هل ينعم لبنان حقاً بحرية وديمقراطية؟

كيف يستطيع الفرد الذي لا يملك أدنى سبل العيش أن يكون حراً مستقلاً في لبنان؟ (أ.ف.ب)
كيف يستطيع الفرد الذي لا يملك أدنى سبل العيش أن يكون حراً مستقلاً في لبنان؟ (أ.ف.ب)
TT

هل ينعم لبنان حقاً بحرية وديمقراطية؟

كيف يستطيع الفرد الذي لا يملك أدنى سبل العيش أن يكون حراً مستقلاً في لبنان؟ (أ.ف.ب)
كيف يستطيع الفرد الذي لا يملك أدنى سبل العيش أن يكون حراً مستقلاً في لبنان؟ (أ.ف.ب)

سمعنا في الآونة الأخيرة كلمات وتعابير تردد صداها في لبنان، منها ما يفهمها البعض جيداً ومنها ما لا يفهمها البعض جيداً أو لا يفهمها أبداً، على سبيل المثال، «ديمقراطية» و«ديمقراطية توافقية»، وغيرهما. وذلك بعد انتهاء مدة ولاية المختارين وأعضاء المجالس البلدية في لبنان.
كان السياسيون في حيرة من أمرهم، هل يمددون للمختارين وأعضاء المجالس أو يدعون إلى انتخاب مجالس اختيارية وبلدية جديدة...؟! حتى استقر القرار المبطّن أخيراً والمقرر سلفاً معتمداً تمديداً للاثنين معاً، حارمين اللبنانيين من حقهم في الانتخاب والترشح.
في هذا السياق لا بدّ لنا من إعطاء لمحة موجزة عن «الديمقراطية» و«الحرية»، علّها تساهم قليلاً في إدراك وفهم ما يجول حولنا من سياسات صائبة أو غير صائبة إن لم نقُل خاطئة.
«الحرية والديمقراطية» توأمان متلازمان ينسجمان ب» class=»tamc-bullet» unselectable=»on» disabled=»» contenteditable=»false»>•تناغم كل مع الآخر، فلا حرية من دون ديمقراطية ولا ديمقراطية من دون حرية.
يعود منشأ ومهد مفاهيم «الديمقراطية» إلى اليونان القديمة كشكل من أشكال الحكم في أثينا القديمة نحو عام 508 قبل الميلاد، حيث تراوح العديد من أنظمة الحكم التي ظهرت في بلاد اليونان من الديمقراطية إلى الأرستقراطية إلى الملكية والديكتاتورية المطلقة، فكانت فيها الديمقراطية الأثينية أول ديمقراطية نشأت في التاريخ البشري (ربما نشأت ديمقراطيات أخرى قبلها، لكنها لم توثق). و«الديمقراطية» هي مصطلح منشق من مصطلح إغريقي أُطلق عليه اسم «ديموكراتيا»، ومعناه «حكم الشعب»؛ «ديموس» بالإغريقية تعني (شعب) و«كراتوس» تعني (سلطة)، وهي شكل من أشكال الحكم يشارك فيه المواطنون المؤهلون على قدم المساواة إما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم مُنتخَبين، وتشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تمكّن المواطنين من الممارسة الحرة والمتساوية لتقرير المصير السياسي؛ أي بمعنى أوسع هي نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع إلى ثقافة سياسية وأخلاقية.
وهكذا ترتبط «الديمقراطية» بالإغريق والرومان القدماء الذين يُعتبرون مؤسسي الحضارة الغربية من قبل القرن الثامن عشر والذين حافظوا على الاستفادة من هذه التجارب الديمقراطية في قالب جديد للتنظيم السياسي لما بعد الملكية، لكن النظام السياسي في أثينا، على سبيل المثال، منح حق ممارسة الديمقراطية لفئة النخبة من الرجال واستبعد العبيد والنساء من المشاركة السياسية. وجميع الحكومات الديمقراطية شكلت فعلياً، على مرّ التاريخ، الممارسة الديمقراطية من فئة النخبة حتى مُنح حق العتق الكامل من العبودية لجميع المواطنين البالغين في معظم الديمقراطيات الحديثة من خلال حركات الاقتراع في القرنين التاسع عشر والعشرين.
