السودان... هل الحرب الأهلية على الأبواب؟

(تحليل إخباري)

الخرطوم انطلقت منها شرارة الحرب لأول مرة منذ استقلال السودان 1956 (أ.ف.ب)
الخرطوم انطلقت منها شرارة الحرب لأول مرة منذ استقلال السودان 1956 (أ.ف.ب)
TT

السودان... هل الحرب الأهلية على الأبواب؟

الخرطوم انطلقت منها شرارة الحرب لأول مرة منذ استقلال السودان 1956 (أ.ف.ب)
الخرطوم انطلقت منها شرارة الحرب لأول مرة منذ استقلال السودان 1956 (أ.ف.ب)

كل شيء كان معداً لإطلاق العملية السياسية، بعد بلوغ مراحلها النهائية والحاسمة. تناول جنرالات السودان العشاء في الليلة الفاصلة، مع مفاوضي السلام، ثم بدأوا الحرب في اليوم التالي.
كان كثير من السودانيين والمراقبين يشككون في مضي العملية السياسية إلى مبتغاها الأخير، لعلمهم بحجم الخلافات والاتهامات المتبادلة بين العسكريين، كما أنَّ الاتفاق السياسي يواجه مقاومة أيضاً من أنصار النظام السابق من الإسلامويين الذين هدَّدوا جهاراً نهاراً بإسقاط الحكومة المرتقبة، سلماً أو عنوة.
وعندما أعلنت قوى «الحرية والتغيير»، التي تقود العملية السياسية، الجداول الزمنية لتوقيع «الاتفاق النهائي»، والوثيقة الدستورية، وتشكيل هياكل السلطة الانتقالي، وحددت الأول من أبريل (نيسان) الماضي موعداً لانطلاقتها، سخر كثيرون من الخطوة، واعتبروها «كذبة أبريل».
كانت الأجواء ملبدة بالغيوم، وتنبئ بانفجار وشيك، رغم تطمينات تصدر من هنا وهناك من السياسيين، والعسكريين، بأن الأمور لن تخرج عن السيطرة. لكن الحرب انطلقت شرارتها، قبل أن يجف حبر التصريحات.
وانطلقت الحرب من مدينة مروي الشمالية، إلى العاصمة الخرطوم، ودخلت مدناً أخرى، الفاشر ونيالا (غرباً) والأبيض (وسط). قبل أن تتمركز في العاصمة بمدنها الثلاث، كحرب مدن وشوارع.
حسب المختصين العسكريين، فإن حرب المدن هي من أخطر أنواع الحروب؛ لأن خسائرها عادة تكون كبيرة بين المدنيين والممتلكات العامة. بعكس الحروب التي يكون رحاها الغابات والصحراء.
والآن يضع السودانيون أيديهم على قلوبهم خوفاً من تحول هذه الحرب إلى أهلية شاملة، خاصة أن التربة السودانية الخصبة تساعد على قيامها بشكل متزايد.
فانتشار الجيوش السودانية التابعة للجماعات المسلحة العائدة إلى البلاد بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، وعددها يفوق الثمانية، موجودة داخل العاصمة وخارجها. وقد تسهم مع الانفلاتات الأمنية الحاصلة، والسلاح المنفلت في أيدي مجموعات صغيرة في المدن والأحياء، في توسع رقعة الحرب.
وتزداد المخاوف من دخول هذه الجيوش في أتون الحرب، بالانحياز إلى أحد الطرفين.
ووفقاً لمؤشر الدول الهشة العالمي، فإن السودان يحتل مركزاً مميزاً ببن هذه الدول، طيلة السنوات السبع الأخيرة. وتعتبر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها السنوي أنّ السودان هو من الدول الأكثر هشاشة، ولديه قدرات ضعيفة على القيام بوظائف الحوكمة الأساسية، ويفتقر إلى القدرة على تطوير علاقات بناءة متبادلة مع المجتمع. وفي هذه الحالة يبقى سقف المخاوف عالياً.
وتعد المنظمة الدول الهشّة أيضاً أكثر ضعفاً على صعيد الصدمات الداخلية أو الخارجية، مثل الأزمات الاقتصادية أو الكوارث الطبيعية أو الحروب.
