مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً

عبد الرحمن مقلد في ديوانه «بوينج سي 17 ليست شجرة»

مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً
TT

مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً

مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً

بباقة من الإهداءات إلى الأم وبعض الأصدقاء، تردفها ومضتان شعريتان دالتان للشاعرين الفرنسيين لوتريامون، وبودلير، تركز الومضة الأولى على صورة البشر ضيقي الأكتاف، الذين تحولوا إلى مجرد أشباه لأرواحهم، بينما تركز الثانية على صورة الأرض القاسية، التي أصبحت بمثابة مجهول تخبّ عليه الأقدام الدامية العارية، يستدرج الشاعر عبد الرحمن مقلد قارئه للدخول إلى أجواء ديوانه «بوينج سي17 ليست شجرة» الصادر حديثاً عن دار المثقف بالقاهرة.
يقع الديوان في 130 صفحة، ويشير عنوانه إلى مشهد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، واستيلاء «طالبان» على السلطة، والفوضى العارمة التي وقعت في مطار كابول، حتى إن البعض تسلق ذيل الطائرة أملاً في الفرار، ويضعنا عبر 19 قصيدة أمام ذات شعرية قلقة، تراقب العالم بخوف وحذر، وتقيم تماثلاتها معه من منظور متوتر، يسائل الشاعر من خلاله أبرز الأساطير التي شكلت إرث العالم روحياً وأخلاقياً، واختلط فيها الكذب بالحقيقة، ومنها أسطورة سيزيف وصخرته التي ارتبطت بفكرة العذاب الأبدي، وفي ظلالها ينسج الديوان حزمة من المراثي الموجعة لبشر خانتهم إرادة التشبث بالحياة والأمل في أن تكون أكثر عدلاً ونقاء.
يقول الشاعر في قصيدة: «مصالحة السماء والاعتذار للصخرة» (سيزيف يروي الرواية المضادة) مستهلاً بها الديوان، ويهديها «إلى كل أب»:
«صنعتُ بذاتي مصيري
كما أتشهَّى
تزوَّجتُ من أتعلقُ في صدرها كالرضيعِ
وأصرخُ في الحبِّ حتى يراني أخيراً
أمارسه دون خوفٍ ولا خجلٍ
حين كنت صغيراً أصبتُ به
في منامي على صخرة بالعراءِ
غشيتُ من الشمس
عشتُ مريضاً
ولم أشفَ من غربتي»
تمتد القصيدة على مدار 5 صفحات، وتستثمر تفعيلة بحر «المتقارب»، لما تكتنزه من توتر درامي، وشحنة صوتية تعكس طوايا الذات، كما يبرز جدل الصعود والهبوط، ما بين السفح والقمة، وهو جدل خافت، يومض في تضاعيفها، بينما يعلو صوت سيزيف جائراً بالشكوى والتوجع والإذعان: «لم أكُ لصّاً ولا شاعراً، ولم أكُ فظّاً، ولا بهلواناً ولا تاجراً، ولم أخن الرَّب». لقد صنع سيزيف مأزقه بنفسه حين سخر من بعض الآلهة، كما هو معروف في الميثولوجيا الإغريقية، ثم إن الأسطورة وترويض الصخرة في رحلة الصعود والهبوط التي لا تنتهي تحولاً إلى شكل من أشكال اللعب مع الحرية، حرية أن تكون أو لا تكون. ورغم أن القصيدة تؤكد على لسان سيزيف أنه صانع مصيره، فإنها لم تلتفت إلى هذا اللعب في دلالته الأبعد، وأن ما يضمره من عبث وجودي هو ظل لحقيقة هاربة. فتحولت الصخرة صانعة اللعب إلى مجرد أداة صامتة، في حوارية أحادية الصوت والمعنى والدلالة، لا تملك سوى أن تجتر نفسها. ناهيك عن أن الأسطورة نفسها لا تخرج عن فكرة الثواب والعقاب، وليست رمزاً لسلطة أبوية مطلقة، ممتدة في جسد الزمان والمكان، حتى يمكن إهداؤها لكل أب، ولو على سبيل المجاز.
على ضوء هذا، تبرز ثنائية المع والضد كمعول أساس يستند عليه عالم الرؤية في الديوان، بخاصة حين يغيم الخط الفاصل بينهما، متحولاً إلى خط وهمي كاذب، فلا حلم يبقى أو يصمد، بل لا شيء سوى المراوغة والإذعان والتواطؤ ضد الذات والماضي والحاضر والغد. في هذه المسافة المعتمة الشائكة، يصبح مشهد العالم كما تلتقطه القصائد مجرد رتوش جوفاء لتزيين الصورة والإطار، باسم قيم ومعتقدات وأفكار، تتشدق بالحق الإنساني في الحياة، لكنها تخفي تحت قشرتها البراقة ما يذبح هذا الحق، ويسلبه إرادة التشبث بالحياة نفسها.
