بايدن يسابق الوقت من أجل «شفاء» أمة منقسمة ومحطَّمة

ناخبة ترفع شعار حملة بايدن الرئاسية في 2020 (رويترز)
ناخبة ترفع شعار حملة بايدن الرئاسية في 2020 (رويترز)
TT

بايدن يسابق الوقت من أجل «شفاء» أمة منقسمة ومحطَّمة

ناخبة ترفع شعار حملة بايدن الرئاسية في 2020 (رويترز)
ناخبة ترفع شعار حملة بايدن الرئاسية في 2020 (رويترز)

حين تولى جو بايدن منصبه رئيساً للولايات المتحدة، حفل جدول أعمال الرئيس الأكبر سناً في تاريخ الولايات المتحدة، بمهمات صعبة، تعلّق أبرزها بمسألة وجودية: كيف تعيد توحيد صفوف أمة مقسومة بين معسكرين؟
تسلّم بايدن مهمة صعبة بكل المقاييس، متصدياً لفيروس «كورونا» وهي جائحة تحدث مرة كل قرن، وتوقف النشاط الاقتصادي، وسلسلة تحديات جيوسياسية من الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا.
لكنّ الرجل الذي ألحق الهزيمة به عام 2020، دونالد ترمب، تركه أيضاً مع تهديد غير مألوف للديمقراطية، لم تشهد البلاد مثله منذ الحرب الأهلية.
وقبل أسبوعين من دخوله المكتب البيضوي، اقتحم حشد من مناصري ترمب الكونغرس، في محاولة للحؤول دون المصادقة على نتائج الانتخابات الرئاسية. وبذلت فرق من محامي ترمب ومشرعون مقربون منه جهوداً حثيثة، في محاولة لقلب النتائج عبر طرق إجرائية.
فوق ذلك كلّه، اضطلع بايدن وهو في الثامنة والسبعين، بدور مرهق للغاية، في حين أنه في أوقات طبيعية فإن رئيساً أصغر بثلاثة عقود على غرار بارك أوباما مثلاً، بدا عليه التقدّم في العمر خلال توليه الرئاسة.
ونادراً ما بدت الأمة حينها في وضع هشّ مماثل.
لكنّ بايدن، الناجي من نكسات سياسية لا تُعدّ ولا تحصى ومن مآسٍ شخصية، فاجأ الكثير من المشككين بقدراته. فأشرف على مرحلة تعافٍ ناجحة من الفيروس، وانتعاش اقتصادي قوي. وجدّد كذلك تحالفات الولايات المتحدة ضد الصين، ويقود استجابة غربية غير مسبوقة رداً على ما تصفها روسيا بأنها «عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا».
ورغم تعهده بالعمل لـ«شفاء» الأمة، فإن بايدن ذاته يقرّ بأن المهمة لم تُنجَز بعد. وقال في يناير (كانون الثاني): «ترشّحت لثلاثة أسباب؛ أحدها كان استعادة روح أميركا، والثاني إعادة بناء البلاد (...)، والثالث توحيد البلد. وتبيّن أن الثالث هو الأكثر صعوبة».
بالنسبة إلى مؤيديه، بدا أن بايدن هو ما احتاجت إليه البلاد بالضبط بعد ترمب، إذ يعدّونه «وسطياً بالفطرة، ومناصراً قديماً للخدمة الحكومية، ومؤمناً بدور الولايات المتحدة كقائد للغرب».
لكنّ ذلك لا ينفي حصول خطوات خاطئة. فسرعان ما تحوّل الثناء المبكر على برنامج التلقيح الجماعي ضد «كورونا» إلى انتقادات، وذلك مع اجتياح متحورات جديدة للفيروس البلاد عام 2021.
وتضرّرت سمعة الإدارة لناحية الكفاءة في أغسطس (آب) 2021، بعد نهاية مهينة لحرب استمرت عشرين عاماً في أفغانستان.
ولكن خلال عامه الثاني في السلطة، رأى بايدن التضخم الهائل، وقد بدأ أخيراً في الانحسار، والاقتصاد ينمو بقوة، وأعادت السياسة الأميركية الجريئة في أوكرانيا، المصداقية للسياسة الخارجية.
وقطع بايدن أشواطاً كبيرة لناحية التوقعات الرئيسية من الناخبين الديمقراطيين بشأن البيئة. فأعاد الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس للمناخ، وحصل على مشروع قانون إنفاق تاريخي أقرّه الكونغرس لبدء تصنيع الولايات المتحدة سيارات كهربائية وغيرها من التقنيات الصديقة للمناخ.
وبين إنجازاته المحلية أيضاً، تبنّي الكونغرس قانوناً بقيمة 1200 مليار دولار لإعادة تأهيل الجسور والطرق وشبكات المياه والإنترنت في البلاد، بعد تمكنه من الحصول على تأييد ممثلين للجناح الوسطي في الحزب الجمهوري.
