مصر لإنشاء «متحف تعليمي» في قصر الزعفران

يضم 167 قطعة أثرية من العصر الفرعوني حتى أسرة محمد علي

قصر الزعفران الأثري (الصفحة الرسمية لجامعة عين شمس)
قصر الزعفران الأثري (الصفحة الرسمية لجامعة عين شمس)
TT

مصر لإنشاء «متحف تعليمي» في قصر الزعفران

قصر الزعفران الأثري (الصفحة الرسمية لجامعة عين شمس)
قصر الزعفران الأثري (الصفحة الرسمية لجامعة عين شمس)

في خطوة تسلط مزيداً من الضوء على أبرز القصور التاريخية، بدأت مصر إنشاء «متحف تعليمي» في قصر الزعفران الأثري الذي يقع داخل جامعة عين شمس، يضم نحو 167 قطعة أثرية تستعرض تاريخ الحضارة المصرية في حقب مختلفة، من العصر الفرعوني حتى أسرة محمد علي باشا.
ووقَّع المجلس الأعلى للآثار «بروتوكول تعاون» مع جامعة عين شمس (شرق القاهرة) لتدشين المتحف الجديد الذي يهدف إلى «نشر الوعي الأثري لدى طلاب الجامعات»، وفقاً للأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور مصطفى وزيري، الذي أوضح في إفادة رسمية، أن «زيارة المتحف لن تقتصر على طلاب جامعة عين شمس فقط؛ بل سيُسمح للباحثين والدارسين من مختلف الجامعات المصرية بزيارته للتعرف على القطع الأثرية المعروضة به، إضافة إلى الزيارات الرسمية الوافدة للجامعة». وحسب وزيري: «ستكون زيارة المتحف مجانية لجميع طلاب الجامعات والباحثين والدارسين المصريين».
وسيضم المتحف 167 قطعة أثرية «ترصد التاريخ المصري القديم بمختلف حقبه التاريخية، منذ العصر الفرعوني وحتى العصر الحديث وأسرة محمد علي باشا»، وحسب رئيس قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار، مؤمن عثمان، فإن «القطع التي ستُعرض تم اختيارها من مخازن المواقع الأثرية والمتاحف المصرية، ومن بينها: المتحف المصري في التحرير، وكفر الشيخ، والفن الإسلامي، وقصر المنيل، والمركبات الملكية».
وقال الدكتور أشرف أبو اليزيد، المشرف على إدارة المتاحف النوعية في وزارة السياحة والآثار، لـ«الشرق الأوسط»: إن «متحف قصر الزعفران سيكون متحفاً تعليمياً يهدف إلى نشر الوعي الأثري بين طلاب الجامعات؛ خصوصاً طلاب كليات الآثار، ومساعدة الباحثين على إجراء أبحاثهم ودراساتهم على القطع المعروضة».
ويتوقع باحثون أن يساهم المتحف الجديد في تسليط مزيد من الضوء على تاريخ قصر الزعفران الأثري. وقال رئيس جامعة عين شمس، الدكتور محمود المتيني، في إفادة رسمية: إن «إنشاء المتحف سيدعم توجه الجامعة لمنح قصر الزعفران مكانته التراثية التي يستحقها، وأن يقدَّم لزائريه في صورة متحفية تراثية تعريفاً بحقيقة القصر»، موضحاً أن «المتحف سيكون في بدروم (قبو) قصر الزعفران، وستُربط مقتنياته بتاريخ القصر وقصته».
ويعود تاريخ قصر الزعفران الأثري إلى عام 1864، عندما أنشأه الخديوي إسماعيل على أنقاض قصر «الحصوة» في حي العباسية (شرق القاهرة) الذي بناه محمد علي باشا، مؤسس الأسرة العلوية. بُني القصر على غرار قصر «فرساي» في فرنسا الذي قضى فيه الخديوي إسماعيل فترة تعليمه. وقد طلب الخديوي نقش الأحرف الأولى من اسمه وتاجه الخاص على بوابة القصر ومداخل القاعات والغرف، وذلك ليجمع بين الطرازين القوطي والباروك المستعملين في قصور القرن التاسع عشر.
ويضم القصر 4 واجهات معشقة، بنوافذ وشرفات بعقود نصف دائرية، وزخارف جصية بهيئة فروع نباتية وأكاليل زهور بسيطة ورقيقة، تتخللها تصاميم فنون النحاس والذهب والزجاج الملون، فضلاً عن أسقفه الملونة بألوان السماء. كما يتفرد من الداخل بمجموعة من العناصر الزخرفية النادرة، فضلاً عن طرازه المعماري. ويتكون من 3 طوابق رئيسية، إذ يضم الطابق الأول مجموعة من الأعمدة ذات الطراز اليوناني الروماني من الرخام الأخضر والأصفر بتيجان مذهبة، بينما يضم الطابق الثاني 8 غرف للنوم، كل غرفة بها صالون وحمام كبير، مصنوع من الرخام، وحوائط الحجرات مزينة بأشكال الورد والزهور الملونة.
وقال الدكتور محمد إسماعيل، المدرس بكلية الآثار، جامعة عين شمس، لـ«الشرق الأوسط»: «سيُفتتح المتحف السبت المقبل، وسيكون متاحاً للزيارة المجانية لكل طلاب الجامعات المصرية»، لافتاً إلى أنه سيُسلط الضوء على قصر الزعفران وتاريخه.
وقال وزير الآثار الأسبق، والعميد السابق لكلية الآثار في جامعة عين شمس، الدكتور ممدوح الدماطي، في إفادة رسمية: إن المتحف «سيضم أيضاً مجموعة من القطع الأثرية من نتاج أعمال حفائر البعثة الأثرية المصرية للجامعة العاملة بمنطقة عرب الحصن، وبعضاً من مقتنيات جامعة عين شمس، ممثلة في مجموعة البرديات والعملات من العصور واليونانية والرومانية والإسلامية، وكذلك مخطوطات تراثية من مقتنيات مكتبة الجامعة».



