«رمضانيات»... حفلات على «مسرح المدينة» تحيي التقاليد الأصيلة

يخصص المعلَم البيروتي برنامجاً فنياً منوعاً في الشهر الفضيل

تتمسك نضال الأشقر ببرنامجها الرمضاني على مسرح المدينة (مسرح المدينة)
تتمسك نضال الأشقر ببرنامجها الرمضاني على مسرح المدينة (مسرح المدينة)
TT

«رمضانيات»... حفلات على «مسرح المدينة» تحيي التقاليد الأصيلة

تتمسك نضال الأشقر ببرنامجها الرمضاني على مسرح المدينة (مسرح المدينة)
تتمسك نضال الأشقر ببرنامجها الرمضاني على مسرح المدينة (مسرح المدينة)

منذ 30 عاماً، يتمسك «مسرح المدينة» بإحياء الشهر الفضيل من خلال وضع الفن بخدمته. وبعيداً عن المظاهر الرائجة غير المرتبطة برمزيته، تحاول المؤسِّسة لهذا المسرح نضال الأشقر، أن تسير عكس التيار، فتختار كل عام للمناسبة باقة أعمال فنية مستوحاة من عادات وتقاليد رمضانية أصيلة، توضبها ضمن قالب غني بالفنون على أنواعها، فتجذب جمهوراً متعطشاً لهذه الفسحة الرمضانية على المستوى المطلوب.
وتعلق الأشقر لـ«الشرق الأوسط»: «مسرح المدينة ينشط طيلة أيام السنة ببرامج فنية مختلفة. ويعطي المناسبات العامة مثل شهر رمضان وزمن الصوم وأعياد الفطر والميلاد والفصح المجيد حيزاً من نشاطاته. ولذلك أصرّ دائماً، وفي موعده من كل سنة على أن يحمل شهر رمضان في جعبته مشهدية فنية تليق بمعانيه الحقيقية».
في برنامج «مسرح المدينة» لشهر رمضان حفلات فنية أسبوعية، تتراوح بين فنون المسرح والغناء. ويستقدم أعمالاً من مدن لبنانية، منها طرابلس؛ كي تشارك بيروت في إحياء هذا الشهر. ومما يتضمنه البرنامج حفلة لـ«كورال المشرق العربي»، وأخرى موسيقية وغنائية مع غادة غانم، كما يقدم أمسية واحدة للفنان خالد العبد الله يغني فيها الشيخ إمام.
وتتابع رائدة المسرح اللبناني نضال الأشقر لـ«الشرق الأوسط»: «نستوحي أعمالنا جميعها من تقاليدنا وعاداتنا. كما نشركها بالطابع الديني الذي يقف وراء تراثنا الفني من جوانب عديدة. فكما شهر رمضان وعاشوراء وعيدا الفطر والأضحى المباركان عند المسلمين، كذلك نتطلع إلى مناسبات عند المسيحيين من الكنيسة الأرثوذكسية ودرب الصليب وغيرهما. فجميعها تتصل اتصالاً مباشراً بتاريخنا وجغرافيتنا وجذورنا كلها. ومنها استلهمت جميع فنوننا الأصيلة التي نعمل على الحفاظ عليها في مسرحنا».