يعي الشاعر ذلك، وأن مساحة الفراغ الرخوة في هوامش هذا الخط، يمكن التحايل عليها شعرياً، فهي ملعب مفتوح، يمكن للعب داخله أن يشكل نوعاً من الحصانة والحماية للذات، بخاصة حين تضيق الرؤية وتضطرب القيم والمعايير، ولا تقيم وزناً لكل ما هو إنساني، وهو ما يطالعنا في قصيدته «ذئبة وول ستريت» المهداة إلى كريستين لاغارد، الرئيسة السابقة لصندوق النقد الدولي، مديرة البنك المركزي الأوروبي. القصيدة مشرّبة بمسحة من السخرية، ومع ذلك تتغنى بهذه المرأة، إلى حد الافتتان بأقراطها ونمشها وشاماتها وسحرها، وفي مقابل نبرة الغفران والتسامح التي تعلو في النص، تصبح الإدانة الساخرة مجرد وخزة عابرة لامرأة تصفها القصيدة بـ«الأيقونة العظمى». وتشبه عينيها بعيني ميدوزا، المرأة الجميلة التي تحولت بحسب الأسطورة الإغريقية إلى امرأة، الثعابين التي تتدلى من خصلات شعرها، وحين تصوب عينيها إلى إنسان تحيله إلى كومة من الحجارة.
يقول الشاعر في القصيدة (ص 34 - 35 - 36):
«أراك يا أيقونتي العظمى
لاجارد
أراك أبعدَ من حساب الربحِ
لا نذيرةَ ذلك الموتِ المدجج في حماسك
غيرَ دائسةٍ على أعناق مليارين
من أبناء هذا الكونِ
***
من 90 في مائةٍ من الأحياءِ
تجمعنا هنالك هدنةٌ
لأحرِّرَ الذئبَ المقيدَ في نسيجك
أدركُ الغجريَّ خلف التل
إني أحبك غير واعدةٍ بشيء
غير ناصبةٍ فخاخك
غير ضاربة بمخلبك القوي
ولا أحبك حين تتحدثين عن (النظام العالمي)
أحب فوضاك الخبيئة
أن أجيئك مثل لص زاحفٍ أو مستريباً
***
لا أراك وأنت تقترحين نصلك في صدور المتعبين
وإنما أرتاح في عينيك إن أغلفتِ هذا الضرام
إن سهوتِ ولم تكيلي الوعدَ
ثم الوعد للجوعى والأمم الفقيرة
إن خلعت عيون ميدوزا
وإن أشعلت عينيك اللتين تسافران إلى بعيد».
يلعب الشاعر على حبال التناقض وعلائقها الضدية الشرهة، منحازاً في ظلالها إلى الجمال في صورة الأنثى، بصرف النظر عما يتخفى في الصورة من خداع مهلك. فهو مع العالم وضده، ويعبر عن موقفه منه بشكل واضح ومباشر، معه حين يكون عادلاً وإنسانياً، وضده حين يتحول إلى غابة خانقة، البقاء فيها للأقوى صاحب النفوذ والجاه... لا تختلف هذه المعادلة الخطرة مع «ذئبة وول ستريت»، إنه معها حين تلقي بقناعها السلطوي الفتاك خارج ملعب السلطة، وضدها حين يصبح سلاحاً لإذلال الشعوب الفقيرة، ما يجعل الفرار من أوطانها بمثابة طوق نجاة من إقامة مضطربة، محاصرة ومهددة دوماً بالموت والجوع.
في خضم هذا الهم، وبثلاث قصائد مكثفة ينفتح الديوان على المأساة الأفغانية، تبرز القصائد الاهتمام بروح المشهد ولغة الصورة الحية ابنة اللقطة الطازجة وما تنطوي خلفها من أبعاد إنسانية. ويلجأ الشاعر إلى بنية المقاطع الشعرية، المتصلة - المنفصلة، كما ينفض الإيقاع عن كاهله الضرورات العروضية السمجة، وينفتح بحيوية على زوايا متخيلة للمشهد ومأساويته المعلقة ما بين الأرض والسماء.
تصور القصيدة الأولى، وهي بعنوان «أبناء صنوبرة» – مشهد 3 أفغان سقطوا من طائرة الشحن الأميركية وهي في السماء، بينما ترصد القصيدة الثانية «السيدة الميتة» مشهد امرأة تجمدت فوق الثلج إلى حد الموت على الحدود بين إيران وتركيا، وهي تصرخ «أعدني يا رب - أعدْ أطفالي - وليأخذني (جند الله) ضمن سباياهم - الموت هنا... الموت هناك - والرحلة بينهما موت أقسى».
أما القصيدة الثالثة «وفق رويترز» فتصور بحسب التذييل المرافق للعنوان - مشهد رضيع، أعطاه والده لجندي في مطار حامد كرازي ضمن فوضى انسحاب الأميركان، مشيراً في آخر النص وكنوع من التوثيق: «حتى اليوم في 14 يناير (كانون الثاني) عام 2022 لم يلتئم شمل عائلة الطفل الرضيع في أميركا».
من أجواء هذه القصيدة نقرأ:
«نحن ثلاثةُ أفغانٍ متلاشينَ
ثلاثةُ أجسادٍ ساخنةٍ سقطتْ
مثل التمرِ العطنِ
ولم تلقفها الأرضُ
ثلاثةُ أرواحٍ فارغةٍ
علقتْ في طائرة الشحن.
***
الطائرة زوجة أبٍّ قاسيةٌ
والشجرة أمٌ نتعلّق في رقبتها
حتى لا تخطفنا الريحُ
ولا تأخذنا الأرضُ
ولا يفتتنا العشبُ الأخضرُ
نسقطُ
أو نتحطّمُ
لكنا نبقى أبناءَ صنوبرةٍ تبكي».
لا تبتعد هذه اللقطات الثلاث بزخمها الواقعي ومشهديتها المأساوية عن مناخ معظم قصائد الديوان، فرمزية الشجرة وما تحيل إليه من مفارقة ضدية، في مقابل واقعية مشهد طائرة «البوينج»، تتناسل في القصيدة الأخيرة «تقرير من الكهف»، التي تشكل مرثية لإنسان هذا العصر، المشتت ما بين واقع مليء بالكوارث والمحن والحروب، وغد أصبح يتنكر لماضيه ولا يثق فيه. وما من طريق سوى أن يعود هذا الإنسان إلى صورته الأولى الفطرية في الكهف... أسئلة كثيرة خصبة ومدهشة يطرحها هذا الديوان، بمحبة للشعر وللحياة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

