العراق المنهوب

المالكي.. أحد أكبر المطلوبين للقضاء جماهيريًا

العراق المنهوب
TT

العراق المنهوب

العراق المنهوب

على مدى الاثنتي عشرة سنة الماضية كان العراقيون يتظاهرون. وكانت الحكومات التي توالت على السلطة في البلاد بعد عام 2003، ومنها 8 أعوام شغلها نوري المالكي كرئيس للوزراء، تكتفي بالقول إن حق التظاهر مكفول بموجب الدستور.
الأمر اختلف مرتين.. ففي مظاهرات فبراير (شباط) 2011 حيث لامس الربيع العربي العراق، طلبت حكومة المالكي مهلة مائة يوم للإصلاح الذي لم يتحقق منه شيء. وفي المرة الثانية حين اندلعت مظاهرات المحافظات الغربية ذات الغالبية السنية اكتفى المالكي بالتفرج عليها، ثم سرعان ما دمغها بأوصاف من بينها أنها مجرد «فقاعة» أو «نتنة». وفي المواسم الانتخابية كان المالكي يحاول استثمارها لصالح دغدغة مشاعر حاضنته المذهبية فيقسمها على طريقة أسامة بن لادن إلى فسطاطين لكن بطريقة الضد النوعي هذه المرة.. يرسم صورة لجيشين متقابلين يطلق على واحد منهما جيش يزيد (عموم المتظاهرين) ويطلق على الجيش الثاني جيش الحسين. بل إن المالكي ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين وصف ما حصل في الموصل بأنه ليس مجرد انتكاسة أو خيانة أو مؤامرة مثلما كان يقول، بل قال وأمام جمع جماهيري إن ما حصل كان «ثورة سنية ضد الشيعة».
وكان هناك طوال السنوات الماضية نوع آخر من المظاهرات وهو ما تقوم به بعض الأحزاب والتيارات، لا سيما الدينية منها خصوصا الشيعية، في مناسبات مختلفة، حيث كانت قادرة أول الأمر على تجييش الشارع، ثم سرعان ما بدأ زخمها يتضاءل إلى الحد الذي بدا فيه ناشطون مدنيون قادرين ومن مقهى شعبي في حي الكرادة على التعبئة لمظاهرات كبرى مثل التي حصلت طوال الأسبوعين الماضيين.
ويبدو أن المعادلة انقلبت. وتزامن انقلاب هذه المعادلة مع تشكيل حكومة جديدة، وإن كانت نتاج المحاصصة السياسية والعرقية، لكنها حصلت على دعم داخلي وخارجي من أجل تغيير المعادلة السياسية في العراق، لا سيما أن البلاد انحدرت إلى مهاوي الحرب الأهلية، بالإضافة إلى احتلال ثلاث محافظات منها من قبل تنظيم داعش، فضلا عن الفساد المالي والإداري الذي ترتب عليه النقص الفادح في تقديم الخدمات وفي المقدمة منها الكهرباء على الرغم من إنفاق عشرات مليارات الدولارات عليها منذ عام 2004 وحتى اليوم.
العبادي، الذي ورث هذه التركة الثقيلة من حقبة المالكي، وجد نفسه أمام نوعين من الجهاد في سبيل تغيير هذه المعادلة.. جهاد أصغر، إذا صحت التسمية، يتمثل في محاربة الفساد المالي والإداري والبدء بحزمة إصلاحات هيأت لها المظاهرات الشعبية فضلا عن وقوف المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني معه، وجهاد أكبر يتمثل في الخروج من عنق زجاجة حزب الدعوة الذي لا يزال يتزعمه المالكي والعبادي عضو فيه. لكن حين أقدم العبادي على إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية التي يحتل أحدها المالكي بدت هذه الخطوة وكأنها موجهة ضد الأخير الذي كان يتصور نفسه أنه سيظل خطا أحمر لا يجرؤ العبادي على تخطيه. لكن العبادي تخطاه، وهي الخطوة التي حظيت بتأييد قيادات بارزة في حزب الدعوة نفسه.

