حصاد زيارة ماكرون للصين: وعود سياسية واتفاقيات وعقود اقتصادية

ماكرون وشي (رويترز)
ماكرون وشي (رويترز)
TT

حصاد زيارة ماكرون للصين: وعود سياسية واتفاقيات وعقود اقتصادية

ماكرون وشي (رويترز)
ماكرون وشي (رويترز)

تحت عنوان: «ماكرون فشل في إقناع شي جينبينغ بالقيام ببادرة من أجل أوكرانيا»، نشرت صحيفة «لوموند» المستقلة موضوعاً مفصلاً عددت فيه الجهود التي بذلها الرئيس إيمانويل ماكرون لحضّ نظيره الصيني على تعديل موقفه من الحرب الروسية على أوكرانيا، وأعادت التذكير بالحجج التي استند إليها لدفعه إلى التخلي عن موقف «الحياد»، ولإقناعه بالامتناع عن الاستجابة لطلبات روسيا الحصول على أسلحة وأعتدة صينية. ورغم تضمين البيان المشترك فقرات عن أوكرانيا، ومنها أن الطرفين تعهدا العمل من أجل «مؤازرة كلّ الجهود الرامية لعودة السلام إلى أوكرانيا»، فإن الرئيس الصيني، كما كتبت الصحيفة، اكتفى بـ«خطوات صغيرة» بحيث لم يتخلَّ عن موقفه «المتفهم» لروسيا، لا بل إن دعوته لـ«معاودة مفاوضات السلام (بين روسيا وأوكرانيا) بأسرع وقت» بقيت «مبهمة». وما قبله جينبينغ جاء في نص البيان المشترك، وفيه أن الطرفين «يعارضان الهجمات المسلّحة على محطات الطاقة النووية والمنشآت النووية السلمية الأخرى»، ويدعمان الجهود التي تبذلها الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان سلامة محطة «زابوريجيا» النووية. وخلاصة الصحيفة المذكورة لخصتها افتتاحية اليوم، وهي بعنوان: «حوار صعب ولكنه مفيد».
بيد أن باريس سعت للتركيز على النقاط الإيجابية من زيارة الدولة لجهة أهمية معاودة التواصل المباشر وجهاً لوجه بعد انقطاع ثلاث سنوات، والتأكيد أن هدفها «لم يكن جعل الصين تنتقل من معسكر إلى آخر، بل أن تساهم بشكل مفيد في تحقيق أهداف محددة بوضوح». ونقلت باريس عن شي جينبينغ قوله إنه مستعد للعمل مع فرنسا «لتهيئة الظروف للمفاوضات» بين موسكو وكييف. وقال الإليزيه: «بالنسبة لنا، تم تحقيق الهدف»؛ أي جعل الصين تؤدي دوراً للعودة إلى المفاوضات. بيد أن الصعوبة أن لا مؤشرات حول سبل ترجمة الوعود إلى مبادرة محددة المعالم.
كان لافتاً أن البيان المشترك لم يأتِ على ذكر روسيا ولم يتضمن إدانة لغزوها أوكرانيا، وهو ما امتنعت عنه بكين منذ البداية. كذلك لم ينص البيان على ضرورة انسحاب القوات الروسية من الأراضي التي احتلتها في أوكرانيا، وهو ما تعتبره كييف الشرط الذي لا يمكن الالتفاف عليه للجلوس إلى طاولة المفاوضات. وقد اكتفى البيان في فقرته العاشرة بتأكيد أن الطرفين «يدعمان كل الجهود الرامية إلى عودة السلام لأوكرانيا على قاعدة القانون الدولي ومبادئ شرعة الأمم المتحدة». ونصت المادة (11) على أن الجانبين «يعارضان أي هجمات تستهدف المحطات النووية والمنشآت النووية السلمية الأخرى، ويدعمان الوكالة الدولية للطاقة الذرية في جهودها للعب دور بناء في المحافظة على أمن وسلامة هذه المنشآت بما فيها محطة (زابوريجيا)». أما البند الأخير فقد دعاد «أطراف النزاع»، من غير أن يسميها، إلى الاحترام الصارم للقانون الدولي...
وواضح مما سبق أن بكين هي التي فرضت صياغة البيان بحيث غابت عنه المواقف الفرنسية بخصوص الحرب الأوكرانية تماماً، إلا أن ماكرون لم يتردد، خلال تصريحاته في الأيام الثلاثة، في توجيه انتقادات لاذعة لروسيا وتحميلها مسؤولية الحرب والتنديد بانتهاكها للقانون الدولي. ومما قاله أمس للطلاب في كانتون، إن روسيا «دولة قررت استعمار جارتها وعدم احترام القواعد وإعادة نشر الأسلحة وغزوها».
تجمع الصحافة الفرنسية على أهمية زيارة ماكرون للصين، إلا أنها تذهب كلها إلى ما ذهبت إليه صحيفة «لوموند» فيما خص الملف الأوكراني. فصحيفة «لوفيغارو» اليمينية أشارت بدورها إلى «ضعف» الالتزامات الصينية التي وصفتها بـ«الضبابية». ولم يصدر عن أي مصدر رئاسي أي حديث عن التزام صيني بخصوص الامتناع عن تزويد روسيا بالسلاح. ونقلت «لوفيغارو» عن أليسيا غارسيا ــ هيريرو، المسؤولة الاقتصادية عن آسيا في بنك «ناتكسيس»، قولها إن القادة الأوروبيين «يعانون كثيراً لفهم حقيقة الصين التي تمتنع عن الانخراط في الملف الأوكراني، ليس بسبب فقدانها لوسائل التدخل، بل لأنها اختارت هذه السبيل».