أما أصل المفهوم الحديث لـ«الحرية السياسية»، فيعود للأفكار الإغريقية عن الحرية والعبودية، ولكي يكون المرء حراً، حسب الإغريق، كان يجب ألا يحكمه سيد وأن يعيش كما يريد. ويرتبط هذا المفهوم بشكل وثيق مع مفهوم «الديمقراطية» عند أرسطو الذي قال: «يُعتبر ذلك إحدى سمات الحرية التي يؤكد جميع الديمقراطيين على كونها من مبادئ دولتهم، بالإضافة إلى أن المرء ينبغي أن يعيش كما يشاء، أما العكس فيكون علامة على حكم العبودية، وتُعتبر هذه السمة الثانية للديمقراطية، من حيث تعلو المطالبة بالاستقلال عن حكم أيّ أحد إن أمكن، وإلا أن يحكم الفرد ويُحكم بالتناوب. وتساهم هذه السمة في الحرية المبنية على المساواة».
إذاً، الحرية هي التحرر من القيود التي تكبّل طاقات الإنسان وإنتاجه، إنما لا توجد حرية مطلقة للإنسان، فحريّته مقيّدة بضوابط دينية وأخلاقية تتلاءم وطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، فبالقدر الذي يحافظ به الشخص على مصالحه يجب عليه المحافظة على مصالح الآخرين، وكما قال الفلاسفة القدماء: «تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين». وحرية الشعب هي سيادته على نفسه، وحرية التجوّل، والتعبير والاعتقاد، هي حق الإنسان في اختيار ما يريد وفقاً لقناعاته ومعتقداته، إذا أخذنا لبنان مثلاً، فهل يتمتع أهله بالديمقراطية والحرية في جميع مكوّناته؟! هل يتمتع الإنسان بالديمقراطية والحرية الحقيقية بشكل كامل في بلده؟!
بما أن التواصل بين الحرية السياسية والاقتصادية والمجتمع لا ينقطع، فإن الديمقراطية الحقة هي الديمقراطية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لتكون العدالة والمساواة والفرص المتكافئة. فإذا أردنا أن نحقق الديمقراطية، لا بدّ لنا من أن نبدأ بتحقيق الديمقراطية الاجتماعية؛ لأن المجتمع الذي لا يستطيع الفرد فيه أن يؤمّن قوت يومه، لا يستطيع أن يكون حراً. لذا يلجأ المرء في معظم الأحيان إلى زعيم أو رئيس أو نافذ أو قوي طالباً المساعدة والحماية وتأمين سبل العيش، فهل هذا ما يحدث في لبنان؟!
أما الديمقراطية الاجتماعية التي تتمثل في العدالة والإنصاف والمساواة في المجتمع أو في القانون، وتتمثل في الإنتاج وعدالة التوزيع وجني الأموال التي تُنتج لتُستخدم كرؤوس أموال في الصناعة أو الزراعة أو المشاريع الاستثمارية أو غيرها. فالتواصل بين الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا ينقطع. فهل يحدث هذا في بلدنا لبنان؟! فإنّي من بلد يتغنّى مواطنوه بالديمقراطية والحرية من أجل الشعب فقط، وتُهرّب الأموال فيه من قِبل نخبة وفئة قليلة من اللبنانيين وغيرهم لتُستثمر في بلاد خارجية، فهل يُبنى ويُعمّر بلد بلا أموال ورؤوس أموال؟!