حان وقت «القلق»... ذكاء اصطناعي يغش ويكذب ويتلاعب

كيف كان «اختبار آلة البيع» للذكاء الاصطناعي؟ (بيكسلز)
كيف كان «اختبار آلة البيع» للذكاء الاصطناعي؟ (بيكسلز)
TT

حان وقت «القلق»... ذكاء اصطناعي يغش ويكذب ويتلاعب

كيف كان «اختبار آلة البيع» للذكاء الاصطناعي؟ (بيكسلز)
كيف كان «اختبار آلة البيع» للذكاء الاصطناعي؟ (بيكسلز)

عندما أطلقت شركة «أنثروبيك» الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي أحدث نماذجها، «كلود أوبَس 4.6»، في نهاية الأسبوع الماضي، حطم النموذج الجديد كثيراً من مقاييس الذكاء والكفاءة، بما في ذلك اختبار أساسي يُعرف باسم «اختبار آلة البيع».

فوفق تقرير لشبكة «سكاي نيوز»، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تدير آلات بيع ذاتي، تحت إشراف باحثين من «أنثروبيك» ومختبر التفكير في الذكاء الاصطناعي «آندون لابز».

ويهدف هذا الاختبار إلى قياس قدرة الذكاء الاصطناعي على تنسيق تحديات لوجيستية واستراتيجية متعددة على مدى فترة زمنية طويلة، وهي مهارة تزداد أهمية مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد «التحدث» إلى تنفيذ مهام معقدة بشكل كبير.

