شويغو يتهم واشنطن بالعمل على تفجير مواجهة واسعة مع روسيا والصين

هجوم أوكراني على خيرسون... واستعداد لتصعيد في زابوريجيا

مبنى سكني تعرض لأضرار جسيمة في مدينة أومان الواقعة على مسافة مائتي كيلومتر جنوب كييف (أ.ف.ب)
مبنى سكني تعرض لأضرار جسيمة في مدينة أومان الواقعة على مسافة مائتي كيلومتر جنوب كييف (أ.ف.ب)
TT

شويغو يتهم واشنطن بالعمل على تفجير مواجهة واسعة مع روسيا والصين

مبنى سكني تعرض لأضرار جسيمة في مدينة أومان الواقعة على مسافة مائتي كيلومتر جنوب كييف (أ.ف.ب)
مبنى سكني تعرض لأضرار جسيمة في مدينة أومان الواقعة على مسافة مائتي كيلومتر جنوب كييف (أ.ف.ب)

بعد مرور يومين على التحذير الروسي من احتمال انزلاق الوضع حول أوكرانيا إلى «حرب عالمية» جديدة، أعاد وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، أمس (الجمعة)، التنبيه على اقتراب العالم نحو المواجهة الكبرى، وقال إن واشنطن تعمل على توسيع التحالف الغربي وجرّ بلدان إلى الانخراط في مواجهة عسكرية مع روسيا والصين.
وأضاف الوزير، في كلمة خلال مشاركته باجتماع وزراء دفاع منظمة «شنغهاي للتعاون» في نيودلهي، أن الصراع في أوكرانيا أظهر «تركيز واشنطن وحليفاتها في الغرب على استفزاز دول أخرى، في محاولة لجرها للمواجهة العسكرية الواسعة».
وزاد أن «واشنطن تنفذ مع شركائها خططاً استراتيجية، تتمثل في توسيع دائرة البلدان المنخرطة في الصراع مع دول تعارض سياسات الولايات المتحدة، وفي مقدمتها روسيا والصين»، مشيراً إلى أن «الصراع في أوكرانيا أظهر طبيعة السياسة الإجرامية التي تنتهجها واشنطن».
وقال شويغو إن «الهدف الحقيقي لهذه السياسة يتمثل في محاولة إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، وتشكيل تهديد للصين، والحفاظ على المكانة الاحتكارية للولايات المتحدة في العالم». جاء هذا الحديث بعد مرور يومين على تنبيه نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ديمتري ميدفيديف من اقتراب العالم من «حرب عالمية جديدة». وقال إن الغرب يعمل على استفزاز هذه المواجهة الكبرى، مضيفاً أن «بوادر الصراع النووي تزداد وتيرة بقوة لأسباب معروفة للجميع».
ورغم أن ميدفيديف أكد في الحديث ذاته أن «الحرب العالم ليست حتمية»، فإنه لفت إلى تصاعد هذا الاحتمال بقوة.
ميدانياً، بدا أن القتال الذي انحصر بشكل مباشر خلال الأسابيع الأخيرة حول مدينة باخموت في مقاطعة دونيتسك يتجه نحو اتساع رقعته، بعدما نجحت القوات الروسية خلال المعارك الضارية في توجيه ضربة مهمة للتحصينات الأوكرانية في المدينة، وباتت على مقربة من إعلان الاستيلاء عليها بشكل كامل.
وتحدثت تقارير عن إعادة تموضع كانت القوات الأوكرانية قامت بها خلال الفترة الماضية، وأسفرت عن إعادة نشر القوات التي دافعت عن محيط باخموت في عدد من المواقع الأخرى، بينها زابوريجيا ومحيط مدينة خيرسون.
ومع تزايد التقارير الروسية والأوكرانية التي تؤكد اقتراب موعد انطلاق هجوم أوكراني واسع النطاق على عدد من المحاور، خصوصاً على طول ساحل بحر أزوف في الجنوب، فإن الهجمات العنيفة التي تعرضت لها مناطق في خيرسون، خلال الليلة الماضية، أظهرت أن تلك التقارير استندت إلى تحضيرات ميدانية واسعة النطاق، وهو ما عكسته عمليات القصف المركّز التي قامت بها القوات الأوكرانية على مناطق في محيط خيرسون طوال ليلة أمس (الجمعة)، وفقاً لفلاديمير ليونيف رئيس إدارة منطقة نوفايا كاخوفكا المعيَّن من جانب موسكو.
وقال المسؤول لوكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية الروسية إن الجيش الأوكراني «هاجم طوال الليل مدينة نوفايا كاخوفكا بقصف مدفعي وصاروخي مركز».

