ما هو السر وراء الإقبال على فيلم هندي يعرض كل شيء؟

احتفال غربي بالعمل مع أن مخرجه مغمور

فيلم «RRR» غناء ورقص وقصّة حب أيضاً (دي في في إنترتنمنت)
فيلم «RRR» غناء ورقص وقصّة حب أيضاً (دي في في إنترتنمنت)
TT

ما هو السر وراء الإقبال على فيلم هندي يعرض كل شيء؟

فيلم «RRR» غناء ورقص وقصّة حب أيضاً (دي في في إنترتنمنت)
فيلم «RRR» غناء ورقص وقصّة حب أيضاً (دي في في إنترتنمنت)

صاحب الإقبال الكبير الذي شهده فيلم «RRR» في أواخر العام الماضي وأوائل هذا العام، اهتمام بعض المصادر السينمائية (مجلات ورقية ومنصّات إلكترونية) بالفيلم على مستوى نقدي. السبب لا يعود إلى أن العديد من نقاد الغرب باتوا يتعاملون مع كل جديد آسيوي يبرهن عن كفاءته الفنية مصحوباً بحملة إعلامية أو بنجاح تجاري، بل إلى أن «RRR» فيلم يختلف، إلى حد ملحوظ، عن معظم ما يخرج من تحت إبط السينما الهندية الضخمة.
احتفلت مجلات نقدية كبيرة بهذا الفيلم الذي قام بتحقيقه أس. أس. راجامولي، وهو ليس معروفاً في الغرب على الإطلاق. نجوم الفيلم هم كبار في الهند وربما الشرق العربي، لكنهم لا يعنون الكثير بالنسبة لسواهم. والمخرج راجامولي، في نهاية المطاف، ليس مرينال سن أو رتويك خاداك أو ساتياجت راي أو فاندوكري شانترام وسواهم من المخرجين الذين خرجوا عن خط التقليد في السينما التجارية، الذين تم الاحتفاء بهم على صفحات المجلات السينمائية المتخصصة في الغرب. رغم ذلك، نشر عنه مقالات ومقابلات في مجلات متخصصة مثل «كاييه دو سينما» الفرنسية و«سايت أند ساوند» البريطانية و«ذا هوليوود ريبورتر» الأميركية.

- ثورة وضدها
وبينما يعود هذا الاهتمام الغربي بهذا الفيلم إلى جديد يحتويه وعناصر فنية مذهلة تواكبه من اللقطات الأولى وحتى الأخيرة، إلا أن النجاح كان مقروناً أيضاً بالفانتازيا الكبيرة التي أنجزها الفيلم، التي جعلت كل ما هو غير معقول مقبول. هذا على عكس «كل شيء كل مكان في آن واحد» الذي بقي غير معقول الأحداث، معيلاً نجاحه على غرابة تكوينه ودمج الخيال بمزيد من الخيال.
في «RRR» ليس هناك من واقع على الإطلاق، بل خيال في خيال وبالطريقة التي يعرفها متابعو السينما البوليوودية مضروبة بأضعاف ومحتوية على العناصر الميلودرامية جميعاً من الدراما إلى التراجيديا والكوميديا والغناء والفانتازيا والاستعراضات الكبيرة.
الشرط الذي يضعه المخرج راجمولي لمتابعة الحكاية كمتعة ترفيهية هي أن يترك المُشاهد المنطق بعيداً عندما ينبري لمشاهدة الفيلم. ليس هناك لحظة واقعية في كل ما يدور، حتى وإن خلت من مجابهة أو قتال.
لجانب الميلودراما (ومعناها هنا تعدد الدراميات، كما هو المفهوم المشتق من الإغريقية) هو فيلم ينطلق من الرغبة في الثورة بما يسمح ذلك من تلوين سياسي. فأحد بطليه (رام شاران) وعد والده في عشرينات القرن الماضي بمتابعة حربه ضد الاحتلال البريطاني. التمهيد لهذا الوعد يمر بلا تفسير يتجاوز الموقف، حين كان راجو (شاران) صغيراً لكن الغريب فيه أن الشاب ينقلب من مشروع مناضل ضد الحكم البريطاني إلى مدافع عنه، وقد أصبح شاباً منضماً إلى الحامية البريطانية آملاً في أن يتم تكريمه ورفع رتبته بعدما أبلى (في مطلع الفيلم) بلاء غير منظور ضد مئات المتظاهرين ضرباً ورفسا وقتلاً بمفرده.
في الثلث الأخير من الفيلم سيتذكر راجو وعده، ويقرر أن عليه أن يفي به، هذا بعدما نال بالفعل ما صبا إليه من رتبة عالية واحترام من قِبل القيادة.
راجو ليس وحده في بطولة الفيلم. هناك كومارام (قام به ن.ت. راما راو) «بيم»، الذي تحمّل كذلك مسؤولية وعد قطعه على نفسه (لكنه التزم به) وهو استعادة فتاة خطفها القصر البريطاني في الهند لكي تكون خادمة. كومارام يثور معبّراً عن المحتجين والمعادين للاستعمار البريطاني في البلاد، لكن الفيلم لا يتناول الثورة كقضية سياسية، بل يهمّه الاستفادة من الجموع لتنفيذ مشاهد مثيرة.