حيث إن حرية الإعلام تعتبر الحجر الأساسي للحريات الديمقراطية، ودور الإعلام يُعتبر أساسياً لممارسة حرية التعبير، فإن الديمقراطية ليست مجرد مجموعة مؤسسات فقط، بل هي أيضاً ثقافية بحد ذاتها، فمن دون وسائل الإعلام يستحيل على ثقافة الديمقراطية أن تنمو، وعلى المجتمع أن يطوّر العادات والممارسات المكتسبة وتبادل الآراء والأفكار والمعلومات. ومما لا شك فيه أنه في هذا العالم العصري تعتمد الديمقراطية على وسائل الإعلام السليمة والمتعددة والمتنوعة والمستقلة التي يمكنها أن توفّر منصة للنقاش الديمقراطي والفضاء الاجتماعي الذي يُمارس من خلاله حق التعبير بشكل فعّال. كما يُعتبر الحق في حرية التعبير دعامة من دعائم الدول ذات النظام الديمقراطي، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى التعبير عن ذاته، وحرية الرأي هي خير وسيلة للتعبير عن رأيه في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
نتساءل أحياناً: هل يستطيع المواطن في لبنان أن يعبّر عن رأيه بحرية واطمئنان أكان في وسائل الإعلام، أم في وسائل التواصل الاجتماعي، أم في التظاهر السلمي، أم...، أم...، أم...؟!
أما «الديمقراطية التوافقية»، فهي نوع من الديمقراطية التمثيلية، إلا أنها تتميز عنها بتراجع أسلوب الصراع السياسي بين الأقلية والأكثرية، وتعويضه بالتوافق والحكم الجماعي والأخذ بأكبر عدد ممكن من الآراء، وإشراك الأقلية المُنتخَبة في الحكم أو السياسات الكبرى. ويوصف لبنان بأنه بلد يتميز باختلاف وتعدّد وتنوّع طوائفه الثماني عشرة، «وبلد الرسالة»، كما وصفه البابا يوحنا بولس الثاني، يختلف نظامه عن أنظمة باقي الدول العربية المحيطة به، فهناك أقليات وهناك أكثرية، وعلى لبنان أن يحفظ ويصون ديمقراطية وحرية كل طائفة على أرضه محصّنة بالعدالة والمساواة وحسن التمثيل لكل منها على حدّ سواء؛ لذا فإن الديمقراطية التوافقية ربما يحفظ فيها حق الجميع في التمثيل السياسي كما في التمثيل الاجتماعي.
كيف يستطيع الفرد الذي لا يملك أدنى سبل العيش أن يكون حراً مستقلاً في لبنان ويعيش الحرية والديمقراطية والانتماء إلى دولة راعية مسؤولة عنه وعن شؤونه كافة؟! وهل حقاً يُحفظ ويُصان حق النساء في التمثيل السياسي والاجتماعي كما يجب؟ فهل تنال النساء حقوقهن كاملة في الترشّح والاقتراع والوصول إلى مراكز القرار وتقرير المصير السياسي؟ وهل عليهن دوماً المطالبة بـ«كوتا» للوصول إلى حق هو ملكهن بالأساس؟! فأي حرية وديمقراطية نتحدث عنها؟! وهل فعلاً يعيش اللبناني في ديمقراطية وحرية تامة وحقيقية في لبنان؟!
وبما أن الصحافة تُعتبر سلطة رابعة في الحكومة إلى جانب السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، فإن الديمقراطية القوية تشجع على صحافة حرة، ولكن عندما يتعرّض الصحافيون للتهديد أو الاعتداء، أو عندما يخضعون للرقابة أو يُسجنون بناء على افتراءات مزعومة او ملفقة، فيكون هذا اعتداء على حرية التعبير للمجتمع، لكن من الجهة القانونية والتاريخية هي تُعتبر حرية محددة سلفاً، ولا يمكن تركها مطلقة من دون تقييد يمنع الإساءات والعنف ويحترم العيش المشترك وقواعد السياسة معاً. لهذا ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنّته الأمم المتحدة عام 1948 على أن: «لكل فرد الحق في حرية الرأي، ويتضمن هذا الحق تكوين آراء من دون تدخل أحد، ولا يخضع أيّ فرد في ممارسة حقوقه وحرياته، إلا للقيود التي يقررها القانون».

