الثقافة السعودية لإثراء المجتمع وتحسين جودة الحياة

الأمير محمد بن سلمان أطلق مبادرات ثقافية وفنية لجعل المملكة أهم الوجهات العالمية

الثقافة السعودية لإثراء المجتمع وتحسين جودة الحياة
TT

الثقافة السعودية لإثراء المجتمع وتحسين جودة الحياة

الثقافة السعودية لإثراء المجتمع وتحسين جودة الحياة

تمثّل النقلة النوعية في الحراك الثقافي الوطني إحدى أهم مظاهر التحول التنموي والحضاري الكبير، الذي تشهده المملكة منذ إطلاق رؤيتها الطموحة «المملكة 2030».
فقد أرست «رؤية السعودية 2030» التي أعلنها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، 24 أبريل (نيسان) 2016، انطلاقة جديدة للثقافة السعودية باعتبارها أحد أهم محركات التحول الوطني نحو التنمية البشرية، وتجعل تلك الرؤية من الثقافة أسلوب حياة ورافداً مهماً في الاقتصاد الوطني، وتوفّر منتجات ثقافية مميزة تساعد في رفع مستوى جودة الحياة في المملكة، وتعطي الرؤية أولوية للاهتمام بالثقافة باعتبارها أحد محركات التحول والتغيير والتنمية وتحسين جودة الحياة.
في هذا السياق، تؤكد أهداف «رؤية المملكة 2030» على «المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح»، مع تأكيد موقع الثقافة في الحياة العامة، باعتبارها عنصراً رئيسياً في صناعة التحول الوطني نحو التنمية البشرية.
كما جعلت الرؤية مفهوم الثقافة واسعاً وشمولياً ولصيقاً بالتجربة الإنسانية، وساهمت في رفع مستوى المنتجات الثقافية، وتطوير واستثمار المواقع الأثرية التاريخية وفتحها للسائحين من جميع دول العالم، إضافة إلى وجود معاهد وأكاديميات للفنون بخبرات عالمية، ودور سينما بأحدث التقنيات، ودعم المواهب الشابة من خلال التبني والابتعاث للدراسة المختصة، التي جعلت السعودية تحتل موقعاً ثقافياً متقدماً بين نظيراتها في دول العالم.
ومع تشكيل الهيئات الثقافية، انطلقت عشرات الفعاليات التي كسرت النمط التقليدي الذي اعتاده الناس في الأنشطة الثقافية. أصبحت الثقافة قريبة جداً من الناس، ومعبّرة عن أحوالهم، وعن تطلعاتهم. استوعبت الفنون البصرية وفنون الأداء والموسيقى والمسرح والسينما، كما استوعبت ابتكارات الشباب.
وكان على الثقافة أن تزيح عن كاهل المجتمعات المحلية عبئاً ثقيلاً تراكم عبر السنين، يمقت البهجة، ويشد الرحال نحو التاريخ والتراث والماضي، ويحدث القطيعة مع الحداثة، وأصبحت الثقافة السعودية أهم محركات التغيير نحو مجتمع منفتح، ومتسامح، ومحب لبلاده، وعاشق للحياة.