بين المطار والادعاء العام
عشية إعلان العبادي نقاطه السبع للإصلاح، أعلن نائب رئيس الوزراء بهاء الأعرجي أنه قرر التوجه إلى الادعاء العام للتحقيق معه في تهم فساد. ومساء يوم إعلان حزمة الإصلاحات تناولت بعض وسائل القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي خبرا بدا لافتا لدلالته قبل أن يكون صحيحا أو مفبركا. الخبر يقول إن سلطات مطار بغداد الدولي منعت المالكي من السفر، وحصلت مشادة بين حماية المطار وحمايته. وبصرف النظر عن أي حيثية تتعلق بمحتوى الخبر فإن دلالته هي الأهم حيث إنه بالنسبة للوعي الجمعي العراقي فإن المالكي هو «أكبر اللاعبين» على صعيد الهدر، بل يقول بهاء الأعرجي لـ«الشرق الأوسط» إن «معظم المبالغ التي تم إهدارها والبالغة نحو تريليون دولار أميركي كانت خلال حكم المالكي الذي بلغ ثمانية أعوام». ويضيف الأعرجي أن «العراق باع منذ عام 2004 إلى 2014 نفطا بقيمة 800 مليار دولار، يضاف إلى ذلك أنه حصل على معونات ومساعدات مالية بنحو 200 مليار دولار، لكن لم يكن لها نصيب على أرض الواقع من حيث الإنجاز، فضلا عن عدم تقديم حكومتي المالكي حسابات ختامية لمعظم فترة توليه السلطة». ويكشف الأعرجي أن «الحكومة الحالية التي يترأسها العبادي تسلمت ميزانية شبه خاوية ليس فيها سوى ثلاثة مليارات دولار فقط».
مع ذلك فإنه، وطبقا للحراك الشعبي المدني، فإن الشعار الأبرز الذي رفع خلال المظاهرات التي بدأت من محافظة البصرة أقصى الجنوب العراقي منذ نحو شهر كان هو محاربة الفساد. وعنوان هذا الفساد هو عدم تأمين الطاقة الكهربائية للإنسان العراقي على الرغم من إنفاق الحكومات المختلفة أكثر من 50 مليار دولار، بينما لا يتعدى إنتاج الطاقة 11 ألف ميغاواط، علما بأن حاجة العراق الفعلية هي 21 ألف ميغاواط، والمبالغ المصروفة على هذا الملف بإمكانها تجهيز أكثر من هذه الكميات من الطاقة.
التبريرات التي يسوقها مختلف المسؤولين العراقيين بشأن ذلك تتراوح بين الفساد المالي المتمثل في تسلم عمولات ضخمة من شركات قسم كبير منها ليست بالكفاءة المطلوبة، أو فساد إداري يتمثل بعدم اختيار الأشخاص الأكفاء في المواقع المناسبة، وهو ما يتمثل في التعاقد على محطات كهرباء تعمل بالغاز بينما لا يوجد في العراق حتى إنتاج للغاز أو محطات كهرومائية، ولا توجد كميات مناسبة من المياه تغذيها، وهكذا.

أغسطس «اللهاب»
لشهر أغسطس (آب) تسمية في العراق لها دلالتها وهي «آب اللهاب»، أو الذي «يدق المسمار بالباب». وكل سنة في مثل هذا الشهر تضع الحكومة، لا سيما وزارة الكهرباء، أيديها على قلوبها حين تتعدى درجات الحرارة مستويات قياسية يصعب تحملها. لكن ما إن ينتهي شهر أغسطس ويحل شهر سبتمبر (أيلول)، حيث يصبح الجو أكثر اعتدالا، تبدأ ساعات تجهيز الكهرباء بالزيادة، ويبدأ المسؤولون بالحديث عن ساعات تجهيز تتعدى العشرين ساعة كما لو كان هذا الأمر مرتبطا بإنجاز جديد وليس بسبب الطقس.
هذا العام قرر شهر أغسطس النزول إلى الشارع مع العراقيين، حين تخطت درجات الحرارة نصف درجة الغليان (وصلت إلى 53 درجة مئوية). حاولت الحكومة معالجة الأمر أول مرة حين منحت الموظفين عطلة رسمية لأربعة أيام دون جدوى، إذ استمرت درجات الحرارة بالمحافظة على مستوياتها العالية، الأمر الذي أدى إلى اندلاع المظاهرات الكبرى في بغداد، وبمؤازرة المحافظات الوسطى والجنوبية التي شهدت ولأول مرة رفع شعارات وإطلاق هتافات بالضد من رجال الدين وحتى المرجعية. المرجعية وخلال خطب الجمعة انسجمت مع الجمهور الثائر على الرغم من طابعه المدني لا الديني، وراحت تدعم هذا الحراك بقوة إلى الحد الذي ألقت معه الكرة تماما في ملعب رئيس الحكومة حيدر العبادي حين طالبته بأن يكون أكثر جرأة وشجاعة. العبادي من جهته التقط الرسالتين معا.. رسالة الشارع ورسالة المرجعية.. وكلتاهما تحمل تفويضا كاملا له بإجراء ما شاء له من إصلاحات بدءا الفساد العنوان الأكبر والأعرض فيها.
وفي هذا السياق، يقول رجل الدين الشيعي والأكاديمي عبد الحسين الساعدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المرجعية الدينية وجدت نفسها هذه المرة في وضع صعب لأول مرة منذ عام 2003، إذ بدأ الناس يصعدون من مواقفهم ضد الطبقة السياسية مع إشارات بعضها واضح بأن هذه الطبقة إنما جاءت للسلطة تحت غطاء المرجعية، وأن بعضها لا يزال يرى أنه محمي من قبلها، أي المرجعية، وهو ما أعلنت المرجعية وبكل صراحة رفضها له». وأضاف الساعدي أن «المرجعية وطوال السنوات الماضية كانت تدعو إلى الإصلاح ومحاربة الفاسدين، وتشد أحيانا على أيدي الحكومة حين تعمل إجراءات معينة، لكن الأمر اختلف الآن حيث إن سقف ما يريده الحراك الشعبي المدني تعدى حدود التسويات التي يمكن أن تنتهي في منتصف الطريق، لذلك بدا الأمر رفضا للطبقة السياسية بشكل معلن وواضح، ورفضا لتبني المرجعية لها، وهو ما جعل المرجعية وفي آخر خطبة لممثلها في كربلاء تنسجم تماما مع الشارع. ليس هذا فقط، فإن هناك وحسب معلوماتنا جرت اتصالات هاتفية من قبلها بالعبادي منحته الضوء الأخضر على صعيد ما يريد عمله، لا سيما أنه كان يواجه بعض الصعوبات في مناصب بعض كبار المسؤولين الذين يرى الشارع أنهم كانوا هم السبب في الفساد، وفي المقدمة منهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي».

