كييف تتهم موسكو بأنها غيرت تكتيكاتها وتحاول استفزازها لشن هجوم مضاد متسرع

بالقرب من باخموت... أوكرانيون من سلاح المدرعات «جاهزون» لهجوم الربيع

على الجبهة الشرقية يبدي عناصر أوكرانيون من سلاح المدرعات «استعدادهم» لهجوم الربيع (أ.ف.ب)
على الجبهة الشرقية يبدي عناصر أوكرانيون من سلاح المدرعات «استعدادهم» لهجوم الربيع (أ.ف.ب)
TT

كييف تتهم موسكو بأنها غيرت تكتيكاتها وتحاول استفزازها لشن هجوم مضاد متسرع

على الجبهة الشرقية يبدي عناصر أوكرانيون من سلاح المدرعات «استعدادهم» لهجوم الربيع (أ.ف.ب)
على الجبهة الشرقية يبدي عناصر أوكرانيون من سلاح المدرعات «استعدادهم» لهجوم الربيع (أ.ف.ب)

على الجبهة الشرقية في أوكرانيا، يبدي عناصر أوكرانيون من سلاح المدرعات «استعدادهم» لهجوم الربيع الذي أعلنت عنه كييف، حيث يمكن أن تنتهي معركة باخموت الطويلة قريباً، كما يقدرون. إلا أن مسؤولاً حكومياً أوكرانياً قال إن موسكو تحاول استفزاز كييف لشن هجوم مضاد متسرع، مضيفاً أن موسكو غيرت تكتيكاتها أخيراً، وبدأت تستهدف عمداً المناطق السكنية بضربات صاروخية.
وأعلنت أوكرانيا، أمس الثلاثاء، أن قواتها الجوية دمرت 3 أنظمة صواريخ روسية مضادة للطائرات، و7 مجموعات من القوات الروسية الاثنين. وجاء ذلك في بيان أصدرته هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية أوردته وكالة الأنباء الوطنية الأوكرانية (يوكرينفورم)، أمس الثلاثاء.
وأضاف البيان: «يواصل الاتحاد الروسي استخدام التكتيكات الإرهابية، حيث شنت قوات العدو، الاثنين، 19 ضربة صاروخية (تمكنت دفاعاتنا بنجاح من اعتراض 15 صاروخ كروز من طراز كيه إتش 101 وكيه إتش 555)، و17 غارة جوية، ونفذت 25 هجوماً باستخدام أنظمة إطلاق صواريخ متعددة. وقال البيان: «للأسف، سقط قتلى وجرحى من المدنيين، بينهم أطفال، وتسببت الهجمات في تدمير أو الإضرار بمبان سكنية متعددة الطوابق، ومبان سكنية خاصة ومدارس ومستشفيات ورياض أطفال، وغيرها من البنى التحتية المدنية».
وتعتزم كييف شن هجوم مضاد في الربيع لاستعادة الأراضي التي تحتلها روسيا منذ شهور، لكنها لم تكشف عن أي تفاصيل في هذا الصدد. وقال ميخايلو بودولياك، مستشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للتلفزيون الرسمي، صباح أمس الثلاثاء، «ليس هناك شك في أنهم يشنون هجمات مباشرة على المنازل السكنية المدنية أو المواقع التي تضم العديد من منازل السكان المدنيين». وأضاف بودولياك أن أحد أهداف تغيير التكتيكات هو استفزاز أوكرانيا لشن هجوم مضاد متسرع، مضيفاً أن الهجمات الصاروخية الأخيرة كانت تهدف إلى اختبار ما إذا كانت أوكرانيا قادرة على حماية مجالها الجوي. وخلال أشهر الشتاء الباردة، غالباً ما استهدفت روسيا البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا.
ودعا الرئيس الأوكراني إلى تعزيز الدفاع الجوي لبلاده في أعقاب الهجمات الصاروخية الروسية الأخيرة على المدن الأوكرانية. وقال زيلينسكي، مساء الاثنين، في خطابه الليلي بالفيديو: «نحن نعمل مع شركائنا بأكبر قدر ممكن من النشاط لجعل حماية سمائنا أكثر موثوقية». وأضاف: «الليلة الماضية وحدها، من منتصف الليل إلى السابعة صباحاً، تمكنا من إسقاط 15 صاروخاً روسياً. لكن للأسف ليست كلها». وتأتي تصريحات زيلينسكي بعد سلسلة من الهجمات الروسية بصواريخ كروز والصواريخ التي ضربت عدة أجزاء من أوكرانيا ليلة الأحد. وقال الرئيس الأوكراني إنه سيكون هناك رد انتقامي على الهجمات. وأضاف: «مقابل كل هجوم من هذا القبيل، سيتلقى الغزاة الروس ردنا».
وتقول كييف إنه لم يتم ضرب أهداف عسكرية في الهجمات. ومع استمرار أوكرانيا في صد الغزو الروسي الشامل الذي بدأ في فبراير (شباط) من العام الماضي، «ليس لدى روسيا ذخائر كافية لتحقيق النجاح في الهجوم»، بحسب الاستخبارات البريطانية. وقالت وزارة الدفاع البريطانية في آخر تحديثاتها بشأن الحرب، أمس الثلاثاء، إنه رغم أن موسكو تعطي «أولوية قصوى لتعبئة صناعاتها الدفاعية»، فإنها «ما زالت لا تتمكن من تلبية متطلبات زمن الحرب».
قال حاكم منطقة بريانسك في روسيا ألكسندر بوجوماز إن قوات أوكرانية قصفت قرية في المنطقة الواقعة على الحدود مع أوكرانيا في وقت مبكر من أمس الثلاثاء، وذلك بعد يوم من انفجار تسبب في خروج قطار بضائع عن مساره هناك. وقال بوجوماز في منشور على قناته على «تلغرام»: «قصفت القوات المسلحة الأوكرانية في الصباح قرية كوركوفيتشي في منطقة ستارودوبسكي». وأضاف: «لم يسقط أي ضحايا. ونجم عن القصف اندلاع حريق في أحد البيوت. كل خدمات الطوارئ موجودة بالموقع». ولم تعلن أوكرانيا من قبل مسؤوليتها عن شن أي هجوم داخل روسيا أو على الأراضي التي تحتلها روسيا في أوكرانيا. غير أن الجيش الأوكراني يعلن يومياً عن أنشطة وتحركات للقوات في مناطق القتال. وكان بوجوماز قد قال، الاثنين، إن قاطرة و7 عربات بضائع خرجت عن مسارها في بريانسك بعد انفجار عبوة ناسفة مجهولة. وقالت السلطات الروسية إن المنطقة الواقعة على الحدود مع كل من أوكرانيا وروسيا البيضاء شهدت عدة هجمات من مجموعات تخريبية مناصرة لأوكرانيا.
ويبدي عناصر أوكرانيون من سلاح المدرعات «استعدادهم» لهجوم الربيع. ويقوم رئيس الفريق أولكسندر ورفاقه الثلاثة داخل غابة بتجميع مقبض طوله 6 أمتار لتنظيف المدفع الكبير على دباباتهم من طراز «تي - 72». لم يطلقوا النار منذ عدة أيام لكنهم يقومون بانتظام بصيانة مدرعتهم لكي يكونوا «جاهزين على الدوام» للهجوم المعلن كما قال أولكسندر. وقال رئيس الفريق بعد عملية تنظيف المدفع: «علينا أن نمضي إلى الأمام لأنها فرصتنا الوحيدة للعودة إلى منازلنا في وقت أبكر. فقط مع انتصارنا سنتمكن من العودة بشكل أسرع. بالتالي نحن ننتظر، وننتظر».
وعلى بعد 15 كلم من هناك، تقع باخموت، مركز المعارك في شرق أوكرانيا، حيث تشتد معارك دامية منذ الصيف الماضي.
في الأسابيع الماضية، أحرز المقاتلون الروس ومقاتلو مجموعة «فاغنر» المسلحة تقدماً كبيراً في وسط المدينة إثر معارك كثيفة. لم يعد الأوكرانيون يسيطرون إلا على جزء صغير غرب المدينة، وتؤكد السلطات الروسية سيطرتها على نحو 90 في المائة من المدينة التي باتت مدمرة بالكامل تقريباً. يتابع أولكسندر قائد سرب مدرعات «تي - 72» التي قدمتها بولندا لأوكرانيا قبل أشهر «بحسب ما يمكنني رؤيته من الوضع الحالي، يبدو أنه لم يعد هناك شيء في باخموت نسيطر عليه». بعد مقارنة الأرض المواتية لاستخدام الدبابات، يقول عناصر سلاح المدرعات إن المنطقة المحيطة بباخموت أكثر تعقيداً من تلك الجنوبية في خيرسون وزابوريجيا، المكونة من سهول زراعية كبرى.
يشير المحللون بانتظام إلى تلك المناطق باعتبارها مسرحاً محتملاً للهجوم المنتظر في الربيع، والذي تحضّره القوات الأوكرانية. يقول أولكسندر، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية، إنه في محيط باخموت «الأرض صعبة جداً. هناك وديان وخنادق. والمسافات التي يجب قطعها قصيرة جداً - 200، 300 متر. بالتالي لا معنى لهذا الأمر، هم (الروس) يمكنهم رؤيتنا. والرؤية سيئة في دباباتنا». ومن أجل استعادة الأرض التي خسرتها، تؤكد أوكرانيا أنها شكلت ألوية هجومية وخزنت ذخائر مع سعيها جاهدة لتجنيب قواتها واستنفاد قوات خصمها على الجبهة. كما تلقت دبابات قتالية ومدفعية بعيدة المدى من الدول الغربية الداعمة لها.
لكن بالنسبة لإيفان، وهو ميكانيكي يبلغ من العمر 24 عاماً والذي كان يقوم بتنظيف مدفع رشاش دبابة ال تي – 72، فإن «الهجوم المضاد لن يغير الأمور بالسرعة التي يرغب بها الجميع. من أجل شن هجوم مضاد يجب أن تكون هناك أعداد كبرى من القوات والتجهيزات. لا أعتقد أن هذا الأمر سيكون على هذا النحو قريباً، وهو ليس بهذه السهولة». في الانتظار «نقوم بصيانة الآلات والأسلحة. نكتسب خبرات جديدة. نحن متأهبون على الدوام».
يشدد أولكسندر (40 عاماً) مساعد قائد الكتيبة التي ينتمي إليها عناصر سلاح المدرعات الذين ردوا على الأسئلة، على أهمية تحضير الفرق التي يجب أن يعرف أفرادها بعضهم البعض. يقول: «هنا (في دبابة) عليك أن تفهم كل شيء باختصار. بالنسبة لعناصر المدرعات فإن جزءاً من الثانية مهم. الابتعاد عن القصف أو الوصول إلى الهدف؛ لأن الهدف لا يبقى ثابتاً إنما يتحرك. يجب إصابته، ويجب أن يدمر وتُنجز المهمة».


مقالات ذات صلة

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...