رقعة الفقر تتسع في لبنان... وحلويات رمضان للمحظوظين فقط

المعاناة تطال الطبقة المتوسطة بعد الانهيار القياسي لقيمة الليرة

بائع في بيروت يحضر الحلوى التي صارت من نصيب المحظوظين مع انهيار القدرة الشرائية للبنانيين (رويترز)
بائع في بيروت يحضر الحلوى التي صارت من نصيب المحظوظين مع انهيار القدرة الشرائية للبنانيين (رويترز)
TT

رقعة الفقر تتسع في لبنان... وحلويات رمضان للمحظوظين فقط

بائع في بيروت يحضر الحلوى التي صارت من نصيب المحظوظين مع انهيار القدرة الشرائية للبنانيين (رويترز)
بائع في بيروت يحضر الحلوى التي صارت من نصيب المحظوظين مع انهيار القدرة الشرائية للبنانيين (رويترز)

ارتفع عدد طالبي المساعدات من 5 آلاف عائلة إلى 20 ألفاً في الفترة الأخيرة، في جمعية خيرية في مدينة طرابلس (شمال لبنان) التي تزدحم مداخلها ويحاول موظفوها جاهدين تلبية الحاجات المستجدة.
وتشرح مديرة الجمعية، سعاد شحيطة، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحاجة تتفاقم في طرابلس بسرعة كبيرة، وبات علينا رفع تقديماتنا بنسبة 80 في المائة عما كان عليه الحال قبل مدة قصيرة. صارت تقصدنا طبقات اجتماعية مختلفة من معلمين وموظفين، وسائقي تاكسي، هؤلاء جميعهم لم يكونوا بحاجة لمعونات قبل أن تهوي الليرة بقوة في الشهور الأخيرة».
الفقر تتسع رقعته في طرابلس، والمساعدات تشحّ، في مدينة كانت أصلاً قبل الأزمة الأفقر في لبنان. حتى الزينة التقليدية في رمضان لم تعد ملحوظة، ومظاهر الشهر تتقشف وتخبو. مدينة الحلويات صار شراء الحلو فيها لكثيرين ترفاً صعب المنال، والأماكن التي كانت مقصد الساهرين في الشهر الكريم من مختلف مناطق الشمال خفتت وبهت وهجها. الازدحام في الأسواق القديمة، وتحديداً سوق العطارين للخضار، لا يعكس حقيقة المشتريات التي انخفضت هي الأخرى.
في مكاتب جمعية أخرى يتوافد طالبو العون طوال النهار. معلمة مدرسة تبكي لأن راتبها لا يكفيها. رجل متجهم القسمات يريد ثمن جرة غاز. الطلبات صغيرة، القسمات الحزينة في العيون الغائرة هي نفسها، هناك من يشكو العتمة، ويريد مبلغاً بسيطاً لاشتراك الكهرباء، امرأة تطلب ثمن حفاضات، وأخرى علبة حليب. تقول مها الأتاسي الجسر، رئيسة الجمعية: «هذا البؤس الشديد مستجدّ علينا، بعد أن ارتفعت الأسعار بشكل جنوني. المشكلة لم تعد تخص الفقراء وحدهم، بل امتدت لتطول أولاد العائلات الذين لم يعتادوا الوقوف أمام الجمعيات للحصول على مساعدات. بتنا نرى فئات جديدة من الناس غير قادرة على طهي الطعام في منزلها، بسبب ارتفاع كلفة جرة الغاز. هذه أيضاً مشكلة كبرى، لهذا نوزع وجبات جاهزة للصائمين لحوالي 80 عائلة و20 فرداً في اليوم». الحاجة تتوسع، لكن الجمعية التي كانت تطبخ لـ500 عائلة في الأعوام السابقة قلصت مساعداتها في مختلف المجالات، ومثلها جمعيات أخرى. «هناك مشكلة بسبب وضع البنوك، والتشديد على التحويلات إلى لبنان، وكذلك الأزمات الاقتصادية في دول كثيرة لنا فيها أصدقاء وأقرباء يسهمون في التمويل».
المعاناة في طرابلس يصعب وصفها. فبعد أن تجاوز سعر الدولار الواحد 100 ألف ليرة، في قفزة جنونية، مع دخول شهر رمضان، يقول أبو رياض الذي يعمل في سوبر ماركت: «مستحيل أن نستمر. حتى البطاطا لا نستطيع شراءها، وقد بلغ سعر الكيلو 50 ألفاً، ومدخولي 250 ألف ليرة في اليوم لا تكفي ثمناً للخبز وبعض الخضراوات». عائلته المكونة من 5 أفراد بينهم رضيع تضطر أحياناً لأكل الخبز الحاف.
