، ويقول البعض إنهم بدأوا في تحديد حصص الطعام والمياه.
ونقلت «رويترز» عن إسماعيل الحسن الموظف بإحدى الشركات في الخرطوم «نحن خائفون ونعاني من ارتفاع الأسعار ونقص السلع ونقص الرواتب. هذه حرب على المواطنين».
ويعد السودان بالفعل مُصدراً مهماً للصمغ العربي والسمسم والفول السوداني والماشية ولديه الإمكانيات لأن يكون مصدراً رئيسياً للمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية ومركزاً للخدمات اللوجيستية. لكن الاقتصاد تعثر بسبب عقوبات وعزلة دولية فرضت على مدى عقود، فضلاً عن الفساد المستشري. ويعاني معظم السودانيين من التضخم المرتفع والانخفاض الحاد في قيمة العملة وتدهور مستويات المعيشة منذ سنوات طويلة. ويعتمد حوالي ثلث سكان السودان البالغ عددهم الإجمالي 46 مليون نسمة على المساعدات الإنسانية.
- «لا يوجد سائقون»
أعاق الصراع التدفقات التجارية من الدولة الواقعة في شرق أفريقيا وإليها بسبب مركزية الإجراءات المصرفية والجمركية في الخرطوم.
وبينما يستمر الميناء الرئيسي للبلاد على البحر الأحمر في العمل، أعلنت شركة شحن كبيرة واحدة على الأقل، وهي شركة ميرسك، أنها أوقفت تلقي حجوزات إلى هناك حتى إشعار آخر. وقال تاجر مقره الخرطوم، إن وصول واردات القمح الضرورية للأمن الغذائي في السودان، أصبح أكثر صعوبة.
كذلك، أوضح الأمين العام للاتحاد العام للغرف التجارية المصرية علاء عز أن واردات السودان من السلع المعمرة مثل الثلاجات عبر الحدود البرية مع مصر تباطأت أيضاً. وفرّ إلى مصر عشرات الآلاف من السودانيين.
وذكر ميشيل سيدهم مدير سلسلة التوريد في شركة للتجارة تعمل في مصر والسودان، أن أعمال الشركة في السودان «توقفت تماماً» مع توقف تصدير الأسمدة والدقيق (الطحين) من مصر بكميات كانت تبلغ عادة حوالي عشرة آلاف طن شهرياً لكل منهما.
وقالت مصر، ثاني أكبر مستورد للماشية السودانية، إنها تتطلع إلى تنويع مصادرها منها نتيجة الاضطرابات. ويقول سيدهم إن التجار المتعاملين مع شركته في السودان غادروا الخرطوم، ولا يوجد سائقون على استعداد للمخاطرة بنقل بضائعهم إلى العاصمة.
وأضاف «قالوا إحنا قفلنا وسيبنا الخرطوم لحين إشعار آخر، لأن اللي قاعد في الخرطوم قاعد في ساحة قتال».
- شح وارتفاع في الأسعار
روى سكان في الخرطوم عن نقص في بعض المواد الغذائية الاستهلاكية مثل الطحين والخضراوات إضافة إلى ارتفاع الأسعار.
واصطفت طوابير طويلة أمام المخابز والمتاجر في العاصمة.
ووفقا لمراسل لـ«رويترز»، قفز سعر الكيلوغرام الواحد من لحم الضأن نحو 30 في المائة إلى 4500 جنيه سوداني (7.52 دولار). كما تضاعف سعر كيلوغرام الطماطم إلى ألف جنيه سوداني (1.67 دولاراً).
ويرى صاحب سوبر ماركت في أم درمان، أن سبب التضخم هو ارتفاع أسعار الوقود في السوق السوداء. وقد يصل سعر الغالون من الوقود الذي شحّ إلى 40 ألف جنيه سوداني (67 دولاراً) حاليا ارتفاعا من ألفي جنيه سوداني (3.34 دولارات).
وقال جزار في أم درمان إن الطلب منخفض حتى في الأماكن التي خفّ فيها القتال لأن السكان غادروها.
وانخفضت قيمة الجنيه السوداني بنحو 600 في المائة مقابل الدولار منذ 2018، مما دفع كثيرين إلى ادخار أموالهم بالدولار.
ويواجه التجار في الخرطوم أزمة سيولة نقدية، ويعتمد الناس بشكل متزايد على تطبيق «بنكك»، الذي يعتمد على فتح محفظة إلكترونية لدفع الفواتير، لكن هذه الخدمة غالباً ما تشهد انقطاعات.
وشهدت السوق السوداء تقلبات غير معتادة مع سعي أقارب مغتربين لبيع الدولار عبر تحويلات من خلال تطبيق «بنكك» لذويهم في السودان، بينما يسعى المقيمون داخل البلاد للحصول على دولارات كادخار آمن.
ويعرض تجار العملة بيع الدولار بأسعار تصل إلى 700 جنيه سوداني (1.17 دولاراً) بينما يشترونه بسعر يقل عن 300 جنيه سوداني (0.5014 دولاراً) مع تفاوت الأسعار بشكل كبير في ظل زيادة صعوبة النقل والاتصالات.
وقال مصرف السودان المركزي يوم الأحد إن مصارف خارج العاصمة تجري معاملات سحب وإيداع. أما داخل العاصمة الخرطوم، فقد تبادل الجيش وقوات الدعم السريع الاتهامات بنهب المصارف. وقال رئيس أحد المصارف في العاصمة إنه يحاول نقل مقر المصرف مؤقتاً إلى خارج الخرطوم.
وقال مسؤول تنفيذي آخر إن الإصلاحات الاقتصادية والانقلابات والاحتجاجات على مدى سنوات «هي التحدي الأكبر الذي يواجه النظام المصرفي ويهدد بإغلاق شبه كامل».
وشوهدت حشود في مدينة عطبرة بشمال شرقي الخرطوم تقف أمام المصارف التي فرض بعضها حدا أقصى للسحب.
وتحدث الحسن من الخرطوم قائلاً: «السيولة النقدية التي معي نفدت ولم أتقاض راتبي والتطبيقات المصرفية لا تعمل».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا تحذيرات من تفشي «حمى الضنك» في السودان