فيلم «RRR» أكشن للعالم (دي في في إنترتنمنت)

- ضرب ورقص
ينتمي راجو وكومارام إلى خطّين متناقضين: واحد مع الإنجليز والآخر ضدهم، ولو إلى أن يتم استعادة الفتاة من خاطفيها. راجو لا يعلم أن كومارام يقود ثورة المضطهدين، الذي لا يعلم أيضاً أن راجو يبحث عن قائد تلك الثورة (التي تبقى في إطار عشوائي وغير مؤثر) الذي هو. يتصادقان. يرقصان ويغنيان ويحبّان الفتاة البريطانية ابنة الحاكم الجائر ذاتها، ثم يدخلان في اشتباك عنيف كل ضد الآخر عندما يدرك حقيقته.
لا يترك الفيلم خيالاً جانحاً إلا وطرقه: نمر شرس يواجه كومارام الذي يصرخ في وجه النمر فيخاف هذا منه ويبتعد عنه. يطير في الفضاء ويرمي السهام. يتسابق راجو وكومارام على جانبي قطار منطلق ويسبقان القطار. الرصاص يملأ صدر أحدهما لكن هذا لا يمنعه من مواصلة القتال. كومارام تحت السياط القاسية لكن عوض الصراخ ألماً يغني. وراجو يواجه مئات المحتجين الذين يرغبون في منازلته ويتغلب عليهم أفراداً وجماعات.
إذ يعالج المخرج الفيلم كأسطورة، فإن مجال تطبيق قواعد المنطق على ما نراه ليست واردة. رغم ذلك، يبرز غياب الأسباب والدوافع (على النحو المذكور آنفاً)، وهذه ضرورية حتى في الأسطورة.
الفيلم ضد الاحتلال البريطاني وهناك مشهد واحد يلمح فيها المخرج سريعاً إلى أن مناهضة الوجود العسكري البريطاني. رغم ذلك، الفيلم قد يكون معادياً للإنجليز لكنه أبعد من أن يكون عملاً سياسياً. في أفضل أحواله هو أكشن كبير بين فريقين خيّرين بعدما انضم راجو إلى كومارام مما يترك الإنجليز وحدهم كأشرار بدءاً من الحاكم البريطاني وزوجته الأرستقراطية وكل الحامية وسكان القصر باستثناء الشابة التي تقع في حب كومارام.
لا يجيد بطلا الفيلم كل فن قتال ممكن فقط، بل كذلك الرقص والغناء. وهناك أغانٍ عدة موزّعة على طول الفيلم (3 ساعات) بما فيها أغنية لكومارام وهو يتلقى الضرب بالسياط على ظهره، وأخرى في قصر الحاكم مزدانة بالألوان الفاقعة والإدارة الفنية الماهرة.
«RRR» فيلم كبير الحجم (الأغلى تكلفة في تاريخ الهند كما تردد إذ بلغت ميزانيته ما يوازي 72 مليون دولار) وهو رائع في خضم مشاهده الكبيرة. التصوير الفعلي والمؤثرات وتصميم الأفكار متلاحمة بإنجاز فني جيد. القول إنه فيلم كبير ليس وصفاً مناسباً. الوصف الصحيح إنه فيلم كبير مضروب بعشرة أضعاف المعتاد عليه في معالجات السينما الهندية الميلودرامية. رغم النجاح التجاري (جلب من السوق العالمية 140 مليون دولار عدا ما جناه من داخل الهند) فإن الفيلم لم يسجل تحوّلاً في مفاهيم وعادات المتلقي الغربي صوب الأفلام الهندية. هذا دَخل الفيلم لأنه وعده بـ «أكشن» لا مثيل له. هذا يشبه، رغم اختلافات، مع الإقبال الذي شهدته أفلام الكونغ فو ومبارزات السيوف الصينية في السبعينات وما تلاها التي قدّمت خيالات جانحة حول أبطال يسعون للعدالة أو ما يشبهها.
لكن ماذا لو أن «RRR» كان فيلماً هندياً جادّاً فيما يعرضه؟ هل كان سيترك هذا التأثير التجاري في أوروبا والولايات المتحدة؟
الجمهور الغربي يحب أن يرى الهند من زاوية غربية: بعيني مخرجين بريطانيين وأميركيين أمثال ديفيد لين «ممر إلى الهند» ورتشراد أتبنبورا «غاندي» وداني بويل («سلمدوغ مليونير»). أما الدور المناط بالفيلم الهندي الذي قد يطرح التاريخ والعلاقة مع الغرب، كما يفعل «RRR» فسيبقى في مدار السرد والعرض غير الواقعيين وتحت بند التسلية والترفيه.