المساعدات فوضوية، وكل جهة تعمل كيفما اتفق. ديانا (25 سنة) موظفة في مؤسسة، وليست ممن يعرفون السبيل لطلب المعونة، تعيش مع والدها المتقاعد ووالدتها. «قبل الأزمة لم يكن عملي ملحاً. كنا 4 في المنزل، قبل زواج أختي. معاش والدي كان يكفينا وعندنا سيارتان، وسيدة تساعد أمي. الآن تغير كل شيء، انقلبت أحوالنا، بعنا سيارة واستغنينا عن المساعدة، وألغينا أموراً أساسية من حياتنا». تضيف ديانا: «بالكاد نستطيع شراء اللحم أو الدجاج مرة كل 3 أشهر. نكتفي من الخضراوات بالبندورة والخيار، ونستغني عن الخس والملفوف، حتى البصل والثوم لا نستطيع شراءهما في غالب الأحيان». اللحوم باتت للمحظيين بسبب سعرها الذي وصل إلى مليون و200 ألف ليرة للكيلو (حوالي 10 دولارات) «لو اشتريناه سيكون ذلك على حساب أشياء كثيرة. ومن الفواكه، نشتري البرتقال وليس الموز الذي ارتفع سعره».
لا يزال البعض يصرف مما ادخره وقت الوفرة «لكن القليل الذي في حوزتنا ينفد». تقول ديانا: «آخر ما احتفظنا به كان محبسي زواج والديّ، أردنا تركهما لفك ضيق في حالة مرض، لكننا اضطررنا لبيعهما، ولم يعد معنا شيء». هي نفس حالة فاطمة الحسن التي تعمل موظفة في مستشفى واضطرت لبيع كل ما في حوزتها من ذهب، واستدانت فوقها، لتسد أقساط منزلها الذي اشترته بالدولار قبل الأزمة، فيما راتبها بالليرة. فاطمة وزوجها لا يتجاوز مدخولهما 10 ملايين ليرة، أي أقل من 100 دولار في الشهر، ويعيلان 5 أطفال. «حاولت الحصول على معونة من وزارة الشؤون الاجتماعية ولم أفلح، اتصلت بجهات كثيرة، قالوا إنهم لا يسجلون أسماء جديدة. ليس عندي أقرباء في الخارج لمساعدتي. ولولا بعض أقاربي هنا يتذكروننا بين الحين والآخر، لكان الأمر كارثة حقيقية».
فاطمة اشتركت بالحد الأدنى الممكن للحصول على القليل من الكهرباء، تماماً كما أم رامي التي تعمل في مطعم وتكتفي في منزلها بأمبير واحد يكفيها لمصباح وتلفزيون تدفع مقابله 25 دولاراً في الشهر. «عدم وجود كهرباء يلزمني بشراء الأكل بشكل يومي، والطبخ بشكل يومي، لأنني لا أستطيع أن أحتفظ بالطعام لليوم التالي من دون برّاد»، تقول أم رامي، هذا يعني تكاليف أغلى ومعاناة أكبر. أم رامي تطبخ بشكل مشترك مع عائلة ابنها كي تتقاسم العائلتان التكاليف وتتمكنان من التوفير.
تلفت مها الأتاسي الجسر إلى أن تشتت المساعدات، وعدم التنسيق بين الجمعيات، وغياب أي «داتا» موحدة تظهر أسماء المستفيدين من معونات الدولة أو جمعيات أو مؤسسات، يجعل البعض يستفيد من أكثر من جهة، بينما يبقى كثر متروكين لبؤسهم، ولا أفق لحل. تعلق ديانا، وهي تؤكد: «نحن لا نستطيع أن نعتاد هذه الحياة، ولن نتأقلم. لا أحد يمكنه أن يحتمل، إنما نصبر وننتظر أن تتغير الأوضاع».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

تصعيد عسكري وعملية إسرائيلية بريّة «محددة» في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن نشاط بريّ محدد يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي (رويترز)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن نشاط بريّ محدد يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي (رويترز)
TT

تصعيد عسكري وعملية إسرائيلية بريّة «محددة» في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن نشاط بريّ محدد يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي (رويترز)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن نشاط بريّ محدد يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي (رويترز)

يتزامن التصعيد على الجبهة اللبنانية مع حديث إسرائيلي عن تعبئة تصل إلى 450 ألف جندي احتياط استعداداً لتوسيع العمليات البرية، بالتوازي مع غارات مكثفة طالت جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان: «بدأت قوات (الفرقة 91) خلال الأيام الأخيرة نشاطاً بريّاً محدداً يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان، بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي». وأفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي سيطلب المصادقة على رفع عدد قوات الاحتياط إلى 450 ألف جندي تحضيراً لعملية برية أوسع، في حين نقلت «يديعوت أحرونوت» عن مسؤول عسكري أن القتال قد يستمر حتى نهاية مايو (أيار).