وبالنظر إلى حالة الهشاشة التي يعيشها السودان، في كل جوانب واقعه، فإن تطاول أمد النزاع المسلح الحالي يهدد بانزلاقه إلى حرب أهلية وفوضى شاملة.
تقول رشا عوض، المحللة السياسية رئيسة تحرير صحيفة «التغيير» السودانية، أن البلاد في خطر شديد، وهناك مخاوف من أن تنزلق في حرب أهلية، مشيرة إلى وجود جهات تعمل على تذكية الأوضاع. وتقول إن فلول النظام السابق يعملون على نشر خطاب الكراهية والعنصرية، وهو ما يولد أرضية خصبة للأعمال الإرهابية إذا وجد صداه بين المتطرفين والمتحمسين دون وعي أو إدراك.
وتؤكد عوض أن الحرب الحالية قامت لأسباب سياسية، ولا يمكن اختزالها في التحركات الأخيرة، ومن الذي بدأ ومن الذي أطلق النار. «هي حرب خطط لها بعناية من قبل فلول النظام السابق».
وتنتشر حالياً تسجيلات صوتية في «السوشيال ميديا»، من قادة بارزين للنظام السابق تتوعد وتبث خطاب الكراهية وتحرض على سجن ومعاقبة، بل وقطع رأس كل من يقف مع متمردي «الدعم السريع». وتشير التقارير إلى وجود ميداني كبير لكتائب الظل الإسلاموية والأمن الشعبي والدفاع الشعبي وهيئة عمليات جهاز الأمن التي تتبع الحركة الإسلامية (عناصر النظام السابق)، تعمل على الأرض بشكل واضح.
وتشير عوض إلى أن هذه الجهات تسعى بجدّ لانتزاع هذه الحرب من سياقها الموضوعي كصراع على السلطة، إلى حرب شاملة «وهو أمر مرعب ستكون خطورته وخيمة على وحدة السودان واستقراره».
وكلما تطاول أمد الحرب كانت هناك فرصة مواتية لدخول عوامل جديدة على الخط... مثل تصفية الحسابات في قضايا داخلية وإقليمية مثيرة للجدل. وفي ظل الاستقطاب والاستقطاب المضاد، ظهرت بيانات من الجيش والدعم السريع، يتهم فيها كل طرف الآخر بالاستنجاد بالخارج».
وتبذل القوى الديمقراطية جهوداً حثيثة لكي تنحصر هذه الحرب في سياقها السياسي، وإلا تتحول إلى حرب أهلية طاحنة.
يقول عمر الدقير، رئيس حزب «المؤتمر السوداني» لـ«الشرق الأوسط»، إن حزبه بالتعاون مع الأحزاب السياسية الأخرى في قوى «الحرية والتغيير»، يسعى عبر اتصالات مع طرفي النزاع والآلية الثلاثة والرباعية، للاتفاق على وقف الحرب وإنشاء آلية لمراقبة الهدنة... «نتمنى أن تؤدي هذه الاتصالات - بالإضافة لتشكيل آلية المراقبة - إلى تطوير الهدنة إلى وقف دائم لإطلاق النار، وعودة جميع الأطراف للمسار السياسي لحسم التباينات واسترداد مسار الانتقال المدني الديمقراطي».
ويضيف لا تزال الفرصة متاحة لإسكات أصوات البنادق، والاستجابة لصوت العقل والحكمة، واعتماد الخيار الأمثل وهو المسار السياسي المفضي لاسترداد الانتقال الديمقراطي بقيادة سلطة مدنية متوافق عليها تمثل ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة، وتباشر تنفيذ أهدافها، ومن بينها هدف الوصول لجيش وطني واحد.
ومع فشل تثبيت هدنة حتى في أيام العيد، يبدو أن طرفي القتال قد شددا العزم على القتال حتى النهاية، بغض النظر عن الترتيبات الوخيمة لذلك.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«الجامعة العربية» تُحذر من مخطط إسرائيلي لإقامة «تجمعات يهودية» جديدة

