«الأفق الأعلى»... سيرة لحياة الموت

السعودية فاطمة عبد الحميد ألبسته دور الراوي

«الأفق الأعلى»... سيرة لحياة الموت
TT

«الأفق الأعلى»... سيرة لحياة الموت

«الأفق الأعلى»... سيرة لحياة الموت

إن كنت من أولئك الذين يبحثون عن دهشة خاطفة تسترعي انتباههم، وتعتقلهم فور وقوفهم على عتبات النص، أو ممن تستدرجهم الوتيرة التصاعدية للأحداث ذات الحبكة المعقدة، ربما لن تناسبك رواية «الأفق الأعلى»، للكاتبة السعودية فاطمة عبد الحميد.
السرد في حكاية سليمان علي الريس، وزوجته وأبنائه، وجارته، وبقية أبطال الرواية، هادئ منصهر في الاعتيادية، يزحف بشكل أفقي، متخففاً من الدهشة والتصاعد، والمنعطفات الحادة المَلأى بالمفاجآت التي يمكن لها أن تربك سير الأحداث اليومية، أو أن تعيد بناءها لإيضاح ملامحها المتخفية.
لكن بمحاذاة تلك التُؤَدَة التي اتسمت بها أحداث الرواية، كان هناك أيضاً صوت مربك، يتسرب من تلك اليوميات، ويظل يتموج داخل القارئ على هيئة «مونولوغ»، يتكفل بطرد تلك الاعتيادية ويسهم في إرباك أفقية السرد، وخلق دهشة نوعية، دهشة مصبوغة بالقلق، مبعثُها صور لا نهائية تتشكل داخل القارئ عن صاحب ذلك الصوت المربك، الذي آثر أن يستعير صوت القارئ عوضاً عن ظهوره بصوته الحقيقي، معللاً ذلك بأن صوته لن يكون الصوت الذي يرغب القارئ في سماعه.
يقول صاحب ذلك الصوت، «وإن كنت أحدثك مباشرة بصوتك أنت، فلأن صوتي لن يكون مستساغاً. ستتأكد من هذا حين نلتقي وجهاً لوجه».
بهذه النبرة الواثقة يتحدث ذلك قاطعاً بيقين لقائه الذي لا مناص عنه، كل شكوك القراء في مصداقية أسباب تواريه.
صاحب ذلك الصوت، كان «الموت» الذي تلبس دور الراوي في رواية «الأفق الأعلى». واستطاع صوت الموت الذي دسَته الكاتبة في حنجرة القارئ على امتداد الرواية، أن يزجّ بالقارئ في عوالم لا يعرف عنها شيئاً إلا بقدر ما يحمله من وصفات إيمانية أو مرويات رائجة شكلّها مخياله الديني أو الشعبي.
وحين يقرر ذلك الصوت أن يمنح القارئ بعض أسراره، أو أن يشرح له شيئاً عن خصائصه، كأن يخبره مثلاً أنه ينزعج كثيراً من أولئك الذين يقحمون اسمه في المجاز: «لعل أكثر ما يثيرني هو أن أراقب شخصاً يموت على غير يديَ... كالموت حباً، والموت غربة ووحدة»، أو حين يخلع قلبه وهو يصف مشهد مغادرته بأرواح شفّت من أجسادها... «عبرنا وحيدين، أنا وهي سقف الغرفة متجهين إلى قبة السماء»، أو حين يكشف للقارئ عن أمنيات تيبّست على عتبات الغيب قبل أن ترتقي لمرحلة الواقع، كما حدث مع السيدة نبيلة التي يقول على لسانها: «لكم كنت أود لقاءك حين كان زوجي طفلاً، وكنت مجبرة على لمسه في كل مكان ليصبح رجلاً»، وعندما يقول: «لا يزعجني البتة أن تسموا نجاتكم مني انتصاراً، فبغض النظر عن كونه انتصاراً مؤقتاً، أنا لا أملك ما أخسره ولا يعنيني اكتمال القصص أو نهايتها قبل أوانها»، نافياً انزعاجه وعدم اكتراثه لمن يصفون النجاة منه مؤقتاً بالانتصار، وحين يقرر أن يضع القارئ على خط المواجهة مع أقسى مخاوفه بشكل مباشر ومستفز ليزيد من عدم طمأنينته، فيهمس له بكل هدوء «كل ما عليك أن تدركه أنني اللمسة الأخيرة».