ودخلت رحلته السرية الماراثونية في فبراير (شباط) إلى كييف الغارقة في الحرب، ودفاعه المستميت عن الديمقراطية في خطاب ألقاه بعدها في بولندا، التاريخ، وسلّطت الضوء مجدداً على تمسّكه بأن قيادة الولايات المتحدة للعالم قد عادت.
ويُحسب لبايدن اختياره أول امرأة وأول سيدة من أصول أفريقية ومن جنوب آسيا، كامالا هاريس، لمنصب نائبة الرئيس، وتسميته أول سيدة من أصول أفريقية، كيتانجي براون جاكسون، قاضيةً في المحكمة العليا.
يرى منتقدو بايدن من اليسار في الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه، أنه غير فاعل في مواجهة اليمين المتشدد المتنامي في صفوف الجمهوريين، في وقت يفشل في تلبية مطالب قاعدته من أجل تغيير اجتماعي ليبرالي أكبر، وتغيير ثقافة حرية امتلاك السلاح.
في صفوف الجمهوريين، بايدن مكروه بشدة على غرار كره الديمقراطيين لترمب. وتغذّي الهجمات المستمرة على قناة «فوكس نيوز» صورته كـ«فاشل واهن سمح بتدفق الهجرة غير الشرعية عبر الحدود المكسيكية، واستسلم لوجهات نظر ليبراليين بشأن الهوية الجنسية وسواها من القضايا الاجتماعية الساخنة، وأبعد البلاد عن نظام مالي يعتمد على الأعمال التجارية باتجاه نظام أكثر اشتراكية».
وفي مؤشر يعكس الانقسام الحاد في المجتمع، لم تتجاوز معدلات قبول بايدن 50 في المائة منذ عام 2021، ويعتقد غالبية الديمقراطيين أن عليه ألا يسعى إلى ولاية ثانية. وأقرّ بايدن في يوليو (تموز) 2022 عندما سئل عن التشاؤم المستمر، بأن «الناس محبطون حقاً».
أمضى بايدن حياته فعلياً يتدرّب لأن يصبح رئيساً، بعدما شغل منصب عضو في مجلس الشيوخ لـ36 عاماً، وفشل لمرتين في الترشح للانتخابات التمهيدية الديمقراطية، ثم أمضى ثماني سنوات نائباً لأوباما.
وبحلول الوقت الذي سعى فيه للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي عام 2020، كانت ردود الفعل الأولية لكثيرين، حتى في صفوف حزبه، شطب اسمه بوصفه متقدماً في السنّ ومعرضاً لهفوات.
مع ذلك، واصل بايدن التقدّم في ساحة مزدحمة بالمرشحين الديمقراطيين، قبل أن يُنهي المهمة الشاقة إحصائياً ويُلحق الهزيمة بالرئيس الجمهوري.
ويقول من يعرفه إنهم لم يُفاجأوا بذلك. فالسياسي المخضرم كان في التاسعة والعشرين عند فوزه بشكل مفاجئ بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ديلاوير عام 1972، بعدها بشهر توفيت زوجته نيليا وابنتهما البالغة عاماً واحداً في حادث سير. وعدا عن الحداد على زوجته وطفلته، كان عليه الاعتناء بابنين مصابين بجروح بالغة بسبب الحادث ذاته.
رغم ذلك، أعاد بايدن بناء حياته، وغالباً ما يتحدث بشكل مؤثر عن رعاية طفليه بينما كان يتنقل بلا كلل بين مجلس الشيوخ في واشنطن ومنزله في ويلمنغتون في ولاية ديلاوير.
في عام 1975، ارتبط بايدن بزوجته الثانية، المدرّسة جيل جاكوبس، وأنجب منها ابنته آشلي. لكنه عاد لاحقاً ومُني بخسارة موجعة عام 2015 عند وفاة ابنه الكبير (46 عاماً) بسرطان في الدماغ، بعدما كان نجماً سياسياً صاعداً.
لم تتغير الصورة الشخصية لبايدن أبداً، فهو لا يزال ملماً بسياسات واشنطن، ويملك خبرة لا مثيل لها في شؤون الحكومة والسياسة الخارجية. لكنه أيضاً ابن الطبقة الوسطى، القيادي الذي يعرف ما يمر به شخص عادي في حياته.
وفي حين يبدو بايدن مملاً مقارنةً بترمب أو بمنافسيه الأصغر سناً، إلا أنه في مرحلة يزداد فيها الانقسام والتطرف، قد يكون اعتداله مصدر قوته السياسية.


