بول أوستر يدخل أرض السرطان

كتابه الأخير الذي أنجزه رغم المرض يتتبع تاريخ العنف في أميركا

بول أوستر برفقة زوجته الكاتبة سيري هوستفالدت
بول أوستر برفقة زوجته الكاتبة سيري هوستفالدت
TT

بول أوستر يدخل أرض السرطان

بول أوستر برفقة زوجته الكاتبة سيري هوستفالدت
بول أوستر برفقة زوجته الكاتبة سيري هوستفالدت

على الرغم من الصدمة التي أحدثها خبر إصابة الروائي الأميركي «بول أوستر» بالسرطان، وفق ما نشرته زوجته الكاتبة سيري هوستفالدت على حسابها في «إنستغرام»، فإن منجزه السردي المتميّز مستمر في إذكاء نار الجدال على مختلف المنابر الإعلامية في الولايات المتحدة وغيرها، عبر ما أثاره كتابه الأخير «أمة حمام الدماء» الذي أطلقه مطلع هذه السنة.
نزل خبر إصابة أوستر بالسرطان كالصاعقة، ليس فقط بسبب خطورة هذا المرض؛ بل لأن طريقة إعلان زوجته للخبر لم تخل من يأس ظاهر من إمكانية شفائه. وهو تشاؤم قد يكون مبرراً بسبب الحالة الصحية لأوستر المستمرة في التدهور منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي. تقول هوستفالد: «غبت فترة عن (إنستغرام) بسبب تشخيص إصابة زوجي بالسرطان في ديسمبر، وهذا بعد أشهر قضاها مريضاً. هو الآن يتلقى العلاج في مستشفى (سلون كترينج) في نيويورك، وقد عشت هذه الفترة في مكان أسميته (أرض السرطان). أرض عبر حدودها أشخاص كثيرون، إما لأنهم كانوا مرضى، وإما لأنهم يحبون شخصاً ما أصيب بالمرض... بعض هؤلاء ينجون من المرض لكن البعض الآخر يموت. حقيقة يعرفها الجميع، ومع ذلك فإن العيش بالقرب من تلك الحقيقة يغير الواقع اليومي».

غلاف «أمة حمام الدماء»