تحذيرات من تفشي «حمى الضنك» في السودان

لا تُرهب الآليات العسكرية التي تسيطر على المشهد السوداني حالياً، البعوض الناقل للأمراض، ومن بينها وأشدها خطورة «حمى الضنك»، بل إنه يجد الظروف المواتية للانتشار ونقل العدوى من إنسان إلى آخر، تحت حماية هذه الآليات. وقبل نحو شهر من بداية الصراع الدائر في السودان حالياً بين قوات الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، أعلنت وزارة الصحة السودانية عن «أول تفشٍّ لحمى الضنك في العاصمة الخرطوم»، بعد أن كانت تتركز سابقاً في المقاطعات الطرفية. وفي حين كانت الجهود تُبذل لاحتواء هذا التفشي الذي وصل إلى العاصمة، جاءت بداية الاشتباكات في 15 أبريل (نيسان)، لتحوِّل دفة الاهتمام بالقطاع الصحي نحو محاولة إيجاد سبيل

حازم بدر (القاهرة)

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
TT

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)
مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)

أصدرت الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا الموريتانية، مساء الثلاثاء، قراراً نهائياً برفض الطعن المقدم من البرلمانيتين مريم الشيخ جنك وقامو عاشور سالم، وتأييد حكم الاستئناف القاضي بحرمانهما من الحقوق المدنية والسياسية 5 سنوات، في تطور يفتح الباب أمام إعلان شغور مقعديهما بالبرلمان رسمياً.

وتنتمي النائبتان إلى حركة «إيرا» الحقوقية، ودخلتا البرلمان عبر حزب «الصواب» ذي الميول القومية البعثية، وتعود القضية إلى أبريل (نيسان) الماضي، إثر بثّ مباشر على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» انتقدت خلاله البرلمانيتان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في تصريحات اعتبرت النيابة العامة أنها تضمنت مساساً بالرموز الوطنية، وإهانة لرئيس الجمهورية، وتحريضاً على العنف.

وجرى توقيف البرلمانيتين بموجب حالة «التلبس»، التي تتيح تجاوز الحصانة البرلمانية استثنائياً، حيث أصدرت محكمة نواكشوط الغربية في مايو (أيار) حكماً بسجنهما 4 سنوات نافذة، خفّفتها محكمة الاستئناف في يوليو (تموز) إلى سنتين، مع إضافة الحرمان من الحقوق السياسية 5 سنوات، وهو الشق الذي يمس مباشرة عضويتهما البرلمانية.

وبعد صدور قرار محكمة الاستئناف، أصدر الرئيس ولد الغزواني عفواً رئاسياً أسقط عقوبة السجن، لكنه استثنى الحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، فيما أصدر المجلس الدستوري بعد ذلك قراراً يقضى بعدم إمكانية تأكيد فقدان النائبتين صفتهما البرلمانية في تلك المرحلة.