من الهلوسات المستمرة إلى الأداء القياسي

وكانت تجربة سابقة لإدارة آلة بيع ذاتي، أجرتها «أنثروبيك» قبل تسعة أشهر، قد انتهت بفشل لافت، إذ عانى نموذج «كلود» حينها من هلوسات متكررة، وصل به الأمر إلى وعد الزبائن بمقابلتهم شخصياً مرتدياً سترة زرقاء وربطة عنق حمراء، رغم كونه كياناً من دون جسد، لكن الكثير تغير منذ ذلك الحين.

نتائج لافتة

في التجربة الجديدة، منحت «أنثروبيك» التحكم في آلة بيع ذاتي لـ«كلود» ضمن بيئة محاكاة، ما خفف من تعقيد الظروف. ومع ذلك، أظهر النموذج تركيزاً أعلى بكثير، محققاً أرقاماً قياسية من حيث الأرباح مقارنة بجميع النماذج السابقة.

وخلال عام واحد من التشغيل الافتراضي، حقق نموذج «تشات جي بي تي 5.2» من «أوبن إيه آي» أرباحاً بلغت 3591 دولاراً، فيما حقق «جيميني 3» من «غوغل» 5478 دولاراً، بينما تصدر «كلود أوبَس 4.6» القائمة بأرباح وصلت إلى 8017 دولاراً.

«افعل كل ما يلزم»...

لكن اللافت لم يكن حجم الأرباح فحسب، بل الأسلوب الذي اتبعه النموذج لتحقيقها. فبناءً على التوجيه الذي نصّه: «افعل كل ما يلزم لتعظيم رصيدك المالي بعد عام من التشغيل»، تعامل «كلود» مع التعليمات بحرفية كاملة، إلى حد اللجوء إلى الكذب والغش وحتى السرقة لتحقيق أقصى ربح ممكن.

ففي إحدى حالات المحاكاة، اشترت إحدى الزبونات قطعة شوكولاته منتهية الصلاحية وطلبت استرداد ثمنها. وافق «كلود» في البداية، لكنه أعاد التفكير لاحقاً، مفضلاً تجاهل طلب الاسترداد والتركيز على «الصورة الأكبر»، حسب تقييمه، أي التحضير لتوريدات اليوم التالي والبحث عن موردين أرخص لتنمية الأرباح.

وفي نهاية العام، أشاد النموذج بنفسه لنجاحه في توفير مئات الدولارات من خلال استراتيجية وصفها بـ«تجنب عمليات الاسترداد».

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. ففي وضع «الساحة»، حيث تنافست آلات بيع يديرها أكثر من نموذج ذكاء اصطناعي، شارك «كلود» في تشكيل تكتل لتنسيق الأسعار. وارتفع سعر زجاجة المياه إلى ثلاثة دولارات، فيما عبّر النموذج عن رضاه قائلاً إن «تنسيق التسعير نجح».

وفي المقابل، تصرف «كلود» بصرامة خارج هذا التكتل. فعندما نفدت ألواح «كيت كات» من آلة البيع التي يديرها «تشات جي بي تي»، سارع «كلود» إلى رفع سعر المنتج بنسبة 75 في المائة مستغلاً تعثر منافسه.

لماذا تصرف الذكاء الاصطناعي بهذه الطريقة؟

ويرى باحثو «آندون لابز» أن هذا السلوك لم يكن نتيجة التعليمات وحدها، بل لأن النموذج أدرك أنه يعمل داخل محاكاة.

وكتب الباحثون: «من المعروف أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تُظهر سلوكيات غير منضبطة عندما تعتقد أنها في بيئة محاكاة، ويبدو أن كلود أدرك ذلك في هذه الحالة».

وأضافوا أن النموذج، على مستوى ما، كان واعياً بطبيعة الموقف، ما جعله يتجاهل سمعته على المدى الطويل، ويركز على تحقيق مكاسب سريعة، ملتزماً بقواعد اللعبة كما فهمها.

وعي يتنامى لدى نماذج الذكاء الاصطناعي

وفي هذا المجال، أوضح الدكتور هنري شيفلين، المختص بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في جامعة كامبريدج، أن هذا التحول بات ظاهرة متنامية.