مقالات ذات صلة

إسلام مبارك لـ«الشرق الأوسط»: دوري في «أسد» ساعدني إنسانياً

يوميات الشرق الممثلة السودانية إسلام مبارك (حسابها على فيسبوك)

إسلام مبارك لـ«الشرق الأوسط»: دوري في «أسد» ساعدني إنسانياً

قالت الممثلة السودانية إسلام مبارك إن مشاركتها في الفيلم المصري «أسد» جاءت بعد مرحلة مهمة في مشوارها الفني.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق خافيير بارديم وفيكتوريا لوينغو في «المحبوبة» (ملف مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في «مهرجان كان»: فيلمان في واحد... كلاهما رائع

هو فيلم عن تصوير فيلم، كما كانت حالة عدد من الأفلام السابقة.

محمد رُضا (كان)
يوميات الشرق الفنان عادل إمام والمخرج وائل إحسان في الكواليس (الشرق الأوسط)

«متواضع» و«منضبط» و«أستاذ»... فنانون يتذكرون كواليسهم مع عادل إمام

يحتفل الفنان المصري عادل إمام، الملقَّب بـ«الزعيم»، بعيد ميلاده الـ86، الذي يوافق 17 مايو.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق توفيق الدقن في لقطة من أحد أعماله (أرشيفية)

الوسط الفني المصري يُجدد المطالبة بحق «الأداء العلني»

جدد فنانون مصريون مطالبتهم بحق الأداء العلني وحماية حقوق الملكية الفكرية، ليستفيد منها جميع المبدعين، لا سيما في ظل تعدد قنوات العرض والمنصات الرقمية.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق لقطة من «أسد» - الشركة المنتجة

«أسد» و«الكلام على إيه؟» ينعشان إيرادات السينما المصرية بعد أسابيع هزيلة

أنعش فيلما «أسد» و«الكلام على إيه» إيرادات السينما المصرية بتحقيق 27 مليون جنيه (الدولار يساوي 53.5 جنيه في البنوك) خلال 4 أيام عرض فقط.

أحمد عدلي (القاهرة)

من باريس... ولادة صالون للسينما السعودية المستقلة

مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)
مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)
TT

من باريس... ولادة صالون للسينما السعودية المستقلة

مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)
مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)

في خطوة تجمع بين السينما والفنون البصرية والحوار الثقافي، تستعد المخرجة السعودية جيجي حزيمة لإطلاق «صالون السينما السعودية المستقلة» في العاصمة الفرنسية باريس، بوصفه مشروعاً ثقافياً وفنياً يسعى إلى إعادة تقديم السينما السعودية المستقلة ضمن سياق فني وإنساني يتجاوز فكرة العروض التقليدية. ومن المقرر انطلاقة الدورة الأولى للصالون في التاسع من يوليو (تموز) المقبل، ليصبح منصة سنوية مخصصة للسينما السعودية المستقلة وسينما المؤلف.

في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أوضحت جيجي أن المشروع يحمل بعداً يتجاوز تنظيم فعالية سينمائية عابرة، وأضافت: «صالون السينما السعودية المستقلة هو منصة ثقافية وفنية سنوية أطلقتها في باريس بهدف إعادة تقديم السينما كفن حي ومساحة للتأمل والحوار، بعيداً عن الاستهلاك السريع والصيغ التجارية التقليدية». وأبانت أن برنامج الصالون يجمع بين عروض الأفلام والنقاشات الفنية والمعارض التشكيلية، مستهدفاً جمهور السينما والفنون في فرنسا وأوروبا.