خالد العبد الله يغني الشيخ إمام

مع أمسية «كورال المشرق العربي» يفتتح «مسرح المدينة» في 31 مارس (آذار) الجاري حفلات شهر رمضان. الفرقة التي تحلّ ضيفة دائمة في الشهر الفضيل على هذا المسرح تقدم لوحات غنائية جماعية، فتبرز أهمية الفن الجماعي وانعكاسه الإيجابي على السمعي والبصري، بينما جمهور الأغنية الأصيلة مدعو لمتابعة أمسيتين غنائيتين مع غادة غانم وأصدقائها وطلابها في معهد الموسيقى الوطني، تقام إحداهما في 4 أبريل (نيسان) تحت عنوان «في أمل» والثانية في 17 منه بعنوان «بدنا نضل».
وتعلق الأشقر: «غادة غانم مغنية لبنانية تحترف الفن الأصيل ومبتعدة كل البعد عن الحركات السطحية المعروفة عند بعض النجوم. ونحن نفتخر بمشاركتها برنامجنا الفني في شهر رمضان».
ومن طرابلس يحل كل من المغنييْن أمل رعد وماهر جوهر في 6 أبريل ضيفين عزيزين على مسرح المدينة، فيسهمان بإشراك عروس الشمال (طرابلس) مع عاصمة لبنان (بيروت) للاحتفاء بالمناسبة، فيقدمان أغنيات تندرج على لائحة الفن الأصيل ليستمتع بها جمهور المدينة الوفي لمسرح المدينة، وتتألف من أغانٍ قديمة ومواويل.
وتشير نضال الأشقر إلى أنه تم وضع أسعار بطاقات مقبولة للشرائح اللبنانية جميعاً. فمسرح المدينة يهدف من خلال حفلاته إلى تقديم ريعها لمساعدة الفنانين والموسيقيين في لبنان. فهي تتراوح بين 5 و15 دولاراً كي تكون متاحة أمام هواة الفن الأصيل جميعاً.
وفي حفل الفنان خالد العبد الله في 8 أبريل، سيتابع الحضور حفلة غنائية مفعمة بالأصالة تحت عنوان «خالد العبد الله يغني الشيخ إمام». وتتخلل الحفل أغانٍ لسيد درويش في ذكرى مئويته الأولى.

برنامج «رمضانيات» على مسرح المدينة... حفلات غنائية ومسرح

وفي موضوع المسرح تقدم فرقة «كهرباء» الفنية العمل المسرحي «الكباريه المهاجر». ويتناول قضية الهجرة والعنصرية في لبنان، وتتخلله فنون مختلفة من رقص وموسيقى ودمى متحركة. وتطل المسرحية على أزمة الهجرة وما تواكبها من مشكلات مثل معاناة الانتظار الطويلة على الحدود والتجارة بالأعضاء.
يشار إلى أن الحفلات جميعها تقام بين التاسعة والتاسعة والنصف مساءً على «مسرح المدينة» في شارع الحمراء.
وتختم الأشقر لـ«الشرق الأوسط»: «تواكب خشبة مسرح المدينة المناسبات جميعها في لبنان كعادتها منذ تأسيسها حتى اليوم. وفي الأشهر المقبلة نستضيف أسماء لامعة ومشهورة في عالم الفن منهم علي شحرور أشهر مصممي الرقص في العالم العربي، وسليمان البسام الفنان المسرحي الكويتي، فهما إضافة إلى غيرهما، يشكلون المدماك الدائم لمسرحنا. فيطلون عبر خشبته بفنونهم العريقة في برامج منوعة من كل عام وبينها مهرجان (مشكال) الفني».


مقالات ذات صلة

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق زحام على شراء الفوانيس في أسواق السيدة زينب (الشرق الأوسط)

الفوانيس المستوردة تفرض حضورها في مصر بتقاليع مبتكرة

وسط زحام ميدان السيدة زينب العريق بالقاهرة وبين آلاف القطع من فوانيس رمضان تجوّل الشاب محمد فتحي بين شوادر وخيام الميدان باحثاً عن «فانوس الزيت».

محمد عجم (القاهرة )
يوميات الشرق تشديد على ضرورة الالتزام بكل الشروط والأحكام المعتمدة لضمان انسيابية تنظيم الإفطار (واس)

حوكمة إفطار رمضان في الحرمين لتعزيز الشفافية والتنظيم

أطلقت «هيئة العناية بشؤون الحرمين» آلية حديثة وموثقة لتنظيم برنامج إفطار الصائمين، خلال شهر رمضان، ضمن منظومة متكاملة تعزز الحوكمة والشفافية وترفع كفاءة التنفيذ

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
يوميات الشرق أتقن جوان رَسْم ملامح «فجر» وقدَّم مشهديات صامتة (مشهد من «تحت سابع أرض»)