أقول حين يتشارك القارئ كل تلك التفاصيل المتوارية ويتفحص تلك السيناريوهات الغيبية لا بد أنه غادر واقعه، والحقيقة أن صاحب ذلك الصوت المربك لم يزجّ به فقط في تلك العوالم، بل سدد له لكمة قاسية على خاصرة ثقته بالحياة التي طالما توهم أنه يعرفها.
ورغم كل ذلك تتمخض فكرة الاقتران، أو لنقل الصداقة الجبرية التي عقدتها الكاتبة بين القارئ والموت، ومحاولة استنساخها مسودة المهام اليومية للموت وكشفها للقارئ، عن وعي جديد بالحياة يمنحها إطاراً ملموساً، وبلفظ آخر تجعل القارئ يستوعب أن الحدود الفاصلة بينه وبين الموت لا تكاد تكون واضحة لفرط دقتها.
ربما لم تكن الكاتبة سباقة لفكرة استنطاق الموت، واستحضاره بهذه الصورة المراوغة، فهي حاضرة في رواية «سارقة الكتب» لـلأسترالي ماركوس زوساك، وقد تندرج تحت نظرية «السرد المستحيل» التي تَعُدُ هذا النوع من السرد انتهاكاً لقوانين السرد، وخرقاً لميثاق القراءة الضمني المبرم بين الكاتب والقارئ، الذي يكفل منطقية السرد للقارئ، لا سيما إن كانت الرواية خارج تصنيف الفانتازيا، لأنه ينطوي على نية خداع مبَيّتة، كما يرى الناقد العراقي حسن سرحان.
إلا أنها في رأيي تظل خديعة محمودة، حتى وإن جاز إدراجها ضمن النظرية آنفة الذكر، لأنها في رأيي استلّت النص ببراعة من سياقه المألوف وحقنته بالارتباك الذي انتزعه من أفقيته، دون أن ينتزعه من واقعيته.
وسيكتشف القارئ لاحقاً أن الكاتبة لم تتخل تماماً عن تلك الخدعة السردية، لكن يبدو أنها لم ترد استنزاف دهشة القارئ من خلال ركضه في منحنيات حبكة معقدة، ربما قد يطغى حضورها على حضور الموت، العنصر الأقوى في الرواية وبطلها المحوري وفقاً لثنائية المركز والهامش.
كما أنها استعاضت بخدعة سردية أخرى، دعونا نسميها خدعة الوخز المستمر، المتمثلة في الإطلالات المستمرة لصاحب ذلك الصوت، التي ستضمن بقاء القارئ يقضاً قلقاً طيلة الرواية، بل حتى بعد الخروج منها.
هناك أيضاً المأزق الآيدلوجي في الرواية، المتمثل في الحديث عن الموت، فغالباً لا يمكن للحديث عن الموت أن يأتي منزوعاً من السياقات الدينية وتمثلاتها الغيبية، لكن الكاتبة آثرت المسير بمحاذاة الأديان دون أن تتقاطع معها، واقفة على المسافة نفسها من الجميع، دون أن تُجَير مرحلة ما بعد الموت لأي ديانة أو ملّة، تاركة تلك الخانة فارغة للقارئ يملؤها بما يعتقد.
- كاتب سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

القدية في فرنسا... خطط لإنشاء 3 مدن ترفيهية عالمية

مشهد جوي لمتنزه «SIX FLAGS» مدينة القدية وسط جبال طويق (القدية)
مشهد جوي لمتنزه «SIX FLAGS» مدينة القدية وسط جبال طويق (القدية)
TT