تؤمن حزيمة بضرورة التواصل الثقافي عن طريق السينما والفنون البصرية (الشرق الأوسط)

رهان على سينما المؤلف

تؤكد حزيمة أن الفكرة بدأت من رغبة في خلق مساحة تحتضن «سينما المؤلف» والأعمال التي تمتلك لغة بصرية وإنسانية خاصة، وأضافت: «الفكرة بالنسبة لي لم تكن مجرد تنظيم عروض أفلام، بل خلق مساحة تحتضن سينما المؤلف والأصوات الفنية التي تمتلك رؤية بصرية وإنسانية خاصة».

وبحماسة عالية، تصف جيجي المبادرة بأنها محاولة لصناعة «سياق ثقافي» يحيط بالأفلام، أكثر من كونها مساحة عرض فقط، موضحةً أن تجربتها الشخصية التي خاضتها في عواصم عالمية لعبت دوراً محورياً في تشكيل رؤيتها للمشروع، قائلةً: «عملت لسنوات ضمن مساحات السينما المستقلة في نيويورك ولندن، وكنت قريبة من تجارب سينمائية تؤمن بالسينما لغةً فنيةً وإنسانيةً، لا منتج تجاري فقط».

وتشير إلى أن تجربتها مع تأسيس شركة إنتاج مستقلة جعلتها أكثر قرباً من التحديات التي تواجه الأعمال ذات اللغة الشخصية والشاعرية، خصوصاً تلك التي تتحرك خارج القوالب السائدة، مبينةً أن كثيراً من الأفلام المهمة تحتاج إلى بيئة ثقافية تحيط بها وتفتح حولها حواراً حقيقياً مع الجمهور.

وبسؤالها عن السينما السعودية المستقلة اليوم، ترى حزيمة أنها تمتلك صوتاً فنياً يستحق الحضور عالمياً ضمن إطار ثقافي وفني متكامل، قائلةً: «أؤمن بأن السينما ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل وسيلة لفهم الإنسان والعالم، وأن السينما السعودية المستقلة اليوم تمتلك لغة فنية تستحق أن تُقدَّم عالمياً ضمن سياق ثقافي وفني حقيقي».

ويضم برنامج الدورة الأولى عرض فيلمها الروائي الجديد «ثم يأتي الشتاء And Then Comes Winter»، الذي تصفه بأنه «عمل سينمائي شاعري يتناول العلاقات الإنسانية والهشاشة العاطفية في عالم يقف على حافة الحرب»، إلى جانب برنامج للأفلام القصيرة لمخرجين ومخرجات سعوديين، يُعرض بعض أعمالهم للمرة الأولى في أوروبا عبر منصة الصالون.

مشهد من أحدث أفلام حزيمة «ثم يأتي الشتاء» (الشرق الأوسط)

«ثم يأتي الشتاء»

يبدو فيلم «ثم يأتي الشتاء» امتداداً واضحاً لروح السينما التي تحاول جيجي حزيمة الدفاع عنها من خلال مشروعها الثقافي، حيث ينتمي إلى سينما التأمل والمشاعر الداخلية أكثر من اعتماده على الحدث المباشر أو الحبكات المتسارعة، ويتحرك بإيقاع بصري هادئ قائم على اللقطات الطويلة والصمت والمساحات الشعورية الممتدة، مع حضور محدود للحوار مقابل تركيز أكبر على التعبير البصري والانفعالات الإنسانية الدقيقة.

ورغم أن الفيلم ناطق باللغة الإنجليزية، فإن حكايته تبدو قريبة من أي مشاهد، لأنه ينشغل بالإنسان أولاً؛ بالخوف، والارتباك، والهشاشة، والشعور المفاجئ بفقدان الأمان في عالم يقف على حافة الحرب، حيث تتحول الوحدة والقلق إلى حالة شعورية مستمرة ترافق شخصيتيه الرئيسيتين طوال الفيلم.

ويحمل الفيلم أيضاً انعكاساً واضحاً لتجربة مخرجته الشخصية ورؤيتها المختلفة داخل المشهد السينمائي السعودي، خصوصاً أن جيجي، المولودة في منطقة مكة المكرمة، عاشت خارج السعودية لأكثر من 20 عاماً، وهو ما منح تجربتها السينمائية حساً بصرياً وثقافياً أقرب إلى سينما المؤلف العالمية والأفلام ذات الطابع الإنساني والشاعري.