بدوره، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بدء عملية برية، قائلاً إن سكان جنوب لبنان «لن يعودوا قبل ضمان سلامة سكان شمال إسرائيل»، وإن الجيش الإسرائيلي كُلّف بتدمير ما تعتبره إسرائيل بنى تهددها في القرى الحدودية.

أتى ذلك في وقت تستمر فيه المعارك مع «حزب الله» على محاور حدودية عدة، ونقلت وسائل إعلام محلية تسجيل اشتباكات على محور عديسة - الطيبة، مع محاولة تسلل إسرائيلية، في حين فجّر الجيش الإسرائيلي منازل في رب ثلاثين، ورُصد توغل آليات قرب يارون ومارون الراس.

آليات عسكرية عند الحدود اللبنانية مع استمرار التصعيد العسكري (رويترز)

منطقة عازلة وتثبيت نقاط متقدمة

في قراءة للتطورات العسكرية، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث «عن استدعاء نحو 450 ألف جندي إسرائيلي يشير إلى التحضير لعملية عسكرية واسعة في لبنان تتجاوز العمليات المحدودة على الخط الحدودي».

وأوضح قزح أن السيناريو الأدنى الذي يمكن تصوّره «يتمثل في تنفيذ عملية برية تهدف إلى إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية يتراوح عمقها بين خمسة وعشرة كيلومترات»، مشيراً إلى أن هذا الاحتمال يتقاطع مع المعطيات الميدانية التي تتحدث عن تحركات إسرائيلية في عدد من النقاط الحدودية.

وأضاف أن «المعلومات المتداولة تتحدث عن احتمال توسيع نطاق هذه المنطقة العازلة، وصولاً إلى نهر الزهراني، وهو ما يعني تقدماً قد يصل إلى نحو 40 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية». وقال: «إذا كان الهدف فعلاً الوصول إلى منطقة الزهراني، فإن الحديث عن تعبئة عسكرية كبيرة قد يصبح أكثر واقعية».

الدخان يتصاعد من أحد المباني التي استُهدفت بقصف إسرائيلي في بلدة الخيام عند الحدود الجنوبية (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن المؤشرات الميدانية الحالية توحي بأن «إسرائيل تعمل على تثبيت نقاط عسكرية متقدمة داخل الشريط الحدودي بعمق يتراوح بين كيلومترين و4 كيلومترات، تمتد من تلال الخيام وصولاً إلى اللبونة، مروراً بمارون الراس وعيترون»، موضحاً أن هذه النقاط قد تشكل قواعد انطلاق لأي تقدم لاحق داخل الأراضي اللبنانية.

وأشار إلى أن «الهدف المباشر من إقامة منطقة عازلة بعمق نحو عشرة كيلومترات يتمثل في حماية المستوطنات الحدودية من الأسلحة المضادة للدروع والأسلحة المباشرة التي يمكن أن تُستخدم من مسافات قريبة. أما إذا توسّع العمق ليصل إلى نحو 40 كيلومتراً، فسيكون الهدف حينها إبعاد خطر الصواريخ متوسطة المدى مثل صواريخ (غراد) التي يبلغ مداها نحو 40 كيلومتراً».

انتشار الفرق العسكرية

وتشير تقارير إسرائيلية إلى مشاركة عدة تشكيلات عسكرية في العمليات الجارية جنوب لبنان؛ فقد ذكرت صحيفة «معاريف» أن الفرقتين «91» و«36» تنشطان في المنطقة بالتوازي مع غارات جوية وقصف مدفعي. وأوضحت الصحيفة أن قوات «الفرقة 91» فعّلت وحدة العمليات الخاصة «769» بالتعاون مع لواء «جفعاتي»، في حين يعمل سلاح الجو والمدفعية على تنفيذ قصف مكثف لتهيئة ساحة العمليات ودعم تحركات القوات البرية.

