هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

سهَّل عمليات البحث بموازاة التشجيع على «الغش»

«تشات جي بي تي» أقرب نموذج ذكاء صناعي للمخ البشري (adobe stock)
«تشات جي بي تي» أقرب نموذج ذكاء صناعي للمخ البشري (adobe stock)
TT

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

«تشات جي بي تي» أقرب نموذج ذكاء صناعي للمخ البشري (adobe stock)
«تشات جي بي تي» أقرب نموذج ذكاء صناعي للمخ البشري (adobe stock)

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي. الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن استخدام الذكاء الصناعي في التعليم والبحث العلمي، أم لا؟
من بين 20 طالباً في أحد الفصول الدراسية بمدرسة تابعة لنظام «البكالوريا الدولية» بدولة أستراليا، قدم خمسة طلاب محتوى متشابهاً، عند كتابة أحد الأبحاث التي تم تكليف الفصل الدراسي بها؛ وهو ما ساعد مدرس اللغة الإنجليزية مارتن فنسنت، على اكتشاف استخدام الطلاب الخمسة برنامج «تشات جي بي تي» في الكتابة.
هذه هي إحدى الطرق البسيطة التي نصح بها فنسنت زملاءه، حتى يتمكنوا من اكتشاف النصوص المكتوبة بآلية الذكاء الصناعي التي يتيحها «تشات جي بي تي»، وذلك خلال نقاش بموقع «رديت»، الذي يستخدمه مدرسو وطلاب «البكالوريا الدولية» في التواصل.
لكن المدرس نفسه قال لـ«الشرق الأوسط»، عندما طلبت منه التعليق على استخدام الطلاب لهذه الأداة، إنه «لا يمانع استخدامها، كأداة توجيهية للطالب ترشده إلى مصادر يمكن أن يستغرق وقتاً طويلاً في البحث عنها».

يوفر «تشات جي بي تي» طريقة للتفاعل مع الذكاء الصناعي عن طريق المحادثة (غيتي)

هذا الحد الفاصل بين أن يكون «تشات جي بي تي» داعماً للتعليم، يُسهل عمليات البحث، وبين مهدد للعملية التعليمية، إذا ما عمد مستخدموه إلى «الغش». أشار إليه فنسنت في تعليقه، وأكدت عليه دراسات في مجالات مختلفة، رأت في هذا البرنامج «نعمة كبيرة»، يجب حمايتها من سوء الاستخدام الذي يحولها إلى «نقمة»، تهدد ما يعرف بـ«النزاهة الأكاديمية».
ويستطيع هذا البرنامج الذي طورته شركة أبحاث الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي» بمدينة سان فرانسيسكو، استخدام كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر العامة، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى أشبه بذلك الذي ينتجه البشر، من خلال «خوارزميات» تقوم بتحليل عدد هائل من البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النص الذي يوفره البرنامج «سرقة أدبية» بالمعنى التقليدي، لأن البرنامج «لم ينسخ عملاً سابقاً»، ما يعني أنه لا يمكن لبرامج كشف الانتحال التي تستخدمها المدارس والجامعات، اكتشافه.

تشخيص أمراض العيون

ويدعم مايكل بالاس، الباحث بكلية الطب بجامعة تورونتو بكندا، والذي قاد فريقاً لدراسة استخدام البرنامج في تشخيص أمراض العيون، استخدام «تشات جي بي تي». ويقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن أن تكون نماذج لغة الذكاء الصناعي أداة قوية للمساعدة في مختلف جوانب كتابة البحث، ولكن لا ينبغي أن تحل محل الخبرة والتفكير النقدي للباحثين، الذين يجب عليهم استخدام المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الصناعي كنقطة انطلاق، ومراجعة المحتوى وتعديله بعناية لضمان دقته وجودته».
ووجّه النصيحة نفسها للمرضى الذين قد يلجأون إلى «دكتور تشات جي بي تي»، الذي حقق دقة عالية في التشخيص، كما كشفت دراسة منشورة في عدد مارس (آذار) الحالي بدورية «طب العيون».
وحدد «تشات جي بي تي» التشخيص الصحيح في 9 من 10 حالات تم عرضها عليه، وهو ما يفوق «دكتور غوغل»، كما يؤكد بالاس؛ لأن «البرنامج مصمم لفهم وتحليل استفسارات اللغة الطبيعية، وتقديم معلومات أكثر دقة، كما يمكنه أيضاً مراعاة التاريخ الطبي الفريد للمريض، وعوامل نمط الحياة، والمعلومات الأخرى ذات الصلة، لتقديم توصيات أكثر دقة».
ورغم ذلك، ينصح بالاس المرضى بالنصيحة التي وجهها للباحثين، وهي أن يكون البرنامج «أداة مساعدة وليس بديلاً للطبيب». ويقول إنه «لا ينبغي استخدام نماذج لغة الذكاء الصناعي بديلاً للاستشارة الطبية عند اختصاصي رعاية صحية مرخص».
تشديد بالاس على هذه النصيحة، رغم اعتراف الدراسة التي قادها بدقة تشخيص «تشات جي بي تي»، يشير بوضوح إلى وجود نسبة من الخطأ في إجابات البرنامج، وهذه النسبة، تظهر عند استخدام البرنامج في إعداد الأبحاث والواجبات المدرسية، ويستطيع المدرس المحترف اكتشافها، وتكون دليلاً على الاستخدام «غير الأمين» للبرنامج، حال لم تجد الطريقة التي أوضحها، مدرس اللغة الإنجليزية مارتن فنسنت، في البداية.

الأخطاء الأسلوبية

واعتمدت الطريقة التي أوضحها فنسنت على قيام أكثر من طالب في الفصل الدراسي باستخدام البرنامج لإعداد نفس البحث. ولكن، إذا استخدمه طالب واحد فقط، تكون الطريقة المثلى التي يوضحها ويل هيوز، وهو مدرس للغة الإنجليزية في أحد مدارس «البكالوريا الدولية» في بريطانيا، هي الأخطاء الأسلوبية.
وقال هيوز على موقع التواصل الاجتماعي «رديت»، الذي يستخدمه مدرسو وطلاب «البكالوريا الدولية»، إنه «تمكن من اكتشاف نصوص مكتوبة ببرنامج (تشات جي بي تي)؛ لأن ما يكتبه البرنامج يكون مليئاً بالأخطاء الأسلوبية».
والأخطاء الأسلوبية سمة مميزة لبرامج الكتابة بالذكاء الصناعي، وقد أشارت تجربة عملية قام بها موقع المعلومات التعليمية «EduRef» إلى هذه السمة، التي يمكن أن تكون أداة لاكتشاف النصوص المكتوبة بهذه البرامج.
وفي التجربة، التي نشر تفاصيلها موقع «نيتشر إنديكس» في 17 أغسطس (آب) 2021، تم تكليف مجموعة من الخريجين الجدد والطلاب الجامعيين المهام نفسها التي تم تكليف «جي بي تي 3» بها، وهو برنامج أنتجته الشركة المنتجة لـ«تشات جي بي تي».
وتم تقييم المهام من قِبل مدرسين لا يعرفون الأعمال المكتوبة من قِبل الخريجين والطلاب، وتلك المكتوبة بالذكاء الصناعي، فتمت الإشادة بالبرنامج لكتابته افتتاحية وتحولات ممتازة، ولكن تم انتقاده لاستخدامه لغة مربكة، ولإخفاقه في صياغة سرد قوي.
وكانت الميزة الواضحة للذكاء الصناعي، هي «عامل الوقت»، فبينما استغرق ما بين ثلاث إلى 20 دقيقة لكتابة ورقة، احتاج الطلاب إلى ثلاثة أيام.

عابد حليم الأستاذ بقسم الهندسة الميكانيكية بالجامعة الإسلامية في نيودلهي بالهند (الجامعة الإسلامية)

وقبل تلك التجربة بشهر واحد، نشر باحثون متخصصون في علوم الكمبيوتر بالمعهد الجامعي الفرنسي، دراسة على موقع ما قبل طباعة الأبحاث (أركايف)، تشير إلى اكتشافهم العديد من الدراسات في مجال تخصصهم تمت كتابتها باستخدام الذكاء الصناعي؛ وذلك لوقوع أصحابها في أخطاء أسلوبية، تمثلت في استخدام «عبارات غريبة».
وقال غيوم كاباناك، الباحث الرئيسي بالدراسة، في تقرير نشره موقع «نيتشر» في 5 أغسطس 2021، إنه «في أبريل (نيسان) 2021، لفتت انتباهه سلسلة من العبارات الغريبة في مقالات المجلات الخاصة بعلوم الكمبيوتر»، ولم يستطع فهم سبب استخدام الباحثين مصطلحات «الوعي المزيف»، و«التنظيم العصبي العميق» و«المعلومات الهائلة»، بدلاً من المصطلحات المعروفة على نطاق واسع مثل «الذكاء الصناعي»، و«الشبكة العصبية العميقة»، و«البيانات الضخمة».
وكشفت المزيد من التحقيقات، عن أن هذه المصطلحات الغريبة، التي أطلق عليها ورفاقه في البحث «عبارات مشوهة»، تنتشر في أوراق علوم الكمبيوتر، حيث وجدوا أكثر من 860 بحثاً تضمنت واحدة على الأقل من العبارات، وتم نشر 31 منها في مجلة واحدة، وهي «ميكروبروسيسور آند ميكروسيستمز».
والعبارات «المشوهة»، كما عرفها كاباناك، هي «ما يحدث للكلمات التي تُترجم من الإنجليزية إلى لغة أجنبية أخرى، ثم تعود إلى اللغة الإنجليزية، ربما بواسطة جهاز كمبيوتر يحاول إنشاء منشور علمي لمجموعة من المؤلفين عديمي الضمير».