المخرجة السعودية جيجي حزيمة (الشرق الأوسط)

تجربة فنية متكاملة

وفي جانب موازٍ للعروض السينمائية، يتضمن الصالون معرضاً تشكيلياً مشتركاً مع الفنانة السعودية هناء حجازي، بهدف خلق حوار بين الصورة السينمائية والصورة التشكيلية، وتحويل الحدث إلى مساحة متعددة الفنون. وهنا توضح حزيمة أن فكرة الربط بين السينما والفنون البصرية جاءت من إيمانها بأن التجربة الفنية المتكاملة تفتح أفقاً أوسع للتأمل والتفاعل، مضيفةً أن الصالون يسعى إلى تقديم تجربة ثقافية «أكثر حميمية وعمقاً»، تحتفي بالحوار الإنساني والفني بعيداً عن الطابع التنافسي المعتاد في الفعاليات السينمائية.

تقول في هذا السياق: «المشروع يحاول إعادة تقديم فكرة الصالونات السينمائية والثقافية بروح معاصرة، من خلال خلق مساحة تجمع بين السينما، والفكر، والفن، والحوار الإنساني، ضمن تجربة ثقافية أكثر حميمية وعمقاً». وترى أن المبادرة تستعيد أيضاً روح الصالونات الثقافية العربية التاريخية ولكن من خلال السينما، ضمن انطلاقة سعودية معاصرة من باريس، معتبرة أن هذا الجانب يمنح المشروع خصوصيته داخل المشهد السينمائي العربي.

جيجي حزيمة خلف الكواليس (الشرق الأوسط)

سينما تترك أثراً طويلاً

وحسب حزيمة، فإن الصالون يمثل «حالة سينمائية وموقفاً ثقافياً وفنياً»، أكثر من كونه فعالية عرض أفلام، إذ تسعى من خلاله إلى المساهمة في بناء سينما سعودية تمتلك قيمة إنسانية وفنية طويلة الأمد، وتترك أثراً بصرياً وثقافياً للأجيال المقبلة. كما تؤكد أن المشروع يركز على خلق مساحة للأفلام التي تمنح الجمهور تجربة شعورية وفكرية، وتترك أثراً داخلياً يتجاوز لحظة المشاهدة العابرة، قائلةً: «هناك حاجة لمساحات أهدأ وأكثر صدقاً تحتفي بالأفلام التي تترك أثراً داخلياً، وتمنح الجمهور تجربة شعورية وفكرية».

كما ترى حزيمة أن هذا المشروع يحمل أيضاً بعداً رمزياً على مستوى السينما السعودية، قائلةً: «أعتقد أن من أكثر الأمور التي تميّز هذه المبادرة أنها تُعد من أولى المبادرات في تاريخ السينما السعودية التي تقوم فيها مخرجة سعودية مستقلة بتأسيس صالون سينمائي وفني يحمل رؤيتها الشخصية خارج الإطار المؤسسي التقليدي».

يشار إلى أن هذا المشروع يأتي تحت مظلة شركة الإنتاج المستقلة التابعة لها «Look At The Wall Productions»، بالشراكة مع مدرسة إيسرا للسينما في باريس، وبشراكة ثقافية مع حي سينما التابع لـ«فن جميل»، إلى جانب تعاون مع معهد العالم العربي بباريس، فيما تتولى «ميم للفنون» الرعاية الإعلامية الرقمية للصالون.

Your Premium trial has ended


جوائز «كان» تُمنح لـ«سينما المؤلف» أكثر من سواها

«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)
«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)
TT

جوائز «كان» تُمنح لـ«سينما المؤلف» أكثر من سواها

«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)
«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)

تشهد الدورة 79 من مهرجان «كان» هذا العام طرح عدة موضوعات ساخنة على بساط البحث، من بينها النقد الجاهز بأن المسابقة لا تتضمن توازناً بين أفلام المخرجين الذكور (17 فيلماً) وتلك التي أخرجتها نساء (5 أفلام). وجاء رد المدير الفني تييري فريمو بسيطاً، وإن متأخراً: «الأولوية للفيلم الجيد، لا لجنس مخرجه».