الاستراتيجية الثقافية

تم الإعلان عن إنشاء وزارة الثقافة في شهر رمضان 1439هـ (الموافق يونيو/ حزيران 2018م). وتتمثل رسالتها في تمكين المشهد الثقافي السعودي بما يعكس حقيقة الماضي العريق للمملكة، ويساهم في السعي نحو بناء مستقبل يعتز بالتراث ويفتح للعالم منافذ جديدة ومختلفة للإبداع والتعبير الثقافي.
ومساء الأربعاء 27 مارس (آذار) 2019، أطلقت في مركز الملك عبد العزيز التاريخي في الرياض، الاستراتيجية الوطنية للثقافة، وأعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة، أن وزارة الثقافة «سيكون لها دور كبير في تحقيق (رؤية المملكة 2030)، حيث ستقود جهود تنمية القطاعات الثقافية والفنية في المملكة، بما يثري نمط حياة الفرد ويشجّع على التعبير والحوار الثقافي».
وتمّ الكشف كذلك عن رؤية وتوجهات وزارة للثقافة التي تحدّد 3 تطلعات رئيسية؛ هي: تكريس الثقافة نمط حياة، والثقافة من أجل النمو الاقتصادي، والثقافة من أجل تعزيز مكانة المملكة الدولية.
كما تضمّنت الإعلان عن 27 مبادرة لتحقيق هذه التطلعات، التي تعد أول حزمة من المبادرات. ومن أبرز المبادرات المعلنة: تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، وإنشاء صندوق «نمو» الثقافي، وإطلاق برنامج الابتعاث الثقافي، وتطوير المكتبات العامة، وإقامة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي. وتنتمي هذه المبادرات الـ27 إلى 16 قطاعاً ثقافياً تخدمها الوزارة وهي: اللغة، والتراث، والكتب والنشر، والموسيقى، والأفلام والعروض المرئية، والفنون الأدائية، والشعر، والفنون البصرية، والمكتبات، والمتاحف، والتراث الطبيعي، والمواقع الثقافية والأثرية، والطعام وفنون الطهي، والأزياء، والمهرجانات والفعاليات، والعمارة والتصميم الداخلي، التي تُشكّل في مجموعها كل المسارات الثقافية التي تنشط فيها المواهب السعودية في مختلف مناطق المملكة.

القطاع الثقافي غير الربحي

تمّ الإعلان عن القطاع الثقافي غير الربحي، ويتضمن تأسيس جمعيات مهنية في قطاعات الثقافة، تشمل تكوين 16 جمعية مهنية في 13 قطاعاً ثقافياً، يديرها فريق «أهلي» من الممارسين الثقافيين وتعمل تحت الإشراف المالي والإداري لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، لتكون المظلة الأهلية للممارسة المهنية في القطاع، وتفتح عضويتها فيما بعد لكل ممارس محترف في القطاعات المتنوعة. من بين الجمعيات الثقافية التي تم إعلانها: تأسيس أول جمعية مهنية للأدب، وأول جمعية مهنية للمسرح والفنون الأدائية، وأول جمعية للسينما، وتأتي هذه الجمعيات بوصفها أحد مخرجات استراتيجية وزارة الثقافة للقطاع غير الربحي، التي تستهدف بناء منظومة متنوعة من المنظمات غير الربحية في مختلف القطاعات الثقافية في عموم مناطق المملكة.
حسب وزارة الثقافة، فإنها عكفت على دراسة تحليلية للقطاع الثقافي غير الربحي في المملكة وعدد من دول العالم، وخلصت إلى جملة من الدروس التي أنتجت خطتها لهذا القطاع، والتي تتلخص في أن «الثقافة في جوهرها فعل أهلي منتظم بتشريع حكومي، ومدعوم من القطاع الخاص».

الثقافة و«جودة الحياة»

يُعد برنامج «جودة الحياة»، الذي أطلقه مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي أحد برامج تحقيق «رؤية المملكة 2030» التي أقرها مجلس الوزراء. يهدف برنامج «جودة الحياة» إلى جعل المملكة أفضل مكان للعيش، وأن تكون المدن السعودية من بين أفضل المدن على مستوى العالم.
يقوم البرنامج على ركيزتين، الأولى: قابلية العيش، وتشمل مشروعات البنية التحية، وكل ما يندرج تحتها من المشروعات مثل البنية التحتية والنقل، الأمن والبيئة الاجتماعية، الإسكان والتصميم الحضري والبيئة، الرعاية الصحية، والتعليم والفرص الاقتصادية.
الركيزة الثانية: نمط الحياة، ويشمل المشروعات سريعة التنفيذ والأثر، مثل إعادة افتتاح صالات السينما، واستضافة فعاليات ترفيهية ورياضية وثقافية عالمية، وتهيئة الأجواء في الملاعب لتحسين تجربة الحضور، وتطوير قطاع المطاعم والمقاهي... وتشمل قطاعات من بينها التراث والثقافة.
على الصعيد الثقافي، وضع برنامج «جودة الحياة» مجموعة من المشاريع الكبيرة الموزعة على الجغرافيا السعودية يستهدف تحقيقها، من بينها إنشاء جزيرة للثقافة والفنون في جدة، ومجمع ملكي للفنون في الرياض، ومتحف افتراضي للآثار في حائل، وإنشاء 45 داراً للسينما و16 مسرحاً و42 مكتبة لتعزيز قطاعي الفن والثقافة في المملكة.
كما يعمل البرنامج على تنمية مساهمة المملكة في الفنون والثقافة، وذلك من خلال تعزيز وتطوير سبعة مجالات ثقافية وفنية (الفنون البصرية، وفنون الأداء، وصناعة الأفلام، والأدب، والشعر، والتصميم، والتراث الوطني)، وذلك من خلال التركيز على صقل مواهب الفنانين والهواة، وزيادة وتحسين جودة الإنتاج المحلي، وتعزيز الحضور الدولي للمملكة في مجالي الفنون والثقافة.
ويسعى البرنامج لتطوير حوكمة القطاع الثقافي الشامل والإطار التنظيمي، وإعداد جهة متكاملة لتلبية احتياجات الشركات المبتكرة، وتسهيل إجراءات التمويل المقدم من القطاع الخاص للقطاع الثقافي، وإنشاء صناديق ثقافية وطنية تدعم جميع القطاعات الفرعية الثقافية.