ناقوس الخطر
يكاد يكون العراق هو البلد الوحيد الذي تتعدد فيه الجهات الرقابية التي تبحث في آليات الفساد وآلياته ومستوياته دون أن تتمكن أي من هذه الجهات من تحقيق أي نتيجة مرضية على صعيد حصره أو القضاء عليه. ففي العراق يوجد ديوان الرقابة المالية ولجنة النزاهة البرلمانية، وهيئة النزاهة المستقلة، فضلا عن مكاتب المفتشين العموميين في الوزارات والمؤسسات، بالإضافة إلى الادعاء العام والقضاء. لكن مع ذلك لم يتم خلال الفترة الماضية حسم أي ملف من ملفات الفساد المفتوحة أصلا والتي أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي عن إعادة فتحها مجددا في سياق حزمة إصلاحاته التي أعلن عنها والتي جاءت عبر مظاهرات غاضبة حظيت بمباركة المرجعية الشيعية العليا. وعلى سبيل المفارقة فإن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كان يتحدث عن إجراءات وسياقات لمحاربة الفساد دون نتيجة ليتحول اليوم إلى واحد من كبار المتهمين والمطلوبين للقضاء جماهيريا مثلما يؤكد الناشطون المدنيون الذين كان لهم دورهم في الحراك الجماهيري.
وفي هذا السياق، يقول السياسي والناشط المدني كاظم المقدادي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «المالكي لم يتفاعل مع إجراءات العبادي، وبدأ يثير المخاوف حولها لجهة إمكانية استغلال المظاهرات أو ما شابه ذلك، بينما الحقيقة أنه يخشى المساءلة في وقت لاحق لأنه هو المسؤول عن حقبة الهدر المالي التي بلغت مئات مليارات الدولارات، وبالتالي فإنه لا بد أن يكون موضع مساءلة بعد إقالته من منصبه».
اللافت للنظر أن الغطاء الذي كان يمنع من بروز «معايب» العملية السياسية يكمن في الغطاء المالي الذي يتمتع به العراق إلى عام 2014. فقبل انخفاض أسعار النفط كانت ميزانية العراق السنوية تزيد على الـ140 مليار دولار. بينما لم يتمكن البرلمان العراقي من التصويت على موازنة عام 2014 لأنه لم تكن هناك أموال يصادق عليها، لذلك بدأ الحديث ولأول مرة عن «إفلاس العراق». ورغم أن العبادي بالقياس إلى سلفه المالكي بدا أكثر شفافية من حيث التعامل مع شركائه السياسيين، فإنه وبعد نحو عشرة شهور من تشكيل حكومته فإن النتيجة لا تزال على مستوى الخدمات دون المستوى المطلوب، وفي المقدمة منها الكهرباء التي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر الجمل فيما يتصل بالعلاقة بين الطبقة السياسية الحاكمة والشعب، حيث بدأت كرة ثلج المظاهرات تكبر أسبوعا بعد أسبوع في معظم أنحاء البلاد.
وبشأن التباين بين مطالبة الناس بالإصلاح والتغيير بعد أن تأكد لهم فشل نظام المحاصصة الحزبية والطائفية في إمكانية أن يكون قادرا على تقديم خدمة حقيقية للناس، وبين العجز المالي، يقول الخبير الاقتصادي باسم بطرس، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يمر به العراق هو ما تواجهه في العادة الدول الريعية التي تعتمد على اقتصاد وحيد الجانب مثل النفط دون الالتفات إلى ميادين أخرى مثل الزراعة والصناعة والسياحة وسواها، بالإضافة إلى الإدارة العشوائية للاقتصاد». لكن وزير التخطيط الأسبق والعضو الحالي في البرلمان العراقي الدكتور مهدي الحافظ، يرى في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة السياسية في العراق وصلت إلى مرحلة الخلل البنيوي التي لا يمكن معالجتها دون تغيير جذري في قواعد النظام وآلياته وعلى كل المستويات»، عادا «النظام السياسي الحالي القائم على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية هو بمثابة العقبة الكبيرة أمام أي إصلاحات، وبالتالي فإن عملية التغيير، ومن خلال استثمار زخم الشارع الرافض لهذه المحاصصة، إنما تكمن في تشكيل حكومة تكنوقراط تضع خططا جديدة للعمل وتحارب الفساد في كل مفاصله من خلال الضرب بيد من حديد على الفاسدين، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب حتى لا يكون الحديث عن محاربة الفساد مجرد كلام عام».
الجهة الرقابية المخولة بمحاربة الفساد باسم الشعب هي لجنة النزاهة البرلمانية التي تتحدث كثيرا عن كشفها المزيد من ملفات الفساد، لكن الناشطين في المجال المدني ممن كان لهم دور كبير في التهيئة للمظاهرات يرون أن «النتيجة حتى الآن لم تسفر عن محاسبة أي من حيتان الفساد»، مثلما يقول القيادي في التيار المدني الديمقراطي جاسم الحلفي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، مضيفا أن «المظاهرات الجماهيرية هي ليست فقط جرس إنذار، وإنما هي أبعد من ذلك بكثير، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات فاعلة وسريعة على مستوى إصلاح منظومة الحكم في البلاد باتجاه إنهاء نظام المحاصصة التي هي السبب الرئيسي لما حل بالعراق من كوارث أبرزها الفساد منذ عام 2003 وحتى اليوم».
رئيس لجنة النزاهة في البرلمان طلال الزوبعي يرى من جهته، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأجواء الآن باتت مهيأة فعلا للتوصل إلى حلول حقيقية من أجل اجتثاث ظاهرة الفساد في البلاد»، مضيفا أن «الدعم الشعبي يصب في خدمة عمل اللجنة التي كانت قد واجهت على عهد الحكومة السابقة المزيد من الصعوبات نظرا لعدم تعاون الجهات الحكومية والتنفيذية معها، لكن الأمر اختلف الآن حيث سيتم فتح جميع الملفات التي تشوبها شبهات فساد في الدورة البرلمانية السابقة». ويؤكد الزوبعي أن «اللجنة بدأت تعمل الآن في ضوء خطة واضحة المعالم وخارطة طريق من أجل الوصول إلى كل الملفات وفي كل الدوائر والمؤسسات، من أجل تنظيف البلاد من الفاسدين ومن مافيات الفساد التي نخرت في جسد الدولة والمواطن طوال السنوات الماضية».