واستند المجلس في قراره إلى أن حكم محكمة الاستئناف، الصادر وقتها، لم يكن قد اكتسب بعد الصفة النهائية لكونه لا يزال قابلاً للطعن أمام المحكمة العليا؛ وبالتالي عادت البرلمانيتان إلى البرلمان مؤقتاً بعدما كان الحرس قد منعهما من الدخول في وقت سابق. غير أن هذه العودة لم تخلُ من توتر إضافي، إذ فرض البرلمان لاحقاً عقوبات تأديبية بحقهما تمثلت في طرد مؤقت، إثر اعتصام نظمتاه داخل المبنى.

واليوم أصبح حكم الحرمان نهائياً بقرار المحكمة العليا، حيث يتوقع أن تبدأ إجراءات خروجهما من البرلمان ليحل محلهما آخران من نفس الحزب.

وكان قرار المحكمة قد فجّر جدلاً سياسياً حاداً، حيث انتقد حزب «الصواب»، في بيان، قرار المحكمة العليا، معتبراً أنه يندرج ضمن «سياسة إسكات أصوات المعارضين» والتضييق على البرلمانيين، ومستشهداً بالمادة 50 من الدستور التي تحظر متابعة أي نائب بسبب رأيه أو تصويته أثناء أداء مهامه.

ووصف الحزب توقيت القرار بأنه يأتي في «ظرف سياسي دقيق»، مشيراً إلى أن المساس بحرية النائبتين يمتد أثره إلى «حق المواطنين في التمثيل» داخل البرلمان.

ويتجدد هذا الجدل، في وقت تستعد الأطراف السياسية لتنظيم حوار وطني شامل، دعا له ولد الغزواني، بهدف التوصل إلى اتفاق سياسي يقود إلى إصلاحات متفق عليها.


«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
TT

«الوحدة الليبية» لتعزيز التعاون الأمني مع أميركا

مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)
مسعد بولس وعماد الطرابلسي خلال لقاء في واشنطن الثلاثاء (الصفحة الرسمية لوزير الداخلية في غرب ليبيا)

تسعى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إلى توسيع التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع تحركات لإعادة ترتيب الخريطة الأمنية والعسكرية في طرابلس، وذلك خلال زيارة وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي إلى واشنطن، التي شملت لقاءات مع مسؤولين أميركيين بارزين.

والتقى الطرابلسي مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، ووين وول، المساعد الخاص للرئيس ومدير شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء بتوقيت طرابلس.

وشملت المباحثات، بحسب بيان حكومي، اتفاق التعاون الأمني بين البلدين، ودعم قدرات الأجهزة الأمنية وتبادل الخبرات، إلى جانب مكافحة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود، في وقت تكثف فيه واشنطن اتصالاتها مع الأطراف الليبية بشأن توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، بالتوازي مع المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.

ويكتسب لقاء الطرابلسي مع مسؤول في مجلس الأمن القومي الأميركي دلالة إضافية، إذ يضع التعاون الأمني الليبي ـ الأميركي في إطار الاتصالات الأوسع التي تجريها واشنطن بشأن مستقبل المؤسسات الأمنية والعسكرية وترتيبات توحيدها.

الأمين العام للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي خيري التميمي خلال لقاء مع وفد عسكري فرنسي في بنغازي الثلاثاء (إعلام القيادة العامة)

ووفق بيان للحكومة، تناولت اللقاءات سبل تطوير التعاون بين المؤسسات الأمنية في البلدين، وتعزيز القدرات وتبادل الخبرات، فضلاً عن ملف الهجرة غير النظامية والحد من تداعياتها، ورفع قدرات المؤسسات المختصة في تأمين الحدود والتعامل مع هذا الملف.

وشدد الجانبان على أهمية استمرار التنسيق والتواصل، ودعم الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في ليبيا، وتطوير آليات التعاون بين المؤسسات الأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وذهب الطرابلسي إلى التأكيد على «أهمية تطوير مجالات العمل المشترك بين المؤسسات الأمنية الليبية ونظيرتها الأميركية، ورفع القدرات الأمنية وتبادل الخبرات وتطوير آليات التنسيق، إلى جانب تكثيف التعاون في مواجهة الهجرة غير النظامية وتعزيز أمن الحدود».

وتأتي الزيارة في توقيت تشهد فيه طرابلس تحركات لإعادة ترتيب انتشار التشكيلات المسلحة والأجهزة الأمنية، وسط استمرار تعدد القوى الفاعلة داخل العاصمة وتداخل مناطق نفوذها.