* باحثة لبنانية


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

التجاوب مع حاجات الجيش اللبناني مرهون بخطته لـ«حصر السلاح» شمال الليطاني

جنديان من الجيش اللبناني في موقع عسكري حدودي مع إسرائيل في قرية علما الشعب بجنوب لبنان (أرشيفية - أ.ب)
جنديان من الجيش اللبناني في موقع عسكري حدودي مع إسرائيل في قرية علما الشعب بجنوب لبنان (أرشيفية - أ.ب)
TT

التجاوب مع حاجات الجيش اللبناني مرهون بخطته لـ«حصر السلاح» شمال الليطاني

جنديان من الجيش اللبناني في موقع عسكري حدودي مع إسرائيل في قرية علما الشعب بجنوب لبنان (أرشيفية - أ.ب)
جنديان من الجيش اللبناني في موقع عسكري حدودي مع إسرائيل في قرية علما الشعب بجنوب لبنان (أرشيفية - أ.ب)

تتهيأ العاصمة القطرية لاستضافة الاجتماع التمهيدي لمؤتمر دعم قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي يوم 15 من الشهر الحالي بحضور الدول الخمس الراعية (فرنسا والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر ومصر) ودول أخرى ومنظمات دولية وإقليمية... والغرض منه تحضير الأرضية وتنسيق المواقف والاطلاع من كثب على حاجات الجيش اللبناني وتطوير آليات الدعم المالية والعسكرية الخاصة به، بغية توفير كل شروط نجاح المؤتمر الذي يلتئم في باريس يوم 5 مارس (آذار) المقبل والذي تتوقع السلطات الفرنسية مشاركة ما يقارب خمسين دولة وعشر منظمات. وبالنظر لما يمثله الجيش اللبناني وللمهمات الثقيلة التي يتولاها راهناً ودوره في تثبيت السيادة اللبنانية، فإن الاجتماع التحضيري وكذلك المؤتمر نفسه سيوفران دعماً سياسياً رئيسياً له. وأفادت المصادر الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني العماد جوزيف عون سيفتتحانه وأن أعماله ستجرى في يوم واحد.

المنتظر من اجتماع الدوحة

تلعب باريس دوراً محورياً في التحضير للاجتماع والمؤتمر. وكان التحضير لهذين الاستحقاقين أحد الملفات الرئيسية التي تناولها جان نويل بارو، وزير الخارجية في في زيارته التي قام بها إلى بيروت واستمرت يومين نهاية الأسبوع الماضي. وتزامنت مع بدء تحضير قيادة الجيش للمرحلة الثانية من عملية حصر السلاح التي ينتظرها المجتمع الدولي والتي تشمل المنطقة الممتدة من نهر الليطاني إلى نهر الأولي، شمال مدينة صيدا، عاصمة الجنوب. ويفيد أكثر من مصدر غربي في باريس، معني بالملف المذكور، أن التجاوب مع حاجات الجيش مرهون إلى حدٍ كبير بالخطة التي سيعرضها والمفترض أن يقدمها في الأسابيع القادمة وقبل حلول موعد المؤتمر إلى مجلس الوزراء اللبناني حتى يقرها. وتتوقف باريس عند تحديين: الأول، ضرورة مواصلة عملية حصر السلاح المنوطة بالجيش ووفق القرار الدولي رقم 1701. والثاني، حاجة المؤتمرين للتعرف بدقة على حاجات الجيش اللبناني من أجل أن يصار إلى الاستجابة لها عن طريق التنسيق بين الأطراف الدولية الراغبة في دعمه وإيجاد «آلية» دولية لهذا الغرض.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خارجاً من قصر الإليزيه مع وزيرة الثقافة رشيدة داتي عقب الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وترفض باريس الخوض في تحديد رقم معين للمساعدات التي يفترض أن يعلن عنها بمناسبة المؤتمر انطلاقاً من أن الدعم سيكون متعدد الأشكال وليس محصوراً فقط بالدعم المالي، إذ يدخل في حسابه تعزيز القدرات العسكرية (أنظمة الأسلحة) والوسائل اللوجيستية والتدريب. وتقدر باريس حاجات الجيش اللبناني السنوية بما يزيد على مليار دولار، غير أنها تعتبر أن توفيرها ليس مقصوراً على المساعدات الخارجية، بل إن جانباً منها يجب أن يلحظ في موازنة الدولة اللبنانية. وتبدو فرنسا مرتاحة لما أبلغها إياه قائد الجيش العماد رودولف هيكل لجهة حصوله على تطمينات في واشنطن تفيد أن الولايات المتحدة مواظبة على توفير الدعم للجيش اللبناني رغم الاجتماع العاصف الذي جمع هيكل بعضو مجلس الشيوخ ليندسي غراهام.

وتعوِّل باريس ومعها الأطراف الأربعة الآخرون على اجتماع الدوحة لتعرض قيادة الجيش تفاصيل ما تحتاج إليه علماً أنها ليست المرة الأولى التي تعقد اجتماعات مخصصة لدعم الجيش اللبناني. والجديد فيها اليوم أنها مرتبطة باستحقاق محدد، وهو حصر السلاح بما يثيره من جدل داخلي نظراً لاعتبار حزب الله أنه «أوفى» بواجباته جنوب الليطاني وأنه «لم يعد لديه شيء يعطيه شماله».