الجيش الإسرائيلي: لا علم لنا بوقوع اشتباك مع «حزب الله» على الحدود السورية

دبابات حشدتها إسرائيل على الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
دبابات حشدتها إسرائيل على الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي: لا علم لنا بوقوع اشتباك مع «حزب الله» على الحدود السورية

دبابات حشدتها إسرائيل على الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
دبابات حشدتها إسرائيل على الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

قال ‌الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه ليس لديه علم بشأن أي اشتباك مع ​مقاتلي «حزب الله» في شرق لبنان، بعد أن قالت الجماعة اللبنانية المدعومة من إيران إنها اشتبكت مع جنود إسرائيليين قادمين من سوريا.

وذكر «حزب الله»، في بيان، أن مقاتليه رصدوا 15 طائرة هليكوبتر بعد منتصف الليل بقليل يهبط منها جنود إسرائيليون شوهدوا وهم يقتربون من الأراضي اللبنانية من منطقة على الجانب السوري من الحدود.

وقال «الحزب» في البيان: «رصد مجاهدو المقاومة الإسلامية تسلل نحو 15 مروحية تابعة لجيش العدو الإسرائيلي من الاتجاه السوري. وحلقت المروحيات المعادية فوق السلسلة الشرقية... حيث عمد عدد منها إلى إنزال قوة مشاة في سهل سرغايا رُصد تقدمها باتجاه الأراضي اللبنانية».

وأضاف البيان أن مقاتلي «حزب الله» تصدوا «للمروحيات وللقوة المتسللة بالأسلحة المناسبة». لكن الجيش الإسرائيلي قال إنه لا يعلم بأي شيء من هذا القبيل.

عمال إغاثة يبحثون عن ضحايا في مبنى تعرض لقصف إسرائيلي ببلدة الغازية في جنوب لبنان (أ.ب)

ولم تتمكن «رويترز» من التحقق من رواية «حزب الله».