وبحسب مصدر سياسي مطلع في طرابلس، تتزامن التحركات الأميركية مع ترتيبات أمنية تقودها أطراف في حكومة «الوحدة»، من بينها وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، لإعادة تنظيم الخريطة الأمنية والعسكرية في العاصمة.

وتداولت وسائل إعلام محلية معلومات عن اعتماد رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، خلال اجتماع أمني في مصراتة، خطة لإعادة توزيع التشكيلات المسلحة في طرابلس، بعد تصنيفها إلى «موثوقة» و«غير موثوقة». ولم تؤكد حكومة «الوحدة» هذه المعلومات أو تنفها.

وعاد التوتر خلال الأيام الماضية بين تشكيلات أمنية وعسكرية إلى العاصمة، على خلفية خلاف بشأن الانتشار في «جزيرة القادسية» وسط طرابلس، بما يعكس استمرار هشاشة الترتيبات الأمنية التي أعيد تشكيلها خلال العامين الماضيين، رغم مساعي حكومة «الوحدة» إلى إعادة تنظيم وجود القوى المسلحة والأجهزة الأمنية داخل العاصمة.

ومنذ اشتباكات العام الماضي، تعمل حكومة الدبيبة على إعادة ترتيب الخريطة الأمنية في طرابلس، لكنها اعتمدت في الوقت نفسه على أكثر من قوة لتأمين العاصمة، الأمر الذي أبقى التوازن بين التشكيلات المسلحة عاملاً رئيسياً في تحديد طبيعة الانتشار الأمني.

وفي شرق ليبيا، برز تحرك فرنسي موازٍ مع قيادة الجيش الوطني، إذ استقبل الفريق خيري التميمي، الأمين العام للقيادة العامة، السفير الفرنسي تيري فالا والملحق العسكري الجديد تانغي تروغييه، الثلاثاء، في لقاء تناول تطوير العلاقات والتنسيق وتبادل الخبرات.

وجاء اللقاء عقب وصول سفينة الدعم الفرنسية «لوار» إلى قاعدة بنغازي البحرية. وتنتمي السفينة إلى فئة سفن الدعم والمساعدة متعددة المهام، وتستخدم في الدعم اللوجيستي والتدريب والمساعدة الفنية.

وكانت السفينة قد شاركت مؤخراً في نشاط بحري قبالة الساحل الغربي لليبيا، إلى جانب سفن جزائرية وإيطالية، ضمن أنشطة مبادرة «5+5 دفاع» الهادفة إلى تعزيز الأمن والسلامة البحرية وتبادل الخبرات ورفع الجاهزية العملياتية.

وتشارك فرنسا في رئاسة مجموعة العمل الأمنية المنبثقة عن مسار برلين، وتدعم الحوار بين المؤسسات الأمنية في شرق ليبيا وغربها، بينما تضع الولايات المتحدة توحيد المؤسسات وتعزيز التعاون الأمني ضمن محاور اتصالاتها مع الأطراف الليبية.


نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
TT

نقل البشير إلى مستشفى بالخرطوم ومزاعم عن ترتيبات لسفره

الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)
الرئيس السوداني السابق عمر البشير مغادراً مكتب المدعي العام لمكافحة الفساد في الخرطوم يوم 16 يونيو (رويترز)

نُقل الرئيس السوداني السابق عمر البشير، البالغ من العمر 80 عاماً، من مدينة مروي في شمال البلاد إلى مستشفى علياء العسكري، التابع للسلاح الطبي في العاصمة الخرطوم، لمواصلة العلاج وإجراء فحوصات، في ظل ظهور أعراض لم تُعرف أسبابها.

وقال محاميه محمد الحسن الأمين لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن موكله نُقل إلى الخرطوم قبل أسبوعين لإجراء فحوصات دورية، مؤكداً أنه «لا جديد في وضعه الصحي». لكنه أشار إلى ظهور بعض الأعراض التي «لم يتم التعرف على أسبابها»، وهو ما قد يستدعي سفره إلى خارج البلاد لاحقاً لإجراء فحوصات باستخدام أجهزة متطورة.

وأحجم الأمين عن تقديم مزيد من التفاصيل بشأن الحالة الصحية للبشير، التزاماً بالقوانين المتعلقة بحماية خصوصية المرضى وسرية معلوماتهم الطبية. غير أنه ذكر أن الرئيس السابق يعاني، بصورة متكررة، انخفاضاً في ضغط الدم والتهابات، مضيفاً: «هذا كل ما نستطيع الإفصاح عنه في هذه المرحلة».