مشاريع واعدة

تُعنى «الرؤية» في شقها الثقافي بتطوير المرافق الحاضنة للنشاط الثقافي، من قبيل: تجديد المكتبات العامة، وفتح المسارح الجامعية لإجراء الأنشطة المجتمعية، وبناء مجمع الفنون الملكي، وإنشاء جزيرة للفنون والثقافة في جدة، وإنشاء متحف حائل الافتراضي، وافتتاح مواقع ثقافية (بحيث تشمل المسارح والمعارض الفنية والمكتبات) في كافة أرجاء المملكة.
كما تُعنى بتقديم العروض، من خلال تطوير الأنشطة الثقافية في المملكة العربية السعودية، وتطوير وتعزيز القطاع السينمائي، وإطلاق قطاع السينما في المملكة العربية السعودية، وإنشاء أكاديمية سعودية للأفلام الوثائقية، وإنشاء مراكز للفنون الجميلة في الجامعات السعودية، وإنشاء مركز للفنون والإبداع الرقمي، وتقديم الدعم غير المالي لقطاع الفنون والثقافة، وإنشاء أكاديمية الفنون المتخصصة.
ومنذ حين المشاركة، في الحياة الثقافية، تستهدف إنجاز عدد من المهام بينها: تشجيع المشاركة العامة المحلية، وتعزيز الثقافة السعودية في الخارج، وتعزيز البنية التحتية والمشاركة في المسابقات الثقافية والفنية المحلية والدولية للبنين في المدارس، وإنشاء حاضنات للفنون في الجامعات السعودية، وتأسيس الجمعيات الثقافية.

مبادرات ثقافية

هيئات ثقافية

في الرابع من فبراير (شباط) عام 2020، وافق مجلس الوزراء على إنشاء 11 هيئة ثقافية جديدة تتولى مسؤولية إدارة القطاع الثقافي السعودي بمختلف تخصصاته واتجاهاته، والهيئات الجديدة هي: هيئة الأدب والنشر والترجمة، وهيئة الأزياء، وهيئة الأفلام، وهيئة التراث، وهيئة فنون العمارة والتصميم، وهيئة الفنون البصرية، وهيئة المتاحف، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، وهيئة المكتبات، وهيئة الموسيقى، وهيئة فنون الطهي.

مشاريع الترجمة

كما أعلنت هيئة الأدب والنشر والترجمة عن مبادرتها لإثراء المحتوى العربي، وتعزيز التبادل الثقافي بين اللغة العربية ونظيراتها في العالم من خلال مبادرة «ترجم»، التي تعدّ واحدة من حزمة المبادرات الأولى التي أعلنت عنها وزارة الثقافة. في حين أعلنت المسار الثاني من مبادرة «ترجم»، وهو مشروع «ترجمة الدوريات الأكاديمية»، الذي تسعى الهيئة من خلاله إلى إثراء المحتوى المعرفي العربي من خلال ترجمة الدوريات الأكاديمية في المجالات الثقافية والاجتماعية والإنسانية. كما أعلن عن إطلاق مبادرة «المرصد العربي للترجمة» بهدف تنسيق الجهود العربية في مجال الترجمة ودعم مسيرتها. إلى جانب الإعلان عن إنشاء دار النشر السعودية.