جوان خضر: لا تجوز المنافسة ضمن المسلسل الواحد

أتقن الممثل السوري جوان خضر رَسْم ملامح «فجر» في مسلسل «تحت سابع أرض» الرمضاني وقدَّم مشهديات صامتة أغنت الحوار. نطق بعينيه. شخصية مُركَّبة حملت أكثر من تفسير.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق في فيلم «نهاد الشامي» تُجسّد جوليا قصّار شخصية الحماة المتسلّطة (إنستغرام)

جوليا قصّار لـ«الشرق الأوسط»: الكيمياء بين ممثل وآخر منبعُها سخاء العطاء

ترى جوليا قصّار أنّ مشاركة باقة من الممثلين في المسلسل أغنت القصّة، ونجحت نادين جابر في إعطاء كل شخصية خطّاً يميّزها عن غيرها، مما ضاعف حماسة فريق العمل.

فيفيان حداد (بيروت)

«الأسهم الخليجية» تتراجع بفعل جني الأرباح وتراجع النفط

مواطن ينظر إلى شاشة تظهر تراجع أسهم  في «بورصة الكويت» (أ.ف.ب)
مواطن ينظر إلى شاشة تظهر تراجع أسهم في «بورصة الكويت» (أ.ف.ب)
TT

«الأسهم الخليجية» تتراجع بفعل جني الأرباح وتراجع النفط

مواطن ينظر إلى شاشة تظهر تراجع أسهم  في «بورصة الكويت» (أ.ف.ب)
مواطن ينظر إلى شاشة تظهر تراجع أسهم في «بورصة الكويت» (أ.ف.ب)

تباين أداء أسواق الأسهم الخليجية خلال تعاملات الثلاثاء، في ظل عمليات جني أرباح وتراجع أسعار النفط، فيما سجلت «بورصة قطر» مكاسب مدعومة بنتائج سنوية إيجابية لبعض الشركات.

وشهدت «سوق الأسهم السعودية» تقلبات في نطاق ضيق، وسط تعاملات يغلب عليها الحذر والانتقائية، مع ترقب المستثمرين إعلانات نتائج الشركات الكبرى؛ إذ تراجع المؤشر العام بنسبة 0.1 في المائة، متأثراً بانخفاض سهم «مصرف الراجحي» بنسبة 0.8 في المائة.

وتراجعت أسعار النفط، المحفّز الرئيسي لأسواق المنطقة، بشكل طفيف مع تقييم المستثمرين احتمالات تعطل الإمدادات، بعد توجيهات أميركية للسفن العابرة مضيق هرمز أعادت التركيز على التوترات بين واشنطن وطهران.

وتُصدّر إيران، إلى جانب السعودية والإمارات والكويت والعراق، معظم نفطها عبر المضيق، لا سيما إلى الأسواق الآسيوية.

وفي الإمارات، انخفض «مؤشر سوق دبي» بنسبة 0.6 في المائة، متجهاً لإنهاء سلسلة مكاسب استمرت 6 جلسات، مع تراجع سهم «سالك» بنسبة 2.2 في المائة، فيما هبط سهم «دبي للاستثمار» بنسبة 3.2 في المائة، مقلصاً جزءاً من مكاسبه السابقة. كما تراجع «مؤشر أبوظبي» بنسبة 0.1 في المائة بعد 6 جلسات صعود متتالية.

في المقابل، ارتفع «مؤشر بورصة قطر» بنسبة 0.8 في المائة، مدعوماً بصعود سهم «قطر للملاحة» بنسبة 3.2 في المائة، إلى جانب ارتفاع سهم «أوريدو» بنسبة اثنين في المائة عقب إعلانها نمو أرباحها خلال عام 2025.


إغلاقات قياسية في بورصة اليابان مع تفاؤل «صفقة تاكايتشي»

رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

إغلاقات قياسية في بورصة اليابان مع تفاؤل «صفقة تاكايتشي»

رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

أغلق مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم عند مستوى قياسي يوم الثلاثاء، في أعقاب أرباح ربع سنوية قوية وزخم فوز رئيسة الوزراء، ساناي تاكايتشي، الساحق في الانتخابات العامة.