مبنى مدمّر إثر قصف إسرائيلي استهدفه في بلدة برج قلاوية بجنوب لبنان (د.ب.أ)

غارات مكثفة على مناطق واسعة

ميدانياً، ومع استمرار التصعيد العسكري، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي منذ منتصف ليل الأحد سلسلة غارات مكثفة على قرى جنوب لبنان، مستهدفاً جبال البطم، وياطر، والسلطانية، وصربين، وبرج قلاوية، وشقرا، وبنت جبيل، وميفدون، والطيبة، إضافة إلى المنطقة الواقعة بين ياطر وبيت ليف، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام».

كما أغار الطيران على منزل في بلدة كفرصير، ما أدى إلى سقوط قتيل، واستهدف منزلاً خالياً في بلدة صربين. وفي مدينة النبطية طالت غارة محيط مسجد أبي الفضل العباس في حي السراي القديم، ما أدى إلى أضرار كبيرة في الأبنية المحيطة. وشهدت المنطقة أيضاً غارات على بلدة الخيام، في حين استهدفت غارة أخرى المنطقة الواقعة بين بلدتَي عربصاليم وحبوش، كما طالت غارة ليلية بلدة الريحان في قضاء جزين.

آليات عسكرية عند الحدود اللبنانية مع استمرار التصعيد العسكري (رويترز)

وترافق التصعيد الجوي مع قصف مدفعي طال وادي السلوقي وأطراف بلدة دبين ومحيط نهر الخردلي، كما أطلقت المدفعية الإسرائيلية قنابل مضيئة فوق كفرشوبا ومزارع حلتا والمجيدية ووادي خنسا.

وأفاد بيان صادر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة بأن غارات إسرائيلية على بلدة القنطرة في قضاء مرجعيون أدت في حصيلة أولية إلى استشهاد أربعة مواطنين، بينهم طفلان.

على الجانب الإسرائيلي، أفادت الجبهة الداخلية الإسرائيلية بدوي صفارات الإنذار في مستعمرة مسغاف عام في الجليل الأعلى.

كما أعلن «حزب الله» في بيانات متفرقة أن مقاتليه استهدفوا مركز «بيت الجندي» في مستوطنة كريات شمونة باستخدام صاروخ نوعي وسرب من المسيّرات الانقضاضية، قبل أن يعلن بعد الظهر في بيانين منفصلين أن عناصره استهدفوا مرتين مركز «بيت الجندي» في مستعمرة كريات شمونة الإسرائيلية بالصواريخ.

كتاب مرميّ على أرض أحد المواقع التي استُهدفت في بلدة برج قلاوية بجنوب لبنان (د.ب.أ)

استهدافات وإنذارات

وشنّ الطيران الإسرائيلي فجر الاثنين غارتين على حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد 48 ساعة من الهدوء، كما استهدف أطراف بلدة يحمر في البقاع الغربي من دون إصابات. وتلقى رؤساء بلديات في الجنوب اتصالات تطالب بإخلاء بلداتهم.

وأتى ذلك بعدما كان قد طُلب مساء الأحد إخلاء مبنى «سنتر شمس» في شتورة بالبقاع احترازياً، وأُخلي مبنى في الرملة البيضاء في بيروت، وذلك إثر تلقي صاحب شركة «الإنصاف للصيرفة»، علي شمس، رسالة تطالبه بمغادرة عمله ومنزله في بيروت، علماً أن إسرائيل كانت استهدفت مقر الشركة في الحمرا عام 2024، متهمةً إياها بتحويل أموال إلى «حزب الله».

رفض التعرض لقوات «اليونيفيل»

وبعدما كانت قوات «اليونيفيل» أعلنت مساء الأحد تعرضها لإطلاق نار، «يُرجّح أنه من قبل مجموعات مسلحة غير تابعة للدولة»، في إشارة إلى «حزب الله»، في ثلاث حوادث منفصلة أثناء قيامها بدوريات حول مواقعها في ياطر وديركيفا وقلاوية، مشيرة إلى أنها وقعت على مسافة قريبة، دانت وزارة الخارجية اللبنانية هذا الأمر، واصفة الاعتداء بأنه «خطير وغير مقبول، ويشكّل انتهاكاً للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن».

كما ذكّرت بقرار مجلس الوزراء في 2 مارس (آذار) 2026 حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله» وإلزامه بتسليم سلاحه للدولة، مؤكدة أن القرار «واضح ولا لبس فيه، وأن الدولة عازمة على فرض سيادتها وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية».