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

«الجامعة العربية» تُحذر من مخطط إسرائيلي لإقامة «تجمعات يهودية» جديدة

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

حذّرت جامعة الدول العربية من مخطط إسرائيلي لإقامة «تجمعات يهودية» جديدة. وأعرب الأمين العام للجامعة نبيل فهمي، الاثنين، عن بالغ القلق إزاء التصريحات والخطط التي أعلنها وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بشأن «التوسع في إقامة تجمعات يهودية جديدة في منطقتي النقب والجليل، وزيادة أعداد السكان اليهود فيهما، وما اقترن بذلك من توجهات تمس أوضاع البلدات العربية وصلاحيات أجهزة التخطيط والأراضي».

وأكد فهمي أن ما تتضمنه هذه الخطط من تمييز على أساس الهوية والانتماء القومي «يعكس تصاعداً خطيراً للنزعات العنصرية داخل المجتمع الإسرائيلي، ويكرس نهج التمييز والإقصاء على حساب مبادئ المساواة وحقوق المواطنين العرب».

كما يحذر من التداعيات المجتمعية والسياسية الخطيرة لمأسسة مثل هذه التوجهات وتحويلها إلى سياسات عامة.

وأشار الأمين العام للجامعة العربية في بيان، الاثنين، إلى أن هذه التطورات تأتي «في سياق أوسع من السياسات الإسرائيلية الرامية إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وفي مقدمتها التوسع الاستيطاني وتقويض مقومات الدولة الفلسطينية، بما يتعارض مع قواعد القانون الدولي ويهدد فرص التوصل إلى تسوية سياسية عادلة ودائمة».

وشدد على ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته في التصدي لهذه السياسات والحفاظ على مقومات إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار «حل الدولتين» السبيل لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام الدائم في المنطقة.

وكان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قد أعلن، الخميس، عن خطة لتهويد منطقتي النقب والجليل وإنشاء 40 مستوطنة جديدة ونقل مليون يهودي إليهما، كما تحدث عن انضمام جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» إلى جهود ما وصفها بـ«مكافحة الأسلحة غير المشروعة» في صحراء النقب، وفق ما أوردت حينها قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية.


أنصار القذافي يراهنون على مشاركات واسعة في ذكرى «الفاتح»

احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)
احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)
TT

أنصار القذافي يراهنون على مشاركات واسعة في ذكرى «الفاتح»

احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)
احتفالات سابقة في ليبيا بذكرى «ثورة الفاتح» من سبتمبر 2025 (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)

يراهن أنصار الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي على مشاركة واسعة في احتفالات ذكرى «ثورة الفاتح من سبتمبر» هذا العام؛ إذ يعد الحدث أول اختبار سياسي وتنظيمي لتيارهم عقب اغتيال نجله سيف الإسلام القذافي في فبراير (شباط) الماضي بمدينة الزنتان.

ويسعى الموالون للنظام السابق، وفق متابعين، لإثبات أن تيارهم لا يرتكز على شخصية بعينها، بل على أفكار «الجماهيرية» وإرثها الذي يقولون إنه حاضر في وجدان قطاع واسع من الليبيين، مع توظيف المناسبة للمطالبة بكشف ملابسات مقتل سيف الإسلام، الذي اعتبره كثير من أنصاره «الوريث السياسي المحتمل لوالده».

جانب من احتفالات بني وليد الليبية بـ«ثورة الفاتح» (صفحات موثوقة على مواقع التواصل)

وفي خطوة تعكس رغبة هذا التيار في حشد الزخم وتأكيد حضوره قبيل الموعد، ضجت المواقع الإعلامية ومنصات التواصل القريبة منه والمحسوبة عليه بمقاطع وصور توثق استعدادات مبكرة في بعض المدن، تمثلت في تجهيز الأعلام الخضراء ورفع لافتات تحمل أبرز أقوال معمر القذافي وصوره، وكذلك صور سيف الإسلام قبل وفاته بل وطباعتها على بعض قطع الملابس.