وأنهى مؤشر «نيكي» جلسة الثلاثاء مرتفعاً بنسبة 2.3 في المائة إلى 57.650.54 نقطة، بينما ارتفع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً، الذي أغلق أيضاً عند مستوى قياسي، بنسبة 1.9 في المائة إلى 3.855.28 نقطة. وبدأ موسم إعلان الأرباح في رابع أكبر اقتصاد بالعالم. وتستمد الأسواق تفاؤلها من التوقعات بأن فوز تاكايتشي الساحق يوم الأحد الماضي سيمكّنها من تمرير برامج إنفاق ضخمة وتخفيضات ضريبية.

وقال تاكايوكي مياجيما، كبير الاقتصاديين في «مجموعة سوني المالية»: «بعد الفوز الساحق للائتلاف الحاكم في الانتخابات العامة، تزداد التوقعات بسياسة مالية استباقية، وتنتشر الآمال في انتعاش اقتصادي بسوق الأسهم المحلية». وارتفاع مؤشر «نيكي» بنسبة 12 في المائة حتى الآن هذا العام، جاء مدعوماً بآمال التحفيز المالي في عهد تاكايتشي، والارتفاع العالمي في أسهم شركات التكنولوجيا الذي عزز أسهم أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي. وشهد مؤشر «نيكي» ارتفاعاً في أسهم 176 شركة، مقابل انخفاض أسهم 46 شركة. وبلغت أسهم شركة «فوروكاوا إلكتريك»، المختصة في صناعة الكابلات، الحد الأقصى اليومي للارتفاع بعد أن أعلنت الشركة عن أرباح قوية يوم الاثنين، حيث ارتفعت بنسبة 22.3 في المائة يوم الثلاثاء، وحققت مكاسب هائلة بلغت 49.6 في المائة خلال الجلسات الثلاث الماضية. وقفزت أسهم شركة «مازدا موتور» بنسبة 12 في المائة، مسجلةً أكبر مكسب يومي منذ يوليو (تموز) الماضي، بعد أن أعلنت عن نتائج فاقت التوقعات. وفي غضون ذلك، قدّمت «مجموعةُ سوفت بنك»، التي تُعدّ مؤشراً رئيسياً لتوجهات الذكاء الاصطناعي في اليابان، أكبرَ دفعة لمؤشر «نيكي»، حيث ارتفعت أسهمها بنسبة 10.7 في المائة بعد صعود أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية وقبل إعلان أرباح الشركة يوم الخميس.

* تراجع المخاوف

من جانبها، انخفضت عوائد السندات الحكومية اليابانية يوم الثلاثاء، مع تراجع المخاوف بشأن الإنفاق التوسعي للبلاد وتراجع التوقعات برفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة. وانخفض عائد السندات الحكومية اليابانية القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 2.5 نقطة أساس إلى 2.265 في المائة. كما انخفض عائد السندات لأجل 5 سنوات بمقدار 3 نقاط أساس إلى 1.71 في المائة.

وعزز الفوز التاريخي لـ«الحزب الليبرالي الديمقراطي» في انتخابات مجلس النواب يوم الأحد الماضي فرص تاكايتشي في المضي قدماً بإجراءات التحفيز الاقتصادي. وكانت قد تعهدت بتخفيف أعباء المعيشة على الأسر عبر تعليق ضريبة نسبتها 8 في المائة على المواد الغذائية، لمدة عامين، وهي خطوة وصفتها بأنها «حلم طال انتظاره». وقال إيتشيرو ميورا، كبير المديرين العامين للاستثمارات في شركة «نيساي» لإدارة الأصول: «يتوقع المستثمرون ألا تتعجل تاكايتشي في خفض الضرائب على المواد الغذائية؛ لأن هذا الفوز الساحق يمنحها القدرة على المضي قدماً».