تفادي الأخطاء

ويعتقد عابد حليم، الأستاذ بقسم الهندسة الميكانيكية بالجامعة الإسلامية في نيودلهي بالهند، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «(شات جي بي تي)، سيعمل على تفادي الأخطاء الأسلوبية في نسخته المحدثة، التي تفهم التفاصيل الدقيقة للغة الطبيعية التي ينتجها الإنسان، باستخدام كميات هائلة من البيانات من الإنترنت».
ويقول حليم، الذي قاد دراسة نُشرت في أكتوبر (تشرين الأول) عن البرنامج بدورية (TBench)، إنه «إذا لم يكن المدرس أو البروفسور المشرف على الباحث الجامعي، مدركاً للمستوى الحقيقي للطالب، فقد ينجح في خداعه بأوراق بحثية كتبها الذكاء الصناعي، ما لم توجد برامج أخرى تستخدم أيضاً الذكاء الصناعي لاكتشاف الأوراق البحثية المكتوبة به».
وتبشر الشركة المسؤولة عن موقع «تيرن إت إن Turnitin»، وهو موقع أميركي يستخدمه طلاب «البكالوريا الدولية» والباحثون في الجامعات والمشرفون عليهم، للتأكد من أصالة البحث، ومنع السرقات العلمية، بما طالب به حليم.
ويقول إريك وانج، نائب رئيس الذكاء الصناعي في الشركة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «بينما تتطور أدوات الكتابة بالذكاء الصناعي مثل (تشات جي بي تي)، يتطور (تيرن إت إن) بسرعة معها، وتوجد الآن تقنية لاكتشاف أشكال متعددة من الكتابة بالذكاء الصناعي، سواء تلك المكتوبة باستخدام (جي بي تي 3)، و(تشات جي بي تي)».
ويشرح وانج، الآلية المستخدمة في (تيرن إت إن) لاكتشاف النصوص المكتوبة بالذكاء الصناعي، ويقول: إن «(تشات جي بي تي)، و(جي بي تي 3)، يقومان بإنشاء نص عن طريق وضع الكلمة الأكثر احتمالاً في المكان الأكثر احتمالية، ويؤدي هذا إلى إنشاء توقيع إحصائي يمكن اكتشافه، لأن هذا التوقيع الإحصائي، يبدو مختلفاً تماماً عن الكتابة البشرية، حيث تميل الكتابة البشرية إلى أن تكون شخصية وغير متسقة، وتم تدريب التقنية على اكتشاف هذه الاختلافات في احتمالية الكلمات».

إريك وانج نائب رئيس الذكاء الصناعي في شركة «تيرن إت إن» (تيرن إت إن)

ويرفض وانج «شيطنة أدوات الذكاء الصناعي»، ويقول «من المهم إدراك أن وجود قدرات الكتابة بالذكاء الصناعي، لا يشير إلى نهاية الفكر الأصلي أو التعبير الأصلي، إذا تم تحديد المعايير الصحيحة لاستخدامها». ودعا المدرسين إلى الحديث مع طلابهم بشأن معايير استخدام برامج الذكاء الصناعي، والاستخدام المقبول له.
وما أشار إليه وانج في حديثه عن «الاستخدام المقبول» للذكاء الصناعي، هو ما أكدت عليه أيضاً دراسة نشرت في 25 فبراير (شباط) الماضي بدورية «كريتيكال كير»، تحت عنوان «هل يمكن للذكاء الصناعي أن يساعد في الكتابة العلمية؟».

حوار مع «تشات جي بي تي»

وذهب الباحثون في تلك الدراسة التي قادها ميشيل سالفانو، من قسم العناية المركزة بمستشفى «إيراسمي» بجامعة بروكسل، إلى أن «تشات جي بي تي»، هو برنامج ذكاء صناعي قادر على المساعدة في عملية كتابة ورقة علمية، ويمكن أن يساعد في مراجعة الأدبيات، وتحديد أسئلة البحث، وتقديم نظرة عامة على الحالة الحالية في مجال طب الرعاية الحرجة، والمساعدة في المهام، مثل التنسيق والمراجعة الإملائية، لكنه لا يجب أن يصبح كاتباً للمحتوى».
وأجرى الباحثون تجربة «ساخرة» تم تضمينها في دراستهم لتوصيل هذه الرسالة، حيث طلبوا من برنامج «تشات جي بي تي»، مراجعة ورقتهم البحثية، وسألوه «إذا كان مؤلفاً مشاركاً بها، هل يوافق على إرسالها إلى دورية (كريتيكال كير)؟» فجاء الرد من البرنامج، كالآتي «بصفتي نموذجاً للذكاء الصناعي، لا يمكنني مراجعة أو إرسال الأوراق إلى المجلات، لأنني لست باحثاً أو مؤلفاً، ومع ذلك، يمكنني أن أقدم لك بعض التعليقات على الورقة التي قدمتها، حيث تقدم الورقة لمحة عامة واضحة وشاملة عن الاستخدامات المحتملة لـ(تشات جي بي تي) في الكتابة العلمية، وتحديداً في مجال طب الرعاية الحرجة، وتوفر المقدمة خلفية جيدة عن (تشات جي بي تي) وكيف يمكن استخدامه في مهام مختلفة، وتستمر الورقة في مناقشة الاستخدامات المحتملة لـ(تشات جي بي تي) في الكتابة العلمية، مثل إنشاء المسودة والبحث الأدبي ومراجعة اللغة، وتتطرق الورقة أيضاً إلى الاهتمامات الأخلاقية وقيود استخدام (تشات جي بي تي) في الكتابة العلمية، وأوصي بمراجعة الورقة مرة أخرى، والتحقق من الأخطاء النحوية والإملائية، والتأكد من تنسيق الاستشهادات والمراجع بشكل صحيح، وسيكون من المهم أيضاً الحصول على استنتاج مناسب يلخص الأفكار الرئيسية للورقة ووجهات النظر المستقبلية، ومن المهم أن تضع في اعتبارك أنه يجب دائماً استخدام (تشات جي بي تي) جنباً إلى جنب مع خبرة الخبراء البشريين وحكمهم، ويجب التحقق من مخرجاتها قبل استخدامها في الممارسة السريرية».

الاستخدام بشروط

هذه الإجابة التي أوردها «تشات جي بي تي»، تشير إلى الحدود المسموح بها لاستخدام البرنامج، والتي تلخصها عبارة «نوافق على استخدامه في دعم صناعة المحتوى، وليس تقليد المحتوى»، والتي جاءت في تعليق استقبلته «الشرق الأوسط»، من ماثيو جلانفيل، رئيس مبادئ وممارسات التقييم بمنظمة «البكالوريا الدولية»، والناطق الرسمي باسم المنظمة. ويقول جلانفيل، إنه «أثناء تطوير البرامج التي يمكن أن تكتشف النص المكتوب بواسطة الذكاء الصناعي، يمكن أن تتحسن تقنيات الذكاء الصناعي، وتصبح أكثر تعقيداً، بحيث لا يمكن التعرف على إنتاجها بشكل موثوق».
ويضيف «التركيز في البكالوريا الدولية هو على التطلع إلى المستقبل؛ ما يعني أن تطبيع استخدام الذكاء الصناعي في الأعمال وفي العديد من الأماكن الأخرى، يجب أن يستتبعه تصميم التعليم المناسب للطلاب الذين سيعيشون في هذا العالم».
وانطلاقاً من تلك الرؤية للمنظمة، يؤكد الناطق الرسمي باسم المنظمة، أن «البكالوريا الدولية لا تمانع من استخدام (تشات جي بي تي) أو أي أداة أخرى للذكاء الصناعي، طالما يتماشى الاستخدام مع سياسة النزاهة الأكاديمية للمنظمة».
والنزاهة الأكاديمية، كما يوضح جلانفيل، جانب أساسي من جوانب التدريس والتعلم في برامج البكالوريا الدولية، ويقول إنه «منذ الصغر، تتم مساعدة طلاب البكالوريا الدولية على تعلم القدرة على التمييز بين التصرف بنزاهة (القيام بعملهم الخاص) وعدم النزاهة (تقليد الآخرين)؛ ولهذا السبب، يُتوقع من جميع الطلاب المشاركين في برامج البكالوريا الدولية أن يختاروا التصرف بأمانة وشفافية ومسؤولية وأخلاقية».