الفساد مراتب متقدمة

* لم يعد مستغربا بالنسبة للشارع العراقي أن يجري سنويا تصنيف العراق من قبل المنظمات الدولية المعنية بالفساد المالي في مراتب متقدمة في هذا المجال. فلقد أصبح الفساد غولا من الصعب مواجهته، الأمر الذي حدا بالشعب العراقي وبعد مرور أكثر من عقد من السنين على حكومات ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 أن يعلن انتفاضته. هذه الانتفاضة التي أجبرت رئيس الوزراء حيدر العبادي على اتخاذ حزمة من الإجراءات التي بدت حازمة. فالفساد المالي والإداري أدى إلى هدر نحو تريليون دولار (ألف مليار دولار أميركي). وخلق هذا الفساد طبقة سياسية ومعها طبقة طفيلية من تجار ومنتفعين، بينما وسع دائرة الفقر والأمية في البلاد. ففي الوقت الذي أصبح فيه أكثر من 7 ملايين مواطن عراقي تحت خط الفقر، تراجع إنتاج العراق من المحاصيل الزراعية إلى درجات متدنية، بينما شارف إنتاجه الصناعي على الصفر تقريبا، وزادت الحاجة إلى مورد واحد يغطي أكثر من 95 في المائة من ميزانية البلاد وهو النفط.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.