ويوم الاثنين، ارتفعت عوائد السندات قصيرة الأجل مع ترقب السوق انخفاض قيمة الين. وارتفع عائد السندات لأجل عامين إلى أعلى مستوى له منذ مايو (أيار) 1996، بينما سجل عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 5 سنوات مستوى قياسياً. وقال ميورا: «اتضح أن الين لم يضعف... لذا؛ فقد تراجعت توقعات رفع (بنك اليابان) سعر الفائدة مبكراً اليوم». وكانت السوق تتوقع عودة ما تُعرف بـ«صفقة تاكايتشي» في فترة ما بعد الانتخابات، حيث من شأن رئيس وزراء يتبنى سياسة مالية متساهلة أن يُضعف الين والسندات بينما ترتفع الأسهم. وعادةً ما يؤدي ضعف الين إلى زيادة تكاليف الاستيراد؛ مما يدفع بالأسعار المحلية إلى الارتفاع.


الذكاء السببي في الطب: رؤية جديدة لعلاقة السبب والنتيجة

حين تتعلم الخوارزمية فهم العلة قبل النتيجة
حين تتعلم الخوارزمية فهم العلة قبل النتيجة
TT

الذكاء السببي في الطب: رؤية جديدة لعلاقة السبب والنتيجة

حين تتعلم الخوارزمية فهم العلة قبل النتيجة
حين تتعلم الخوارزمية فهم العلة قبل النتيجة

اعتمد الذكاء الاصطناعي الطبي خلال السنوات الماضية، بصورة أساسية على تحليل الارتباطات الإحصائية بين المتغيرات. فإذا تكررت مجموعة من الأعراض أو المؤشرات الحيوية مع مرض معين في عدد كبير من الحالات، تعلّم النموذج أن يربط بينها ويقترح تشخيصاً أو توقعاً مبنياً على هذا التكرار. وقد حققت هذه المقاربة نجاحاً ملحوظاً في مجالات مثل قراءة الصور الشعاعية، وتحليل تخطيط القلب، والتنبؤ بالمضاعفات في وحدات العناية المركزة.

الإنسان في مركز المعادلة

رصد العامل المسبب... لا المصاحب

غير أن الطب، بوصفه علماً قائماً على فهم الآليات، لا يكتفي بإثبات أن أمرين يحدثان معاً، بل يسعى إلى تحديد ما إذا كان أحدهما يسبب الآخر. فالتمييز بين العامل المسبب والعامل المصاحب ليس مسألة نظرية، بل هو أساس القرار العلاجي الصحيح. من هنا برز في عام 2026 توجه بحثي متقدم يُعرف بالذكاء السببي، وهو إطار منهجي يهدف إلى تمكين الخوارزميات من تحليل العلاقات السببية بدلاً من الاكتفاء بالارتباطات الإحصائية.

«الذكاء السببي»

ما المقصود بالذكاء السببي؟ هو منهج في تصميم نماذج الذكاء الاصطناعي يركّز على بناء خرائط أو نماذج تمثل العلاقات بين الأسباب والنتائج داخل النظام المدروس، سواء كان ذلك جسم الإنسان أو مسار مرض معين. وبدلاً من أن يسأل النموذج: «ما المتغيرات التي تتكرر معاً؟»، فإنه يحاول الإجابة عن سؤال أعمق: «ما المتغير الذي يؤدي فعلياً إلى حدوث الآخر؟».

هذا التحول يسمح للنظام بالتمييز بين العوامل المربكة التي قد تعطي انطباعاً بوجود علاقة، وبين العوامل التي تلعب دوراً سببياً حقيقياً. كما يتيح إمكانية اختبار سيناريوهات افتراضية، أي تقدير ما الذي قد يحدث لو تم تطبيق تدخل علاجي معين أو تغييره.

