بول أوستر يدخل أرض السرطان

كتابه الأخير الذي أنجزه رغم المرض يتتبع تاريخ العنف في أميركا

بول أوستر برفقة زوجته الكاتبة سيري هوستفالدت
بول أوستر برفقة زوجته الكاتبة سيري هوستفالدت
TT

بول أوستر يدخل أرض السرطان

بول أوستر برفقة زوجته الكاتبة سيري هوستفالدت
بول أوستر برفقة زوجته الكاتبة سيري هوستفالدت

على الرغم من الصدمة التي أحدثها خبر إصابة الروائي الأميركي «بول أوستر» بالسرطان، وفق ما نشرته زوجته الكاتبة سيري هوستفالدت على حسابها في «إنستغرام»، فإن منجزه السردي المتميّز مستمر في إذكاء نار الجدال على مختلف المنابر الإعلامية في الولايات المتحدة وغيرها، عبر ما أثاره كتابه الأخير «أمة حمام الدماء» الذي أطلقه مطلع هذه السنة.
نزل خبر إصابة أوستر بالسرطان كالصاعقة، ليس فقط بسبب خطورة هذا المرض؛ بل لأن طريقة إعلان زوجته للخبر لم تخل من يأس ظاهر من إمكانية شفائه. وهو تشاؤم قد يكون مبرراً بسبب الحالة الصحية لأوستر المستمرة في التدهور منذ شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي. تقول هوستفالد: «غبت فترة عن (إنستغرام) بسبب تشخيص إصابة زوجي بالسرطان في ديسمبر، وهذا بعد أشهر قضاها مريضاً. هو الآن يتلقى العلاج في مستشفى (سلون كترينج) في نيويورك، وقد عشت هذه الفترة في مكان أسميته (أرض السرطان). أرض عبر حدودها أشخاص كثيرون، إما لأنهم كانوا مرضى، وإما لأنهم يحبون شخصاً ما أصيب بالمرض... بعض هؤلاء ينجون من المرض لكن البعض الآخر يموت. حقيقة يعرفها الجميع، ومع ذلك فإن العيش بالقرب من تلك الحقيقة يغير الواقع اليومي».

غلاف «أمة حمام الدماء»