موضوع آخر يتمثل في العلاقة بين السينما والسياسة: هل هما متلازمان أم منفصلان؟ وإذا كانا متلازمين، فهل يمكن الفصل بينهما بحيث يستبعد المهرجان الخطاب السياسي؟ كيف يمكن ذلك، يرد آخرون، وعدد لا بأس به من الأفلام التي يعرضها المهرجان هذا العام، كما في أعوام سابقة، أفلام سياسية؟ وأين تذهب أفلام القضايا المحورية والأعمال التي تكشف ويلات الحروب؟

أما المحور الثالث، فهو غياب «هوليوود» عن «كان» بصورة ملحوظة. وليس هذا الغياب جديداً، لكنه بات يتكرر، مما فتح الباب أمام تأويلات وتحليلات متعددة شهدها المهرجان منذ انطلاقته وحتى اليوم.

شون بن في «ميستيك ريفر» لإيستوود (وورنر)

تجارب سابقة

شهدت الدورات الـ78 الماضية من هذا المهرجان فوز الأفلام الأميركية بجائزة السعفة الذهبية 21 مرة فقط. وكان أولها فيلم «الويك إند الضائع» (The Lost Weekend) سنة 1945، الذي عُرض في دورة 1946، من إخراج بيلي وايلدر وبطولة راي ميلاند. وبعد عامين، فاز فيلم أميركي ثانٍ بـ«السعفة الذهبية» هو «مرمى نيران» (Crossfire) لإدوارد دميتريك، ثم في عام 1947 فاز فيلم الرسوم المتحركة «دمبو» (Dumbo) من إنتاج «ديزني» بالجائزة نفسها، تلاه فيلم ضعيف بعنوان «زيغفيلد فوليز» (Ziegfeld Follies)، شارك في إخراجه 3 مخرجين، وقام ببطولته ويليام باول، وجودي غارلاند، ولوسيل بول.

مرت أكثر من 10 سنوات قبل أن يمنح المهرجان جائزته، عام 1955، لفيلم أميركي آخر هو «مارتي» (Marty) لدلبرت مان، وهي دراما تُعد أفضل ما أنجزه المخرج في مسيرته. وفي عام 1957 نال «إقناع ودود» (Friendly Persuasion) لويليام وايلر، مع غاري كوبر في الدور الرئيسي، «السعفة الذهبية»، قبل أن يسود جفاف استمر حتى عام 1970.

وفي عام 2003، ترأس المخرج الفرنسي باتريس شيرو لجنة التحكيم التي منحت جائزتها الأولى لفيلم «فيل» (Elephant) من إخراج غاس فان سانت، متجاوزة أعمالاً أكثر نضجاً وأفضل مستوى، من بينها «ذلك اليوم» (Ce jour-là) لراوول رويز، و«مسبح» (Swimming Pool) لفرانسوا أوزون، و«مسافة» لنوري بيلغه جيلان.

لكن الخسارة الأفدح في ذلك العام كانت لفيلم «ميستيك ريفر» (Mystic River) لكلينت إيستوود.

لم يبالِ النقد الغربي كثيراً بالأفلام المذكورة، بما فيها «فيل»، بقدر ما احتفى بفيلم إيستوود الرائع، الذي تناول حكاية 3 أصدقاء يعيشون جروحاً داخلية لم يمحها الزمن. ولم يكن «ميستيك ريفر» مجرد قصة درامية متماسكة ومؤثرة، بل كان أحد أفضل الأفلام المعروضة في تلك السنة، وبالتأكيد أكثر إتقاناً من الفيلم الفائز.

وبعد نحو 10 سنوات، التقيت كلينت إيستوود في استوديو «وورنر» بـ«هوليوود»، وسألته عن شعوره حين لم يفز بالجائزة الأولى. ضحك وقال: «لم أشاهد الفيلم الذي فاز بالجائزة، لكنني قرأت وسمعت عنه لاحقاً. وتساءلت: كيف تحكم لجان التحكيم على أفلام دون أخرى؟ وما معاييرها إذا لم تكن جودة الفيلم، وهي الأهم في نظري، في مقدمة تلك المعايير؟».

فازت الأفلام الأميركية بسعفة مهرجان «كان» السينمائي 21 مرة فقط خلال 78 دورة

مردود إعلامي

الوضع الحالي في هذا الشأن يعود، في بعض أوجهه، إلى أن الأفلام الأميركية التي دأبت على المشاركة في غالبية دورات «كان» السابقة لم تعد تجد في المهرجان المنصة التي تثير اهتمامها. ويعود ذلك أساساً إلى شعور «هوليوود» بأن العائد محدود، بدليل أن 21 فيلماً فقط فازت بالسعفة الذهبية خلال 78 عاماً، خصوصاً أن معظم الأفلام الأميركية الفائزة، مثل «فيل» و«بارتون فينك» و«أنورا» في العام الماضي، كانت من إنتاجات مستقلة، لا من إنتاج الشركات الكبرى مثل «باراماونت»، و«فوكس»، و«ديزني»، و«وورنر».