للمرة الأولى في تاريخ سوريا... احتفالات بـ«عيد النوروز» في ساحات دمشق

من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)
من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)
TT

للمرة الأولى في تاريخ سوريا... احتفالات بـ«عيد النوروز» في ساحات دمشق

من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)
من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)

المشهد في دمشق يتحول لصالح أكراد سوريا وثقافتهم هذا العام، فمن جهة يجري التحضير رسمياً وشعبياً في سوريا للاحتفال بعيد النوروز (21 مارس/ آذار) الذي يؤرخ لدخول الربيع وسنة جديدة في التقويم القديم، ومن جهة أخرى، أقيمت مراسم عزاء للسياسي الراحل وعضو الهيئة الرئاسية لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» صالح مسلم، في العاصمة السورية، بحضور نخبة من الشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية، مع ملاحظة أن كلا الأمرين يحدث للمرة الأولى في التاريخ السوري الحديث.

ومن المقرر أن تنطلق فعاليات الاحتفالات في دمشق، ليل الجمعة ويوم السبت 20 و21 مارس. وتأتي بعد المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، قبل شهرين، وسط توقعات بمشاركة رسمية شعبية واسعة من مختلف الأطياف السورية.

وتصدر ملصق إعلاني ضخم لحفل فني بمناسبة عيد النوروز في ساحة الأمويين، إحدى أكبر وأهم ساحات العاصمة السورية، كمفاجأة لاقت ترحيباً من السوريين، فقد دعت وزارة الثقافة السورية إلى حضور حفل فني لفرقة «آشتي» للتراث الكردي الخميس المقبل، على مسرح دار الأوبرا، بينما يجري التحضير لاحتفال كبير على أرض ملعب الفيحاء في حي مشروع دمر شمال غرب دمشق، بالإضافة للاحتفالات في بعض الأحياء، مثل ركن الدين ووادي المشاريع، حيث يتركز الأكراد الدمشقيون.

دعوة وزارة الثقافة للاحتفال بعيد النوروز مساء الجمعة على مسرح الأوبرا في دمشق

ويحتفل الأكراد في 21 مارس من كل عام بعيد النوروز كرمز للحرية والهوية القومية، بالإضافة إلى الاحتفال بالربيع ورأس السنة الكردية. ومن طقوسه، إشعال النيران وعقد دبكات الرقص وارتداء الملابس التقليدية ضمن الساحات العامة والحدائق والبساتين.

الباحث والكاتب السياسي الكردي زيد سفوك، توقع أن يكون للنوروز في سوريا هذا العام «صدى واسع داخلياً وإقليمياً»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لأول مرة في تاريخ الجمهورية السورية هناك اعتراف رسمي بعيد للكرد»، واعتبر زيد سفوك، وهو المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة في سوريا، أن «هذا العيد سيكون بمثابة إشراقة الربيع ونور الأمل بأن السلام هو السبيل الوحيد لتعيش الشعوب في أمان، لا سيما في ظل ما تشهده ساحة الشرق الأوسط من حروب ونزاعات وصراعات لن تؤدي سوى إلى دمار المستقبل».

وطيلة عقود طويلة من حكم نظام «البعث»، حظر الاحتفال بـ«النوروز»، وكل ما يتعلق بإظهار الهويات القومية المتنوعة في سوريا، وتشدد نظام الأسد في الحظر ولاحق الأكراد باعتبار إحياء طقوس العيد والتعبير عن الهوية والثقافة واللغة نشاطاً سياسياً ينم عن نزعة انفصالية تهدد الأمن القومي.

ومع اندلاع الثورة ضد النظام ربيع عام 2011، حاول النظام مناورة الأكراد لعزلهم عن الثورة، مظهراً بعض التساهل، إنما دون اعتراف رسمي باحتفالات النيروز أو بحقوق أخرى، لكن بإشراف مباشر من الأجهزة الأمنية.

كلمة الوزير أسعد الشيباني في مأدبة إفطار رمضاني لأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين السبت (الخارجية السورية)

وبعد الإطاحة بنظام الأسد، شهدت العاصمة دمشق أول عيد نوروز مارس 2025 بدون حظر، وبمشاركة شعبية غير مسبوقة من مختلف الأطياف.

وأصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في 16 يناير (كانون الثاني) 2026، المرسوم رقم 13 الخاص بحقوق المواطنين الأكراد في سوريا. ونص المرسوم على اعتبار عيد النيروز عطلة رسمية. كما منح المرسوم الجنسية للمواطنين الأكراد المحرومين منها والمقيمين على الأراضي السورية، وعدّ اللغة الكردية «لغة وطنية».