ومن جانبه، قال يورغ ووتكيه، رئيس اتحاد الغرف التجارية في الاتحاد الأوروبي والخبير بالشؤون الصينية، إن «الزيارة إيجابية لمعاودة الاتصالات (المباشرة)، لكن لا يتعين توقع أي شيء ملموس حول روسيا» من جانب السلطات الصينية.
ومن جانبها، فقد اعتبرت صحيفة «ليبراسيون» اليسارية، أن ما جاء على لسان الرئيس جينبينغ «تعبير عن مواقف عامة ولا يختلف عما صدر عن السلطات الصينية منذ بداية الحرب في أوكرانيا».
* الاقتصاد
كان الجانب الاقتصادي - التجاري رئيسياً في زيارة ماكرون، نظراً لموقع الصين على الخريطة الاقتصادية العالمية ولفقدان التوازن في الميزان التجاري بين البلدين لصالح الصين، وهو ما تسعى باريس للتخفيف من وقعه. وتفيد أرقام الجمارك الفرنسية بأن العجز التجاري مع الصين بلغ العام الماضي 30 مليار يورو؛ إذ إن الصادرات الصينية لفرنسا بلغت 49 مليار يورو مقابل 19 مليار يورو من الواردات الفرنسية. بيد أن العجز الفرنسي تصعب مقارنته مع العجز الأميركي الذي بلغ للعام نفسه 223 مليار دولار، وهو يتفاقم عاماً بعد عام. وتشكو باريس كما بقية عواصم الاتحاد الأوروبي من الصعوبات التي تواجهها شركاتهم في الصين التي تعد من أكبر أسواق العالم. وفي الفقرات الخاصة بالاقتصاد والتجارة، جاء في الفقرة (17) أن فرنسا والصين «تلتزمان العمل معاً من أجل الوصول إلى منافسة عادلة وغير تمييزية بين الشركات» الصينية وغير الصينية، وتعدد القطاعات المعنية، وأبرزها البنوك والصحة والطاقة والاستثمارات والزراعة والصناعات الغذائية... فضلاً عن توفير بيئة أفضل وتمكين شركات كل طرف من الوصول إلى أسواق الطرف الآخر.
وتنص الفقرات (18 – 24) على الخطوات التي سيعمل الجانبان على تنفيذها لتعزيز شراكاتهما في كل المجالات. وسيعمل الطرفان على رغبتهما المشتركة لتحقيق نقلة نحو استخدام الطاقة عديمة الكربون، والتعاون في القطاع النووي السلمي ورفع مستوى التعاون في ميدان البحث والتطوير بين الهيئتين المعنيتين بالطاقة النووية في البلدين، والعمل معاً على تقنيات معالجة النفايات النووية. وفي هذا السياق، جددت شركة كهرباء فرنسا ونظيرتها الصينية اتفاق الشراكة الاستراتيجية الموقع للمرة الأولى في عام 2007، ويشمل بناء واستثمار محطات نووية إضافية في الصين. كذلك وقعت الشركة الفرنسية اتفاقيات تعاون لإنشاء «بارك» بحري لإنتاج الطاقة الكهربائية بفضل الرياح. ومن بين العقود والاتفاقيات العديدة التي تم توقيعها بمناسبة الزيارة، أشار البيان المشترك بشكل خاص إلى اتفاق شراء الصين 160 طائرة «إيرباص»، وإلى تعزيز التعاون بين الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران وبين إدارة الطيران المدني الصينية. وإلى جانب الطائرات المذكورة، تم الاتفاق مع «إيرباص» على إطلاق خط إنتاج إضافي لمصانعها الواقعة في منطقة «تياجين» قريباً من بكين بحيث يدخل الخدمة في عام 2025. وتعد الصين أكبر سوق للطائرات المدنية في العالم.
كذلك وقّعت شركة «إيرباص هيليكوبترز» عقداً ضخماً مع شركة التأجير الصينية «جي دي إيه تي»(GDAT) لبيعها خمسين مروحيّة من طراز «إتش 160» الجديدة والمتعدّدة المهام، حسبما أعلنت المجموعة الأوروبية أمس (الجمعة). ويعدّ هذا العقد، الذي لم تُكشف قيمته، الأضخم منذ بدء بيع هذه المروحيات في عام 2015؛ إذ تمّ بيع نحو مائة نسخة منها حتى الآن. وسيتم استخدام هذه المروحيات لنقل الأفراد إلى منصّات النفط والغاز ومزارع الرياح البحرية، وكذلك للخدمات الطبية الطارئة، وغيرها من المهمّات التي تدخل في إطار الخدمة العامة، وفق بيان صادر عن «إيرباص هيليكوبترز». وما يصح على «إيرباص» وشركة كهرباء فرنسا من وعود سياسية يصح على شركات أخرى فرنسية رئيسية مثل «سويز» و«لوريال» وشركة «سي إم إيه - سي جي إم» البحرية، والكثير غيرها التي وقعت اتفاقات وعقوداً، وقد بلغت 14 اتفاقاً وعقداً بعشرات المليارات.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