التراث التاريخي

اعتمدت هيئة التراث تسجيل 624 موقعاً أثرياً وتاريخياً جديداً في السجل الوطني للآثار، خلال الربع الأول من عام 2021، ليصل مجموع المواقع الأثرية التي تم تسجيلها في السجل منذ إنشائه 8176 موقعاً بمختلف مناطق المملكة. وفي عام 2021 نجحت السعودية في تسجيل موقع «آبار حمى» التي تعد من أهم المواقع الأثرية في منطقة نجران، وهو عبارة عن طريق يمتد بين 6 آبار صخرية، كانت تمر من خلاله القوافل التجارية المقبلة من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها للتزود بالماء، وأضيف هذا الموقع إلى المواقع التي سبق تسجيلها في قائمة التراث العالمي بعد إقرار لجنة التراث العالمي، التابعة لـ«اليونيسكو»، وهي مواقع: الحجر، حي الطّريف في الدّرعية، جدة التاريخية، الرسوم الصخرية في حائل، واحة الأحساء.
كما بدأت السعودية في الاستثمار السياحي والثقافي للمواقع الأثرية العريقة كـ«العلا» التي تحتضن إرثاً حضارياً يمتد إلى 7000 عام، حيث أنشئت «الهيئة الملكية لمحافظة العلا». وتنظم الهيئة حزمة واسعة من الأنشطة السياحية في محافظة العلا، تشمل مواقع الحِجر وجبل عِكمة ومملكة دادان، التي يجري فيها فريق من علماء الآثار عمليات تنقيب واسعة لاستكشاف المزيد عن هذه الفترة الزمنية الغامضة من التاريخ البشري في العلا. ويخوض السائح خلال زيارته موقع الحِجر تجربة فريدة يكتشف خلالها أسلوب الحياة النبطية القديمة، حيث تسلط الزيارة الضوء على أهم المواقع الأثرية بالحِجر مثل مدفن لحيان بن كوزا، وجبل إثلب، والديوان، والجبل الأحمر والبئر، ومدينة دادان القديمة، عاصمة إمبراطورية دادان ولحيان وأكثر المدن تقدماً خلال الألفية الأولى ما قبل الميلاد.

تطوير المكتبات العامة

إعادة تأهيل وتحديث المكتبات العامة، البالغ عددها 84 مكتبة، تملكها وزارة الثقافة والإعلام بحلول سنة 2022، وتتولى إدارتها من أجل زيادة استخدام المكتبات، وتجديد وتطوير البنية التحتية والخدمات، وتوفير تدريب إضافي للموظفين، وإعداد تقويم خاص وتنظيم فعاليات مكتبية، ورقمنة المحتوى (الكتب والمجلدات، إلخ).

مجمع الفنون الملكي

من بين أهم المبادرات التي يستهدفها برنامج «جودة الحياة»، على الصعيد الثقافي، إنشاء مجمع ملكي للفنون، الذي يضم جملة من المكونات الثقافية والفنية. ففي 19 مارس 2019، أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز مشروع «حديقة الملك سلمان» بمساحة 13.4 كيلومتر مربع وتقام في أرض قاعدة الملك سلمان الجوية (مطار الرياض القديم)، لتشكل أكبر حدائق المدن في العالم، ويأتي هذا المشروع ضمن 4 مشروعات نوعية كبرى في مدينة الرياض، تبلغ تكلفتها الإجمالية 86 مليار ريال.
وتشتمل الحديقة على «مجمع ملكي للفنون» يقام على مساحة تزيد على 400 ألف متر مربع، يضم مسرحاً وطنياً بسعة 2500 مقعد، و5 مسارح مغلقة متنوعة الأحجام، ومسرحاً خارجياً في الهواء الطلق يستوعب 8 آلاف مشاهد، إلى جانب مجمع للسينما يضم ثلاث قاعات، وأكاديميات ومعاهد للفنون: (أكاديمية الفنون البصرية، أكاديمية فنون التمثيل، معهد الفنون، ومعهد الموسيقى) ومركز تعليمي يعنى بتنمية مواهب الأطفال.
وفي 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، اعتمد الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، خطة انطلاقة معهد الفنون التقليدية في المجمع الملكي للفنون. فيما يستهدف 1000 طالب ومتدرب في البرامج طويلة وقصيرة المدى.
ويهدف معهد الفنون التقليدية إلى الحفاظ على الهوية المحلية من خلال تعليم الفنون والإسهام في حفظ التراث السعودي وصونه وتطويره وتخريج ممارسين مؤهلين لهذا الغرض، والعمل على التوعية بالفنون. ويأتي المعهد ضمن مبادرة أكاديميات الفنون التي أعلن عنها ضمن الحزمة الأولى من مبادرة وزارة الثقافة ومبادرات برنامج «جودة الحياة».