القدية في فرنسا... خطط لإنشاء 3 مدن ترفيهية عالمية

مشهد جوي لمتنزه «SIX FLAGS» مدينة القدية وسط جبال طويق (القدية)
مشهد جوي لمتنزه «SIX FLAGS» مدينة القدية وسط جبال طويق (القدية)

على بعد آلاف الكيلومترات من مدينة «القدية» جنوب غرب الرياض، تستعد شركة «القدية» لتأسيس أول حضور دولي لها، حيث اختيرت فرنسا لتكون أول مساحة دولية تحمل إليها ما راكمته في السعودية من خبرات، وتقدم فيها فلسفتها عن «قوة اللعب» أمام جمهور عالمي.

وكشفت شركة «القدية للاستثمار» لصحيفة «الشرق الأوسط» عن تفاصيل جديدة حول خطتها لإنشاء 3 مدن ترفيهية في فرنسا، الذي أعلن عنها على هامش الزيارة الرسمية التي قام بها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا، ليُشكل المشروع وجهة جديدة متعددة الاستخدامات تستكشف الشركة تطويرها بالشراكة المباشرة مع الحكومة الفرنسية.

ليست أموالاً فقط

لا تختصر «القدية» حضورها الفرنسي في الاستثمار المالي؛ إذ تكشف الشركة عن أن ما تريد حمله معها إلى المشروع يتجاوز رأس المال إلى الخبرة التي تراكمت خلال تطوير مدينة القدية.

وبسؤال «الشرق الأوسط» عن طبيعة الدور الذي ستلعبه في المشروع، وما إذا كان سيقتصر على الاستثمار والتطوير أم سيمتد إلى مجالات أخرى، أوضحت أن تحديد الأدوار والمسؤوليات بين الطرفين سيكون أحد أبرز محاور المرحلة المقبلة.

لكن الشركة حسمت نقطة أساسية؛ إذ قالت إنها تدخل هذه الشراكة بـ«حزمة متكاملة من القدرات» تشمل الرؤية التطويرية وفلسفة «قوة اللعب» والخبرات المتراكمة من تطوير مدينة القدية، «وليس بدور الاستثمار وحده»، على أن تعلن التفاصيل المتعلقة بتوزيع الأدوار بعد استكمال إطار العمل.

صورة جوية لأكواريبيا مدينة القدية (واس)

لماذا فرنسا؟

ترى الشركة أن فرنسا توفر بيئة استثنائية لإيصال فلسفة «قوة اللعب» إلى أوسع شريحة ممكنة من الجمهور الدولي، مستندةً إلى فكرة أن اللعب في جوهره تجربة إنسانية تتجاوز اختلاف الثقافات والحدود.

وحسب الأرقام التي قدمتها القدية لـ«الشرق الأوسط»، استقبلت فرنسا خلال 2025 نحو 102 مليون سائح دولي، محققةً إيرادات سياحية بلغت 77.5 مليار يورو، فيما استقبلت منطقة باريس وحدها نحو 50 مليون زائر بعوائد ناهزت 24 مليار يورو.

وتذهب «القدية» أبعد في تفسير اختيارها؛ إذ ترى أن الثقل السياحي الفرنسي يجعل من البلاد منصة عالمية لا مثيل لها للتعريف بنموذج مدينة القدية وتجاربها الترفيهية.

وهكذا يلتقي في اختيار فرنسا عنصران: أول حضور دولي للشركة، وسوق سياحية ضخمة تضع التجربة التي تشكلت في السعودية أمام عشرات الملايين من الزوار القادمين من أنحاء العالم.