العالم زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

أدلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمزيد من التصريحات بشأن مكالمة هاتفية جرت أخيراً مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، في أول محادثة مباشرة بين الزعيمين منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال زيلينسكي في كييف، الجمعة، بعد يومين من الاتصال الهاتفي، إنه خلال المكالمة، تحدث هو وشي عن سلامة الأراضي الأوكرانية ووحدتها «بما في ذلك شبه جزيرة القرم (التي ضمتها روسيا على البحر الأسود)» وميثاق الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

تبرأت الصين، اليوم (الجمعة)، من اتهامات وجهها خبراء من الأمم المتحدة بإجبارها مئات الآلاف من التيبتيين على الالتحاق ببرامج «للتدريب المهني» تهدد هويتهم، ويمكن أن تؤدي إلى العمل القسري. وقال خبراء في بيان (الخميس)، إن «مئات الآلاف من التيبتيين تم تحويلهم من حياتهم الريفية التقليدية إلى وظائف تتطلب مهارات منخفضة وذات أجر منخفض منذ عام 2015، في إطار برنامج وُصف بأنه طوعي، لكن مشاركتهم قسرية». واكدت بكين أن «التيبت تتمتع بالاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والوحدة العرقية وموحّدة دينياً ويعيش الناس (هناك) ويعملون في سلام». وأضافت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، أن «المخاوف المز

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

وافق البرلمان الياباني (دايت)، اليوم (الجمعة)، على اتفاقيتين للتعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا، ما يمهّد الطريق أمام سريان مفعولهما بمجرد أن تستكمل كانبيرا ولندن إجراءات الموافقة عليهما، وفق وكالة الأنباء الألمانية. وفي مسعى مستتر للتصدي للصعود العسكري للصين وموقفها العدائي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، سوف تجعل الاتفاقيتان لندن وكانبيرا أول وثاني شريكين لطوكيو في اتفاق الوصول المتبادل، بحسب وكالة كيودو اليابانية للأنباء. ووافق مجلس المستشارين الياباني (مجلس الشيوخ) على الاتفاقيتين التي تحدد قواعد نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات بعدما أعطى مجلس النواب الضوء الأخضر لها في وقت سابق العام

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
يوميات الشرق الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

أثار كتاب التاريخ لتلاميذ المدارس الصينيين الذي يذكر استجابة البلاد لوباء «كورونا» لأول مرة نقاشاً على الإنترنت، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). يتساءل البعض عما إذا كان الوصف ضمن الكتاب الذي يتناول محاربة البلاد للفيروس صحيحاً وموضوعياً. أعلن قادة الحزب الشيوعي الصيني «انتصاراً حاسماً» على الفيروس في وقت سابق من هذا العام. كما اتُهمت الدولة بعدم الشفافية في مشاركة بيانات فيروس «كورونا». بدأ مقطع فيديو قصير يُظهر فقرة من كتاب التاريخ المدرسي لطلاب الصف الثامن على «دويين»، النسخة المحلية الصينية من «تيك توك»، ينتشر منذ يوم الأربعاء. تم تحميله بواسطة مستخدم يبدو أنه مدرس تاريخ، ويوضح

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