وفي محاولتها الإفصاح عن الحالة النفسية التي تعيشها مع زوجها بول أوستر، تضيف سيري هوستفالد في منشورها: «أعتقد أنه سيكون أمراً فظيعاً أن تكون وحيداً في (أرض السرطان)، العيش مع شخص مصاب بالسرطان يتعاطى العلاج الكيميائي والمناعي، هو مغامرة في القرب والابتعاد. يجب أن يكون الشخص قريباً بما فيه الكفاية ليشعر بالعلاجات التي تنهك جسد المريض كما لو أنه هو المعني بتعاطيها، وفي الوقت نفسه يكون بعيداً بما فيه الكفاية ليتمكن من تقديم المساعدة الحقيقية. فالشفقة الزائدة قد تشعر المريض بأنه عديم الفائدة! ليس من السهل دائماً القيام بهذه المهمة الحساسة، لكنها العمل الحقيقي للحب».
تأتي هذه المأساة بعد أشهر قليلة من وفاة دانيال، ابن بول أوستر عن زوجته الأولى الكاتبة ليديا ديفيس، إثر تعاطيه جرعة زائدة من المخدرات في أبريل (نيسان) العام الماضي، حيث وجد مغمى عليه في ميترو بروكلين بمدينة نيويورك، بعد أيام قليلة من إطلاق سراحه بكفالة إثر اتهامه بقتل ابنته ذات الأشهر العشرة خطأ، والتي كانت في حضانته.
المآسي المتلاحقة في حياة أوستر لم تمنعه من التعاطي مع الكتابة بالتزام ندر وجوده عند الكتاب، فصاحب «اختراع العزلة»، الرواية التي جعلته في الصف الأول من الكتاب العالميين منذ صدورها عام 1982، لم يركن إلى ما حققه من رواج خاصة بفضل عمله الأشهر «ثلاثية نيويورك» (ترجمت إلى العربية، دار الآداب) والمتكونة من «مدينة الزجاج» (1985) و«الأشباح» (1986) و«الغرفة الموصدة» (1987)، بل استمر في كتابة أعمال اعتبر معظمها أعمق وأكثر أثراً من التي صنعت شهرته، آخرها روايته الموسومة «1 2 3 4» الصادرة عام 2017 (ترجمت إلى العربية، منشورات المتوسط)، التي اعتبرتها المنابر النقدية أهم حدث أدبي في تلك السنة، ليتبعه بـكتاب «أمة حمام الدماء» الصادر في منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن دار «غروف براس» الأميركية (ترجم إلى الفرنسية مباشرة بعنوان «بلد الدماء»، دار أكت سود).
استند بول أوستر في هذا الكتاب إلى الصور التي أخذها المصور الأميركي سبنسر أوستراندر، ابن زوجته سيري هوستفالد، في مواقع شهدت جرائم قتل عنيفة خلال العشرين سنة الماضية، حيث يحاول أوستر تتبع تاريخ العنف في الولايات المتحدة الأميركية، المترتب أساساً عن البند المنصوص عليه في الدستور الأميركي، والمتعلق بحق امتلاك أي مواطن ومن دون سبب لسلاح ناري، وهو الحق الذي قسّم البلد عملياً إلى معسكرين لا يجمع بينهما شيء.
يرى أوستر أن حيازة الأسلحة النارية في أميركا لم تشهد منذ تاريخ تقنينها هذا القدر من الانتشار، كما أن جرائم القتل بالرصاص زادت بنحو خيالي في أكثر من 40 مدينة أميركية. وهي مؤشرات توجب على الشعب الأميركي أن يختار أي نوع من الشعوب يرغب في أن يكونه: شعب دموي تسيّره قوانين العنف، أم شعب يؤمن بالنظام ويجنح إلى السلم والطمأنينة؟ لكنه عوض أن يطرح هذا السؤال مباشرة، استعان أوستر بذكائه السردي الذي جعله يستنطق صور أوستراندر الفوتوغرافية التي لم يختر من ضمنها إلا تلك التي غاب فيها الحضور البشري، فبحسب أوستر فإن غياب الشخصيات البشرية يلفت النظر أكثر، وعدم وجود أسلحة نارية في صور تتحدث أصلاً عن الأسئلة النارية، يجعل تناول الموضوع يملك بعداً فلسفياً استشرافياً بعيداً عن السياسة والمصالح المالية، فالصور التي استنطقها أوستر اكتفت بتصوير مبانٍ صارت قبيحة بسبب القتل والعشوائية، وهو الأمر الذي خلق نوعاً من الفراغ فيها، يعكس تماماً فراغ العالم الذي خلقه العنف.
يشدد الكاتب على الهوة الفلسفية التي تفصل بين المعسكرين المتناقصين: المؤيدين والمعارضين لحق حيازة الأسلحة النارية، بين الذين يرون في حق حمل السلاح دعامة أساسية للمجتمع الأميركي والذين يريدون إنهاءها، الذين يرون أن المشكلة تكمن في الأسلحة النارية والذين يرون أنها تكمن في الأفراد الذين يتعاملون معها. هوة لا يمكن تجاوزها وتمنع أي مناقشة جادة وحقيقية، حيث لا يبدو أي من الطرفين على استعداد لاتخاذ أي خطوة. في هذه الظروف، يشعر بول أوستر بالتشاؤم بشأن المستقبل، فمن مدرسة ساندي هوك الابتدائية إلى يوفالدي وكنيسة بابتست الأولى وسذرلاند ونادي بولس الليلي في أورلاندو، لم يتم استخلاص أي درس ولم يتم اتخاذ أي إجراء عملي. الكثير من الوفيات، الكثير من الحياة التي تنتهي، والكثير من الحياة التي تدمر، والكثير من الحياة التي تتوقف، والكثير من الحياة التي تضيع. لكنه ومع هذا التشاؤم المتعلق بإدراكه لحجم الهوة التي تفصل الفريقين، يصرّح بأن ما يعطيه الأمل في المستقبل، هو العمل الذي يقوم به الأفراد والمنظمات للتغيير، فهو يعبر عن تفاؤله بشأن العديد من الحركات الاجتماعية التي تسعى إلى إنهاء العنف والتمييز، وكذلك الناس الذين يعملون بجدية في المجال السياسي للمطالبة بإصلاحات تجعل العالم أكثر عدلاً وإنصافاً، ويعلق الأمل على الذين يعملون بجدية على تحسين المستقبل، وإيجاد حلول جديدة للتحديات التي تواجه المجتمع.
جاء كتاب «أمة حمام الدماء» عميقاً ومؤثراً على نحو سمح ببعث النقاش المتعلق بحيازة الأسلحة النارية من جديد، وتمّ تناوله بعيداً عن السياسة والتأثيرات الاقتصادية، ولعل هذا يرجع أساساً إلى أن بول أوستر ليس مؤرخاً ولا عالم اجتماع وليس فيلسوفاً ولا حتى رجل سياسة، بل لأنه كاتب فحسب، تناول الموضوع من زاوية الألم والشعور بالخوف على أمته من الاندثار كلما ازدادت حبّاً للعنف. فأوستر لم يتوان في وصف العلاقة التي تربط الأميركي بالأسلحة والعنف بعلاقة حبّ قديمة قِدم التاريخ الأميركي، شكّلها الخوف والشعور بالرعب الذي دفع المستوطنين الأوائل إلى تسليح أنفسهم دفاعاً عن حياتهم، ولكنهم ومع مرور الوقت تشكّل لديهم يقين بأن حياتهم تعني موت خصومهم، وشيئاً فشيئاً نسي الأميركيون الغاية الحقيقية التي دفعت بمحرري دستورهم إلى تقنين حق حيازة الأسلحة، حتى صاروا يعتقدون أن هذا الحق من الحقوق الأساسية التي لا تقبل التنازل عنها، وهو التصور الذي تكرس بشكل نهائي في ستينات القرن الماضي مع انتشار عمليات الاغتيالات والفوضى.
تضمن كتاب أوستر مجموعة من صور سبنسر أوستراندر التي التقطت خلال عامين في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأميركية، لمواقع شهدت أكبر عمليات القتل الجماعية في السنوات العشرين الأخيرة. تم تصويرها بالأبيض والأسود ولا يظهر فيها شيء من المشاهد الدموية، فقط أماكن فارغة، حزينة، عادية، يتعلق معظمها بمدارس وكنائس ومتاجر شهدت في فترة ما عمليات قتل بالأسلحة النارية، ومع ذلك تمكن المصور من نقل مشاعر الذعر التي تلازم عادة من يكون شاهداً على وقائع دموية مرعبة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
TT

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي، وفقاً لشهادة الوفاة الصادرة عن إدارة الصحة العامة في مقاطعة لوس أنجليس، والتي نشرها موقع «TMZ» أمس الاثنين.

وذكرت شهادة الوفاة أن سرطان المستقيم كان من الأسباب الكامنة للوفاة، وأن جثمانها أُحرق. وتوفيت أوهارا عن عمر 71 عاماً في 30 يناير (كانون الثاني) في منزلها بلوس أنجليس «بعد مرض لفترة قصيرة».

وفي عام 2020 فازت بجائزة «إيمي» لأفضل ممثلة كوميدية عن دورها «مويرا روز» في «شيتس كريك». كما أدّت دور والدة شخصية كولكين في فيلم «وحدي في المنزل» عام 1990، وشخصية «ديليا ديتز» في جزأين من فيلم «بيتل جوس».

وانضمت أوهارا إلى طاقم مسلسل السخرية الهوليوودي «ذا ستوديو» الذي أطلقه عام 2025 الممثل سيث روغن، مجسّدة شخصية «باتي لي»، المديرة المقالة لاستوديو أفلام في هوليوود.


مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)

بدأت لجنة الاتصالات في مجلس النواب (البرلمان المصري) جلسات استماع لتطوير تشريعات تهدف إلى حماية الأطفال والنشء من مخاطر الإنترنت والألعاب الرقمية، بحضور وزراء الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتربية والتعليم والتعليم الفني، والتضامن الاجتماعي.

وكان النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، قد أعلن عقد أولى جلسات الاستماع بشأن هذه التشريعات، بحضور عدد من الوزراء، وممثلي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، والأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، إضافة إلى الفنان أحمد زاهر، بطل مسلسل «لعبة وقلبت بجد»، وممثلين عن المنصات الدولية.

وفي بداية الاجتماع، ثمَّنت اللجنة مقترح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بشأن التنسيق بين الحكومة والبرلمان لإعداد هذا التشريع المهم لحماية النشء من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، أن المجلس يعمل وفق نهج يجمع بين التوعية المجتمعية، والدعم النفسي، والتعاون المؤسسي، والتدخل التشريعي، بما يضمن حماية الطفل في البيئة الرقمية المتطورة.

واستعرضت الجهود التي يبذلها المجلس لدعم حماية الأطفال وأسرهم، والتي تشمل رفع الوعي المجتمعي عبر حملات ومبادرات توعوية لحماية الأطفال من العنف والتنمر الإلكتروني، والتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية غير الآمنة.

وأوضحت أن المجلس، في إطار تعزيز التعاون المؤسسي، تعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و«اليونيسف» لإعداد أدلة تدريبية متكاملة حول دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في حماية الأطفال من مخاطر سوء استخدام الإنترنت والألعاب الإلكترونية.

وأكدت أن المجلس أعدّ رؤية استراتيجية لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاماً، بهدف حمايتهم من مخاطر الابتزاز والتنمر والتحرش الإلكتروني، ومخاطر بعض الألعاب الإلكترونية. وأشارت إلى أن هذه الرؤية استندت إلى نماذج تشريعية دولية؛ من بينها التجربة الأسترالية، وقد قُدِّمت إلى وزارة العدل لدراسة إمكانية اعتمادها إطاراً تشريعياً وطنياً.

وكان الرئيس المصري قد طالب، في خطاب قبل أيام، بإصدار تشريعات تحدّ من استخدام الهواتف الجوالة حتى سنّ معينة، مستشهداً بتجارب دولية سابقة.

وأكدت رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة ضرورة نقل عبء الحماية من المستخدم إلى مقدّم الخدمة، من خلال الالتزام بمبدأ الحد الأدنى من البيانات، وعدم جمع معلومات الأطفال إلا للضرورة، وتوفير إعدادات خصوصية وأمان افتراضية عالية للفئة العمرية (16 - 18 عاماً)، وإلزام المنصات بإنشاء فرق عمل محلية لمراقبة المحتوى باللغة العربية واللهجة المصرية، واستخدام خوارزميات ذكاء اصطناعي مخصّصة لاكتشاف التنمر والتحرش باللهجات المحلية.

وقبل أيام، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حجب لعبة «روبليكس» الإلكترونية، بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، عقب مناقشات مجتمعية وإعلامية حول خطورة التطبيق على الشباب.

ويتيح التطبيق بيئة افتراضية تفاعلية تجمع ملايين المستخدمين، مع وجود أقسام مخصّصة للبالغين تتضمن مشاهد عنف وقتل، وقد صُنِّف في دول عدّة تطبيقاً غير آمن.

كما أعلن رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، في تصريحات متلفزة، حجب تطبيق مراهنات وصفه بـ«الخطير» يُدعى «إكس بيت»، مؤكداً أن الحجب سيمتد ليشمل مواقع المراهنات المخالفة التي تمارس ما وصفه بـ«القمار الإلكتروني».

ويرى خبير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، محمد فتحي، أن الجهود التشريعية لحماية الأطفال من مخاطر بعض الألعاب والتطبيقات الرقمية، على الرغم من أهميتها، لن تكون كافية وحدها لحل المشكلة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أنه لا بدَّ من تنفيذ برامج تثقيف رقمي في المدارس، وتدريب أولياء الأمور على التعامل مع الأجهزة والتطبيقات، إلى جانب إطلاق حملات إعلامية عبر منصات التواصل لجذب انتباه الشباب والأسر إلى مخاطر الاستخدام غير الآمن.

وأشار إلى ضرورة تغليظ العقوبات على من ينشر صوراً أو مقاطع فيديو للأطفال دون موافقة، وحجب الحسابات أو الخدمات الرقمية التي تروّج لسلوكيات مسيئة أو تستهدف القُصَّر، بما يسهم في توفير بيئة رقمية آمنة، وتمكين الأسر من أدوات حماية تقنية وقانونية، مع إلزام الشركات التكنولوجية بتطبيق معايير خاصة لحماية المستخدمين من الأطفال.

وأوضح أن التحديات الرقمية الحالية ليست مجرد مشكلة تقنية؛ بل قضية اجتماعية تتطلب تنفيذاً فعالاً وتوعية مستمرة، إلى جانب تشريعات قوية، بهدف تمكين الأجيال القادمة من استخدام الإنترنت بأمان وثقة، لا عزلها عن التكنولوجيا.


مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
TT

مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)

أعلن «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عن تلقيه شكوى من الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين، ضد «تيك توكر»، تدعى «أم جاسر»، لنشرها فيديو تهكَّمت خلاله على نقيب المهن التمثيلية بطريقة غير لائقة، مدعية قدرتها على العمل في التمثيل من دون الحاجة إلى العضوية، أو الحصول على التصاريح اللازمة لممارستها.

وقرر رئيس المجلس، في بيان، الاثنين، إحالة الشكوى إلى لجنة الشكاوى، برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس، لبحثها ودراسة ما ورد بها، واتخاذ الإجراءات القانونية، وفقاً لما تقضي به القوانين واللوائح المنظمة.

وظهرت «أم جاسر»، في الفيديو المشار إليه في البيان، عقب إصدار «نقابة الممثلين» بياناً صحافياً، أكدت خلاله إيقاف مسلسل «روح OFF»، للمنتج بلال صبري، ومنعه من العرض خلال موسم رمضان 2026، لمخالفته الصريحة لتعليمات النقابة وقراراتها.

وأكدت النقابة في بيانها أن قرار إيقاف المسلسل جاء بعد توجيه أكثر من تنبيه وتحذير للمنتج بلال صبري بضرورة الالتزام بلوائح النقابة والقوانين المنظمة للعمل الفني، لكنه استمر في تجاهل تلك التعليمات ومخالفتها، على خلفية إعلان إحدى الجهات مشاركة «أم جاسر» في المسلسل.

فريق مسلسل «روح OFF» (الشركة المنتجة)

تعليقاً على قرار إيقافها عن العمل، تحدثت «أم جاسر» في مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي بسخرية، قائلة: «في الوقت الذي كنتُ أصوّر فيه إعلانات ستُعرض على الشاشة خلال موسم رمضان، فوجئتُ بـ(النقابة) ووسائل الإعلام تعلنان منعي من الظهور في مسلسلات هذا العام، رغم أنني لم أشارك من الأساس، وكنت أنتظر التقديم في العام المقبل، حيث يجري تقييمي سلباً أو إيجاباً»، مؤكدة أنها ستشارك في التمثيل خلال العام المقبل بالفعل.

وعَدَّ الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «ما حدث لا يمكن أن نطلق عليه تصعيداً، بل هو تنظيم لمسألة استباحة الشخصيات العامة والكيانات النقابية والتعامل معها بسخرية، وهو ما يستوجب رداً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمر معروض حالياً أمام المجلس، وسيتخذ ما يلزم حياله. ومن حق نقابة المهن التمثيلية تنظيم المهنة، كما أن من حق المتضرر التوضيح والرد بشكل مناسب، وليس بهذه الطريقة».

وشددت النقابة في بيان سابق، على أنها لن تتهاون مع أي تجاوزات أو محاولات للتحايل على القوانين، مؤكدة أن حماية المهنة وصون حقوق أعضائها يأتيان على رأس أولوياتها، وأن أي عمل فني لا يلتزم بالضوابط ستتخذ ضده إجراءات حاسمة، مؤكدة ترحيبها بالتعاون مع شركات الإنتاج الملتزمة بالقواعد والقوانين المنظمة للعمل الفني.

في السياق، أعلن عدد من صناع «روح OFF»، على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، حل أزمة المنع، واستكمال التصوير، وعرض العمل في موسم رمضان، بعد التأكيد على عدم وجود مشاركات تمثيلية مخالفة لقواعد النقابة.