وزاد المسؤول الانفصالي: «استمر قصف المدينة والضواحي طوال الليل. هدف القصف إلى إحداث الفوضى والخوف والذعر. وأسفر الهجوم عن انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة بشكل كامل وإمدادات المياه».
رغم ذلك، قال ليونيف إن إطلاق عمل المولدات سمح باستعادة إمدادات المياه، لذلك المشكلة حالياً في إعادة مد شبكات الكهرباء والاتصالات في نوفايا كاخوفكا. وأضاف: «عندما يتم تنفيذ الضربات على خط الجبهة الساحلية، فإن محطة الطاقة الكهرومائية تتعرض بالطبع للنيران باستمرار. هناك محاولات لنشر الذعر، لكن هذه محاولات فاشلة ولا معنى لها». وأكد رئيس المدينة أن الضفة اليسرى لنهر دنيبر محمية بشكل موثوق به من هجمات القوات الأوكرانية.
تزامن التطور في محيط خيرسون مع تزايد التوقعات بانطلاق هجوم واسع في زابوريجيا المجاورة، وقال رئيس حركة «نحن مع روسيا»، فلاديمير روغوف، إن القوات الأوكرانية تستعد لشن هجوم في منطقة خزان كاخوفكا للمياه، وتحشد القوات والمعدات على الضفة اليمنى لنهر دنيبر.
وزاد أن «احتمال شن الهجوم أعلى بكثير من المتوسط، اعتماداً على زيادة كثافة القصف في هذا القطاع من خط المواجهة، وكذلك نقل الزوارق المدرعة والبرمائيات والمعابر العائمة عالية السرعة، وحشد الوحدات والمعدات، بما في ذلك مدافع (الهاوتزر) ذات القذائف الموجهة».
وتابع أن القوات الأوكرانية تحشد قواتها في الضفة اليمنى لخزان المياه بمنطقة التجمعات السكنية نيكوبول ومارغانيتس وبوكروفسكويه. وأضاف: «نقل إلى هناك اللواء الـ71 للقوات الأوكرانية الذي شارك في المعارك الشرسة بمدينة أرتيوموفسك (باخموت)، ولديه خبرة كبيرة في الأعمال القتالية بمناطق حضرية كثيفة».
كما عبر عن اعتقاده أن مدينة إينيرغودار قد تصبح أحد الاتجاهات المحتملة للهجوم المخطَّط له.
وكان روغوف قال قبل يومين إن القوات الأوكرانية حشدت أكثر من 10 آلاف عسكري بالقرب من مدينة غولياي بولي الواقعة في الجزء الخاضع لسيطرتها من منطقة زابوريجيا. وعبر عن اعتقاده أن هذه المنطقة بالذات قد تصبح أحد الأماكن الرئيسية للهجوم المضاد الذي أعلنت عنه كييف، إلى جانب محاولة شن هجوم على خزان كاخوفكا للمياه من أجل اقتحام مدينة إنيرغودار. وأضاف: «يهدف الهجوم المحتمل للمقاتلين الأوكرانيين إلى الخروج إلى بحر آزوف ومحطة زابوريجيا النووية من دون معارك. ويرى نظام زيلينسكي أنه سوف ينجح في السيطرة على المحطة النووية قرب المدينة في حال نجاح الهجوم».
في غضون ذلك، أعلنت موسكو أن نحو 20 ضابطاً رفيع المستوى بينهم أجانب، لقوا مصرعهم، بعد استهداف المقر الذي كانوا يجتمعون فيه بصاروخ في حوض بناء السفن بمقاطعة نيكولاييف. ونقلت وكالة «نوفوستي» عن مصدر في المقاطعة أن ضربة صاروخية استهدفت، ليلة أول من أمس، مبنى في حوض بناء السفن في نيكولاييف، وأسفرت عن مقتل ضباط كبار بينهم أجانب. وقال المصدر إن الضربة الصاروخية نُفذت في الوقت الذي كانت فيه قيادات من الجيش الأوكراني تجتمع مع مستشارين ناطقين باللغة الإنجليزية.
أكد وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف، أمس، أن الاستعدادات للهجوم المضاد للجيش الأوكراني «شارفت على نهايتها». وقال ريزنيكوف خلال مؤتمر صحافي في كييف: «الاستعدادات شارفت على نهايتها»، وأضاف: «تم التعهد بمعدات، وأصبحت جاهزة، وسُلّمت جزئياً. بالمعنى الواسع، نحن جاهزون»، بينما أعلن مارات خوسنولين، وهو أحد نواب رئيس الوزراء الروسي، أمس، أنه زار مدينة باخموت المدمَّرة في شرق أوكرانيا، وتعهد بأن تعيد موسكو بناءها.