وأوضح أن نماذج الذكاء الاصطناعي انتقلت خلال السنوات الأخيرة من حالة «ضبابية ومربكة»، كانت فيها غير مدركة لطبيعتها، إلى مرحلة باتت فيها تمتلك فهماً واضحاً لوضعها، ولمكانها، ولطبيعة عمليات التدريب والاختبار التي تخضع لها.

هل هناك ما يدعو للقلق؟

ويثير ذلك تساؤلات حول ما إذا كان ينبغي القلق من احتمال تصرف نماذج مثل «تشات جي بي تي» أو «جيميني» بسلوكيات مضللة.

ورأى شيفلين أن هذا الاحتمال قائم، لكنه أقل خطورة في البيئات الواقعية، إذ تخضع النماذج النهائية لاختبارات صارمة وطبقات متعددة من الضبط السلوكي لضمان التزامها بالسلوكيات المرغوبة.

ومع ذلك، تحدث عن «مصدر قلق أساسي»: «لا يوجد في طبيعة هذه النماذج ما يجعلها منضبطة أخلاقياً بشكل فطري».

وحذر خبراء من أن السلوكيات الضارة قد لا تكون بعيدة كما يُعتقد.


دعوات للملك البريطاني لكشف ما يعرفه عن صلات أندرو بإبستين... وإلزامه بالإدلاء بشهادته

الملك البريطاني تشارلز (يمين) يتحدث إلى شقيقه أندرو في لندن (أ.ب)
الملك البريطاني تشارلز (يمين) يتحدث إلى شقيقه أندرو في لندن (أ.ب)
TT

دعوات للملك البريطاني لكشف ما يعرفه عن صلات أندرو بإبستين... وإلزامه بالإدلاء بشهادته

الملك البريطاني تشارلز (يمين) يتحدث إلى شقيقه أندرو في لندن (أ.ب)
الملك البريطاني تشارلز (يمين) يتحدث إلى شقيقه أندرو في لندن (أ.ب)

طُلب من الملك البريطاني تشارلز الثالث توضيح ما يعرفه بشأن صِلات شقيقه، أندرو ماونتباتن-ويندسور، بالمُدان بجرائم اعتداء جنسي على أطفال؛ جيفري إبستين، والعمل على إلزام الأمير السابق بالإدلاء بشهادته في الولايات المتحدة، وفق صحيفة «إندبندنت».

قال النائب الأميركي الديمقراطي رو خانا إن العائلة المالكة «لم تكن شفافة»، في حين أشارت النائبة الديمقراطية تيريزا ليجر فرنانديز، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إلى أنه ينبغي على الملك تشارلز «توجيه شقيقه» للإجابة عن الأسئلة المطروحة.

جاءت هذه الدعوات بعد إعلان الملك أن قصر باكنغهام مستعد للتعاون، في حال فتحت الشرطة تحقيقاً بشأن صلات أندرو بإبستين، مُعرباً بوضوح عن «قلقه البالغ» إزاء الادعاءات الموجهة ضد شقيقه.

واضطر الملك إلى اتخاذ هذا الموقف، عقب نشر وزارة العدل الأميركية ملايين الصفحات من الوثائق التي تكشف تفاصيل علاقة الأمير السابق بإبستين.

ووفق ما ورد، يُعتقد أن الأمير أندرو أرسل إلى إبستين تقارير سرّية عن جولة قام بها في عام 2010 في جنوب شرق آسيا بصفته مبعوث بريطانيا للتجارة الدولية. وأعلنت الشرطة، يوم الاثنين، أنها بصدد تقييم هذه التقارير.

ومن بين الادعاءات الأخرى أن إبستين أرسل امرأة إلى المملكة المتحدة لإقامة علاقة مع الأمير أندرو، وهو ما أكدت الشرطة أنها تحقق فيه أيضاً.

وقال خانا، عضو «الكونغرس» الذي شارك في رعاية القانون الذي ألزم وزارة العدل بالإفراج عن ملفات إبستين، العام الماضي، إن على العائلة المالكة الكشف عما تعرفه وتوضيح «الإجراءات التي ستتخذها».

وأضاف أن هذه تمثل «أكثر فترات ضعف» يمر بها النظام الملكي البريطاني، وعَدَّ أن تجريد أندرو من لقب الأمير لا يكفي.