دراسة 2026: نموذج سببي لدعم القرار السريري

في فبراير (شباط) 2026، نشرت مجلة «نتشر ميديسن» المرموقة (Nature Medicine) دراسة بعنوان «النماذج التأسيسية السببية لدعم القرار السريري»، قادها الباحث إلياس بارينبويم وفريقه في جامعة كولومبيا في نيويورك (*).

ركزت الدراسة على تطوير نموذج سببي قادر على دمج البيانات السريرية الزمنية، مثل العلامات الحيوية وتحاليل المختبر، مع بنية سببية محددة مسبقاً تُمكن النظام من تحليل المسارات المرضية بصورة أعمق. وتم تطبيق النموذج على بيانات مرضى في وحدات العناية المركزة، مع التركيز على التنبؤ بمضاعفات الإنتان (تسمم الدم).

وأظهرت النتائج أن النموذج السببي حقق أداءً أفضل من النماذج الإحصائية التقليدية في تقليل الإنذارات الكاذبة، كما أتاح تفسيراً أوضح لسبب إصدار التوصية؛ ما يعزز قابلية الاعتماد عليه في البيئات السريرية. وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لم ترفع مستوى الدقة فحسب، بل قدمت إطاراً يربط بين التحليل الرياضي والمنطق السريري القائم على فهم الآلية المرضية.

الطب الافتراضي: محاكاة القرار قبل تنفيذه

أثر الذكاء السببي في الممارسة الطبية

يسهم الذكاء السببي في تحسين جودة القرار الطبي على مستويات عدة.

- أولاً، يقلل من أخطار التحيز الناتج من بيانات غير متوازنة؛ لأن النموذج يسعى إلى فصل أثر المتغيرات الديموغرافية أو السياقية عن المسار المرضي الحقيقي.

- ثانياً، يتيح للطبيب الاطلاع على تفسير منطقي للتوصية الصادرة عن النظام، بدل الاكتفاء بنتيجة رقمية.

- ثالثاً، يفتح المجال لاستخدام التفكير الافتراضي، بحيث يمكن تقدير أثر قرار علاجي قبل تنفيذه فعلياً.

ومع ذلك، فإن بناء نموذج سببي يتطلب افتراضات واضحة حول طبيعة العلاقات بين المتغيرات. وإذا كانت هذه الافتراضات ناقصة أو غير دقيقة، فقد يؤدي ذلك إلى تحليل سببي مضلل. لذلك؛ يبقى إشراف الطبيب عنصراً أساسياً، سواء في تفسير النتائج أو في اتخاذ القرار النهائي.

بين التراث الطبي والمنهج الرقمي

فكرة البحث عن العِلّة ليست جديدة في تاريخ الطب. فقد أكد ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن التشخيص الدقيق يقوم على التمييز بين العرض والسبب، وأن العلاج لا يكون فعالاً إلا إذا استهدف أصل المرض لا مظاهره فقط. وما يقدمه الذكاء السببي اليوم هو إعادة صياغة هذا المبدأ بلغة رياضية رقمية، مع الاستفادة من كميات ضخمة من البيانات السريرية.

وبهذا المعنى، فإن الذكاء السببي لا يمثل قطيعة مع التراث الطبي، بل امتداداً له في سياق علمي وتقني مختلف.

مرحلة متقدمة في تطور الذكاء الاصطناعي الطبي

يمثل الذكاء السببي في عام 2026 مرحلة متقدمة في تطور الذكاء الاصطناعي الطبي؛ لأنه ينقل الخوارزميات من مستوى التعرف على الأنماط إلى مستوى تحليل العلاقات بين الأسباب والنتائج. ومع أن هذه المقاربة لا تلغي الحاجة إلى الحكم السريري البشري، فإنها توفر أداة أكثر عمقاً وشفافية لدعم القرار.

ويبقى جوهر الطب ثابتاً: فهم السبب قبل معالجة النتيجة، وتوظيف التقنية في خدمة الإنسان، لا في استبدال مسؤوليته.

(*)Bareinboim, E., et al. (2026). Causal Foundation Models for Clinical Decision Support. Nature Medicine. Columbia University, New York, USA.