وقال خوسنولين على «تلغرام»: «لقد زرت أرتيموفسك»، مستخدماً الاسم الروسي لباخموت، مضيفاً: «المدينة متضررة، لكن يمكن إعادة بنائها. لدينا الخبرة اللازمة. بمجرد أن يسمح الوضع بذلك، فسنبدأ العمل خطوة بخطوة».
انطلقت إنذارات من الغارات الجوية في أنحاء أوكرانيا في ساعة مبكرة من صباح أمس (الجمعة)، ونقلت «وكالة إنترفاكس أوكرانيا للأنباء» عن مصادر محلية قولها إن انفجارات وقعت في مدن بمناطق متفرقة من البلاد. وأفادت الوكالة بأن الأنباء عن الانفجارات وردت بعد منتصف الليل، في دنيبرو وكريمنتشوك وبولتافا، في وسط أوكرانيا وفي ميكولايف في الجنوب، في حين أفاد مصدر آخر على الإنترنت بوقوع انفجار في منطقة كييف.
وقالت أوكرانيا، أمس، إنها أسقطت 21 صاروخاً روسياً وطائرتين مسيرتين خلال الليل، في أحدث موجة من الضربات الروسية القاتلة استهدفت العاصمة كييف وكثيراً من المدن الأخرى.
وأفادت وزارة الدفاع الأوكرانية في بيان بأن «الدفاعات الجوية الأوكرانية أسقطت 21 صاروخاً من أصل 23 وطائرتين مسيرتين»، قائلة إن روسيا أطلقت الذخائر من قاذفات «تو - 95» الاستراتيجية، ما أسفر عن مقتل 12 شخصاً على الأقل.
وقصفت روسيا بانتظام المدن ومنشآت الطاقة الأوكرانية خلال الشتاء، إلا أن الضربات الكثيفة كهذه كانت قليلة في الأشهر الأخيرة. ويعد هذا الهجوم الصاروخي الضخم الأول على العاصمة الأوكرانية منذ مطلع مارس (آذار). واستهدفت الضربات الروسية التي نُفذت خلال الشتاء منشآت الطاقة بشكل خاص؛ ما تسبب في انقطاعات منتظمة للكهرباء والمياه الجارية. وكانت تستخدم في هذه الهجمات عشرات الصواريخ.
عُزز نظام الدفاع الجوي الأوكراني في الأشهر الأخيرة بعد تسليم البلاد معدات غربية تُعدّ حيوية في المجهود الحربي. ومن بين تلك المعدات العسكرية، تلقت كييف منظومة صواريخ «باتريوت» الأميركية المتطورة في أبريل (نيسان) الحالي.
ويدور الجزء الأكبر من المعارك راهناً في شرق البلاد للسيطرة على منطقة دونباس الصناعية، لا سيما مدينة باخموت التي باتت شبه مدمّرة. وتقول أوكرانيا إنها تستعد، منذ أشهر، لهجوم مضاد يهدف إلى طرد القوات الروسية من الأراضي التي تحتلها حالياً في شرق البلاد وجنوبها.
وقال الرئيس فولوديمير زيلينسكي، صباح أمس (الجمعة)، إن الضربات الليلية التي شنتها روسيا على أوكرانيا تجعل موسكو «أقرب من الفشل والعقاب» داعياً العالم إلى «الرد»، وأوضح زيلينسكي على «تلغرام»: «كل هجوم وكل عمل شر ضد بلدنا وضد شعبنا يجعل الدولة الإرهابية أقرب إلى الفشل والعقاب»، مضيفاً أنه «يجب الرد على الإرهاب الروسي بشكل مناسب من جانب أوكرانيا والعالم». وتابع: «لن ننسى أي جريمة» ارتُكبت. وتقول موسكو إنها لا تتعمد استهداف المدنيين، لكن الغارات الجوية وعمليات القصف التي شنتها أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص، ودمرت مدناً وبلدات في أنحاء أوكرانيا.
وجاءت الهجمات أمس بعد يوم من إعلان «الكرملين» ترحيبه بأي شيء قد يساهم في تقريب نهاية الصراع في أوكرانيا، وذلك في إشارة إلى مكالمة هاتفية أجراها الرئيس الصيني شي جينبينغ، ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يوم الأربعاء.
وكانت تلك المرة الأولى التي يتحدث فيها الرئيسان منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) من العام الماضي. لكن «الكرملين» قال إنه لا يزال بحاجة إلى تحقيق أهداف «عمليته العسكرية الخاصة» في أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين بجورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