الباحث والكاتب السياسي الكردي محمد ولي، يرى أن المرسوم 13 «يقطع مع ماضي النظام البعثي البائد الذي كان رصيده حافلاً بانتهاكات حقوق الإنسان والتهميش والإقصاء وإنكار هوية الكرد وحقوقهم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الأكراد السوريين ينظرون «بإيجابية وارتياح عام وترحيب منقطع النظير» إلى إقدام الحكومة السورية على تنفيذ المرسوم وبشكل خاص ما يتعلق باعتماد اللغة الكردية لغة وطنية، ويوم النوروز عيداً وطنياً يرمز للتآخي والربيع والتحرر. وكذلك رعاية الفعاليات الثقافية بشكل رسمي.

وتابع أن إقرار الحقوق المشروعة للكرد في الإطار الوطني السوري يؤسس «لمستقبل واعد يقوم على الاعتراف القانوني والتعددية، يتقدَّم فيه الانتماء الوطني والثقة بين السوريين والسوريات»، مشيراً إلى أنه وبالمجمل سوريا تمر بمرحلة انتقالية حساسة ودقيقة بهذه الخطوات الرائعة التي تعزّز الصف السوري ووحدته»، ولافتاً إلى بقاء «الكرد يتطلّعون لتمكين حقوقهم وحمايتها دستورياً».

من احتفالات النوروز العام الماضي في حي المزرعة وسط دمشق (متداولة)

وحدد بلاغ رسمي صادر عن أمانة رئاسة الجمهورية، أيام تعطيل الجهات العامة بمناسبة أعياد «الثورة - الفطر السعيد - الأم - النوروز»، اعتباراً من يوم الأربعاء 18 مارس الحالي، ولغاية يوم الاثنين 23 منه. وهي المرة الأولى التي يرد فيها عيد النوروز على قائمة العطل الرسمية، ما اعتبر خطوة ضمن «عدة خطوات إيجابية بادرت فيها الحكومة السورية اتجاه الشعب الكردي في سوريا»، وفق الباحث زيد سفوك الذي وصفها بأنها بادرة «خير لبناء هذا الوطن والازدهار». ورأى في تخصيص مكان للاحتفال في قلب دمشق والاعتراف باللغة الكردية وثقافة الشعب الكردي يعد «إنجازاً عظيماً للحكومة قبل أن يكون للكرد».

وتابع سفوك أن «هذه المبادرات توضح الشفافية والنزاهة والديمقراطية في إدارة البلد، واعتراف رسمي بوجود الشعب الكردي في سوريا وضمان حقوقه المشروعة»، وأن «هذا كان دوماً مطلبنا كحركة كردستانية مستقلة في سوريا، أن نكون جميعاً يداً واحدة في بناء الوطن، وأن نتشارك ثقافاتنا دون تمييز، وأن نتقبل بعضنا البعض للنهوض بهذا البلد إلى بر الأمان».

وكان وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، اعتبر الاحتفال الرسمي بعيد النوروز لأول مرة في تاريخ سوريا، تعبيراً عن الاحترام العميق لكل مكونات الشعب السوري، وقال خلال مأدبة إفطار رمضاني لأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى دمشق، السبت الماضي: «أن الاحتفال بعيد نوروز إلى جانب عيد الأم كعيد وطني تأكيد راسخ على أن سوريا الحرة تتسع لجميع أبنائها بثقافاتهم وتراثهم الغني الأصيل».

مراسم عزاء لصالح مسلم في دمشق اليوم الاثنين (هاوار)

هذا وأقيمت في العاصمة السورية دمشق، مراسم عزاء السياسي وعضو الهيئة الرئاسية لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» صالح مسلم بحضور نخبة من الشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية. وفق قناة الأنباء الكردية «هاوار»، ونقلت عن المعزّين إشادتهم خلال مراسم العزاء بصالح مسلم، ودوره السياسي كقيادي كردي بارز، وتوفي صالح مسلم في 11 مارس داخل أحد مشافي جنوب كردستان، وشيَّع جثمانه في 15 بمدينة عين العرب كوباني، بمشاركة السياسيين وممثلي القوى والأحزاب والكيانات السياسية من شمال وجنوب كردستان وشمال شرق سوريا. يشار إلى أن مسلم أظهر موقفاً رافضاً للاتفاق بين الحكومة و«قسد».