وفي محاولتها الإفصاح عن الحالة النفسية التي تعيشها مع زوجها بول أوستر، تضيف سيري هوستفالد في منشورها: «أعتقد أنه سيكون أمراً فظيعاً أن تكون وحيداً في (أرض السرطان)، العيش مع شخص مصاب بالسرطان يتعاطى العلاج الكيميائي والمناعي، هو مغامرة في القرب والابتعاد. يجب أن يكون الشخص قريباً بما فيه الكفاية ليشعر بالعلاجات التي تنهك جسد المريض كما لو أنه هو المعني بتعاطيها، وفي الوقت نفسه يكون بعيداً بما فيه الكفاية ليتمكن من تقديم المساعدة الحقيقية. فالشفقة الزائدة قد تشعر المريض بأنه عديم الفائدة! ليس من السهل دائماً القيام بهذه المهمة الحساسة، لكنها العمل الحقيقي للحب».
تأتي هذه المأساة بعد أشهر قليلة من وفاة دانيال، ابن بول أوستر عن زوجته الأولى الكاتبة ليديا ديفيس، إثر تعاطيه جرعة زائدة من المخدرات في أبريل (نيسان) العام الماضي، حيث وجد مغمى عليه في ميترو بروكلين بمدينة نيويورك، بعد أيام قليلة من إطلاق سراحه بكفالة إثر اتهامه بقتل ابنته ذات الأشهر العشرة خطأ، والتي كانت في حضانته.
المآسي المتلاحقة في حياة أوستر لم تمنعه من التعاطي مع الكتابة بالتزام ندر وجوده عند الكتاب، فصاحب «اختراع العزلة»، الرواية التي جعلته في الصف الأول من الكتاب العالميين منذ صدورها عام 1982، لم يركن إلى ما حققه من رواج خاصة بفضل عمله الأشهر «ثلاثية نيويورك» (ترجمت إلى العربية، دار الآداب) والمتكونة من «مدينة الزجاج» (1985) و«الأشباح» (1986) و«الغرفة الموصدة» (1987)، بل استمر في كتابة أعمال اعتبر معظمها أعمق وأكثر أثراً من التي صنعت شهرته، آخرها روايته الموسومة «1 2 3 4» الصادرة عام 2017 (ترجمت إلى العربية، منشورات المتوسط)، التي اعتبرتها المنابر النقدية أهم حدث أدبي في تلك السنة، ليتبعه بـكتاب «أمة حمام الدماء» الصادر في منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن دار «غروف براس» الأميركية (ترجم إلى الفرنسية مباشرة بعنوان «بلد الدماء»، دار أكت سود).
استند بول أوستر في هذا الكتاب إلى الصور التي أخذها المصور الأميركي سبنسر أوستراندر، ابن زوجته سيري هوستفالد، في مواقع شهدت جرائم قتل عنيفة خلال العشرين سنة الماضية، حيث يحاول أوستر تتبع تاريخ العنف في الولايات المتحدة الأميركية، المترتب أساساً عن البند المنصوص عليه في الدستور الأميركي، والمتعلق بحق امتلاك أي مواطن ومن دون سبب لسلاح ناري، وهو الحق الذي قسّم البلد عملياً إلى معسكرين لا يجمع بينهما شيء.
يرى أوستر أن حيازة الأسلحة النارية في أميركا لم تشهد منذ تاريخ تقنينها هذا القدر من الانتشار، كما أن جرائم القتل بالرصاص زادت بنحو خيالي في أكثر من 40 مدينة أميركية. وهي مؤشرات توجب على الشعب الأميركي أن يختار أي نوع من الشعوب يرغب في أن يكونه: شعب دموي تسيّره قوانين العنف، أم شعب يؤمن بالنظام ويجنح إلى السلم والطمأنينة؟ لكنه عوض أن يطرح هذا السؤال مباشرة، استعان أوستر بذكائه السردي الذي جعله يستنطق صور أوستراندر الفوتوغرافية التي لم يختر من ضمنها إلا تلك التي غاب فيها الحضور البشري، فبحسب أوستر فإن غياب الشخصيات البشرية يلفت النظر أكثر، وعدم وجود أسلحة نارية في صور تتحدث أصلاً عن الأسئلة النارية، يجعل تناول الموضوع يملك بعداً فلسفياً استشرافياً بعيداً عن السياسة والمصالح المالية، فالصور التي استنطقها أوستر اكتفت بتصوير مبانٍ صارت قبيحة بسبب القتل والعشوائية، وهو الأمر الذي خلق نوعاً من الفراغ فيها، يعكس تماماً فراغ العالم الذي خلقه العنف.
يشدد الكاتب على الهوة الفلسفية التي تفصل بين المعسكرين المتناقصين: المؤيدين والمعارضين لحق حيازة الأسلحة النارية، بين الذين يرون في حق حمل السلاح دعامة أساسية للمجتمع الأميركي والذين يريدون إنهاءها، الذين يرون أن المشكلة تكمن في الأسلحة النارية والذين يرون أنها تكمن في الأفراد الذين يتعاملون معها. هوة لا يمكن تجاوزها وتمنع أي مناقشة جادة وحقيقية، حيث لا يبدو أي من الطرفين على استعداد لاتخاذ أي خطوة. في هذه الظروف، يشعر بول أوستر بالتشاؤم بشأن المستقبل، فمن مدرسة ساندي هوك الابتدائية إلى يوفالدي وكنيسة بابتست الأولى وسذرلاند ونادي بولس الليلي في أورلاندو، لم يتم استخلاص أي درس ولم يتم اتخاذ أي إجراء عملي. الكثير من الوفيات، الكثير من الحياة التي تنتهي، والكثير من الحياة التي تدمر، والكثير من الحياة التي تتوقف، والكثير من الحياة التي تضيع. لكنه ومع هذا التشاؤم المتعلق بإدراكه لحجم الهوة التي تفصل الفريقين، يصرّح بأن ما يعطيه الأمل في المستقبل، هو العمل الذي يقوم به الأفراد والمنظمات للتغيير، فهو يعبر عن تفاؤله بشأن العديد من الحركات الاجتماعية التي تسعى إلى إنهاء العنف والتمييز، وكذلك الناس الذين يعملون بجدية في المجال السياسي للمطالبة بإصلاحات تجعل العالم أكثر عدلاً وإنصافاً، ويعلق الأمل على الذين يعملون بجدية على تحسين المستقبل، وإيجاد حلول جديدة للتحديات التي تواجه المجتمع.
جاء كتاب «أمة حمام الدماء» عميقاً ومؤثراً على نحو سمح ببعث النقاش المتعلق بحيازة الأسلحة النارية من جديد، وتمّ تناوله بعيداً عن السياسة والتأثيرات الاقتصادية، ولعل هذا يرجع أساساً إلى أن بول أوستر ليس مؤرخاً ولا عالم اجتماع وليس فيلسوفاً ولا حتى رجل سياسة، بل لأنه كاتب فحسب، تناول الموضوع من زاوية الألم والشعور بالخوف على أمته من الاندثار كلما ازدادت حبّاً للعنف. فأوستر لم يتوان في وصف العلاقة التي تربط الأميركي بالأسلحة والعنف بعلاقة حبّ قديمة قِدم التاريخ الأميركي، شكّلها الخوف والشعور بالرعب الذي دفع المستوطنين الأوائل إلى تسليح أنفسهم دفاعاً عن حياتهم، ولكنهم ومع مرور الوقت تشكّل لديهم يقين بأن حياتهم تعني موت خصومهم، وشيئاً فشيئاً نسي الأميركيون الغاية الحقيقية التي دفعت بمحرري دستورهم إلى تقنين حق حيازة الأسلحة، حتى صاروا يعتقدون أن هذا الحق من الحقوق الأساسية التي لا تقبل التنازل عنها، وهو التصور الذي تكرس بشكل نهائي في ستينات القرن الماضي مع انتشار عمليات الاغتيالات والفوضى.
تضمن كتاب أوستر مجموعة من صور سبنسر أوستراندر التي التقطت خلال عامين في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأميركية، لمواقع شهدت أكبر عمليات القتل الجماعية في السنوات العشرين الأخيرة. تم تصويرها بالأبيض والأسود ولا يظهر فيها شيء من المشاهد الدموية، فقط أماكن فارغة، حزينة، عادية، يتعلق معظمها بمدارس وكنائس ومتاجر شهدت في فترة ما عمليات قتل بالأسلحة النارية، ومع ذلك تمكن المصور من نقل مشاعر الذعر التي تلازم عادة من يكون شاهداً على وقائع دموية مرعبة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.