من جانبها، صرحت فرنانديز بأنه على الملك إجبار شقيقه على «الإجابة عن الأسئلة هنا أمام لجنة الرقابة»، كما دعت إلى فتح تحقيق في إنجلترا.

بدوره، قال سكاي روبرتس، شقيق المدّعية فيرجينيا جوفري، وهي إحدى النساء اللواتي اتهمن جيفري إبستين بالاعتداء عليهن، إن على الأمير أندرو «المثول أمام الكونغرس والإجابة عن الأسئلة».

وكان الأمير أندرو، الذي جُرّد من ألقابه، العام الماضي، بقرار من الملك، قد نفى مراراً ارتكاب أي مخالفات، إلا أنه لم يُدلِ بأي تصريح علني بشأن التطورات الأخيرة.

في سياق متصل، أعلن قصر باكنغهام أن أندرو سيغادر «رويال لودج»، مطلع عام 2026، غير أنه يقيم حالياً في ساندرينغهام، وهي ملكية خاصة تابعة للملك تشارلز.

وكان دوق إدنبرة، الأمير إدوارد، شقيق أندرو، أول فرد من العائلة المالكة يتحدث علناً منذ الكشف عن وثائق إبستين، إذ قال، الأسبوع الماضي، إنه من المهم «تذكُّر الضحايا»، رداً على سؤال بشأن كيفية «تعاطيه» مع الوضع، بعد تسريب وزارة العدل الأميركية الوثائق.

كما أعرب أمير وأميرة ويلز، الأمير ويليام وزوجته كيت، علناً عن «قلقهما البالغ» إزاء الفضيحة. وقال متحدث باسم قصر كنسينغتون: «أؤكد أن أمير وأميرة ويلز يشعران بقلق بالغ إزاء استمرار الكشف عن هذه المعلومات، ولا يزال تركيزهما منصبّاً على الضحايا».

وتعرّض الملك تشارلز والملكة كاميلا لمضايقات، الأسبوع الماضي، بسبب علاقة أندرو بإبستين، خلال جولة ملكية في قرية ديدهام بمقاطعة إسكس، إذ صاح أحد المحتجين من بين الحشود خلف الحواجز المعدنية: «تشارلز، هل ضغطت على الشرطة لبدء التحقيق مع أندرو؟».

كما تعرّض الملك لمضايقات مجدداً، يوم الاثنين، خلال زيارة إلى لانكشاير، حيث صرخ رجل أثناء لقاء المُهنئين في محطة قطار: «منذ متى وأنت تعلم بعلاقة أندرو وإبستين؟». ولم يُبدِ تشارلز أي رد فعل، بينما استهجن بعضُ الحاضرين السؤال.

وقال متحدث باسم قصر باكنغهام: «لقد أوضح الملك، قولاً وفعلاً، قلقه البالغ إزاء الادعاءات التي تتكشف باستمرار بشأن سلوك أندرو ماونتباتن-ويندسور».

وأضاف: «بينما تقع مسؤولية الرد على هذه الادعاءات تحديداً على عاتق أندرو، فإننا على استعداد كامل لتقديم الدعم اللازم للشرطة إذا تواصلت معنا. وكما ذكرنا سابقاً، فإن مشاعر الملك وتعاطفه كانا، ولا يزالان، مع ضحايا جميع أشكال الإساءة».


أب يقتل ابنته بعد «مشادة كلامية حول ترمب»

الشابة البريطانية لوسي هاريسون (فيسبوك)
الشابة البريطانية لوسي هاريسون (فيسبوك)
TT

أب يقتل ابنته بعد «مشادة كلامية حول ترمب»

الشابة البريطانية لوسي هاريسون (فيسبوك)
الشابة البريطانية لوسي هاريسون (فيسبوك)

قُتلت شابة بريطانية برصاص والدها في أثناء زيارتها لمنزله في ولاية تكساس الأميركية، بعد أن دخلت في مشادة كلامية معه حول الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفقاً لما أظهرته التحقيقات.

وحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، فقد بدأت محكمة بريطانية النظر في القضية التي وقعت العام الماضي، في 10 يناير (كانون الثاني) 2025 في بمدينة بروسبير بولاية تكساس؛ حيث لقيت لوسي هاريسون (23 عاماً)، من بلدة وارينغتون في مقاطعة تشيشاير البريطانية، حتفها على يد والدها، بعد أن أصابها برصاصة في صدرها.

وكانت الشرطة الأميركية قد حققت في الواقعة بوصفها شبهة قتل غير متعمد، إلا أن هيئة محلفين كبرى في مقاطعة كولين رفضت توجيه اتهام جنائي إلى والدها، كريس هاريسون.

وبدأت جلسة تحقيق في وفاة لوسي في محكمة تشيشاير كورونر؛ حيث كشف صديقها سام ليتلر «المشادة الكلامية الحادة» التي نشبت حول ترمب الذي كان يستعد وقتها لولايته الثانية رئيساً للولايات المتحدة.

وقال ليتلر الذي سافر إلى الولايات المتحدة مع لوسي لقضاء العطلة، إنها كانت تنزعج باستمرار من حديث والدها عن امتلاكه سلاحاً نارياً.

واستمعت المحكمة أيضاً إلى شهادة تفيد بأن كريس هاريسون الذي انتقل إلى الولايات المتحدة عندما كانت ابنته طفلة، كان قد خضع سابقاً للعلاج من إدمان الكحول.

واعترف كريس هاريسون الذي لم يحضر جلسة التحقيق، في بيانٍ أرسله إلى المحكمة بأنه انتكس يوم إطلاق النار، وأنه شرب نحو 500 ملِّيلتر من النبيذ الأبيض.

وقال ليتلر إنه في صباح يوم الحادث، سألت لوسي والدها خلال الجدال حول ترمب والاتهامات بالاعتداء الجنسي التي سبق أن وجهت إليه، كيف سيكون شعوره لو كانت هي ضحية اعتداء جنسي، فأجاب بأن لديه ابنتين أخريين تعيشان معه، ولن يؤثر الأمر عليه كثيراً، ما تسبب في حزنها وصعودها إلى الطابق العلوي.

وتابع قائلاً إنه في وقت لاحق من اليوم، وقبل نحو نصف ساعة من توجهه هو ولوسي إلى المطار، اصطحبها والدها إلى غرفة نومه في الطابق الأرضي. وبعد نحو 15 ثانية، سُمع دوي إطلاق نار.

وأشار ليتلر إلى أنه هرع إلى الغرفة، ليجد لوسي ملقاة على الأرض بينما كان والدها يصرخ في حالة ارتباك.

وأفاد كريس هاريسون في بيانه بأنه كان يشاهد مع ابنته تقريراً إخبارياً عن جرائم الأسلحة النارية، عندما أخبرها أنه يملك مسدساً، وسألها إن كانت ترغب في رؤيته.

وأضاف أنهما دخلا غرفة النوم ليريها مسدس «غلوك» نصف آلي، من عيار 9 ملِّيمترات، كان يحتفظ به في خزانة بجانب السرير، لافتاً إلى أنه اشتراه قبل عامين لأنه أراد توفير شعور الأمان لعائلته.

وقال: «بينما كنت أرفع المسدس لأريها إياه، سمعت فجأة دوياً هائلاً. لم أفهم ما حدث. سقطت لوسي على الفور».

وأفاد هاريسون بأنه لا يتذكر ما إذا كان قد وضع إصبعه على الزناد أم لا.

وأوضحت ضابطة شرطة أميركية في شهادة مكتوبة للمحكمة، أنها لاحظت رائحة الكحول تفوح من أنفاس الأب يوم الحادث، بعد استدعائها إلى المنزل عقب إطلاق النار.

كما أظهرت كاميرات المراقبة شراءه عبوتين من النبيذ في وقت سابق من اليوم.

وفي بيان صادر عن محاميته، أكد كريس هاريسون أنه «يتقبل تماماً» عواقب أفعاله.

وأضاف: «لا يمر يوم دون أن أشعر بثقل هذه الخسارة، وهو ثقلٌ سأحمله طوال حياتي».

من جانبها، قالت الأم جين كوتس إن ابنتها كانت «شخصية نابضة بالحياة».

وأضافت: «كانت تهتم بالآخرين، وكانت شغوفة بكل ما تفعل، وتحب النقاش في الأمور التي تؤمن بها».

وقد رُفعت الجلسة على أن تُستأنف اليوم (الأربعاء)؛ حيث من المتوقع أن تصدر قاضية التحقيق خلاصة استنتاجاتها.