Your Premium trial has ended


الإسرائيليون يؤيدون توسيع الحرب على لبنان ويخشون الغرق في وحله

عناصر من الجيش الإسرائيلي في نقطة تجمع على الحدود مع لبنان ضمن عملية توغل برّي في 16 مارس 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من الجيش الإسرائيلي في نقطة تجمع على الحدود مع لبنان ضمن عملية توغل برّي في 16 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الإسرائيليون يؤيدون توسيع الحرب على لبنان ويخشون الغرق في وحله

عناصر من الجيش الإسرائيلي في نقطة تجمع على الحدود مع لبنان ضمن عملية توغل برّي في 16 مارس 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من الجيش الإسرائيلي في نقطة تجمع على الحدود مع لبنان ضمن عملية توغل برّي في 16 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على رغم مظاهر التأييد الواسع في صفوف الإسرائيليين للتصعيد الحربي، وتوسيع العمليات في الشمال، فإنهم بدأوا يسمعون ملاحظات، ويعبرون عن بعض القلق من أداء القيادات السياسية والعسكرية، والخشية من الغوص في «الوحل اللبناني» كما في حروب عديدة سابقة. وخرج رؤساء السلطات البلدية والقروية القريبة من الحدود الشمالية بمطلب إخلاء عشرات ألوف السكان فوراً إلى الجنوب، بسبب عدم وجود حماية لهم في مناطق سكنهم.

وقال رئيس حزب «الديمقراطيون» اليساري المعارض، يائير غولان، وهو جنرال كبير في الجيش شغل منصب نائب رئيس الأركان، وكان مرشحاً لمنصب رئيس الأركان، إنه يؤيد التوغل الذي قام به الجيش الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية، لكنه يريد أن يحذر بشدة من «خطر الغوص مرة أخرى في الوحل اللبناني».

وقال غولان: «يبدو لي أن التوغل حتى نهر الليطاني مستوجب في الظروف الحالية، وعدا ذلك فإن الدخول إلى حرب طويلة داخل لبنان سيكون عملاً غير صائب. ولذلك ينبغي استغلال الظروف المميزة الموجودة الآن، فيما (حزب الله) أضعف من أي وقت مضى عسكرياً، ومعزول عن الدعم الإيراني، وشعبيته في لبنان في الحضيض».

وحذر غولان «أصحاب الرؤوس الحامية» والقادة «المتغطرسين»، الذين يطلقون التصريحات ضد المفاوضات، ويتحدثون عن احتلال أرض لبنان، فقال: «أعتقد أنه ينبغي منح فرصة لعملية سياسية بدعم فرنسي وأميركي. ولا أرى آلية ستؤدي إلى نزع سلاح لدرجة أن يقوم آخر عنصر في (حزب الله) بتسليم بندقيته الكلاشينكوف. ولذلك ينبغي الاستمرار في ضرب (حزب الله) عسكرياً، لكن في موازاة ذلك تحريك عملية سياسية بكل القوة كي تعزز الحكومة في لبنان».

آليات عسكرية إسرائيلية تعبر قرب الشريط الحدودي مع لبنان في 16 مارس 2026 (إ.ب.أ)

لبنان تعويضاً عن إيران

حذر المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، من أن يكون التصعيد في لبنان محاولة من رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، للتعويض عن ضبابية الإنجازات في إيران. وقال: «طالما أن الإنجازات في إيران ليست واضحة ومطلقة، فإن نتنياهو بحاجة إلى تعويض في لبنان. والجيش الإسرائيلي أيضاً، القلق من كشف محدودية قدراته في الجولة القتالية السابقة، يؤيد التصعيد في لبنان».

وأضاف أنه بدا واضحاً من لغة جسد نتنياهو خلال المؤتمر الصحافي، يوم الخميس الماضي، أنه «يدرك جيداً أن الأمور لا تسير على ما يرام. وهذا هو الانطباع الحاصل من محادثات مع كبار الضباط أيضاً. وفي هذه الأثناء لا توجد حلول سهلة في الأفق في إيران ولبنان، ومن الجائز أن إسرائيل ورطت نفسها في حرب استنزاف جديدة في كلتا الجبهتين. بينما ذاكرة صافرات الإنذار والجري إلى الملاجئ لا تزال موجودة. والخطر من لبنان واقعي، وليس متخيلاً».

وانضم إلى الانتقادات رؤساء السلطات البلدية والقروية القريبة من الحدود الشمالية، والذين يؤيدون هم أيضاً التصعيد في لبنان، ولكنهم يخشون من أن القرار بهذا التصعيد لم يأخذ في الاعتبار وضع السكان هناك. وحذروا من قرار الحكومة الإسرائيلية الامتناع عن إخلاء السكان، وطالبوا بتغيير القرار فوراً، بسبب عدم وجود حماية لهم في مناطق سكنهم، وقالوا إنه يجب إخلاء نحو 20 ألف شخص، وإن هذا العدد قد يرتفع إلى 45 ألفاً إذا شمل الإخلاء مدينة كريات شمونة. واعتبروا إبقاء السكان في بيوتهم، مع إعلان الجيش، صباح اليوم الاثنين، عن بدء عملية برية في جنوب لبنان هو «هدر للأرواح».

وقال رئيس المجلس المحلي في بلدة شلومي، غابي نعمان، إن «الحكومة ملزمة بالخروج من المكاتب، وإدراك أننا لا نستطيع الخروج من البيت. ويوجد هنا 3000 شخص من دون حماية»، معتبراً أن الحكومة لا تخلي السكان لأسباب اقتصادية، لأنها لا تريد دفع تعويضات.

وقال رئيس مجلس محلي حَتسور، ميخائيل كَسبا، إنه «تم التخلي عن السكان هنا، وهم يتعرضون منذ سنتين إلى جهنم، ويُقصفون، ولا أحد يعترف بهم، وأشعر بأن الحكومة تطلق النار في ظهرنا».

يذكر أن الانطباع السائد في إسرائيل هو أن التصعيد مرتبط بالأنباء التي تحدثت عن بدء مفاوضات مع الحكومة اللبنانية. وأنه جاء جزءاً من العقيدة الجديدة في الجيش بأن تجرى كل مفاوضات هدوء وسلام فقط تحت النار.

نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)

العملية البرية

كان الجيش الإسرائيلي أعلن صباح اليوم (الاثنين) عن بدء عملية برية مركّزة جنوب لبنان تستهدف مواقع رئيسة ضمن جهود توسيع منطقة الدفاع الأمامي، للحد من التهديدات على شمال إسرائيل. وقال وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، خلال تقييم الوضع: «بدأ الجيش مناورة برية لإزالة التهديدات، وحماية سكان الجليل والشمال. لن يعود مئات آلاف سكان جنوب لبنان إلى منازلهم جنوب نهر الليطاني حتى يُؤمن سلام سكان الشمال». وقال كاتس إن «مئات آلاف سكان جنوب لبنان الشيعة الذين نزحوا عن بيوتهم لن يعودوا إلى بيوتهم في جنوب نهر الليطاني طالما لا يتم ضمان أمن سكان الشمال» في إسرائيل.

وأضاف أنه ورئيس الحكومة، نتنياهو، أوعزا للجيش الإسرائيلي «بهدم بنى تحتية إرهابية في قرى التماس المحاذية للحدود في لبنان، لمنع عودة (حزب الله) إلى المكان، مثلما تم تماماً مع (حماس) في غزة في مناطق رفح وبيت حانون ومناطق واسعة، ومثلما يتم الآن ضد الأنفاق في غزة».

وهدد كاتس بأن «(حزب الله) سيدفع أثماناً باهظة جراء عدوانيته وعملياته في المحور الإيراني من أجل إبادة إسرائيل. وستتم إبادتهم وسيُبادون». وأضاف: «إذا كان نعيم قاسم مشتاقاً جداً لنصر الله وخامنئي، فبإمكانه أن يلتقي بهما قريباً في أعماق جهنم سوية مع جميع قتلى محور الشر. وقد تعهدنا بالأمن لسكان الشمال، وهكذا سنفعل بالضبط».

وأوضح الجيش الإسرائيلي أن العملية تهدف إلى تعميق منطقة الأمن الأمامي، وإبعاد التهديدات المباشرة، بما في ذلك بنى تحتية لـ«حزب الله». وتعتبر الخطوة جزءاً من استراتيجية تشمل تقليل الهجمات الصاروخية، ما يتيح للجيش حرية الحركة لتنفيذ عمليات مستمرة لإضعاف قدرات الحزب تدريجياً. وأشار الجيش إلى أن العملية تأتي أيضاً في إطار ممارسة ضغط على الحكومة اللبنانية للتعامل مع «حزب الله»، بالتنسيق مع ضغوط من الولايات المتحدة وفرنسا، في محاولة لتحقيق توازن أمني واستراتيجي في المنطقة.