مقالات ذات صلة

السلطات الأميركية تلاحق رجلاً يشتبه بقتله 5 أشخاص في تكساس

العالم السلطات الأميركية تلاحق رجلاً يشتبه بقتله 5 أشخاص في تكساس

السلطات الأميركية تلاحق رجلاً يشتبه بقتله 5 أشخاص في تكساس

أعلنت السلطات في ولاية تكساس، اليوم (الاثنين)، أنّها تلاحق رجلاً يشتبه بأنه قتل خمسة أشخاص، بينهم طفل يبلغ ثماني سنوات، بعدما أبدوا انزعاجاً من ممارسته الرماية بالبندقية في حديقة منزله. ويشارك أكثر من مائتي شرطي محليين وفيدراليين في عملية البحث عن الرجل، وهو مكسيكي يدعى فرانشيسكو أوروبيزا، في الولاية الواقعة جنوب الولايات المتحدة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وفي مؤتمر صحافي عقده في نهاية الأسبوع، حذّر غريغ كيبرز شريف مقاطعة سان خاسينتو في شمال هيوستن، من المسلّح الذي وصفه بأنه خطير «وقد يكون موجوداً في أي مكان». وعرضت السلطات جائزة مالية مقدارها 80 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تتيح الوصول إل

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
العالم الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

من التداعيات المباشرة والأساسية للحرب في أوكرانيا عودة أجواء الحرب الباردة وبروز العقلية «التناحرية» التي تسود حالياً العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. ومع كل ما يجري في العالم، نلمح الكثير من الشرارات المحتملة التي قد تؤدي إلى صدام بين القوتين الكبريين اللتين تتسابقان على احتلال المركز الأول وقيادة سفينة الكوكب في العقود المقبلة... كان لافتاً جداً ما قالته قبل أيام وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين وشكّل انعطافة كبيرة في مقاربة علاقات واشنطن مع بكين، من حيّز المصالح الاقتصادية الأميركية إلى حيّز الأمن القومي.

أنطوان الحاج
العالم وكالة تاس: محادثات سلام بين أرمينيا وأذربيجان قريباً

وكالة تاس: محادثات سلام بين أرمينيا وأذربيجان قريباً

نقلت وكالة تاس الروسية للأنباء عن أمين مجلس الأمن الأرميني قوله إن أرمينيا وأذربيجان ستجريان محادثات في المستقبل القريب بشأن اتفاق سلام لمحاولة تسوية الخلافات القائمة بينهما منذ فترة طويلة، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء. ولم يفصح المسؤول أرمين جريجوريان عن توقيت المحادثات أو مكانها أو مستواها.

«الشرق الأوسط» (يريفان)
العالم مقاتلات روسية تحبط تقدم قوات الاحتياط الأوكرانية بصواريخ «كروز»

مقاتلات روسية تحبط تقدم قوات الاحتياط الأوكرانية بصواريخ «كروز»

أعلنت وزارة الدفاع الروسية، اليوم (الجمعة)، أن الطيران الروسي شن سلسلة من الضربات الصاروخية البعيدة المدى «كروز»، ما أدى إلى تعطيل تقدم الاحتياطيات الأوكرانية، حسبما أفادت وكالة الأنباء الألمانية. وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بيانها، إن «القوات الجوية الروسية شنت ضربة صاروخية بأسلحة عالية الدقة بعيدة المدى، وأطلقت من الجو على نقاط الانتشار المؤقتة للوحدات الاحتياطية التابعة للقوات المسلحة الأوكرانية، وقد تحقق هدف الضربة، وتم إصابة جميع الأهداف المحددة»، وفقاً لوكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية. وأضافت «الدفاع الروسية» أنه «تم إيقاف نقل احتياطيات العدو إلى مناطق القتال».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم نائب لرئيس الوزراء الروسي يؤكد أنه زار باخموت

نائب لرئيس الوزراء الروسي يؤكد أنه زار باخموت

أعلن مارات خوسنولين أحد نواب رئيس الوزراء الروسي، اليوم (الجمعة)، أنه زار مدينة باخموت المدمّرة في شرق أوكرانيا، وتعهد بأن تعيد موسكو بناءها، حسبما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية. وقال خوسنولين على «تلغرام»ك «لقد زرت أرتيموفسك»، مستخدماً الاسم الروسي لباخموت، مضيفاً: «المدينة متضررة، لكن يمكن إعادة بنائها.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