وشن الجيش الإسرائيلي غارة جوية في المنطقة نفسها بالقرب من قرية النبي شيت ليل الجمعة - السبت في ما قال إنها مهمة للبحث عن رفات جندي مفقود منذ عام 1986. وقالت وزارة الصحة اللبنانية إن 41 شخصاً قتلوا في الغارة الإسرائيلية.


ضغوط «حزب الله» على المحكمة العسكرية تقوّض قرار حظر السلاح

توزيع بطانيات في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في بيروت وتبدو صورة مرفوعة لقياديين وعناصر في «حزب الله» (إ.ب.أ)
توزيع بطانيات في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في بيروت وتبدو صورة مرفوعة لقياديين وعناصر في «حزب الله» (إ.ب.أ)
TT

ضغوط «حزب الله» على المحكمة العسكرية تقوّض قرار حظر السلاح

توزيع بطانيات في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في بيروت وتبدو صورة مرفوعة لقياديين وعناصر في «حزب الله» (إ.ب.أ)
توزيع بطانيات في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء في بيروت وتبدو صورة مرفوعة لقياديين وعناصر في «حزب الله» (إ.ب.أ)

لم يسلك قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر أي نشاط عسكري أو أمني لـ«حزب الله» طريقه إلى التنفيذ الفعلي حتى الآن، إذ واصل الحزب تصعيد عملياته العسكرية عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه العمق الإسرائيلي، بالتزامن مع بروز مظاهر تفلّت أمني داخل لبنان، خصوصاً في أوساط النازحين الذين غادروا الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت.

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه خلال تجمع في ذكرى اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)

وفي ظل عجز الأجهزة الأمنية عن تعقّب مطلقي الصواريخ باتجاه إسرائيل، سجّلت القوى الأمنية تطوراً لافتاً تمثّل في توقيف نحو 30 شخصاً من عناصر الحزب ومؤيديه، بعدما ضُبطت بحوزتهم أسلحة فردية شملت رشاشات حربية ومسدسات وقنابل، كانوا يحملونها خلال نزوحهم مع المدنيين من مناطق الجنوب والضاحية.

هذه التوقيفات عكست تحولاً نسبياً في آلية تعامل المؤسسات الأمنية والقضائية مع ملف السلاح غير الشرعي، إلا أنها اصطدمت سريعاً بواقع استمرار تأثير «حزب الله» على مسار القرارات القضائية، حيث عقدت المحكمة العسكرية جلسة لمحاكمة ثلاثة عناصر من الحزب أوقفوا الأسبوع الماضي، وأصدرت حكماً قضى بتغريم كلّ منهم مبلغ 900 ألف ليرة لبنانية (10 دولارات أميركية)، بتهمة حيازة أسلحة حربية غير مرخصة، وأعفتهم من عقوبة السجن.

المحكمة العسكرية تحت ضغط «حزب الله»

يختلف هذا القرار عن أحكام تصدر عادة في قضايا مشابهة، حيث يعاقب ناقلو السلاح غير المرخص غالباً بالسجن لمدة لا تقل عن شهر. وأفادت معلومات بأن الحكم المخفف جداً، جاء ترجمة للضغوط التي مارسها الحزب على المحكمة العسكرية للإفراج عن عناصره الموقوفين، وكان يسعى إلى إطلاق سراحهم يوم الخميس الماضي، مع توجه لعقد جلسة محاكمتهم يوم الجمعة، قبل أن تعترض النيابة العامة العسكرية على ذلك، ما أدى إلى تأجيل الجلسة حتى الاثنين.

مُناصر لـ«حزب الله» يرفع عَلمه ويلتقط صورة قرب السفارة الإيرانية ببيروت (أ.ب)

قرار المحكمة لم يلقَ قبولاً لدى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الذي بادر إلى الطعن بالحكم أمام محكمة التمييز العسكرية مطالباً بتشديد العقوبة. وأوضح مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن الحكم الصادر «جاء مخففاً إلى أبعد الحدود ولم يلحظ كامل المواد القانونية التي تم الادعاء بموجبها على الموقوفين». وأكد أن مفوض الحكومة «تسلّم محاضر التحقيقات الأولية مع أربعة موقوفين آخرين، تمهيداً للادعاء عليهم خلال الساعات المقبلة، مع طلب إصدار أحكام مشددة بحقهم».

السلاح وتهديد المجتمعات المضيفة

من الناحية القانونية، يشكل توقيف مسلحين ينتمون إلى «حزب الله» تطبيقاً مباشراً لقرار الحكومة الذي يحظر أي نشاط عسكري أو أمني للحزب، وهو قرار يفترض أن يشمل جميع حاملي السلاح خارج إطار الدولة ويضعهم تحت طائلة الملاحقة القضائية. غير أن التحدي الأبرز يكمن في التعامل مع مظاهر السلاح بين النازحين، إذ شهدت عدة مناطق في العاصمة بيروت، بينها الحمراء ورأس بيروت وساقية الجنزير، وعين الرمانة إضافة إلى بلدتي عرمون وكفرشيما في جبل لبنان، إشكالات متكررة تخللتها مظاهر مسلحة وإطلاق نار واحتكاكات مع السكان المحليين وانتشرت مقاطع فيديو تظهر تهديد السكان، وانتشر أحدها مساء الأحد يظهر أحد المسلحين في عرمون مهدداً عدداً من المواطنين.

وأثارت هذه الحوادث حالة من القلق والتوتر لدى المجتمعات المضيفة التي وجدت نفسها أمام أعباء أمنية إضافية إلى جانب الضغوط الاجتماعية والاقتصادية القائمة. ويرى مواطنون أن الإجراءات الأمنية المتخذة «لا تزال دون المستوى المطلوب»، معتبرين أن غياب التدابير الرادعة «بدأ يشجع على تكرار هذه الحوادث ويعطي انطباعاً بوجود تردد في تطبيق القانون عندما يتعلق الأمر بعناصر مرتبطة بـ(حزب الله)».

مواطن يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

في المقابل، يؤكد مصدر أمني أن الأجهزة المختصة «تتعامل بجدية مع أي حادث أمني»، مشيراً إلى أن «التأخر أحياناً في وصول القوى الأمنية إلى أماكن الإشكالات يعود إلى محدودية عديد العناصر وعدم القدرة على الانتشار في جميع نقاط النزوح». وقال المصدر الأمني لـ«الشرق الأوسط» إن القوى الأمنية «تحافظ على وجود شبه دائم عند مداخل المدارس والمنشآت التي تستضيف النازحين، فيما تقع غالبية الحوادث في شوارع وأحياء بعيدة نسبياً عن تلك المراكز»، مشيراً إلى أن الدوريات «تتحرك فور تلقي أي بلاغ عن إطلاق نار أو احتكاك، وتعمل على توقيف المتسببين أو تعقبهم في حال مغادرتهم المكان».

وعلى رغم ذلك، لا يخفي المصدر الأمني أن استمرار الحوادث قد يؤدي إلى احتكاكات أوسع بين النازحين والسكان المحليين، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، في وقت تعاني فيه المجتمعات المضيفة أصلاً ضغوطاً اقتصادية ومعيشية متزايدة، وهذا يزيد الأعباء الأمنية على الأجهزة الرسمية، خصوصاً أن حالة النزوح مرشّحة للارتفاع وأن تستمر لأشهر طويلة.


من أعماق البحر إلى قاعات العرض... ذاكرة البحر الأحمر في «كنوز غارقة»

ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
TT

من أعماق البحر إلى قاعات العرض... ذاكرة البحر الأحمر في «كنوز غارقة»

ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)
ميناء باب البنط قديماً (الهيئة العامة للموانئ)

في مبنى «باب البنط» بجدة التاريخية، حيث كانت السفن تقترب من الساحل محمّلة بالبضائع والحجاج والقصص القادمة من أطراف العالم، يقيم متحف البحر الأحمر معرضه المؤقت «كنوز غارقة... التراث البحري للبحر الأحمر» في محاولة لاستعادة تاريخ طويل ظل جزء كبير منه مغموراً تحت الماء.

المعرض لا يقدم قطعاً أثرية فحسب، بل يعيد فتح صفحات من ذاكرة البحر الأحمر، ذلك الممر الذي ربط لقرون الجزيرة العربية وآسيا وأفريقيا وأوروبا، وحمل فوق أمواجه الحجاج والتجار والرحالة، بينما احتفظ في أعماقه بشواهد من السفن والبضائع والقصص التي لم تصل يوماً إلى مرافئها.

كسر أوانٍ خزفية اكتُشفت في باب البنط (الشرق الأوسط)

وتوضح مديرة المتحف إيمان زيدان أن المعرض يهدف إلى تعريف المجتمع بالتراث البحري للساحل السعودي، الذي شهد مرور الحجاج والرحالة وازدهار موانٍ تاريخية مثل الشعيبة وجدة، إضافة إلى مرافق ساحلية مثل فرسان والسيرين، التي شكّلت عبر القرون نقاط اتصال ضمن شبكات تجارة ربطت الجزيرة العربية بآسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتشير زيدان إلى أن كثيراً من هذا الإرث ظل لفترة طويلة مغموراً تحت الماء وغير متاح للجمهور، حتى كشفت أعمال المسح الأثري الحديثة عن مواقع وسفن ومقتنيات أعادت تسليط الضوء على تاريخ البحر الأحمر بوصفه فضاءً للتبادل الحضاري.

كتاب العربية الغربية والبحر الأحمر (الشرق الأوسط)

خرائط البحر... بداية الحكاية

تبدأ الجولة بخرائط أوروبية وفرنسية تعود إلى القرنين السابع عشر والتاسع عشر، تكشف كيف كان العالم ينظر إلى البحر الأحمر بوصفه ممراً استراتيجياً يصل آسيا بأفريقيا.

ويشرح مرشد المعرض جاسر الدالي أن هذه الخرائط تبرز أهمية البحر الأحمر في تاريخ الملاحة؛ إذ شكّل نقطة التقاء لطرق التجارة العالمية، وارتبط بالمواني التي ازدهرت على سواحله.

وبالقرب منها، يعرض كتاب يعود إلى عام 1946 يتضمن صورة قديمة لمدينة جدة، إضافة إلى مخطوطة تشبه البوصلة استُخدمت لمعرفة المسافات بين مكة ومدن العالم، في دلالة على مكانة المدينة في حركة الرحلات والملاحة.

صور تعكس مشهد الحياة التجارية في جدة قديماً (الشرق الأوسط)

الحياة فوق السفينة

مع الانتقال إلى القسم التالي، يتغير الإيقاع البصري للمتحف. فالأرضية الخشبية وصوت الأمواج يعيدان خلق أجواء السفن القديمة، بينما تصطف توابل جاءت من أماكن بعيدة: منها جوز الهند، المسك، الكركم، الحناء، والهيل.

يوضح الدالي أن هذه السلع تعكس الدور التجاري للبحر الأحمر بوصفه ممراً يربط أسواق آسيا بالجزيرة العربية.

أما الحياة اليومية للبحارة، فكانت أكثر بساطة وتعقيداً؛ إذ استخدموا الغناء لتنظيم العمل على متن السفينة، فالإيقاع السريع يعني شد الحبال بسرعة، والبطيء يعني التمهّل، في نظام جماعي يساعد على تنسيق الجهد خلال الرحلات الطويلة.

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)

الأسطرلاب... قبل عصر الأقمار الاصطناعية

في إحدى خزائن العرض يبرز الأسطرلاب النحاسي، وهو أداة فلكية استخدمها البحارة لتحديد الاتجاه والوقت عبر مراقبة الشمس والقمر.

ويشير الدالي إلى أن الأسطرلاب كان يمثل في زمنه ما يشبه نظام تحديد المواقع الحديث، قبل أن تنتقل الملاحة إلى عصر التقنيات الرقمية.