إيكل بالاس الباحث بكلية الطب بجامعة تورونتو بكندا (جامعة تورونتو)

وبالإضافة إلى الاعتماد على استيعاب الطلاب لسياسة المنظمة، يشير جلانفيل أيضاً، إلى أن «لدى البكالوريا الدولية مجموعة متنوعة من العمليات، والسياسات الصارمة التي تقلل من مخاطر انتحال الطالب، أو سوء السلوك المدرسي، وتتحقق من صحة عمل الطلاب، حيث تعمل المنظمة بشكل وثيق مع مدارس البكالوريا الدّوليّة والمدرّسين، حتى يتمكنوا من التأكد أن الطالب أنتج عملاً كاملاً من لا شيء».
ويضيف «على سبيل المثال، تركز جميع دورات البكالوريا الدولية مع المعلمين على ضرورة مقابلة الطلاب بانتظام، أثناء مرحلة البحث والكتابة لمنع الممارسات الخاطئة، ويوفر ذلك للمعلمين الفرصة لسؤال الطلاب عن أفكارهم وحججهم للتأكد من أن عمل الطالب هو انعكاس حقيقي لما يفهمه، وأنه متسق مع العمل أو أسلوب الكتابة السابق».
وطالما أن المدرس والطالب يدركان سياسة المنظمة، فلا يوجد مشكلة في رأي جلانفيل من استخدام «تشات جي بي تي» أو أي برنامج من برامج الذكاء الصناعي، ولكن في إطار كونه أداة مساعدة أشبه بالتحدث مع زملائه الطلاب، والمناقشات مع المعلمين، وفي هذه الحالة فهو «لا يضر بأي حال من الأحوال بعملية التعلم».
ويوضح، أنه «لا يجب أن يتعدى استخدام (تشات جي بي تي)؛ كونه مصدراً، تماماً مثل استخدام الأفكار المأخوذة من أشخاص آخرين أو الإنترنت، وكما هو الحال مع أي اقتباس من مصدر آخر، يجب أن يكون ذلك واضحاً في متن النص، ويُشار إليه بشكل مناسب في الببليوغرافيا، الخاصة بالبحث».
ويتوقع جلانفيل، أن «يكون توظيف الطلاب للبرنامج بهدف دعم صناعة المحتوى، وليس تقليد المحتوى، وذلك لإنتاج أعمال أصيلة وأصلية تعبر عن قدراتهم الخاصة».


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
شمال افريقيا الدكتور رضا حجازي وزير التربية والتعليم المصري في اجتماعه مع برافين أجراوال ممثل برنامج الأغذية العالمي (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

مصر: فرص «للمتسربين من التعليم» للالتحاق بالمدارس المجتمعية

أكدت الحكومة المصرية «التزامها بالحد من ظاهرة تسرب الطلاب من التعليم؛ بهدف سد منابع الأمية». وأعلنت عن «فرص للمتسربين من التعليم للالتحاق بمدارس التعليم المجتمعي»، في إطار جهود حكومية لمجابهة الأمية، تستهدف «مصر بلا أمية عام 2023». وأكد الدكتور رضا حجازي، وزير التربية والتعليم المصري، خلال لقائه مع برافين أجراوال، ممثل برنامج الأغذية العالمي، «أهمية تعزيز التعليم داخل المدارس».

نادية عبد الحليم (القاهرة)

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

TT

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)
مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)

في الطريق إلى التجمع البدوي الفقير «الخان الأحمر»، في قلب الضفة الغربية، تحتل مستوطنة «معاليه أدوميم» الإسرائيلية الفاخرة، مساحة واسعة وعالية ومطلة، لم تعد تكتفي بها حكومة اليمين المتطرف اليوم، التي تخطط لضم الكل (المعالي والخان وما حولهما) للقدس، ضمن مشروع «E1» المثير للجدل، والذي يهدف من بين أشياء أخرى إلى تحقيق حلم القدس الكبرى، الخطوة الأهم في خطة تغيير وجه الضفة الغربية، عبر شقها بحزام استيطاني، يعزز حضور المستوطنين والمستوطنات في دولة المستوطنين الجديدة، وينهي حلم الدولة الفلسطينية القابلة للتواصل، ويعزل القدس، العاصمة المرجوة، عنها.

لم يواجه أي أحد في الضفة الغربية أوامر وتهديدات بالهدم أكثر من سكان الخان الأحمر الذي يجد نفسه اليوم في معركة أكبر منه، وقد خاضوا خلال سنوات طويلة جداً معارك قانونية عدة، واشتباكات على الأرض، متمسكين بأرضهم وخيامهم، وواثقين من الانتصار، ثقة لم يبددها سوى الهجوم الإسرائيلي الشرس والشامل على كل ما هو فلسطيني، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

تجمع «الخان الأحمر» في قلب الضفة الغربية (المركز الإسرائيلي غير الحكومي للمعلومات عن حقوق الإنسان - بتسيلم)

«الوضع غير»

كانت أجواء التوتر حاضرة في الخان بعد أيام من قرار سموتريتش، ولم يجد رئيس المجلس البدوي عيد الجهالين (أبو خميس) إجابات واضحة لمئات من المكالمات والرسائل وأسئلة الصحافيين والنشطاء الذين حضر بعضهم إلى المنطقة في محاولة لتوثيق ما يدور داخل وحول الخيام المؤقتة والمنشآت، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يعرف ماذا سيحدث بالضبط.

كان أبو خميس الذي يتحدث لغات عدة بينها الإنجليزية والعبرية، يجهد من أجل إيصال رسالة واحدة بأن هدم هذا المكان البسيط والفقير، سيفتح الباب أمام المخطط الأخطر في الضفة «القدس الكبرى».

في خيمته المتواضعة من بين خيام أخرى يوجد كثير من الخرائط ودلة قهوة وعدد من الصحافيين والزوار والمتضامنين وبعثات أجنبية، وهو وضع قد اعتاد عليه مع كل تهديد إسرائيلي بهدم الخان، لكنه هذه المرة قلق أكثر من أي وقت مضى.

قال أبو خميس: «الوضع هذه المرة مختلف تماماً وخطير جداً... في عام 2018، كان الكل الفلسطيني معنا؛ كانت الحكومة والمجتمع المدني يبيتون هنا، كان عندي 5000 واحد. وكان الضغط الدولي حاضراً بقوة، وكانت قضيتنا تتصدر أجندة الشرق الأوسط. اليوم، الوضع غير».

وأوضح مخاوفه أن «إسرائيل بعد 7 أكتوبر تغولت وتحول الضفة إلى دولة مستوطنين. هذه حرب دولة ضدنا وليس مشكلة أفراد. في الضفة صار عنا ألف خان أحمر، قتل، وتهجير، وحرق يلتهم كل أنحاء الضفة الغربية، والجهد الفلسطيني مشتت. دولياً أيضا هناك حرب غزة، والحرب في لبنان، وحرب هرمز، العالم مشغول ومشتت كذلك. الحكومات تغيرت في أميركا وإسرائيل وأماكن أخرى. وأوضح أن الاحتلال يرى أن هذا هو الوقت المناسب».

وبالنسبة لأبو خميس فإن قرار سموتريتش الأخير «وُضع للتنفيذ الفعلي ولن يمنعه إلا ضغط دولي حقيقي».

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يحمل لوحة لمشروع استيطاني خلال مؤتمر صحافي قرب مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة (أرشيفية - أ.ب)

أمر إخلاء وحرب معلنة

كان سموتريتش الذي يقود ما يعرفونه في إسرائيل بثورة لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية، وقّع الشهر الماضي، على أمر إخلاء «الخان الأحمر»، في «بداية حرب» أعلنها ضد السلطة الفلسطينية، التي اتهمها بأنها تقف خلف أمر اعتقال سري ضده أصدرته المحكمة الجنائية الدولية، التي كانت نفت الأمر في وقت سابق.

وقال سموتريتش في مؤتمر صحافي عقده منذ نحو 10 أيام، على خلفية التقارير التي تفيد بأن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أصدرت طلباً سرياً لإصدار مذكرة اعتقال بحقه: «الأيدي هي أيدي لاهاي، لكن الصوت هو صوت السلطة الفلسطينية؛ التنظيم الإرهابي الذي يُسمى خطأً بالسلطة الفلسطينية».

وادعى سموتريتش أن إصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وضده هو «إعلان حرب». وأردف قائلاً: «أمام إعلان الحرب سنرد بحرب شعواء. أنا لست يهودياً خاضعاً، لا. والسلطة الفلسطينية بدأت حرباً وستحصل على حرب. من اليوم، أي هدف اقتصادي أو غيره يقع ضمن صلاحياتي بصفتي وزيراً للمالية ووزيرا في وزارة الدفاع ويمكنني الإضرار به، سيتم مهاجمته. لن تكون هناك أقوال وشعارات، بل أفعال».

وأضاف: «أعلن هنا عن الهدف الأول. فور انتهائي من الحديث هنا سأوقع على أمر لإخلاء (خان الأحمر) بموجب صلاحياتي كوزير في وزارة الدفاع. أعد جميع أعدائنا: هذه ليست سوى البداية».

وفوراً وقع سموتريتش قرار إخلاء الخان الأحمر، وطلب في قراره «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة» لهدمه.

لقطة عامة تُظهر مستوطنة أفرات الإسرائيلية في تجمع غوش عتصيون بينما تظهر مدينة بيت لحم في الخلفية بالضفة الغربية (رويترز)

لا يمكن اعتبار قرار هدم الخان إلا جزءاً من حملة يقودها سموتريتش منذ سنوات ضد الفلسطينيين، في الضفة الغربية شملت السيطرة على أراض واسعة وتغيير قوانين متعلقة بالسيطرة والملكيات وإجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات، وحتى في الصلاحيات المتعلقة بإنفاذ القانون، إلى جانب عمله الدؤوب على إضعاف وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتحويل الضفة إلى دولة مستوطنين عبر دفع مخططات استيطانية كبيرة وإطلاق يد المستوطنين في المنطقة.

لكن أهمية الخان الأحمر استثنائية؛ لأنه يشكل عقبة رئيسية لتنفيذ مشروع «إي 1» الاستيطاني الضخم الذي يقوم على تشبيك مخيف لمجموعة من المستوطنات الإسرائيلية الضخمة المحيطة، مع القدس، مشكلة القدس الكبرى.

ستربط الخطة مدينة القدس بمستوطنة «معاليه أدوميم» الضخمة وسط الضفة، بطريقة قالت منظمة «بتسليم» الإسرائيلية إنها تهدد بشدة إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلية، وتعزز دولة فصل عنصري ثنائية القومية.

وقال المركز الوطني للمعلومات إنه إضافة إلى الهدف المعلن تاريخياً، عبر ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس وإخراج الأحياء الفلسطينية من مجال تطوّرها الطبيعي، يُخدم المخطط في بعد أوسع رؤية «القدس الكبرى» بمساحة تقارب 600كم² (نحو 10 في المائة من الضفة)، عبر أحزمة طرق ومناطق صناعية وأحياء جديدة.

ويعتمد التنفيذ على مشروع طريق «نسيج الحياة» الاستيطاني ومسارات بديلة لفصل حركة الفلسطينيين عن وسط الضفة، وربط المناطق الفلسطينية القريبة عبر ممرات محكومة في أنفاق.

صورة لمستوطنة بسغات زئيف الإسرائيلية (يسار) التي بنيت في ضاحية من ضواحي القدس الشرقية ذات الأغلبية العربية خلف جدار الفصل الإسرائيلي في 16 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

خطة قديمة متجددة

منذ 2009، تسعى إسرائيل لهدم المكان، لكنها واجهت في كل مرة اقتربت فيها من الأمر عاصفة من الردود والانتقادات الفلسطينية والعربية والدولية، حتى تحول الخان إلى رمز للصراع، فتجنبت هدمه على الرغم من أن المحكمة الإسرائيلية أعطت الضوء الأخضر لذلك.

وفي كل مرة تطلب المحكمة تفسيراً حول عدم هدمه على الرغم من صدور قرار قضائي بذلك، تقدم الحكومة الإسرائيلية تفسيراً مختلفاً لعدم إخلاء المجمع السكني.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن إخلاء الخان الأحمر، الذي تحول إلى رمز عالمي، أصبح مصدر صداع دبلوماسي للحكومة بسبب الرأي العام الدولي.

وحتى هذه المرة، دعا 85 عضواً في مجلس النواب الأميركي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى استخدام جميع الأدوات الدبلوماسية المتاحة لوقف مشروع البناء الاستعماري الإسرائيلي المسمىE1، محذرين من أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى فرض واقع دائم على الأرض ويقوض فرص التوصل إلى حل الدولتين.

وجاءت الدعوة في رسالة وجهها النواب إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وأوضح الموقعون أن منطقة E1 الممتدة على مساحة نحو 12 كيلومتراً مربعاً شرق القدس، تُعد من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية؛ نظراً لأن البناء الاستيطاني فيها سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويعزز التواصل الجغرافي بين القدس ومستعمرة «معاليه أدوميم»، بما يرسخ السيطرة الإسرائيلية على منطقة استراتيجية في قلب الضفة الغربية.

كما لفتوا إلى إجراءات إسرائيلية أخرى مرتبطة بالمشروع، من بينها خطط لشق ما يُعرف بـ«طريق السيادة»، إلى جانب خطوات تستهدف التجمع البدوي في الخان الأحمر، معتبرين أن هذه الإجراءات تشكل جزءاً من عملية متسارعة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

شرطيان إسرائيليان يقفان في منطقة «إي 1» قرب مستوطنة «معاليه أدوميم» خارج القدس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

من وجهة نظر النواب، فإن تنفيذ مشروع E1 الاستيطاني سيقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، داعين وزارة الخارجية الأميركية إلى إبلاغ الحكومة الإسرائيلية بشكل واضح بأن المضي في المشروع يتعارض مع المواقف الأميركية المعلنة بشأن مستقبل الضفة الغربية.

وقبلهم، دعا أكثر من 400 وزير وسفير ومسؤول أوروبي في رسالة مفتوحة لقادة الاتحاد الأوروبي، إلى «التحرك الآن» ضد «الضم غير القانوني» الذي تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة من خلال مشروع E1 الذي تخطط بموجبه لبناء آلاف المنازل.

وكتب الموقعون الـ448، ومن بينهم نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزيب بوريل ورئيس الوزراء البلجيكي السابق غي فيرهوفشتات، أنه «يجب على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بالتعاون مع شركائهم، اتخاذ خطوات فورية لردع إسرائيل عن مواصلة ضمها غير القانوني لأراض فلسطينية في الضفة الغربية».

وقال الموقعون إن «الاتحاد الأوروبي، كحد أدنى، يجب أن يفرض عقوبات محددة الأهداف، بما فيها حظر التأشيرات وحظر ممارسة النشاطات التجارية في الاتحاد الأوروبي، ضد جميع الأشخاص المتورطين في عمليات الاستيطان غير القانونية، ولا سيما أولئك الذين يروجون ويشاركون في مناقصات وينفذون الخطة المتعلقة بمنطقة E1».

وجاءت هذه الدعوات بعدما أخذت إسرائيل خطوة أخرى عملية باتجاه البدء في إقامة المخطط عبر إخطار رسمي بهدم 50 منشأة ومحلاً تجارياً، في بلدة العيزرية، جنوب شرقي القدس المحتلة، تقع ضمن المخطط الاستيطاني.

وهذه المواقف الدولية المتكررة هي التي تعقد هدم الخان حالياً.

جدار الفصل الإسرائيلي يظهر في صورة التُقطت من قرية الرام في الضفة الغربية على مشارف القدس في 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قد لا يكون قرار الهدم بيد سموتريتش وحده، وفق «يديعوت»؛ إذ يعود إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتنسيق مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس والجيش الإسرائيلي، وسيستلزم مصادقة صريحة من «الكابينت» نظراً لتداعياته التي قد تعقد الأمور بالنسبة لإسرائيل وقد تورّطها سياسياً، وقد يؤدي إلى فرض عقوبات شديدة جداً عليها من جانب الاتحاد الأوروبي.

لكن مئير دويتش، المدير العام لحركة «ريغافيم» التي أسسها سموتريتش، والتي قدمت التماساً إلى المحكمة العليا بشأن الموضوع قبل أشهر، قال: «إن الوضع مختلف الآن ويوجد فرصة».

وأضاف: «خلال العامين الماضيين، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات غير مسبوقة وتاريخية في سبيل ضمان مستقبل دولة إسرائيل. والآن، أكثر من أي وقت مضى، حان الوقت لتطبيق القانون ضد المعتدين في هذا المجال، وبالتالي إحباط مخطط السلطة الفلسطينية للاستيلاء على هذا الموقع المهم كجزء من إقامة دولة إرهابية في قلب البلاد».

وتفهم السلطة الفلسطينية أكثر من غيرها هذا الوضع، وفي سنوات سابقة عندما كان الوضع مختلفاً إلى حد كبير، هددت السلطة بإلغاء الاتفاقيات إذا مضت إسرائيل بمشروع «إي 1»؛ لأنه يقتل الدولة الفلسطينية، ونظمت حملات ضخمة للتموضع في المكان، بخلاف ما يحدث الآن.

إسرائيل توسع الاستيطان في الضفة الغربية

أهمية جيوسياسية

قال المحامي حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة «البيدر» للدفاع عن حقوق البدو، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجب فهمه هو أن الخان الأحمر يشكل منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة؛ إذ يقع شمال شرقي القدس المحتلة، وتحديداً على الطريق الحيوي الواصل بين مدينتي القدس وأريحا»، مضيفاً أن «الخطورة الفائقة لهذه المنطقة تكمن في وقوعها ضمن مخطط (E1) الاستيطاني، وهو المشروع الأشد خطورة الذي يستهدف القضية الفلسطينية والضفة الغربية في تاريخ الصراع».

وأضاف مليحات أن «خطورة المشروع تكمن أيضاً في أنه يشكل القدس الكبرى عبر السيطرة على 12 ألف دونم في قلب الضفة الغربية، ويعمل على خلق حالة من التواصل الجغرافي المستمر بين القدس ومستوطنة «معاليه أدوميم» وصولاً إلى البحر الميت، وهو التطبيق الفعلي لمشروع «القدس الكبرى».

بالنسبة لمليحات، ثمة نتائج أخرى كارثية للمشروع؛ لأنه «يعيد هندسة التركيبة السكانية في هذه المناطق عبر طرد الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، ويقسم الضفة الغربية إلى قسمين منفصلين (شمال وجنوب): مما يعني استحالة قيام أي كيان أو دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، كما أن نجاح الاحتلال في هذه المنطقة سيشكل نقطة انطلاق للاستفراد بباقي الضفة».

وتابع: «هذا مشروع خطير وضخم، والخان الأحمر هو العقبة الأكبر».

سموتريتش (في الوسط) يسير عبر «مستوطنة ياتسيف» التي تم تقنينها حديثاً المتاخمة لبلدة بيت ساحور الفلسطينية في الضفة الغربية - 19 يناير 2026 (أ.ب)

الخان في قلب القدس الكبرى

لكن ليس الخان الأحمر وحده، إذ يعتقد مليحات أن الهجوم على الخان جزء من هجوم أوسع على البدو الفلسطينيين. وإذا كانت إسرائيل لم تهدم الخان حتى الآن، فقد رحلت فعلاً أكثر من 88 تجمعاً بدوياً في الضفة.

وقال مليحات إنه منذ عام 2019، وتحديداً بعد إعلان «صفقة القرن»، تصاعدت وتيرة استهداف البدو، واشتدت الهجمة الشرسة عليهم بشكل غير مسبوق بعد أحداث أكتوبر.

وأضاف: «تستهدف هذه الحرب الوجود البدوي في كافة مناطق وجيوب المنطقة ج (C)، وبشكل خاص في وسط الضفة شرق القدس بسبب مخطط E1 وفي أريحا والأغوار نظراً لأبعادها الحدودية والأمنية».

واضطرت عشرات العائلات فعلاً لمغادرة أماكن سكنها في الأغوار الفلسطينية بعد عدة هجمات من قبل الجيش والمستوطنين، في مشهد متكرر وصفه مليحات بأنه يمثل نكبة مستمرة.

وكان لافتاً أن البدو اضطروا لمواجهة مصيرهم وحيدين في معركة أكبر منهم، وهو الوضع الذي أشار إليه جهالين في الخان الأحمر.

علم إسرائيلي رفع في مستوطنة جديدة أُنشئت خلف تجمع سكني فلسطيني قرب رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

«وحيدون في المعركة»

يهتم أبو خميس بأمر نحو 300 بدوي في الخان، يعيشون في المكان الذي يضم مدرسة ومسجداً وعيادة صحية، وهذه تستقبل الكثير من البدو من خارج التجمع من أجل الدراسة أو العلاج.

كان أبو خميس ينظر إلى المدرسة البسيطة بينما يلعب الأطفال هناك ويلهون في محاولة لسرقة فسحة من الفرح، ويسألون الكثير من الأسئلة حول ما إذا كانوا الإسرائيليون سيهجمون على المكان فعلاً. وقال أبو خميس: «نحن وحيدون في هذه المعركة».

وأضاف: «الحرب اليوم مركزة وموجّهة ضد البدو تحديداً، وهي نتاج لتبعات اتفاقية أوسلو وتقسيم الأراضي إلى مناطق (أ، ب، ج). تشكل (المنطقة ج) نحو 62 في المائة من مساحة الضفة الغربية، ومَن الموجود فيها؟ البدو».

وتابع: «مشكلة الخان أنه يقع في قلب مشروع (القدس الكبرى) من العيزرية حتى حدود البحر الميت، ولا توجد في هذه المساحة الشاسعة أي قرية أو مخيم فلسطيني سوى الخان الأحمر».

يفهم أبو خميس المسألة جيداً، ويشرح قائلاً: «إذا تم اقتلاعنا من هنا، فسيربط الاحتلال مستوطنات (معاليه أدوميم)، «كفار أدوميم»، «ميشور أدوميم»، ومستوطنة «ألون»، ليشكل حزاماً استيطانياً يطبق على البوابة الشرقية لمدينة القدس ويغلقها بالكامل، ومن ثم يقطع أوصال الضفة الغربية ويفصل شمالها عن جنوبها. القدس اليوم تُحاصر بكتلة استيطانية ضخمة، والخان الأحمر يقع في قلب هذا المشروع الاستيطاني الأخطر منذ قيام الاحتلال وحتى يومنا هذا».

وهذا الإدراك موجود عند كل سكان الخان وحتى الأطفال بينهم.

كان الطفل علي قد أنهى دوامه المدرسي للتو حين ذهب يطمئن على مواشي عائلته. قال علي لـ«الشرق الأوسط» إنهم يهاجموننا بين الفترة والأخرى ويشتموننا ويهددوننا».

جنود إسرائيليون ومستوطنون يمنعون فلسطينيين من الوصول إلى حقولهم الزراعية في قرية ترقوميا بالضفة الغربية (د.ب.أ)

لم يوافق علي الصغير على تبديل مكان سكنه وقال إنه يحب المكان ولن يهاجر: «مش راح نطلع... لو هدموا البيوت مش راح نطلع، عادي خليهم يهدّوا بس مش راح نطلع، بدنا نضل هان، هاي الأرض إلنا ومش راح نطلع منها».

ويمثل علي الجيل الخامس الذي ولد في الخان الأحمر منذ وصل إليه سكانه في الخمسينات مهجرين من تل عراد في النقب.

وقال الشيخ محمد أبو داهوك (56 عاماً)، وهو من مواليد الخان الأحمر، لـ«الشرق الأوسط»: «جدي وأبوي كانوا هنا. وأنا مواليد هنا، والآن أولادي وأحفادي ولدوا هنا».

ولا ينوي أبو داهوك ترك المكان رغم أنه يتوقع منهم هدمه في أي لحظة.

وقال: «نتوقع منهم كل شيء، اليوم في كل مكان الدم شغال لكن لو هدموا، هنا باقون في الشمس، قاعدين (جالسين) لو هدموا ما في مكان نروح عليه، وين نروح؟ ما في مكان نروح له، بنظل قاعدين في الشمس».

ومثل غيره، يرفض أبو داهوك فكرة الانتقال إلى ما تسميه إسرائيل «منطقة لائقة»، ويقول: «أعطونا تراخيص هنا. إحنا أصحاب الأرض. وهذه أرضنا وأرضنا غالية علينا... ومش طالعين لأي مكان آخر شو ما كان».

وإلى جانب المعارك القانونية الكثيرة في السابق، قدم سكان الخان الأحمر وتجمعات عرب الجهالين اعتراضاً على مخطط يهدف إلى تركيز التجمعات البدوية في «مجمع حضري مُخطط». وجاء في الاعتراض، الذي قُدم بواسطة جمعية «بمكوم» الإسرائيلية أن هذا المخطط لا يتناسب مع نمط حياة التجمعات، وأنه قد يؤدي إلى إخلاء قسري من الحيز الذي يعيشون فيه منذ عقود.

وقال المهندس المعماري ألون كوهين ليفشيتس في «بمكوم» لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، هذا «مخطط اقتلاع تحت غطاء التخطيط»، مؤكداً أنه جزء من سياسة أوسع لصياغة حيز في شرقي القدس والضفة الغربية».

في أثناء ذلك، كانت ملحمة الخان الأحمر مستمرة، ويستمر جهالين في استقبال مسؤولين أوروبيين ومحليين ونشطاء، ويتلقى الكثير من الاتصالات، ويعقد اجتماعات «زووم» مع مؤسسات ونشطاء في الخارج، والتقى من بين آخرين رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في مكتبه ووعده، بدوره، بدعم صمود السكان.

لكن شيئاً من ذلك لم يكن جديداً عليه. وقال: «صراعنا ليس جديداً. إنه مستمر منذ 1967 منذ أعلنت إسرائيل المنطقة «منطقة عسكرية مغلقة»، وكانوا يطلقون النار لترهيبهم، قبل أن يتفاجأوا لاحقاً بأن تلك «الأراضي العسكرية» قد تحولت إلى مستوطنات كبيرة بينها «معاليه أدوميم» و«كفار أدوميم».

بدو فلسطينيون يجمعون أمتعتهم قبل نزوحهم القسري من منطقة العوجا قرب أريحا بالضفة الغربية عقب أعمال عنف نفذها المستوطنون الإسرائيليون يناير الماضي (رويترز)

وأكد جهالين مكرراً ما قاله عدة مرات: «إنها دولة مستوطنين وهذه المرة مختلفة عن سابقاتها».

لكن أيضاً، ورغم أن كل شيء تغير بعد السابع من أكتوبر، فإن عقلية البدو لم تتغير؛ وقالها أبو خميس بالحرف: «أنا بدوي وقضيت 60 في المائة من عمري في الشمس ما بضرني إذا ظليت 100 في المائة بالشمس... سأكون هنا أو في أقرب نقطة ممكنة للخان. وإن بقيت معلقاً بين السماء والأرض. فلن أرحل».


هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

حطمت «حرب الإسناد» التي خاضها «حزب الله» اللبناني دعماً لحركة «حماس»، أواخر عام 2023، نظرية «الردع» التي تمسك بها الحزب المدعوم من إيران لنحو عقدين من الزمن، وروّج لها في مواجهة عدوه التقليدي، إسرائيل، التي ساهمت بدورها في بناء هذه «الفرضية» التي ثبت في العام التالي أنها كانت خاطئة تماماً، ثم أتت الجولة الجديدة من الحرب في عام 2026، بمثابة الفرصة للطرفين لتثبيت قواعد جديدة للحرب.

إسرائيل... هدوء ومكر

لم تندفع الدولة العبرية إلى الحرب مع «حزب الله» مباشرة، بعد إطلاقه موجة من الهجمات «الاستعراضية»، التي بدأت بصواريخ استهدفت أطراف مواقع جيشها في مزارع شبعا. في المقابل، كانت تأخذ المواجهة نحو بُعد آخر، بهدوء لافت وكثير من المكر. هذا المكر تبدى في مساعٍ دبلوماسية قامت بها تل أبيب عبر واشنطن، لإقناع الحزب بفك المسار اللبناني عن الفلسطيني، حتى إن الموفد الأميركي، آموس هوكستين، بادر قادة لبنانيين، في يوليو (تموز) 2024، بالقول إنه مستعد لأن يمنح أمين عام الحزب، حسن نصر الله، انتصاراً، إذا ما أوقف الحزب عملياته.

رفض نصر الله العرض الأميركي فوراً.

قال لمن أبلغوه به إن المطلوب أولاً وقف الحرب في غزة، وبعدها... لكل حادث حديث.

صورة تجمع نصر الله وصفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

لم يكن هذا الخطأ الأول في التقدير من قبل الحزب؛ فمعالم الحرب الجديدة التي تدور في قرى الحدود اللبنانية سريعاً ما كشفت تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً لصالح إسرائيل. وكان مسؤول كبير في الحزب أفصح عن أن مقاتليه في السابق كانوا يطلقون الصاروخ ويجمعون أغراضهم بهدوء بعد إبلاغ القيادة بنجاح الإطلاق، ثم يغادرون الموقع قبل وصول الطائرات الإسرائيلية.

أما في المواجهة الجديدة، فهامش الضربة يتراوح بين 5 و20 ثانية فقط. وبالتالي، يضيف المسؤول أن المقاتلين كانوا يحفرون الأرض ويقفزون فيها فور إطلاق الصاروخ على أمل النجاة، فبات كل إطلاق بمثابة «عملية استشهادية».

لاحقاً، أتت الإشارة التالية على التفوق الإسرائيلي بشكل أوضح؛ فالإسرائيليون نفذوا اغتيالات دقيقة لقيادات الحزب العسكرية، توَّجوها بغارة أطاحت بمعظم قادة «الرضوان»، فرقة النخبة لدى الحزب، قبل أن يقتلوا قائده العسكري، ثم يطلقون الحرب بعملية «البيجر» التي أخرجت الآلاف من عناصر الحزب من الخدمة بكبسة زر، ليغتالوا نصر الله بغارة عنيفة في ضاحية بيروت الجنوبية، ثم يغتالوا خليفته هاشم صفي الدين.

انفجار أجهزة البايجر أدّى إلى تصاعد الحرب (أ.ف.ب)

أدوات القتال

تشير أدوات القتال التي يتبعها الطرفان إلى أنهما استعدَّا لمعركة طويلة، تقوم على حرب استنزاف، ولا تحسم المعركة، بحسب ما تقول مصادر ميدانية؛ فمنذ الأسبوع الأول لاتفاق وقف إطلاق النار، تراجع «حزب الله» عن استخدام الصواريخ، وخفف من كثافة المسيرات الانتحارية التي يطلقها، كما تراجع عن استخدام الصواريخ الموجهة التي غالباً ما كان يطلقها لاستهداف المدرعات والدبابات لسهولة كشف مُطلِقها، وأدخل المحلقات الانقضاضية (FPV)، التي يجري تسييرها وتطييرها على مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً في الجنوب، عبر تقنية الألياف الضوئية التي توصل المسيرة بجهاز التحكم، عبر سلك دقيق مربوط بين قاعدة التحكم مع الرامي وجسم المحلّقة الحامل للقذيفة، وذلك يتخطى التشويش الإلكتروني.

الجيش الإسرائيلي يطلق قذائف موجهة باتجاه جنوب لبنان من موقع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل مارس الماضي (أ.ف.ب)

«حزب الله» 2026... «حرب المحلقات»

حاول «حزب الله» استعادة زمام المبادرة في الفصل الجديد من المواجهة الذي اندلع في مارس (آذار) الماضي، بالتحديد في موعد الحرب، لتتزامن مع الحرب على إيران. إسرائيل بعثت برسالة تقول إنها غير معنية بحرب مع لبنان، ما دام الحزب لا يتدخل. طمأن الحزب المسؤولين في بيروت بأنه لن يبادر إلى الحرب، لكنه فاجأ الجميع بصواريخ أُطلِقت باتجاه الشمال الإسرائيلي، لكن رد الفعل الإسرائيلي أتاه عنيفاً وشرساً.

خلافاً للصورة الأولى التي ظهر بها الحزب؛ بإطلاقه ستة صواريخ بدائية، كان في المواجهة التي اندلعت بعدها أكثر تنظيماً وقوة، كاشفاً عن أسرار لم يُبَح بها خلال 15 شهراً من توقف القتال. بلغت عملياته اليومية ضد الإسرائيليين نحو 100 عملية يومياً، كما قدم أسلحة جديدة نوعية إلى ساحة المعركة. استراتيجية القتال على الأرض اختلفت، ولم يعد يعتمد الدفاع الثابت، ولم يحاول إيقاف التقدم الإسرائيلي، بل سعى لإلحاق القدر الأكبر من الأذى بالقوى المتقدمة.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

تراجع الصواريخ وصعود المسيّرات

لم تعد الصواريخ وحدها تختصر مشهد المواجهة الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله»؛ فبعد أشهر من القتال المتواصل الذي اندلع في ربيع 2026، برز تحول لافت في طبيعة العمليات العسكرية، تمثل في صعود المسيّرات الهجومية والانتحارية إلى واجهة المعركة، لتصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار العمليات على جانبي الحدود.

فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورة «حزب الله» العسكرية بترسانته الصاروخية الكبيرة التي شكَّلت مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الحزب لم يعد يعتمد حصراً على الصواريخ، بل انتقل إلى توظيف واسع النطاق للمسيّرات بمختلف أنواعها. وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن نسبة كبيرة من الهجمات التي نفذها الحزب خلال الأسابيع الأخيرة اعتمدت على المسيّرات الهجومية والانتحارية، في وقت تراجعت فيه أهمية الصواريخ التقليدية نسبياً مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع.

ويرى باحثون إسرائيليون أن هذا التحول يعكس تأثراً واضحاً بالتجارب العسكرية الحديثة، لا سيما الحرب في أوكرانيا؛ حيث أثبتت المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة بقوات تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً.

صورة ملتقطة من فيديو وزّعه «حزب الله» يظهر مسيرة انتحارية تتجه إلى هدف إسرائيلي على الحدود مع لبنان (متداول)

وبحسب التقارير الإسرائيلية والأبحاث العسكرية المنشورة منذ اندلاع الحرب الحالية في مارس 2026، فإن السلاح الأبرز لدى «حزب الله» لم يعد الصواريخ وحدها، بل المسيّرات الهجومية والانتحارية التي أصبحت تشكل التهديد الرئيسي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. أبرز هذه الأسلحة كان المسيّرات الانتحارية «FPV» التي تعمل بكابل رفيع من الألياف الضوئية جعلها عصية على التشويش الإلكتروني، كما أن حجمها الصغير وتحليقها المنخفض المتعرج يشكل تحدياً إضافياً لرادارات إسرائيل وأنظمة دفاعها الجوي.

تحمل هذه المسيرات في المقابل، حشوات صغيرة الحجم لا تتجاوز الخمسة كيلوغرامات. ويقول مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب اعتمد ثلاثة أنواع من الحشوات المتفجرة، تبعاً للهدف المقصود. وما إذا كان الهدف دبابة، أو آلية عادية، أو أفراداً. ويقول ضباط إسرائيليون سابقون إن التهديد الذي تمثله هذه المسيّرات لا يقتصر على إصابة أهداف عسكرية ثابتة، بل يشمل أيضاً ملاحقة القوات المتحركة واستهداف الدبابات والآليات ومراكز القيادة الميدانية، ما يجعلها عاملاً ضاغطاً على الوحدات البرية المنتشرة داخل جنوب لبنان. ولا توجد أرقام رسمية نهائية بشأن عدد المسيّرات الانتحارية التي استخدمها الحزب منذ بداية الحرب، إلا أن تقديرات إسرائيلية غير رسمية تتحدث عن مئات عمليات الإطلاق، وربما أكثر من ألف عملية خلال الأشهر الأخيرة.

مراسم تشييع جندي إسرائيلي قُتل بنيران «حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت إسرائيل أخيراً إن «حزب الله» أطلق ما يزيد على 120 محلقة من هذا النوع، كما بث الحزب عشرات المقاطع التي تظهر استهداف المحلقة لآليات ومدرعات وأجهزة إلكترونية وأفراد في الميدان. وقالت إسرائيل إن عمليات حزب الله أسفرت عن مقتل 20 جندياً، وإصابة العشرات منذ تاريخ انخراط الحزب بالقتال في 2 مارس الماضي.

إضافة إلى ذلك، أعلن «حزب الله» عن تفجير عبوات ناسفة بآليات إسرائيلية في العمق، كما أعلن عن التصدي لمحاولات توغل إسرائيلي بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة، إضافة إلى القذائف الصاروخية، أي «آر بي جي».

صواريخ مضادة للدروع

الصواريخ المضادة للدروع لا تزال تشكل العمود الفقري للقتال البري للحزب، وقد استخدمت ضد الدبابات والآليات والتحصينات الإسرائيلية. ومن أبرز الأنظمة التي تشير إليها المصادر الإسرائيلية الصواريخ من عائلة: «الماسّ» المشتقة من «سبايك» الإسرائيلي، التي نسختها إيران بعد سيطرة مقاتلي الحزب على صاروخ إسرائيلي في حرب عام 2006 وفقاً لأسلوب الهندسة العكسية، إضافةً إلى منظومات كورنيت الروسية وغيرها.

أما السلاح الثالث، فهو الصواريخ والقذائف القصيرة والمتوسطة المدى التي استخدمت بكثافة لاستهداف المواقع العسكرية والتجمعات والقواعد في الجليل وشمال إسرائيل. لكن نسبة استخدامها تراجعت مقارنة بالمسيّرات خلال مراحل عديدة من حرب 2026.

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيّرات استطلاعية وهجومية

تحل في المرتبة الرابعة المسيرات الاستطلاعية والهجومية، وهي ليست كلها انتحارية؛ فبعضها يُستخدم للاستطلاع وتصحيح النيران وتحديد الأهداف. وبعضها يحمل ذخائر صغيرة ويعود إلى قاعدته بعد المهمة.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام محدود لصواريخ مضادة للطائرات ونيران دفاع جوي ضد الطائرات الإسرائيلية.

لكنها ليست السلاح الحاسم في المعركة الحالية مقارنةً بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع.

تطوير أساليب القتال لا أدواته فقط

طوَّرت إسرائيل أساليب القتال التي كانت تعتمد على الزج بالمدرعات بتغطية جوية، للتخفيف من الخسائر، والتحرك بخفة أكبر. وتقول مصادر أمنية لبنانية إن الجيش الإسرائيلي اعتمد أسلوب المجموعات الخاصة الصغيرة التي تتحرك على الطرقات غير المعبَّدة لتجنب العبوات والاستهداف، ثم تتراجع مع أول بوادر مقاومة ليتدخل الطيران الحربي، مستهدفاً مصادر النار المعادية.

صورة تجمع لقطات من الفضاء لقرية يارون الحدودية مع إسرائيل قبل وبعد تدميرها (أ.ف.ب)

وبالنسبة لإسرائيل، وإلى جانب الغارات الجوية الثقيلة التي تنفذها المقاتلات الحربية، والصواريخ التي تطلقها المسيرات، غالباً ما تكون للاستهدافات الدقيقة ولملاحقة الأفراد على متن السيارات والدراجات النارية، أدخل الجيش الإسرائيلي سلاحين إلى المعركة، ظهر أولهما، وهو المحلقات الانقضاضية أيضاً، في مقاطع فيديو لاستهداف دراجات نارية أو أفراد في الميدان. كما يستخدم بكثافة قذائف المدفعية الموجهة من عيار 155 ملم وعيار 240 ملم، بحسب ما تقول مصادر ميدانية في جنوب لبنان، وذلك لاستهداف قرى بعيدة عن الحدود. وتضيف المصادر أن القذائف التي تطلقها المدفعية: «موجهة بالليزر، مما يمنحها الدقة، فضلاً عن أن أعيرتها تدفعها إلى مسافات أطول تصل إلى 30 كيلومتراً داخل الحدود».

جندية فرنسية من قوات حفظ السلام «يونيفيل» على تلة تطل على كفركلا وهي قرية حدودية لبنانية مع إسرائيل جنوب لبنان يوم 20 أغسطس 2025 (أ.ب)

وبحسب ما أعلنته إسرائيل وما رصدته مراكز أبحاث عسكرية خلال حرب 2026، فإن الطائرات من دون طيار كانت أكثر الأسلحة والأنظمة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والتي تمتلك الدولة العبرية منها شبكة فعالة تغطي الميدان والخطوط الخلفية، وفي مقدمتها طائرات «هيرمس 900» و«هيرمس 450» كما مسيّرات استطلاع صغيرة من عائلة «Skylark». وقد استخدمت للاستطلاع، تحديد الأهداف، توجيه النيران، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة وثابتة.

ذخائر دقيقة وصواريخ موجهة

واستعملت إسرائيل أيضا صواريخ بعيدة المدى من عائلة «Spike NLOS»، كما استخدمت ذخائر جوية موجهة تُطلق من الطائرات والمسيّرات ضد مراكز القيادة ومنصات الإطلاق.

وتحل الدبابات والقوات المدرعة في صلب العمليات البرية داخل جنوب لبنان، كما تعرض عدد منها لهجمات بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع، بالإضافة إلى المدفعية والصواريخ الأرضية وراجمات صواريخ بعيدة المدى. ومدفعية ذاتية الحركة لقصف أهداف داخل العمق اللبناني. كما استخدمت صواريخ أرض - أرض دقيقة ضد أهداف محددة مسبقاً.

جندية إسرائيلية تشغّل طائرات مسيّرة (موقع الجيش الإسرائيلي)

أنظمة الدفاع الجوّي

وتمتلك إسرائيل أنظمة دفاع جوي مهمة، أبرزها منظومة القبة الحديدية و«مقلاع داود» ومنظومة «آرو». لكن التقارير الإسرائيلية نفسها أقرَّت بأن هذه الأنظمة واجهت صعوبة أمام المسيّرات الانتحارية الصغيرة التي استخدمها «حزب الله»، خصوصاً المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية.

وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية، في وقت سابق، أن الجيش أدخل مدفع «روعم» إلى الخدمة في جنوب لبنان، وهو منظومة مدفعية من عيار 155 ملم صُنع في إسرائيل، ويمتاز بسهولة التحرك لأنه مدفوع بعجلات، مع تلقيم آلي للقذائف، ويشغله طاقم من ثلاثة أفراد بدلاً من سبعة، مع مدى رمي قد يصل إلى 40 كيلومتراً؛ وتقنيات قيادة وسيطرة متقدمة.

قلعة الشقيف ذات الموقع الاستراتيجي وقد لحقها دمار جراء القصف الإسرائيلي عليها في مايو الماضي (أ.ب)

قواعد الاشتباك

حاول «حزب الله» منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، فرض قواعد اشتباك تحصر مساحة القتال في المنطقة المحتلة، عبر تحييده للمستوطنات والبلدات الإسرائيلية في الشمال، لكن الجيش الإسرائيلي كان يوسع ساحة القتال تدريجياً إلى تخوم صيدا، عبر الغارات الجوية والقصف المتواصل.

ويرى العميد المتقاعد سعيد قزح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب الله» يحاول، منذ وقف إطلاق النار، فرض معادلة ميدانية جديدة مع إسرائيل، تقوم على مبدأ «أن تضرب إسرائيل فيُرد عليها، إلا أن تل أبيب لا تزال ترفض الاعتراف بهذه المعادلة أو التعامل معها باعتبارها قواعد اشتباك متبادلة».

ويوضح قزح أن توصيف ما يجري بـ«قواعد اشتباك» ليس دقيقاً بالكامل «لأن هذا المصطلح يُستخدم عادة بين جيشين نظاميين أو ضمن إطار عسكري واضح»، مضيفاً أن الحزب «يحاول عملياً تكريس قواعد لعبة جديدة، مفادها أن أي استهداف إسرائيلي سيقابله رد، سواء عبر استهداف مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة أو عبر إطلاق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «(حزب الله) نفّذ خلال الفترة الماضية عمليات ضد مواقع إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية، بعضها تم بواسطة المسيّرات، وبعضها الآخر عبر محاولات تسلل أو عمليات مباشرة»، لافتاً إلى أن «إطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي تراجع في الأيام الأخيرة، كما أن جزءاً كبيراً منها جرى اعتراضه بسبب محدودية الأعداد المستخدمة».

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة مجتبى خامنئي (د.ب.أ)

ويرى قزح أن الحزب «يسعى من خلال هذه العمليات إلى تثبيت مشروعية استمرار سلاحه، تحت عنوان مقاومة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية»، لكنه أضاف أن الحزب «يتجنَّب في الوقت نفسه الدخول في نقاش الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد والاحتلال».

وعن مدى نجاح الحزب في فرض هذه المعادلة، يقول قزح إن «المؤشرات الحالية تدل على أن إسرائيل هي التي لا تزال تفرض قواعد اللعبة الميدانية»، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي «لا يكتفي بالتحرك داخل المنطقة العازلة أو ما يُعرف بـ(الخط الأصفر)، بل يواصل تنفيذ عمليات وتجريف واستهدافات تمتد إلى قرى تقع شمال هذا الخط؛ ما يعني أنه يرفض عملياً مبدأ التوازن الذي يحاول الحزب فرضه».


المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

تتقدّم إسرائيل بالنار والإنذارات والتوغلات المحدودة، فيما يردّ «حزب الله» بالمسيّرات والاشتباكات المباشرة في محاور متقدمة شمال الليطاني. لكن خلف هذا التصعيد المتبادل، تبدو معادلة الردع التي حكمت الحدود طوال السنوات التي أعقبت حرب 2006 أمام اختبار غير مسبوق، مع اتساع رقعة العمليات ووصولها إلى مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب خارج دائرة الخطر المباشر.

فالغارات التي باتت تلامس الزهراني، والاشتباكات الدائرة في محيط زوطر الشرقية، والتقدّم الإسرائيلي التدريجي نحو تخوم النبطية، كلها مؤشرات، وفق تقديرات عسكرية لبنانية، على أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها المسيّرات قادرة وحدها على فرض توازن ردع، فيما تعتمد إسرائيل سياسة ضغط ميداني متصاعد هدفها تغيير الوقائع على الأرض قبل أي تسوية أو تفاوض محتمل.

المسيّرات لا تصنع ردعاً

في السياق، اعتبر رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد د. هشام جابر أن المسيّرات التي يستخدمها «حزب الله» لا تحقق ردعاً فعلياً في مواجهة التوسع المستمر في الغارات والعمليات الإسرائيلية، قائلاً: «المسيّرات لا تشكّل ردعاً. قد تُربك إسرائيل وتكبّدها خسائر، لكنها لا تمنعها من متابعة عملياتها العسكرية».

ورأى جابر أن استمرار إسرائيل في الغارات والتوغلات البرية يعني أن معادلة الردع لم تعد قائمة، مضيفاً: «لو كان الردع موجوداً لما كانت إسرائيل تواصل عملياتها بهذا الشكل. ما نراه اليوم أن إسرائيل تغيّر تكتيكاتها وتتابع تقدّمها رغم الخسائر التي تتكبدها في الجنوب».

تصاعُد الدخان من بلدات جنوب لبنان بعد غارات إسرائيلية كما بدا من مدينة النبطية (رويترز)

كما ربط أيضاً بين هذا المسار الميداني وتراجع الردع الذي كان قائماً بعد حرب عام 2006، معتبراً أن «الردع الذي استمر من 2006 إلى 2023 كان فعلياً موجوداً»، لكنه رأى أن دخول «حزب الله» في حرب استنزاف منذ فتح جبهة الإسناد المرتبطة بغزة أدى إلى سقوط هذه المعادلة. وقال: «منذ دخول (حزب الله) في حرب الإسناد عام 2023، اكتشفت إسرائيل الحقيقة العسكرية للحزب، ومنذ تلك اللحظة بدأ الردع يزول». وحذر جابر من أن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على زوطر أو محيطها، بل قد يتوسع وصولاً إلى جنوب الزهراني، قائلاً: «أخشى ما أخشاه أن نكون أمام مرحلة لا تكتفي بجنوب الليطاني، بل تمتد إلى جنوب الزهراني».

سياسة تفريغ واستنزاف طويل

وأشار جابر إلى أن سياسة الإنذارات والإخلاءات التي تعتمدها إسرائيل تهدف إلى تفريغ المناطق من سكانها، موضحاً: «كلما أخلت إسرائيل منطقة من سكانها، باتت قادرة على ضرب أي حركة داخلها. عندها يصبح أي شخص يتحرك بسيارة أو دراجة هدفاً محتملاً».

وأضاف: «أخشى ما أخشاه أن يكون جنوب لبنان قد دخل فعلاً في حرب استنزاف طويلة، لأن المؤشرات الميدانية الحالية لا توحي بوجود أفق سريع لوقف هذا التصعيد أو العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة».

وفي قراءته للمشهد الميداني والسياسي، رأى جابر «أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يوقف الحرب على لبنان في الوقت الراهن مهما تكبّد من خسائر»، لافتاً إلى أن إسرائيل «لم تحقق حتى الآن أياً من أهدافها العسكرية أو السياسية المعلنة».

وأضاف أن «تل أبيب لم تتمكن من نزع سلاح (حزب الله)، كما لم تستطع فرض الشروط التي تريدها على لبنان».

وأشار جابر إلى أن المعطيات الحالية تدل على أن «الأمور لن تعود كما كانت في السابق»، معتبراً أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة ستنعكس على واقع الجنوب اللبناني والتوازنات القائمة فيه.

وفيما يتعلق بـ«حزب الله»، رأى جابر أن الحزب أيضاً «لا يستطيع وقف الحرب في منتصفها، في ظل تعقيدات الميدان وتشابك الحسابات الإقليمية والدولية».

لا وجود لتوازن ردع

بدوره، رأى العميد المتقاعد خليل الحلو أن «المسيّرات التي يستخدمها (حزب الله) لا تنجح في فرض توازن ردع مقابل الغارات الإسرائيلية المكثفة»، مؤكداً أن «إسرائيل تُوقع أضراراً وخسائر أكبر بكثير مما تتلقاه».

رجل يتفقد الأضرار في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضح الحلو أن «المسيّرات المرتبطة بالألياف البصرية (FPV) تعاني من محدودية تقنية تتعلق بالمدى والحمولة»، قائلاً: «مدى هذه المسيّرات يتراوح عملياً بين 3 و15 كيلومتراً، وقد يصل إلى نحو 20 كيلومتراً كحد منطقي، لأن الكابل الذي يربط المسيّرة يضيف وزناً عليها ويؤثر على قدرتها التشغيلية». معتبراً «أن الحديث عن استخدامها لمسافات تصل إلى 60 كيلومتراً غير واقعي عسكرياً».

وأشار إلى أن «(حزب الله) يستخدم هذه المسيّرات لاستهداف القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة التي أنشأتها إسرائيل، والتي تمتد لنحو 10 كيلومترات، لكن ذلك لم يغيّر في الواقع الميداني».

وقال: «إذا نظرنا إلى الخريطة نرى أن الإسرائيليين باتوا قريبين جداً من النبطية، فيما تتوسع الغارات والإنذارات والإخلاءات حتى شمال الزهراني، وهذا بحد ذاته دليل على غياب توازن الردع».

وأضاف الحلو أن «(حزب الله) يحاول تحقيق إصابات وتأثير ميداني عبر المسيّرات، لكن ما يحصل على الأرض يُظهر أن إسرائيل تُنزل بالحزب وبلبنان أضراراً أكبر بكثير».