كما تدرك «هوليوود» أن أفلام ما يُعرف بـ«سينما المؤلف» هي التي تميل لجان التحكيم إلى دعمها ومنحها الجوائز. وهذا التوجه لا يقتصر على مهرجان «كان»، إذ شهد «برلين» أيضاً تراجعاً مماثلاً في الحضور الأميركي، نتيجة امتناع «هوليوود» عن إرسال أفضل إنتاجاتها. أما مهرجان «فينيسيا»، فقد يواجه الظاهرة نفسها، وإنْ كان الأقل تأثراً، لأنه يسبق مباشرة موسم الجوائز الأميركية، ما يجعل «هوليوود» أكثر حاجة إليه من غيره.

وفي الواقع، لا تستفيد «هوليوود» كثيراً من الجوائز المهرجانية حتى عندما تفوز بها أعمالها، لأنها لا تجد في هذا الاحتفاء مردوداً إعلامياً إيجابياً يوازي توقعاتها. فهي تنفق مبالغ كبيرة على المشاركة، ثم تخرج غالباً من دون مكاسب تُذكر. صحيح أن الأفلام الأميركية المستقلة تحافظ على حضور ملحوظ في «برلين» و«كان» و«فينيسيا»، لكن نجاحها التسويقي يبقى محدوداً.

كذلك، فإن موقف كثير من النقاد الغربيين من أي حضور أميركي كبير يكون، في العادة، سلبياً، ما يقلل من حاجة «هوليوود» إلى هذه المهرجانات أو غيرها.

والأمثلة كثيرة، وآخرها ما عرضه «كان» العام الماضي من أفلام أميركية مثل «المؤامرة الفينيقية» (The Phoenician Scheme) ويس أندرسون، و«موجة جديدة» (Nouvelle Vague) لريتشارد لينكليتر، و«ماسترمايند» (The Mastermind) لكيلي رايشارت، و«مت يا حبي» (Die My Love)، وهي أعمال لم تحقق نجاحاً تجارياً يُذكر.

أما هذا العام، فتمثل السينما الأميركية المستقلة فيلمان: «نمر من ورق» لجيمس غراي ضمن المسابقة الرسمية، و«الرجل الذي أحب» لإيرا ساكس. وحتى لو فاز أحدهما، فإن رد فعل «هوليوود» لن يختلف كثيراً عما كان عليه خلال السنوات الماضية.


شاشة الناقد: 3 أفلام... و3 عزلات مختلفة

«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)
«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام... و3 عزلات مختلفة

«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)
«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)

IN WAVES ★★★1/2

• إخراج:‫ فيونغ ماي نغيووِن‬

• فرنسا | رسوم متحركة (2026)

• عروض: مهرجان «كان»

فيلم أنيميشن متقن تقنياً، ثريّ بالألوان والتنفيذ، ويتميّز بانسياب بديع لحركة «مرسومة يدوياً لا حاسوبياً». حكاية صُمّمت لتعيد المشاهد إلى زمن كانت فيه الأفلام الرومانسية قادرة على التأثير العاطفي المباشر.

العمل نادر؛ لأنه يجمع بين فن الرسم والدراما العاطفية، متوجهاً إلى جمهور تجاوز سنّ المراهقة. يجمع الفيلم بين شاب (ويل شارب) وفتاة (ستيفاني سو) في قصة حب تنتهي تراجيدياً فوق أمواج البحر. هو لا يُجيد رياضة ركوب الأمواج، فيما تمتلك هي الخبرة الكافية التي تتيح لها تعليمه وتبديد خوفه من الأمواج العالية.

ذلك اللقاء يشكّل بداية علاقة تنتهي بمأساة، والمخرجة نغيووِن لا تتردد في دفع بعض المشاهدين إلى ذرف الدموع تأثراً.

وفي ثنايا هذا الخط السردي شخصيات أخرى تساعد البطل على إعادة تقييم نفسه والانتقال من حالة البراءة والمراهقة إلى قدر أكبر من الثقة بالنفس. وهي الثقة نفسها التي تتمتع بها المخرجة في معالجتها الحكاية وصورها على حد سواء. فمن جهة، تهتم ببناء الشخصيات والسرد، ومن جهة أخرى تمنح العناية نفسها للجانب التقني، موفرة مشاهد ذات جماليات وروحانية لافتة.