وفي المعرض، يمكن للزائر مشاهدة شاشة تعرض حركة السفن التي تعبر البحر الأحمر في الوقت الفعلي، مع معلومات عن مسارها وسرعتها وحمولتها، في مقارنة حيّة بين الملاحة القديمة والملاحة الحديثة.

مجموعة من العملات الفضية الإسلامية التي استُخرجت من حطام سفينة بالقرب من الشعيبة (الشرق الأوسط)

العملات... لغة التجارة القديمة

في خزائن أخرى تظهر مجموعة من العملات التي تعكس تنوع العلاقات التجارية عبر البحر الأحمر.

تشمل هذه العملات قطعاً من العهد الأموي وأخرى من الدولة العثمانية، إضافة إلى عملات هندية وبريطانية؛ ما يعكس شبكة تجارة امتدت عبر قارات عدة.

وبين هذه القطع، تبرز سبحة مصنوعة من اليسر المكاوي — وهو نوع نادر من المرجان الأسود الموجود في البحر الأحمر — مطعّمة بالفضة، وتعدّ من أجمل وأغلى المسابح التقليدية.

هذه السبحة لا تمثل مجرد قطعة زينة، بل هي شاهد على ارتباط الحياة اليومية بثروات البحر نفسه.

سبحة من اليسر المكاوي المستخرج من المرجان الأسود الموجود في البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

حطام سفينة أملج

أحد أكثر أقسام المعرض جذباً للانتباه هو مقتنيات حطام سفينة أملج، التي اكتُشفت عام 2007 واستُخرجت بعض آثارها عام 2015.

تشمل القطع المعروضة مقابض خناجر وأدوات شخصية مثل مشط وملعقة، إضافة إلى فناجين خزفية بزخارف صينية؛ ما يشير إلى أن السفينة كانت تحمل بضائع قادمة من شرق آسيا.

كما يعرض المعرض جراراً اكتُشفت في جزيرة فرسان كانت تستخدم لنقل التوابل والحبوب والعصائر عبر البحر.

لكن البحر الأحمر لم يكن طريقاً سهلاً للملاحة؛ فالشعاب المرجانية الكثيفة، والتيارات القوية، وصعوبة الملاحة ليلاً جعلت من الإبحار فيه تحدياً حقيقياً للبحارة.

ويستحضر المعرض قصيدة للجغرافي الشهير الإدريسي تصف البحر الأحمر بأنه بحر صعب المسالك، في إشارة إلى المخاطر التي كانت تواجه السفن في تلك الحقبة.

قرص حجر رحى دائري بثقب مركزي من ميناء السيرين (الشرق الأوسط)

كنز الشعيبة

ومن أبرز الاكتشافات المعروضة كنز الشعيبة، الذي يضم نحو 5 آلاف عملة تعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي، يُعرض منها نحو 300 قطعة فقط.

يشير الدالي إلى أن هذه العملات كانت غارقة في البحر الأحمر لقرون، قبل أن يُستعاد بعضها بالتعاون مع الإنتربول ووزارة الخارجية ليعود إلى المملكة ويعرض في هذا المعرض.

وفي نهاية الجولة، يتضح أن المعرض لا يكتفي بسرد تاريخ البحر الأحمر، بل يطرح سؤالاً أكبر: كم من القصص ما زال مخبأ في أعماقه؟

فبين الخرائط القديمة، وأدوات الملاحة، ومقتنيات السفن الغارقة، يبدو البحر الأحمر هنا أرشيفاً مفتوحاً، لا تزال صفحاته تُكتشف واحدة تلو الأخرى، وبهذا يخرج الزائر من «كنوز غارقة» وهو يدرك أن البحر لم يكن مجرد طريقٍ للسفن... بل ذاكرة كاملة، ما زالت تحتفظ بالكثير مما لم يُكتشف بعد.

مجموعة من العملات الفضية الإسلامية التي استُخرجت من حطام سفينة بالقرب من الشعيبة (الشرق الأوسط)