الحدود والنازحون السوريون

لا تخفي باريس ارتياحها للنتائج التي عاد بها بارو من بيروت لجهة علاقة لبنان بجواره، وخصوصاً بسوريا. ذلك أنها تعتبر أن اتفاق ترحيل أعداد من السجناء السوريين في لبنان إلى بلادهم سينعكس إيجاباً على ملفين آخرين: الأول، ترسيم الحدود البرية بين البلدين وتوفير الأمن على جانبيها. وتعرض فرنسا مساعدتها في ترسيم الحدود البرية بالنظر لما تمتلكه من خرائط تعود لفترة الانتداب على البلدين. والثاني، عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، الأمر الذي يعد ذا أهمية استراتيجية للبنان على مستويات عدة. بالمقابل، تعي باريس الصعوبات التي يواجهها لبنان مع إسرائيل، إن بسبب مواصلة عملياتها العسكرية بشكل شبه يومي أو برفضها، حتى اليوم، الانسحاب من المواقع الخمسة التي تحتلها داخل الأراضي اللبنانية...

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مجتمعاً برئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري يوم 6 فبراير (إ.ب.أ)

لكن باريس، في سياق آخر، ترحب بالمحادثات غير المباشرة التي جرت في إطار لجنة «الميكانيزم» بين مدنيين من الطرفين وتؤكد أن بارو يشجعها. كذلك، تقف باريس إلى جانب لبنان بتمسكها بـ«الميكانيزم» رغم أن تأثيرها الميداني، منذ قيامها، يبدو محدوداً جداً. غير أنها تلفت النظر إلى أن التصريحات العلنية الإسرائيلية لجهة ما حققه الجيش اللبناني تختلف عما يقوله مسؤولوها في الغرف المغلقة وهي ترى أن غرض تل أبيب هدفه المحافظة على حرية الحركة العسكرية في لبنان وتبريرها. ومن جملة ما يقوله الطرف الإسرائيلي أن تهديد «حزب الله» جنوب الليطاني تراجع بشكل كبير. أما التحدي الذي يمثله شمال الليطاني فما زال على حاله. وفي أي حال، فإن النصيحة التي نقلت إلى لبنان عبر كثير من القنوات تحثه على أمرين: مواصلة عملية حصر السلاح من جهة، ومن جهة ثانية البقاء بعيداً عن أي حرب قادمة قد تحصل في المنطقة، أكانت ثنائية، أي بين الولايات المتحدة وإيران أم بمشاركة إسرائيلية.

تبقى مسألة أخيرة كانت في لب محادثات بارو وتتناول الجوانب المالية ــ الاقتصادية وعنوانها مشروع قانون «الفجوة المالية» الذي أقره مجلس الوزراء ونقل إلى مجلس النواب. وفي هذا السياق، تؤكد باريس أن بارو شدَّد خلال اجتماعاته على ضرورة أن يتم التصويت عليه في مجلس النواب قبل انطلاق اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي وللبنك الدولي. وبرأي فرنسا أن إنجازاً كهذا من شأنه أن يوفر إشارة إيجابية لجهة جدية السلطات اللبنانية في تناول هذا الملف رغم الجدل الذي يدور داخلياً حول مشروع القانون. وفي أي حال، فإن باريس ترى أن إقراره في البرلمان سيكون له تأثير مباشر على مؤتمر دعم الاقتصاد اللبناني والذي أكدت فرنسا الاستعداد لاستضافته.


فصائل غزة تتحسب للاغتيالات بملاحقة «المتخابرين»

طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
TT

فصائل غزة تتحسب للاغتيالات بملاحقة «المتخابرين»

طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)

عززت الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة من تأهبها الأمني تحسباً لحملة اغتيالات إسرائيلية متواصلة تستهدف قيادات ميدانية ونشطاء من حركتي «حماس» و«الجهاد».

وأكدت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أن إجراءات الفصائل التي تضمنت ملاحقة من وصفتهم بـ«المتخابرين مع الاحتلال» أحبطت في الأيام والأسابيع القليلة الماضية سلسلة من الاغتيالات.