وتوقع علي مصباح أبو سبيحة، رئيس «فريق المصالحة الوطنية» بتيار سيف الإسلام القذافي أن تكتسب احتفالات هذا العام «زخماً شعبياً واسعاً مقارنة بالأعوام السابقة»، نظراً لمقتل سيف الإسلام.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أنصار نظام القذافي عموماً، وتحديداً أنصار سيف الإسلام، سيسعون للوجود بقوة في الساحات لنفي ما يردده البعض من أن مقتله أضعف التيار الجماهيري وأنه سيتلاشى تدريجياً»، مشيراً إلى أن «تزايد أعداد المشاركين المتوقع هذا العام لا يمكن فصله عما تمر به البلاد من أزمات».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد وتدير الشرق وأجزاء من الجنوب بدعم من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

ولا يستبعد أبو سبيحة، وهو «رئيس المجلس الأعلى لقبائل ومدن فزان»، وجود أطراف «قد تحاول إجهاض الاحتفال»، موضحاً أن هناك أصواتاً أعلنت صراحة أنها «ستقاوم هذا الاحتفال وتحاول منعه».

بدوره، أعرب الباحث السياسي والكاتب الليبي مصطفى الفيتوري عن «احتمالية اتساع رقعة الاحتفال جراء الغضب على غياب سيف الإسلام».

وتحدث الفيتوري، وهو من الموالين للنظام السابق، عن «استعدادات كبيرة للاحتفال في المناطق الموالية لنظام القذافي مثل بني وليد، وجنوب غربي ليبيا، وسبها، ومنطقة الجفرة».

واعتبر أن الانتشار الأمني المكثف في طرابلس منذ أسبوعين، والتابع في أغلبه لتشكيلات مسلحة لا لقوى نظامية، يعد «ورقة ضغط لترهيب المواطنين المؤيدين للنظام السابق ومنعهم من الاحتفال»، مستبعداً مع ذلك أي «احتكاك من شأنه تفجير الوضع في ظل الأزمات المعيشية الخانقة».

معمر القذافي (إ.ب.أ)

في المقابل، حرصت أصوات محسوبة على «ثورة 17 فبراير» على تذكير الأجيال الجديدة بـ«انتهاكات حكم القذافي الممتد 42 عاماً، مستحضرة ملفات الإعدامات الميدانية وقمع التعددية السياسية».

وأعلن وزير الثقافة الأسبق الحبيب الأمين دعمه لبيان «حراك العدالة الانتقالية»، الذي أكد أن الدعوة إلى الاحتفال بما سماه بـ«انقلاب سبتمبر 1969» تعد تمجيداً «لفعل أسقط الحياة الدستورية، وفتح البلاد لعقود من الاستبداد ومصادرة الحريات وانتهاك الحقوق ونهب الممتلكات».

ودعا بيان الحراك مؤسسات الدولة إلى منع أي مظهر رسمي «يمجد الاستبداد، وتطبيق القانون على من يحرض على العنف، واستصدار تشريع يجرم الاحتفاء بحقبة الاستبداد».

وقللت أصوات سياسية وشخصيات عسكرية شاركت في العمل المسلح لإزاحة نظام القذافي «من الضجيج المعتاد بذكرى الفاتح»، بحسب وصفها، معتبرة في تعليقات عبر منصات التواصل أن «الترحّم على أيام القذافي يأتي في الأغلب نكاية في القوى المتصدرة للمشهد شرقاً وغرباً، وبوصفه رسالة احتجاج على تدهور الأوضاع المعيشية لا أكثر».

جدير بالذكر أن ليبيا كانت تحت حكم الملك محمد إدريس السنوسي، قبل أن يقود القذافي حركة «الضباط الوحدويين» في الجيش الليبي، ليحكم البلاد نحو 42 عاماً منذ مطلع سبتمبر 1969.


بعد 14 عاماً من الغياب... الدبلوماسية السورية تستعيد حضورها في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
TT

بعد 14 عاماً من الغياب... الدبلوماسية السورية تستعيد حضورها في ليبيا

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

​طوت الدبلوماسية السورية نحو 14 عاماً من الغياب عن ليبيا إثر مباحثات أجراها وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد الشيباني، الأحد، في العاصمة طرابلس بهدف تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون المشترك بين البلدين.