إحدى التجارب الترفيهية في أكواريبيا مدينة القدية التي تضم ألعاباً وتجارب مائية (واس)

أول حضور... لا خريطة انتشار

لكن «القدية» ترسم فاصلاً واضحاً بين دخول فرنسا وبين الإعلان عن استراتيجية للانتشار في أسواق متعددة. تقول الشركة إن المشروع الفرنسي لا يأتي بوصفه توسعاً مبرمجاً في عدد من الأسواق، وإنما استجابة لفرصة استراتيجية نوعية في فرنسا، مع الحفاظ على مدينة القدية في صدارة أولوياتها ومشروعاتها.

وأوضحت أن تركيزها في المرحلة الراهنة ينصب على مواصلة تطوير مدينة القدية ومشاريع «سفن» الترفيهية في مختلف مناطق المملكة، إلى جانب استكشاف المشروع الفرنسي وفق الإطار المحدد في مذكرة التفاهم، على أن تعلن أي توجهات مستقبلية أخرى في حينها.

منطقة حدائق الشفق في متنزه «SIX FLAGS» (القدية)

المشروع لم يرسم حدوده بعد

أما ما سيقام فعلياً في فرنسا، فلا تزال تفاصيله في طور التشكّل، ورغم ما رافق الإعلان من حديث عن استثمارات تصل إلى 6 مليارات يورو و3 متنزهات، فإن «القدية» تصف ما تم الإعلان عنه في المرحلة الحالية بأنه مذكرة تفاهم لاستكشاف تطوير وجهة جديدة متعددة الاستخدامات.

وعن طبيعة المتنزهات الثلاثة والملكيات الفكرية أو الموضوعات التي يمكن أن تقوم عليها، وتحديداً ما إذا كان «Dragon Ball» أحدها، فلم تؤكد بعد، وقالت إن تحديد النطاق التفصيلي للمشروع يندرج ضمن أعمال المرحلة المقبلة، على أن تشارك المعلومات الإضافية ذات الصلة في الوقت المناسب وعبر القنوات الرسمية المعتمدة.

جانب من التجارب المائية في أكواريبيا مدينة القدية (واس)

محطة مهمة قبل نهاية 2026

كشفت «القدية» عن موعد مهم في مسار المشروع خلال المرحلة المقبلة، إذ يستهدف الطرفان إبرام اتفاقية رسمية تحدد إطار المرحلة التالية قبل نهاية عام 2026، في حين تشكل مذكرة التفاهم التي أُعلن عنها خلال الزيارة، الإطار الذي يعمل الطرفان من خلاله، وتشمل إجراء الدراسات اللازمة، وتحديد نطاق المشروع ونموذجه التطويري، واستكمال الإجراءات والموافقات ذات الصلة.

وعن المواعيد التفصيلية لبدء التنفيذ والافتتاح، قالت الشركة إنها ستُعلن عند اكتمال الدراسات والحصول على الموافقات اللازمة، وبذلك، تنتقل قصة فرنسا خلال الأشهر المقبلة من إعلان الطموح إلى تحديد ملامحه الفعلية؛ بدءاً من نطاق الوجهة ونموذج تطويرها، وصولاً إلى توزيع الأدوار بين الشركاء.

حين تصبح الخبرة السعودية جزءاً من المشهد العالمي

وتحمل الخطوة الفرنسية دلالة تتجاوز المشروع نفسه؛ فالسعودية التي استقطبت ضمن تحولها في السنوات الماضية الخبرات والشراكات العالمية لبناء قطاعات جديدة في السياحة والترفيه والرياضة، باتت تمتلك خبرات وقدرات محلية تجد طريقها إلى الأسواق الدولية.

وتقدم «القدية» نموذجاً لذلك، إذ تصف حضورها الأول خارج المملكة بأنه امتداد للقدرات والخبرات والشراكات التي طوَّرتها انطلاقاً من «مدينة القدية».

وهكذا تأخذ الرحلة من الرياض إلى باريس اتجاهاً جديداً: خبرة سعودية تتحرك إلى واحدة من كبرى الأسواق السياحية عالمياً، حاملةً معها رؤية تطويرية وفلسفة «قوة اللعب» اللتين تشكلتا في المملكة؛ في انعكاس لتحول لم تعد فيه السعودية تستقطب الخبرة العالمية فحسب، بل باتت الخبرة التي بنتها قادرة على الحضور خارج حدودها.