الفيلم مأخوذ عن رواية بيوغرافية مصوّرة وضعها أ. جاي دنغو قبل 6 سنوات، مستعيداً فيها الأحداث التي نراها هنا. الإنتاج فرنسي، لكنه ناطق بالإنجليزية تمهيداً لركوب موجة العروض العالمية.

وهو أيضاً أول فيلم رسوم متحركة يفتتح تظاهرة «أسبوع النقاد» منذ تأسيسها سنة 1962.

DUA ★★1/2

• إخراج:‫ بلرتا باشولي

• كوسوفو | دراما (2026)

• عروض قسم «أسبوع النقاد»

فيلم آخر من عروض «أسبوع النقاد»، يثير الاهتمام أكثر مما يترك أثراً فنياً واضحاً. لا اختراقات فنية هنا، ولا طرح يبقى عالقاً في الذهن طويلاً بعد انتهاء العرض. لكنه عمل صادق في تناوله مشكلة فتاة تُدعى «دوا» (بنيا ماتوشي)، تبلغ الـ13 من العمر، وتعيش تلك المرحلة الحساسة في عزلة وتأمل.

«دوا» (ملف مهرجان «كان»)

عائلتها على شفير الانقسام، وزميلاتها في الصف لا يُعرنها اهتماماً كبيراً، وفوق ذلك كله تقترب غيوم الحرب الداكنة. الحرب التي اندلعت أواخر تسعينات القرن الماضي لا تظهر مباشرة، لكن الإيحاء بها حاضر باستمرار.

تكمن مهارة المخرجة في التزامها تشخيص حالة بطلتها تحت أعباء المرحلة المحيطة بها، وفي رصد ارتباك المراهقة وأسئلتها. ونجاح هذا الجانب يعود إلى تفهّم واضح من المخرجة، التي تبدو كأنها تستعيد شيئاً من ذاتها في تلك المرحلة.

غير أن ذلك لا يمنع العمل من الوقوع في بعض الضعف في البناء السياقي والتماسك السردي.

NAGI NOTES ★★1‪/‬2

• إخراج:‫ كودجي فوكادا‬

• اليابان | دراما (2026)

• عروض مسابقة مهرجان «كان»

معظم أفلام المخرج كودجي فوكادا السابقة تنتمي إلى الدراما الإنسانية الهادئة، كما هي الحال في فيلمه الجديد «ملاحظات ناغي» (وهو اسم منطقة جبلية يابانية).

والقاسم المشترك في أفلامه، مثل «حياة حب» (2022)، و«حب في محاكمة» (2025)، هو البحث عن الجوهر الإنساني في شخصياته، عبر اهتمام دقيق بالتفاصيل ومنح شخصياته الوقت للكشف عن خفاياها الداخلية.

من «ملاحظات ناغي» (ملف مهرجان «كان»)

هذا ما يفعله هنا أيضاً من خلال شخصية فنانة تماثيل تُدعى «يوريكو» (تاكاكو ماتسو) تعيش في تلك المنطقة النائية. ذات يوم تزورها قريبتها «يوري» (شيزوكا إشيباشي) الآتية من طوكيو... وبما أنه لا توجد مواصلات سهلة أو محطة قطار قريبة، ويصوّر المخرج وصولها عبر سير طويل على طريق ريفية، فلا تبدو زيارة عابرة، بل محاولة للعودة إلى الماضي والعودة إلى أشخاص شكّلوا جزءاً من حياتها السابقة. وهذا ما يقود «يوري» إلى لقاء «يوريكو» لتصبح، ولو مؤقتاً، موديلاً لأعمالها.

تشبه تبعات هذه الزيارة إلقاء حجر في بركة راكدة، وهي ثيمة اعتاد فوكادا الاشتغال عليها في أفلامه: دخول شخص غريب بيئةً ساكنة بما يؤدي إلى اضطراب عاطفي وكشف عن خلفيات وتوترات كامنة.

الفيلم رتيب في أكثر من موضع، كأفق دون نتوءات، لكنه يمضي بسلاسة. وهو عميق الدلالات في رصده العنصر الياباني داخل شخصياته، مانحاً المشاهد الوقت الكافي لفهمها وتقديرها، ومقدّماً تجسيداً دقيقاً للبيئة وأهلها. غير أن امتداده إلى نحو ساعتين يجعل المرء يتمنى لو أن المخرج حرّك هذا السكون درامياً، واستثمر المواقف التي يعرضها بدلاً من الاكتفاء بمراقبتها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز