«داعش» يغري المتطرفين ويتمدد في أفريقيا... وتنظيم «القاعدة» يتراجع

شبكة انتماءات مركبة للجماعات الإرهابية في القارة السمراء

مئات من مقاتلي حركة «الشباب» الصومالية المنتمية لتنظيم «القاعدة» خلال تدريبات جنوب مقديشو في فبراير 2022 (أ.ب)
مئات من مقاتلي حركة «الشباب» الصومالية المنتمية لتنظيم «القاعدة» خلال تدريبات جنوب مقديشو في فبراير 2022 (أ.ب)
TT

«داعش» يغري المتطرفين ويتمدد في أفريقيا... وتنظيم «القاعدة» يتراجع

مئات من مقاتلي حركة «الشباب» الصومالية المنتمية لتنظيم «القاعدة» خلال تدريبات جنوب مقديشو في فبراير 2022 (أ.ب)
مئات من مقاتلي حركة «الشباب» الصومالية المنتمية لتنظيم «القاعدة» خلال تدريبات جنوب مقديشو في فبراير 2022 (أ.ب)

تفجير إرهابي في شرق أفريقيا، وهجوم من الفصيلة نفسها في غربها. الأول يتبناه تنظيم، والثاني يفاخر به تشكيل. وما بين الفريقين، أو بالأحرى الفرق، تنساب خيوط الدماء على أرض القارة لترسم ملامح قصة بائسة متجددة لضحايا لا يعرفون عن قاتليهم سوى تطرفهم، بينما ينشغل القاتلون بسحب عينة من مسرح جريمتهم ليضيفوها إلى الخريطة الجينية لتنظيمهم في محاولة لترقية عِرقهم في مصاف التنظيمات المتطرفة والمتصارعة على الغلبة والهيمنة.
سيل العمليات الإرهابية في القارة الأفريقية لا ينتهي، وفي القلب منها يزداد التنافس بين التنظيمات الموالية لـ«داعش» و«القاعدة»، بينما تظهر عمليات حصر حديثة لمعظم انتماءات تلك التنظيمات تفوقاً للأول على الثاني. ولعلّ من بين أحدث تلك العمليات، الهجوم الذي نفذته عناصر «القوات الديمقراطية المتحالفة»، وهي جماعة مسلحة أوغندية تنشط في شرق الكونغو منذ عقود، أعلنت قبل سنوات الولاء لـ«داعش»، وتشن هجمات مميتة على نحو متكرر على القرى باستخدام المناجل والفؤوس في بعض الأحيان
الهجوم الذي وقع في التاسع من مارس (آذار) الحالي، أسفر عن مقتل 44 شخصاً، من قرية موكوندي. وبدا لافتاً أن العناصر المنفذة للهجوم لم تستخدم الرصاص، إنما استعملت الأسلحة البيضاء، بحسب تأكيدات مسؤولين محليين.
ومن غرب القارة إلى شرقها، لا تختلف النتائج، حتى وإن تباينت الأدوات. ففي منتصف الشهر الحالي، قُتل ما لا يقل عن 5 أشخاص وجُرح 11 آخرون، بينهم حاكم منطقة جدو الصومالية، وعدد من القادة العسكريين، في هجوم انتحاري نفذته «حركة الشباب» الصومالية التابعة لتنظيم «القاعدة»، بحسب ما أعلنه مسؤولو الشرطة في المنطقة لوكالة «الصحافة الفرنسية».
صحيح أنه يبدو من العسير إيجاد حصر شامل ونهائي للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة التي باتت متوطنة في القارة الأفريقية، غير أن محاولات جادة لعدد من المراكز البحثية المختصة تحاول اللحاق بذلك.
ومع ذلك، فإن سرعة الانقسامات والانشقاقات، حوّلت تلك الكيانات «الإرهابية» إلى ما يشبه «فسيفساء» دقيقة تتوالد في جنباتها التنظيمات بامتداد خريطة القارة السمراء، الأمر الذي يتحدى القدرات الفردية أو المؤسسية على الرصد والمتابعة، فضلاً عن الملاحقة.

ووفقاً لدراسات عدة، وإفادات لباحثين في شؤون الجماعات الإرهابية والمتطرفة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن جلّ تلك التنظيمات تنتمي إلى جذور فكرية أو «جينات آيديولوجية» متشابهة إلى حد كبير، بينما تدفع «المصالح الحركية»، و«صراعات الزعامة» إلى البحث عن «مسوغ فكري لتبرير الانشقاق»، من دون أن تكون هناك بالفعل تباينات جوهرية في الآيديولوجيات الحاكمة لتلك التنظيمات.

زعيم جماعة «بوكو حرام» أبو بكر شيخو فجّر نفسه بعدما حاصره تنظيم «داعش» في غابة سامبيسا بنيجيريا (أ.ف.ب)

وتشهد الساحة الأفريقية حالة من تصاعد التنافس الجهادي بين تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، في ضوء الخسائر التي تعرضا لها في آسيا والشرق الأوسط. إذ إنهما في حالة تنافس في مناطق النفوذ المشترك رغبة منهما في تعزيز صورتيهما، وسعياً إلى تأكيد نفوذيهما، واجتذاب المقاتلين.
ورصد الدكتور لورانس فرانكلين، الذي كان مسؤولاً عن شؤون إيران في مكتب وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، في تقرير نشره معهد جيتستون الأميركي في يناير (كانون الثاني) الماضي، وجود «حالة من التشابه» بين أهداف تنظيمي «داعش»، و«القاعدة» في أفريقيا.
يقول فرانكلين إن كلاً من «القاعدة» و«داعش» يسعى إلى تعزيز وجوده في الساحة الأفريقية، إلا أن هناك اختلافاً في طبيعة أدواتهما. وأضاف: «(القاعدة) يعتمد على التجذر في صلب المجتمعات الأفريقية عبر الترويج لأطروحة مواجهة القوات الأمنية المحلية المدعومة إقليمياً ودولياً، وذلك في إطار استراتيجية الانتشار التنظيمي التي تقوم بشكل أساسي على التوسع جغرافياً بأكبر قدر ممكن، لكن دون السيطرة على الأرض بشكل كامل».
في حين أن تنظيم «داعش»، بحسب تقييم فرانكلين، يعتمد على «الترويج لفكرة الخلافة العالمية العابرة للحدود والقارات، وذلك عبر استراتيجية قائمة على شن أكبر عدد من الهجمات التي لا تفرق بين مدنيين وعسكريين، موظفاً مبدأ (السيطرة المكانية) باعتبارها مرتكزاً رئيسياً في مواصلة عملياته».
- خلاف فكري... وتوافقات ميدانية
هذا التباين في الأهداف الحركية، والصدام أحياناً بين «القاعدة» و«داعش» في إطار التنافس على النفوذ واستقطاب المجندين لا يعكس بالضرورة «خلافاً آيديولوجياً». فالتنظيمان «ينتميان إلى الجذور الفكرية ذاتها»، وفق ما ترصد، إنريكا بيكو، الباحثة المختصة في الشؤون الأفريقية بـ«مجموعة الأزمات الدولية».
ترى بيكو أن خريطة الجماعات الإرهابية «تتسع بشكل غير متوقع» لتمتد في مناطق وسط أفريقيا وأجزاء مستجدة من غرب أفريقيا «لتتصل حلقات العنف والإرهاب في شكل حزام ممتد دون انقطاع، وإن اختلفت هويات هذه الجماعات بشكل كبير».
وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «القارة الأفريقية باتت تمثل بيئة حاضنة للتنظيمات الإرهابية، مستفيدة من هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية، وانتشار الهيمنة القبلية، وهو ما يعكس ضعف سلطة الدولة أمام تنامي دور التنظيمات المتطرفة لملء ذلك الفراغ الناتج عن تراجع سلطة الدولة».
وترى الباحثة المختصة في الشؤون الأفريقية، أن «الهوية الآيديولوجية قد تكون مهمة لدى الباحثين ومنظري تلك الجماعات المتطرفة، لكنها لا تمثل أهمية كبيرة على الأرض»، إذ إن تلك الجماعات «تتشابه في تبرير استخدامها العنف»، وهو ما يهم عناصر تلك الجماعات في المقام الأول، «حتى يشعروا بأن ما يقومون به له مرجعية دينية، تمنحهم الأفضلية والنظرة المثالية لأنفسهم، ويجعلهم يتصورون أنهم يقومون بدور رسالي، وهم يرتكبون أعمال الذبح والسرقة والتفجيرات».
وتضيف أن «واقع الصراع الآيديولوجي بين التنظيمات الإرهابية في أفريقيا لا ينفي حقيقة أن بعض تلك التنظيمات قد يلجأ إلى التعايش المشترك»، مضيفة: «قد تجد بعض تلك التنظيمات نفسها في مواجهة عدو مشترك يتمثل في الجيوش الوطنية أو القوات الدولية التي توجد في بعض دول الساحل والصحراء، وهو ما يدفع تلك التنظيمات إلى تقاسم النفوذ الجغرافي، والمنافسة بلا اقتتال، وهذا هو الأخطر، لأنه سيمنحهما مساحات للتمدد دون خسائر».
وتستشهد بيكو على الطرح السابق بالتحالف الذي تمّ بين «تنظيم الدولة في الصحراء» وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، التابعة لـ«القاعدة»، الذي أُعلن في يناير 2018.
- جذور «قطبية» واحدة
ويذهب ماهر فرغلي، الباحث المصري في شؤون الجماعات المتطرفة، إلى أن الجماعات التي تدور في فلك «القاعدة» و«داعش» على الرغم من اختلافها التنظيمي، فإنها «ذات جذور آيديولوجية واحدة تمتد إلى الأفكار التي طوّرها ابن تيمية، وأبو الأعلى المودودي، ووضع لها المنظر الإخواني، سيد قطب، إطاراً حركياً تبنته لاحقاً غالبية الجماعات التكفيرية والإرهابية».
ويضيف فرغلي لـ«الشرق الأوسط» أن «المُنظِّر التاريخي لتنظيم الإخوان سيد قطب، يكاد يكون الشخصية المحورية الوحيدة التي اتفقت عليها التنظيمات التكفيرية والإرهابية جميعاً، وأنه ربما الشخص الوحيد الذي لم تكفره تلك الجماعات على الرغم من تبايناتها الفكرية وانشقاقاتها اللاحقة. فقطب هو البداية، وهو مَن ابتدع نظرية التكفير وتجهيل المجتمع، والخروج عليه».
ويرى الباحث المتخصص أن خريطة التنظيمات الإرهابية الموجودة في العالم حالياً، تتراوح بين منظومة «القاعدة» الفكرية، وهي في حد ذاتها تطوير لفكر سيد قطب حول «الحاكمية» و«جاهلية المجتمع»، الذي طوّره عبد الله عزام وصاغ منه آيديولوجية تنظيم «القاعدة»، ثم انبثقت منه «الفكرة الداعشية»، التي «تعتمد على تكفير الحاكم والأعوان، وصولاً إلى تكفير مَن لم يكفر هؤلاء»، وبالتالي توسعت آيديولوجية «داعش» في التكفير، وحتى تلك الآيديولوجية بدأت تظهر أفكاراً أكثر تطرفاً.
ويعرب فرغلي عن اعتقاده بأن التباينات الآيديولوجية بين تنظيمات التكفير والإرهاب الموجودة في العالم، وفي القلب منها في القارة الأفريقية هي «مجرد ستار لإخفاء صراعات القيادة والزعامة»، ومحاولة البحث عن دوائر نفوذ أوسع لتجنيد الأتباع، والتخلص من أعوان قيادات أخرى. ويذهب كذلك إلى «عدم وجود فوارق آيديولوجية جوهرية بين جينات التنظيمات الإرهابية، بينما يكمن الفارق الأساسي في درجة التكفير والتوسع في تطبيقه».
ويقول فرغلي: «إن صراعات القيادة والنفوذ هي الباعث الأهم للخلاف، بينما تبحث التنظيمات عن مبررات فكرية، تشرعن الخروج على سلطة الأمير أو الخليفة، حيث تبدأ حلقة مفرغة من التكفير والتكفير المضاد، وهو ما يصنع تلك الفسيفساء التنظيمية، التي لا تستند إلى أساسات فكرية صلبة».
ومع هذا التوافق الآيديولوجي والتنافر التنظيمي نسبياً، هل يمكننا تحديد مناطق نفوذ «داعش» مقابل مواقع انتشار «القاعدة»؟
- «القاعدة» شرقاً
تقدم كريستين أبي زيد، مديرة «المركز الوطني لمكافحة الإرهاب»، مسحاً لمشهد التهديد الإرهابي لعام 2023، نشره معهد واشنطن للدراسات، مطلع العام الحالي، رصدت فيه الانتشار الكثيف للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة على امتداد الخريطة الأفريقية.
وتلفت في هذا المسح إلى أن «حركة الشباب»، التي تتمركز في الصومال وتنشط في منطقة القرن الأفريقي، «لا تزال تمثل أقوى تهديد لاستقرار منطقة شرق أفريقيا». وعلى الرغم من إعلان «حركة الشباب» مبايعتها تنظيم «القاعدة» عام 2009، فإنها تظل مستقلة بالنسبة لعملياتها الإرهابية، رغم ما تتلقاه من دعم من جانب «القاعدة» مالياً ولوجيستياً عن طريق اتصالاتها عبر خليج عدن باليمن.
وتضيف كريستين أبي زيد أنه بالإضافة لتهديد «حركة الشباب»، يوجد أيضاً تهديد تنظيم «داعش»، الذي يوجد بشكل رئيسي في منطقة جبال «عيل مدو»، شمال شرقي الصومال، ويسعى إلى تعزيز نفوذه على حساب «حركة الشباب»، مستغلاً انشغال الحركة بالمواجهات المشتعلة مع قوات الأمن الصومالية المدعومة أميركياً.
وغير بعيد عن الصومال، ووفق دورية «مركز مكافحة الإرهاب» التابعة لأكاديمية «وست بوينت» العسكرية الأميركية، فإنه يوجد في كينيا تنظيم إرهابي يسمى «تنظيم الهجرة»، وفي زيمبابوي ينشط تنظيم «أهل السنة والجماعة»، وهما من الجماعات المنتمية فكرياً لتنظيم «داعش».
كما ينشط في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تحالف لجماعات إسلاموية تحت مسمى «القوى الديمقراطية المتحالفة»، وهي جماعات مرتبطة رسمياً بتنظيم «داعش» منذ عام 2017.
- «داعش» يتفوق شمالاً وغرباً
وإذا كان في شرق أفريقيا يبدو فكر «القاعدة» ظاهراً نسبياً في مواجهة محاولات داعشية للتمدد، فإن كفة الصراع الآيديولوجي في الشمال والغرب الأفريقي، وخصوصاً في منطقة الساحل، تميل إلى «داعش»، الذي استطاع استقطاب مبايعات عدة من جانب جماعات، بعضها كان منتمياً لفكر «القاعدة»، والبعض الآخر استهوته فكرة «الخلافة» التي روّجها «داعش» في ذروة تمدده في العراق والشام منذ 2014.
صحيح أن مصر أعلنت قبل شهر تقريباً، رسمياً نجاح حربها في مواجهة «الإرهاب»، لكن العقد الماضي شهد ظلاً من التنافس بين «داعش» و«القاعدة» على أرضها، إذ بدأت جماعة «أنصار بيت المقدس» مسارها بانتماء إلى «القاعدة»، بينما تحوّلت لاحقاً إلى «ولاية سيناء»، وبايعت «داعش».
أما في ليبيا، فتوطنت مجموعة من التنظيمات الإرهابية، مستغلة تهاوي قدرات الدولة والانقسامات الداخلية منذ 2011. واستطاع تنظيم «داعش» تحقيق سيطرة لافتة على خريطة التنظيمات هناك، حيث يضم «تنظيم داعش ليبيا» ثلاثة فروع وهي «ولاية برقة» و«ولاية فزان» و«ولاية طرابلس».
في المقابل، وبحسب مسح مشهد التهديد الإرهابي لعام 2023، الذي نشره «معهد واشنطن للدراسات»، شهد تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» انتكاسات بسبب ضغوط مكافحة الإرهاب منذ أوائل عام 2018، ولكنه ربما يقدم دعماً لعناصر أخرى من «القاعدة» في المنطقة، لا سيما «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين». بينما تنشط في منطقة ما يسمى «المغرب الإسلامي» تنظيمات عدة محسوبة على «داعش»، من بينها تنظيم «عقبة بن نافع»، و«جند الخلافة»، و«التوحيد والجهاد».
وعلى الرغم من تشرذم عناصر هذه التنظيمات بين تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وعدم وجود إطار هيكلي وتنظيمي موحد معبر عنها، فإن هذه المجموعات تعتمد على استراتيجية تركز على عمليات «الذئاب المنفردة»، أو بعض المجموعات الصغيرة التي توجد في البيئات الجبلية وتنفذ بعض العمليات في دول المغرب.
- البؤرة الأكثر نشاطاً
وتبدو منطقة الغرب الأفريقي ودول الساحل وجنوب الصحراء، البؤرة الأكثر نشاطاً بحسب تقديرات «مؤشر الإرهاب العالمي» لعام 2022، الذي يصدره مركز الاقتصاد والسلام (IEP) ومقره في سيدني (أستراليا)، الذي أوضح ملخصه التنفيذي أن «ثمة تحولاً في ديناميات الإرهاب وتركزه بشكل أكبر في الأقاليم والدول التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي والصراع، وأبرزها إقليم الساحل، إضافة إلى وقوع نحو 48 في المائة من وفيات الأعمال الإرهابية في العالم (3461 فرداً) في إقليم أفريقيا جنوب الصحراء».
ليس هذا فقط. فبحسب المؤشر السابق، فإن «أربعاً من بين الدول العشر التي شهدت أكبر زيادات في وفيات الإرهاب تقع في أفريقيا جنوب الصحراء، وهي: بوركينا فاسو، والكونغو الديمقراطية، ومالي والنيجر، على الرغم من التحسن الإجمالي بنسبة 10 في المائة في وفيات الإرهاب في الإقليم، بسبب رئيسي، وهو فعالية مواجهة جماعة (بوكو حرام) في الشهور الأخيرة، وتراجع عدد ضحاياها بنسبة 72 في المائة في الفترة 2020 - 2021 من 629 حالة وفاة إلى 178 حالة».
كما تشهد منطقة غرب أفريقيا تنامياً ملحوظاً في الحضور الإرهابي، وذلك مع الانتشار الكبير لتنظيمي «القاعدة» (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) و«داعش» (ولاية غرب أفريقيا وجماعة بوكو حرام) في المنطقة. وبالمتابعة للنشاط الإرهابي في 2022، نجد أن دولاً مثل نيجيريا وبنين وكوت ديفوار وتوغو ومالي وبوركينا فاسو، كانت الأكثر معاناة من وطأة الإرهاب، مع حالة الانفلات الأمني التي تسود في منطقة غرب أفريقيا، خصوصاً في ظل تفكك مجموعة الساحل (G5)، وتأزم الأوضاع الاقتصادية، ما يزيد من القدرة على تجنيد مزيد من العناصر، وانتشار عصابات الجريمة المنظمة.
هذه المنطقة تتصدر - وفق مؤشر الإرهاب العالمي - دول القارة الأفريقية من حيث عدد التنظيمات الإرهابية والجماعات المتفرعة عنها، والمتمركزة في 3 دول، وهي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بواقع 7 تنظيمات إرهابية، يتصدرها تنظيم «نصرة الإسلام والمسلمين» الذي يعد واحداً من أخطر التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، كونه يشتمل على أكبر تحالف يدين بالولاء لتنظيم «القاعدة». وقد تأسس هذا التنظيم عام 2017، ويضم 4 جماعات إرهابية، هي: «كتيبة المرابطون»، و«إمارة منطقة الصحراء الكبرى»، و«جماعة أنصار الدين» (أغلب عناصرها من الطوارق شمال مالي)، و«كتائب تحرير ماسينا» (أغلب عناصرها من قبيلة الفلاني وسط مالي).
ويعلن تنظيم «نصرة الإسلام والمسلمين» أن عدوه الأساسي هو فرنسا، ويتمركز بشكل أساسي في مالي، لكنه يشكل تهديداً لدول الجوار (تشاد، والنيجر، وبوركينا فاسو). وقدرت تقارير أمنية ودولية عدد عناصر التنظيم بين 1500 و2200 من جنسيات مختلفة. بينما أشارت تقارير استخباراتية دولية إلى الخبرة العسكرية التي تمتلكها قيادات التنظيم، لا سيما أن بعض هذه القيادات انشقت عن الجيش المالي، وشاركت في عمليات إرهابية عديدة.
وفي منطقة البحيرات الكبرى المحاذية والمتداخلة مع منطقة الساحل، تنشط 3 تنظيمات وجماعات إرهابية في نيجيريا والنيجر والكاميرون وتشاد؛ هي «بوكو حرام»، و«تنظيم داعش - ولاية غرب أفريقيا»، و«تنظيم الأنصار».
وتعد «بوكو حرام» من أقدم وأكثر الجماعات الإرهابية دموية في العالم وأفريقيا، وقد نشأت عام 2002 في نيجيريا، على يد محمد يوسف، إلى أن تولى أبو بكر شيكاو قيادتها بعد مقتله. وفي مارس 2015، بايع شيكاو «داعش»، وغيّر اسم الجماعة ليصبح «تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا». وإثر صراعات تنظيمية، انقسمت جماعة «بوكو حرام» إلى 3 أفرع هي: «جماعة أنصار السنة» (بقيادة شيكاو، التي شكلها بعد عزله وقبل مقتله)، وجماعة «أنصارو»، التي انشقت عن «بوكو حرام» في 2012 ودانت بالولاء لتنظيم «القاعدة»، وجماعة «الدولة الإسلامية في ولاية غرب أفريقيا»، التي انخرطت في شبكات الجريمة المنظمة، إلى أن باتت إيراداتها السنوية تفوق 10 ملايين دولار، وفقاً لتقارير صادرة عن الخارجية الأميركية.
كما ظهرت حركة «الجهاد والتوحيد» في غرب أفريقيا إثر انشقاق قادتها عن تنظيم «القاعدة». وقام بعض أعضائها بتأسيس كتائب خاصة بالمقاتلين من أبناء القبائل العربية في أزواد. وأصدرت الحركة أول بيان لها في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، معلنة الجهاد في أكبر قطاع من غرب أفريقيا. وهي توصف بأنها «الجماعة الإرهابية المسلحة الأكثر إثارة للرعب في شمال مالي».
كما ينشط في المنطقة ذاتها اثنان من أكبر التنظيمات الإرهابية التابعة لـ«داعش» بالساحل، وهما: «أنصار الإسلام»، و«داعش في الصحراء الكبرى».
- مشروع «داعشي» عالمي
وبحسب تحليل كريستين أبي زيد، استمر تنظيم «داعش» في تنمية «مشروعه العالمي»، الذي يضم الآن ما يقرب من عشرين فرعاً وشبكة، والذي يُظهر قادته من خلالها قوتهم، ويبددون عبرها رواية هزيمة التنظيم. ففي مارس من العام الماضي، اعترف تنظيم «داعش» بأحدث فرع له في منطقة الساحل. وفي يوليو (تموز)، أعلن هذا الفرع مسؤوليته عن تنفيذ هجوم على «سجن كوجي» النيجيري، الذي يقع على بُعد 44 كيلومتراً فقط من السفارة الأميركية، حيث أُطلق فيه سراح ما يقرب من ألف سجين، ومن بينهم بعض الإرهابيين.
في المقابل، شكّل مقتل الزعيم الذي ترأّس تنظيم «القاعدة» لفترة طويلة، أيمن الظواهري، في يوليو الماضي في كابل ضربة استراتيجية ورمزية مهمة تلقتها شبكة «القاعدة»، التي قادها من عزلته النسبية لأكثر من عقدٍ من الزمن. إلا أن «قدامى المحاربين» المتبقين في تنظيم «القاعدة» واصلوا - بحسب أبي زيد - تقديم التوجيه الآيديولوجي والاستراتيجي للشبكة العالمية، وفي مقدمتها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، التي نشأت في غرب أفريقيا، التي تدور في فلك تنظيم «القاعدة»، وتتمدد بشكل متزايد في منطقة الساحل.


مقالات ذات صلة

محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

المشرق العربي محافظ الحسكة نور الدين عيسى أحمد يباشر مهامه السبت ا(المكتب الصحافي لمحافظة الحسكة)

محافظ الحسكة السورية يباشر مهامه متعهداً حماية «التنوع»

وجه المحافظ الجديد للحسكة خطاباً إلى أهالي المحافظة قال فيه إنه سيكون لكل مكونات أبناء المحافظة، ولكل امرأة وطفل وعامل وفلاح على هذه الأرض.

سعاد جروس (دمشق)
خاص حافلة ضمن قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

خاص «سنهرب ونقتلكم»... حراس عراقيون يتلقون تهديدات من سجناء «داعش»

يواصل العراق عمليات نقل السجناء الذين يُعتقد أن غالبيتهم ينتمون إلى تنظيم «داعش» إلى السجون العراقية، في إطار صفقة سابقة بين بغداد وواشنطن.

فاضل النشمي
آسيا مشيعون يؤدون صلاة الجنازة على ضحايا التفجير الذي وقع يوم الجمعة داخل مسجد في إسلام آباد (أ.ب)

باكستان: منفذ هجوم مسجد إسلام آباد تلقى تدريباً في أفغانستان

حددت السلطات الباكستانية هوية منفذ الهجوم على مسجد في إسلام آباد بأنه من سكان بيشاور وتلقى تدريباً في أفغانستان.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم أرشيفية لسجناء من «داعش» داخل أحد سجون الرقة في شمال سوريا (الشرق الأوسط)

الأمم المتحدة: خطر تنظيم «داعش» ازداد وأصبح «أكثر تعقيداً»

قالت الأمم المتحدة الأربعاء إن التهديد الذي يشكّله تنظيم «داعش»  ازداد بشكل مطّرد منذ أواسط العام 2025 وأصبح «أكثر تعقيدا».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.