«التاكسي الطائر» يخطف الاهتمام بانطلاقته في سماء مصر

التاكسي الطائر يخطف الاهتمام في مصر (إكس)
التاكسي الطائر يخطف الاهتمام في مصر (إكس)
TT

«التاكسي الطائر» يخطف الاهتمام بانطلاقته في سماء مصر

التاكسي الطائر يخطف الاهتمام في مصر (إكس)
التاكسي الطائر يخطف الاهتمام في مصر (إكس)

مع انطلاق رحلات التاكسي الطائر في مصر، حظي المشروع باهتمام واسع وأثار جدلاً على «السوشيال ميديا»، بين من يشجعونه باعتباره وسيلة للنقل السياحي، ومن يرونه مادة للتندر، لا سيما مع تداول أسعار الرحلات في وسائل إعلام محلية.

وقبل 10 أشهر، كانت شركة «طيران أبو ظبي» قد أعلنت عن إطلاق مشروع «تاكسي مصر الجوي»، بالتعاون مع جهات محلية، باستثمارات تصل إلى نحو 50 مليار جنيه (الدولار يعادل نحو 50 جنيهاً). وتبلغ تكلفة الرحلة داخل القاهرة 200 دولار، وتشمل مشاهدة أبرز معالم العاصمة من أعلى، مثل الأهرامات والمتحف المصري. فيما تصل تكلفة الرحلة من مطار ألماظة إلى العاصمة الإدارية إلى 300 دولار، ومن ألماظة إلى الشيخ زايد إلى 350 دولاراً، ومن شرم الشيخ إلى سانت كاترين إلى 900 دولار، ومن الغردقة إلى الأقصر إلى 1500 دولار، ومن القاهرة إلى واحة سيوة إلى 1500 دولار، وفقاً لوسائل إعلام محلية.

ويرى الخبير في النقل والمرور، اللواء مدحت قريطم، أن «التاكسي الطائر فكرة ممتازة للحركة السياحية، وينقل مصر نقلة حضارية، وهو موجود في عدد من دول العالم».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «أسعار الرحلات المعلنة للسائحين تُعد بسيطة للغاية، خصوصاً أنها تُحسب على أساس رحلات سياحية تنظم لمجموعات، بما يتيح لفئة من السائحين الاستمتاع بمشاهدة القاهرة ومعالمها من أعلى، كأنها متحف مفتوح، فضلاً عن توفير الوقت في الانتقال إلى المدن السياحية البعيدة والمحافظات الساحلية».

وأشار إلى أن هذا المشروع يمكن أن يكون مفيداً أيضاً للأسر المصرية المقتدرة مالياً، مؤكداً أنه «لا يعدّ وسيلة نقل بقدر ما هو وسيلة حضارية وتجربة سياحية مميزة».

ولفت إلى أنه «سبق الإعلان عن الأتوبيس البري النهري، وأعتقد أنه في حال تطبيقه سيكون تجربة سياحية رائعة، تتيح للسائح الاستمتاع بالقاهرة باعتبارها متحفاً مفتوحاً يضم آثارها القديمة والقبطية والإسلامية، ثم خوض جولة نيلية ضمن المجموعة السياحية نفسها».

ويستهدف مشروع التاكسي الطائر ربط المحافظات والمدن السياحية والأثرية بشبكة جوية تختصر وقت التنقل وتتجنب الزحام؛ إذ تستغرق الرحلة من القاهرة إلى الساحل الشمالي نحو 60 دقيقة، بدلاً من 3 ساعات براً.

ويرى مراقبون ومتابعون أن الخدمة قد تصبح رائجة بما يسهم في تنشيط السياحة وخدمة رجال الأعمال، فضلاً عن إمكانية استخدامها في حالات الإسعاف العاجل، وفقاً لمقترح رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس عقب قيامه بأول رحلة بالتاكسي الطائر.

ويُحجز التاكسي الطائر عبر تطبيق إلكتروني يحمل اسم «تاكسي مصر الجوي – AIR TAXI EGYPT»، وقد لفت المشروع الأنظار بعد انتشار صور لرحلاته على صفحات عدد من الشخصيات العامة.

في المقابل، تناولت تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي فكرة «التاكسي الطائر» بنبرة ساخرة، متسائلين عمن سيتمكن من استخدامه، وما إذا كان بإمكانه الوصول إلى القرى البعيدة في الدلتا والصعيد، وما طبيعة هذا التاكسي ومقوماته، وما العلامات التي سيهبط عندها، وهل يتطلب الأمر وجود مطار مخصص للهبوط.

ويرى خبير «السوشيال ميديا» معتز نادي أن «التاكسي الطائر» خطف الاهتمام، لأن المشهد مؤهل لجذب الأنظار والدخول على رادار الـ«ترند»، نظراً لحداثة الفكرة، وما تحمله أسعار الرحلات المتداولة من مفارقة. ويضيف أن تحوله إلى «ترند» فتح الباب أمام عدد من الأسئلة والتعليقات: فهل هو وسيلة نقل جديدة، أم تجربة سياحية وخدمة فاخرة موجهة إلى فئة محدودة؟

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «رقمياً، كان الحدث جاهزاً للانتشار بتعليقات أو صور أو فيديوهات، وبالضرورة لا يعني التندر رفض الخدمة؛ لأن الأمر يحتاج إلى سياق منهجي يجمع كل التعليقات ويقرأها ليفرز ما جاء بها، ويستفيد من ملاحظاتها قبل إطلاق أي قول أو تعليق يحلل ما جرى».

ويشير نادي إلى أن «الاختبار الحقيقي لهذا الـ(ترند) لاستمراره وبقائه هو تشغيل الخدمة ومعرفة آراء مستخدميها والفئة المستهدفة وكيفية الاستفادة منها ومن تجارب الدول الأخرى في تشغيلها، وتسويقه بما يحقق المكسب السياحي المطلوب منه».


المدة المثالية للنوم يومياً: انسَ قاعدة الساعات الثماني

اضطراب النوم شائع بين العاملين بنظام المناوبات (شاترستوك)
اضطراب النوم شائع بين العاملين بنظام المناوبات (شاترستوك)
TT

المدة المثالية للنوم يومياً: انسَ قاعدة الساعات الثماني

اضطراب النوم شائع بين العاملين بنظام المناوبات (شاترستوك)
اضطراب النوم شائع بين العاملين بنظام المناوبات (شاترستوك)

لعقود طويلة، كانت الإجابة عن سؤال: «كم ساعة من النوم يحتاج إليها الشخص البالغ؟» بسيطة: «8 ساعات». ويعود هذا المفهوم إلى منتصف القرن الـ19، عندما ترسَّخت، للمرة الأولى، فكرة تخصيص 8 ساعات للعمل، ومثلها للراحة، و8 ساعات أخرى للنوم. لكن أدلة علمية تشير إلى أن 8 ساعات قد لا تكون المدة المثالية للجميع، وفق نتائج مراجعة طبية جديدة نُشرت في مجلة «طب الدماغ».

ولمعرفة مقدار النوم الطبيعي لدى الناس، درس الباحثون مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي لا تزال موجودة حالياً، نظراً إلى أن أنماط حياتها تشبه أنماط حياة أسلافنا؛ إذ لا تتعرض إلا لقليل من الضوء الاصطناعي وضوضاء المرور، ولا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي إلا نادراً، وقد لا تتعرض لهذه المؤثرات على الإطلاق.

وفي إحدى الدراسات، وجد الباحثون أن الناس في تنزانيا وناميبيا وبوليفيا ينامون ما بين 5.7 و7.1 ساعة في الليلة. ويبدو أن هذا القدر من النوم ليلاً كان كافياً؛ فلم يعوِّض هؤلاء ذلك بقيلولة طويلة خلال النهار، وكانوا يستيقظون عادةً مع بزوغ الفجر من دون منبِّه.

وفي مقال مشترك نُشر، الثلاثاء، على موقع «كونفرزيشن»، كتب ديرك-يان ديك، أستاذ النوم وعلم وظائف الأعضاء، بالتعاون مع آن سكيلدون، أستاذة الرياضيات ورئيسة قسم الرياضيات والفيزياء في جامعة ساري، أن متوسط ساعات النوم في مجتمعات ما قبل العصر الصناعي يختلف باختلاف طريقة القياس ومكان السكن وفصول السنة وعوامل بيئية أخرى. لكنّ تحليلاً حديثاً قدَّر المتوسط بـ6.4 ساعة.

المدة المثلى

إذا عرَّفنا النوم الأمثل بأنه المدة المرتبطة بأفضل صحة، فإن دراسات عدَّة تشير إلى أن المدة المثلى قد تكون أقل من 8 ساعات. واستخدمت دراسة حديثة فحوصات للدماغ والجسم، بالإضافة إلى قياسات جزيئية، لدراسة العلاقة بين النوم وشيخوخة الأعضاء المختلفة. وقدَّرت الدراسة أن المدة المثلى للنوم تتراوح بين 6.4 و7.8 ساعة، حسب جنس الشخص والعضو المدروس.

وتشير دراسات عدَّة إلى أن قلة النوم وكثرته ترتبطان بتدهور الصحة، بما في ذلك الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والتدهور المعرفي والسمنة. لكنّ العلماء ما زالوا يناقشون ما إذا كانت كثرة النوم تسبِّب تدهور الصحة أم أنها مجرد مؤشر مبكر عليه. وفي الحالتين، تشكك هذه النتائج في فكرة أن كل شخص يحتاج إلى 8 ساعات من النوم بالضبط.

ومع ذلك، تستند جميع هذه التقديرات لمدة النوم المثلى إلى المتوسطات. فقد وجدت الدراسات أن الشباب، عند حصولهم على فرص كافية للنوم، ينامون فترات أطول من كبار السن الأصحاء. بل إن الأشخاص من العمر نفسه قد يحتاجون إلى مدد نوم مختلفة تماماً.

وتراعي توصيات «المؤسسة الوطنية للنوم في الولايات المتحدة» هذه الاختلافات الفردية؛ إذ تشير إلى أن البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و64 عاماً يحتاجون إلى النوم ما بين 7 و9 ساعات يومياً، في حين قد تناسب بعضهم مدة تتراوح بين 6 و10 ساعات.

موعد النوم مهم

لكن من المهم إدراك أن النوم لا يقتصر على عدد الساعات فقط. فاللافت في أنماط النوم الحديثة ليس قصر مدة النوم مقارنةً بالماضي، بل تأخر توقيته عن دورة الضوء والظلام الطبيعية. فمعظمنا لا يستيقظ بشكل طبيعي قبل الفجر، وينام كثيرون منا نوماً قصيراً خلال أيام العمل، ثم يعوِّضون ذلك بنوم أطول في أيام العطل.

ويُعرف الضوء الاصطناعي بأنه العامل الرئيسي وراء هذا التحول؛ فهو يغيِّر عادات نومنا ويؤخر ساعتنا البيولوجية التي تتحكم في توقيت النوم والاستيقاظ.

كما أن اضطراب النوم شائع، خصوصاً بين العاملين بنظام المناوبات. لكن إذا كنت تعاني من قلة النوم خلال الأسبوع، فإن تعويض بعض هذا النقص في عطلة نهاية الأسبوع يبدو أفضل من عدم تعويضه على الإطلاق.