ويفتتح الشيباني خلال الزيارة سفارة بلاده في ليبيا، كما التقى والوفد المرافق له عدداً من المسؤولين الليبيين.

رئيس حكومة «الوحدة» الليبية عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

وكانت السفارة السورية في طرابلس قد أُغلقت عام 2012 بعد شهور من سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في أغسطس (آب) 2011، وذلك عقب اعتراف «المجلس الوطني الانتقالي» الذي تشكل في ليبيا آنذاك بالثورة السورية. ومنذ ذلك الحين انقطعت العلاقات بين البلدين خلال عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

وسعت الإدارة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، إلى فتح قنوات اتصال مع ليبيا عبر زيارة رسمية أجراها مسؤولون سوريون إلى طرابلس، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية وآفاق التعاون المشترك في مختلف المجالات، في خطوة عدّها متابعون تستهدف رسم «علاقات جديدة تفيد البلدين».

«مرحلة جديدة»

وصل الشيباني والوفد المرافق له إلى مطار معيتيقة الدولي في طرابلس، صباح الأحد، في مستهل زيارته الرسمية التي التقى خلالها عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة.

واستبق الشيباني لقاء الدبيبة بمباحثات أجراها مع الطاهر الباعور، المكلف بتسيير شؤون وزارة الخارجية بحكومة «الوحدة»، والذي كان في استقباله بالمطار.

الطاهر الباعور المكلف بتسيير شؤون الخارجية بحكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في طرابلس - الأحد (خارجية «الوحدة»)

وقالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بطرابلس، إن الشيباني والباعور عقدا مباحثات بمقر وزارة الخارجية بالعاصمة «تناولت عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك، وسبل دفع العلاقات الليبية - السورية، وتعزيز التنسيق والتشاور بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين».

وأشارت «الخارجية» إلى أن الجانبين بحثا «الإجراءات المتعلقة بإعادة افتتاح السفارة السورية في العاصمة طرابلس؛ بما يسهم في تعزيز التواصل الدبلوماسي بين البلدين، وتسهيل متابعة شؤون المواطنين، وتطوير أوجه التعاون الثنائي».

وتناولت محادثات الدبيبة مع الشيباني «إعادة تفعيل أطر التعاون الليبي - السوري، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وتنشيط عمل اللجنة العليا المشتركة، إلى جانب ملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، ومعالجة عدد من القضايا المالية والمستحقات القائمة بين مؤسسات البلدين».

وتناول اللقاء أيضاً، بحسب مكتب الدبيبة، التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، وأوضاع الجاليتين والخدمات القنصلية، وملفات السجناء والموقوفين واللاجئين والنازحين، إضافة إلى إعادة افتتاح القنصلية السورية في بنغازي.

وأكد الدبيبة أهمية «فتح مرحلة جديدة من العلاقات... تقوم على المصالح المشتركة والتعاون العملي، ومعالجة الملفات العالقة بما يخدم مواطني البلدين».

الطاقة والاستثمار

أشارت وزارة الخارجية السورية إلى أن الوزير الشيباني اجتمع أيضاً مع وزير النفط والغاز الليبي، خليفة عبد الصادق، ورئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي للمؤسسة الليبية للاستثمار، علي محمود حسن.

وبحث الجانبان خلال الاجتماع «التعاون الثنائي في مجالات الطاقة والاستثمار، وسبل توسيع الشراكة وتبادل الخبرات في القطاعات ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية، وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين الشقيقين».

يُذكر أن العلاقات السورية - الليبية خلال الفترة الماضية، شهدت تطوراً ملحوظاً في مجالات التعاون والتنسيق بين البلدين، سواء على صعيد العلاقات الثنائية أو القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

ففي أغسطس 2025، أعلن الوفد التقني الدبلوماسي السوري إلى ليبيا رفع علم بلاده على مبنى سفارة دمشق في طرابلس، تمهيداً لإعادة افتتاحها.

وكان الشيباني قد التقى في الرابع من الشهر الحالي، القائم بأعمال سفارة ليبيا في دمشق وليد حسن عمار، حيث بحثا سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتبادل وجهات النظر بشأن عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

كما التقى الشرع مع الدبيبة على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي»، في أبريل (نيسان) 2025، وبحثا عدداً من الملفات المشتركة، كما اتفقا على تفعيل اللجنة العليا الليبية - السورية.

خطوة تحمل «أبعاداً عملية»

بحسب وزارتي الخارجية السورية وتلك التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية، تأتي زيارة الشيباني في إطار الحرص المشترك على تعزيز العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع البلدين، والارتقاء بمستوى التعاون والتنسيق الثنائي، بما يحقق تطلعات البلدين والشعبين الشقيقين.

ونوهت «الخارجية» في طرابلس بأن مباحثات الباعور والشيباني تطرقت إلى «استكمال الإجراءات المتعلقة بتفعيل اللجنة العليا الليبية - السورية المشتركة، والتوقيع على الاتفاقية المنظمة لأعمالها، بما من شأنه فتح آفاق أوسع للتعاون بين البلدين في المجالات الاقتصادية والتنموية، وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك».

ويرى الباحث التركي في العلاقات الدولية، مهند حافظ أوغلو، أن الانفتاح المتبادل بين طرابلس ودمشق «يعكس مساعي الدولتين للخروج من أزماتهما عبر صياغة خريطة علاقات خارجية مغايرة؛ فليبيا تجد في دمشق نافذة لتوسيع شراكاتها الإقليمية، بينما تسعى سوريا لاختراق عمق شمال أفريقيا عبر البوابة الليبية».

وذهب أوغلو في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «هذه الخطوة الدبلوماسية تحمل أبعاداً عملية تتجاوز البروتوكول، لا سيما في معالجة الملفات العالقة المرتبطة بالوجود السوري في ليبيا من لجوء، و(عسكريين) وترتيبات إدارية»، معتقداً أن «هدف الجانبين هو بناء شراكة قائمة على المنافع المتبادلة وتجنب أخطاء الماضي عبر التنسيق المشترك».

ملف المفقودين والمحتجزين

كان وفد ممثل لحكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس، برئاسة وزير الدولة الليبي للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، قد التقى الشرع بدمشق في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2024، حيث ناقش الطرفان العلاقات الدبلوماسية ومسائل الطاقة والهجرة غير النظامية.

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل وزير الدولة الليبي للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي في دمشق - 28 ديسمبر 2024 (منصة «حكومتنا» التابعة لحكومة «الوحدة»)

وفي منتصف أغسطس الحالي، استقبلت ليبيا وفداً برئاسة القائم بالأعمال السوري سمير الشلبي، استهدف بحث التحديات التي تعيق تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ومن بينها صعوبات منح التأشيرات للسوريين وبعض الإجراءات الجمركية على الصادرات الليبية إلى سوريا.

مقاتلون سوريون يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية - 15 أغسطس (صفحة «حراك ضد التوطين»)

ولا تزال سلطات طرابلس تحتفظ بأعداد من السوريين الذين نُقلوا من قبل تركيا للقتال في ليبيا، في ظل وجود قوات روسية في مناطق تابعة للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، تحت اسم «الفيلق الأفريقي».

وفي منتصف أغسطس الحالي، احتشد عدد من المقاتلين السوريين قبالة كلية ضباط الشرطة في طرابلس، لمطالبة حكومة «الوحدة» بتسوية أوضاعهم المالية، الأمر الذي أثار حفيظة ليبيين، وأعاد ملف «المرتزقة» إلى الواجهة بعد تجاهل.

وتحدث الحقوقي الليبي طارق لملوم عن أهمية زيارة الشيباني إلى ليبيا ولقائه رئيس الحكومة، وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «من الضروري أن يكون ملف السوريين المفقودين والمحتجزين في ليبيا ضمن أولويات الزيارة، والمطالبة بقوائم السوريين الموجودين في مؤسسات الإصلاح والتأهيل وبقية أماكن الاحتجاز، للمساعدة في حسم مصيرهم، وهل هم محتجزون أم فُقدوا خلال رحلات البحر».