جزيرة للفنون والثقافة في جدة

يضم برنامج «جودة الحياة» على الصعيد الثقافي إنشاء جزيرة للفنون والثقافة في محافظة جدة، تتوزع على جزيرتين صناعيتين منفصلتين يربطهما جسر بمثابة حديقة نباتية.
يتمثل الهدف في إنشاء جزيرة أيقونية للفنون والثقافة في جدة تسهم في تعزيز الشهرة الدولية للمملكة. ويشتمل تصميم دار الأوبرا وبناءها على طراز عالمي، وسيضم هذا المجمع عدة أجزاء، من بينها: قاعة الأوبرا وتحتوي على حوالي 2000 مقعد، وقاعة للفعاليات تحتوي على 1200 مقعد، ومسرح يحتوي على 600 مقعد، وقاعة للحفلات تحتوي على 400 مقعد، وقاعة متعددة الأغراض تحتوي على حوالي 2000 مقعد، وحديقة نباتية، ومتحف.

الموسيقى

في نقلة نوعية غير مسبوقة في مجال الموسيقى، أنشئت في عام 2020 «هيئة الموسيقى»، وهي هيئة مختصة بدأت أعمالها بالتعاون مع إحدى الشركات المختصة، فأطلقت منصة «أبدع» التي تمنح تراخيص لمزاولة المهن الثقافية والفنية، وقدمت ثلاث رخص لممارس العزف الموسيقي وممارس إدارة الصوتيات الموسيقية وممارس الإنتاج الموسيقي، إضافة إلى توفير منصة للترخيص للمعاهد التدريبية، التي نتج عنها إصدار أول رخصتين للتدريب الموسيقي في المملكة. وأطلقت الهيئة برنامجاً تدريبياً افتراضياً لصناعة الموسيقى، يتضمن مسارات تعليمية وتدريبية في عدد من التخصصات الموسيقية، كذلك أعلنت عن بدء استقبال طلبات الموسيقيين والعازفين الراغبين في الانضمام للفرقة الوطنية للموسيقى.

جمعية ومؤتمر للفلسفة

أعاد الانفتاح الثقافي في السعودية الاعتبار إلى واحدة من أهم مناهج التفكير النقدي، وهي الفلسفة، وقفزت السعودية للأمام عبر تعميم الفلسفة في مناهج التعليم، ففي نهاية عام 2018 أعلنت وزارة التعليم السعودية إدخال مادتي الفلسفة والقانون في مناهج المدارس الثانوية، وبدأت مدارس التعليم العام تدريس مبادئ الفلسفة والتفكير النقدي، مستهدفة إحداث تطور جوهري في التحول من تعليم يلقّن الدارس، إلى تعليم يحثه على التفكير والتساؤل والاستنتاج.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، أعلن في الرياض تأسيس أول جمعية أهلية متخصصة في الفلسفة، واحتوت الجمعية الحلقة الفلسفية «حرف»، وأطلقت مجلة «مقابسات»، بالإضافة إلى برنامج «الفيلسوف الصغير» الموجّه إلى الأطفال واليافعين، ونظمت مسابقة «مصطلحات فلسفية» لنشر الوعي العام بالفلسفة.
أعقب ذلك في نهاية عام 2021 تنظيم أول مؤتمر دولي للفلسفة في تاريخ المملكة، بتنظيم من هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة، وعقد في مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض وامتد على مدى ثلاثة أيام، ومثّلت التجربة أول تفاعل مؤسسي بين المجتمعين المحلي والدولي في نشاط فلسفي، حيث حظي بمشاركة «اليونيسكو» ورئيس المؤتمر العالمي للفلسفة، ونخبة من أساتذة الفلسفة في عدد من الجامعات الدولية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».