محمد الحسن الأمين محامي الرئيس السابق عمر البشير (الشرق الأوسط)

وأوضح الأمين أن نقل البشير إلى الخرطوم جاء بعد استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية مؤخراً، مشيراً إلى أنه لم تعد هناك دواعٍ لبقائه في المعتقل بمدينة مروي. وأضاف أن موكله يتنقل بين السجن والمستشفى لاستكمال علاجه.

وبشأن ما يُتداول عن موافقة السلطات السودانية على سفر البشير إلى الخارج، قال الأمين: «لا يوجد قرار رسمي حتى الآن»، لكنه أشار إلى أن بعض المسؤولين في الحكومة، الذين لم يسمّهم، أبدوا عدم ممانعتهم. وأضاف: «هذا الطلب أُثير قبل أكثر من عام، لكن لم يحدث أي تقدم في تنفيذه».

وأكد الأمين أن الجهات الرسمية نفسها سهّلت سفر نائب الرئيس السابق، بكري حسن صالح، إلى العاصمة التركية أنقرة لتلقي العلاج، كاشفاً للمرة الأولى عن وجوده خارج البلاد.

عمر البشير أثناء محاكمته في الخرطوم (الشرق الأوسط)

وتتهم المحكمة الجنائية الدولية البشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور خلال حكمه. كما أُدين بتهم فساد وتمويل غير مشروع، وواجه محاكمات أخرى قبل اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وكان آنذاك محتجزاً في قاعدة عسكرية بأم درمان، قبل نقله إلى مروي في شمال السودان.

وكانت تقارير إعلامية سودانية قد أفادت بتدهور الحالة الصحية للرئيس السابق بصورة كبيرة خلال الأيام الماضية، ما استدعى نقله إلى الخرطوم.

في المقابل، فندت مصادر رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط» ما يقال عن تدهور صحة البشير، وقالت إن الإجراءات الأخيرة تهدف إلى التمهيد لسفره إلى خارج البلاد، استباقاً لأي تحولات سياسية في الداخل أو تطورات في دول الإقليم.

البشير مع زعيم الحركة الإسلامية حسن الترابي في الأيام الأولى لانقلاب 1989 (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الإسلاميين يسعون إلى استباق تحولات متسارعة محتملة في المشهد السياسي، قد تضع السلطة بقيادة رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، في حرج بالغ أمام المحكمة الجنائية الدولية إذا ظل البشير داخل البلاد. ووفقاً للمصادر، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، فإن قيادات إسلامية بارزة في حزب المؤتمر الوطني المعزول، أجرت اتصالات، في وقت سابق، لترتيب نقل البشير إلى دولة خارجية، بعد الحصول على موافقتها على استقباله. وأضافت المصادر أنه سبق أن عُرض على الرئيس المعزول الانتقال إلى إريتريا، لكنه رفض، رغم أن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي كان قد أبدى استعداده لاستضافته.

واعتبرت المصادر أن الحديث عن تدهور صحة البشير لا يرتبط بحالته الصحية، وإنما يندرج في إطار ترتيبات ذات دوافع سياسية بحتة.

من جانبه، قال الناطق الرسمي باسم هيئة الاتهام في قضية انقلاب عام 1989، الذي قاده البشير، المحامي معز حضرة، إن قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991 لا يجيز السماح لأي متهم أو محكوم عليه بالسفر خارج البلاد. وأوضح حضرة لـ«الشرق الأوسط» أن «السلطة القضائية، وفقاً للقانون، هي الجهة الوحيدة التي تتحكم في مكان وجود المتهم، وليس أي جهة أخرى، سياسية أو عسكرية أو غيرها».

وأضاف أن البشير يواجه عدة بلاغات، ولذلك فإن «الإجراء القانوني السليم هو أن يتلقى العلاج في السجن أو في مستشفيات حكومية تحت رقابة السلطة القضائية». واعتبر أنه «إذا صح ما يُتداول عن محاولة نقله إلى الخارج، فإن ذلك يشكّل تهريباً لمتهم».

عمر البشير (أ.ف.ب)

ويخضع البشير و27 من شركائه الإسلاميين للمحاكمة بتهم تقويض النظام الدستوري، التي تصل عقوبتها إلى الإعدام وفقاً للقوانين السودانية، على خلفية انقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989، الذي استولت بموجبه الجبهة الإسلامية على السلطة. ومن أبرز المتهمين في القضية علي عثمان محمد طه، النائب الأسبق لحسن الترابي، وبكري حسن صالح، نائب البشير السابق، إلى جانب قيادات عسكرية ومدنية شاركت في الانقلاب.