وشرحت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أن التعليمات «شملت (التنقل الآمن) من مكان إلى آخر؛ أي من دون حمل أي هواتف نقالة أو أي أدوات تكنولوجية، لتجنب الرصد». وقال مصدر ميداني آخر إن «بعض الإجراءات تضمنت نشر حواجز للأجهزة الأمنية التابعة لحكومة (حماس)، وكذلك عناصر ميدانية من (كتائب القسام) و(سرايا القدس)، ما أسهم في التقليل من حركة المتخابرين مع إسرائيل، والعناصر التي تعمل مع العصابات المسلحة». وأشار المصدر إلى أنه «تم ضبط عدد منهم والتحقيق معهم، وانتزاع معلومات عن الشخصيات التي يتم تتبعها، ونُقلت المعلومات للمستهدفين لتغيير مواقعهم».


لبنان يحسم خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني الأسبوع المقبل

آليات الجيش اللبناني تقوم بتأمين الشارع بينما تجمّع السكان خلال زيارة رئيس الوزراء اللبناني لقرية كفر كلة الجنوبية التي تعرضت لأضرار بالغة إثر القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
آليات الجيش اللبناني تقوم بتأمين الشارع بينما تجمّع السكان خلال زيارة رئيس الوزراء اللبناني لقرية كفر كلة الجنوبية التي تعرضت لأضرار بالغة إثر القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

لبنان يحسم خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني الأسبوع المقبل

آليات الجيش اللبناني تقوم بتأمين الشارع بينما تجمّع السكان خلال زيارة رئيس الوزراء اللبناني لقرية كفر كلة الجنوبية التي تعرضت لأضرار بالغة إثر القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
آليات الجيش اللبناني تقوم بتأمين الشارع بينما تجمّع السكان خلال زيارة رئيس الوزراء اللبناني لقرية كفر كلة الجنوبية التي تعرضت لأضرار بالغة إثر القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

كشف وزير الإعلام اللبناني بول مرقص، اليوم الأربعاء، عن أن الحكومة ستحسم، الأسبوع المقبل، كيفية المضي قدماً ​في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، والتي تمتد إلى منطقة شمال نهر الليطاني، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف مرقص في الكويت، حيث يحضر اجتماعاً عربياً، أن القرار سيستند إلى عرض سيقدمه قائد الجيش، يعرض فيه قدرات القوات المسلحة واحتياجاتها في هذا الشأن.

وكان ‌الجيش اللبناني ‌قال في يناير (كانون الثاني) ‌إنه ⁠بسط السيطرة ​العملياتية على ⁠المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والحدود الإسرائيلية. وطلب مجلس الوزراء من الجيش أن يطلعه في أوائل فبراير (شباط) على كيف سيمضي قدماً في نزع السلاح في أجزاء أخرى من لبنان.

وقال مرقص: «قد فرغنا من المرحلة الأولى، ⁠جنوب نهر الليطاني، والحكومة، الأسبوع المقبل، ستتخذ ‌قراراً فيما يتعلق ‌بالمرحلة الثانية في ضوء ما سيورده ​قائد الجيش من ‌حاجات وقدرات... لنتخذ القرار في ذلك في ضوء ‌هذا الشرح».

ويسعى لبنان إلى وضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة، بما يتماشى مع وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) ‌2024، والذي أنهى الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، الجماعة المدعومة من ⁠إيران.

واستبعد ⁠مرقص، اليوم، إمكان حدوث مواجهة بين الجيش اللبناني و«حزب الله»، مؤكداً أن «الهدف هو بسط سلطة الدولة وتحقيق الاستقرار، وبمقدار ما يمكن تحقيق هذه الأهداف معاً سنمضي بها».

وتشن إسرائيل غارات منتظمة في لبنان منذ نهاية الحرب مع «حزب الله»، في هجمات قالت مصادر أمنية لبنانية إنها أودت بحياة نحو 400 شخص.

وتتهم إسرائيل «حزب الله» بالسعي لإعادة التسلح، ​في انتهاك لاتفاق وقف ​إطلاق النار مع لبنان. وتؤكد الجماعة التزامها بوقف إطلاق النار في جنوب لبنان.