بوتين يزور ماريوبول للمرة الأولى منذ سقوطها

باريس تؤكد «الأهمية البالغة» لإصدار مذكرة توقيف ضد الرئيس الروسي

مسعود البارزاني.. زعيم بالوراثة أم قائد أرسله القدر لشعب بلا دولة
مسعود البارزاني.. زعيم بالوراثة أم قائد أرسله القدر لشعب بلا دولة
TT

بوتين يزور ماريوبول للمرة الأولى منذ سقوطها

مسعود البارزاني.. زعيم بالوراثة أم قائد أرسله القدر لشعب بلا دولة
مسعود البارزاني.. زعيم بالوراثة أم قائد أرسله القدر لشعب بلا دولة

أدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زيارة غير معلنة إلى ماريوبول، حسبما ما أعلنت وسائل إعلام رسمية أمس الأحد، هي الأولى له إلى هذه المدينة منذ السيطرة عليها في أعقاب حصار استمر أشهرا في بداية الهجوم الذي تشنّه موسكو في أوكرانيا.
وبعد ساعات على زيارته القرم في الذكرى التاسعة لضم شبه الجزيرة، نشر الكرملين فيديو لوصول بوتين على متن مروحية إلى ماريوبول، المدينة الساحلية التي سيطرت عليها موسكو بعد حصار الربيع الماضي.
وجال بوتين في المدينة وشوهد يقود سيارة بنفسه. وقال الكرملين إنه تفقد مسرحا موسيقيا أعيد بناؤه واستمع إلى تقرير عن أعمال إعادة إعمار هذه المدينة المنكوبة. وقال أحد الأهالي لبوتين: «إننا نصلي من أجلك»، مشيرا إلى المدينة بوصفها «قطعة جنة صغيرة من الجنة»، بحسب مشاهد نشرها التلفزيون الروسي أظهرت أن الزيارة تمت ليلا.
ونددت وزارة الدفاع الأوكرانية بالزيارة، وكتبت في تغريدة: «زار بوتين مدينة ماريوبول الأوكرانية مثل لص تحت جنح الليل. أولا هذا أكثر أمانا. كما أن الليل يسمح له بأن يركز على ما لا يريد إظهاره، ويبقي المدينة التي دمرها جيشه بالكامل وسكانها القلائل الناجين بعيدا عن الأنظار الفضولية».
بدوره أوضح الكرملين أن بوتين قرر في اللحظة الأخيرة التوجه إلى ماريوبول بعد زيارته السبت شبه جزيرة القرم، مشددا على الطبيعة «العفوية» لرحلته. وقال الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف عن زيارة بوتين: «كان كل ذلك عفويا»، مؤكدا أن «تنقّلاته في المدينة لم يخطط لها أيضا».
وكانت تلك أول زيارة لبوتين إلى منطقة دونباس الشرقية منذ بداية النزاع في أوكرانيا في فبراير (شباط) من العام الماضي، وتأتي بعد عام تقريبا على إعلان السيطرة على ماريوبول بعد حملة أدت إلى تدمير مصنع آزوفستال للصلب، المعقل الأخير للقوات الأوكرانية في المدينة. وقالت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إن قصف روسيا في بداية الصراع لمستشفى للولادة في ماريوبول جريمة حرب.
وجاءت زيارة بوتين قبيل زيارة يجريها الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى موسكو، اعتُبرت على نطاق واسع إنجازا دبلوماسيا لبوتين.
من ناحيتها اعتبرت بكين، الحليفة الاستراتيجية لموسكو، أنها «زيارة من أجل السلام»، وذلك فيما تسعى للعب دور الوسيط في الحرب في أوكرانيا. وسعت الصين، أحد حلفاء روسيا الرئيسيين إلى التموضع كطرف محايد في النزاع الأوكراني، وحثت موسكو وكييف على بدء مفاوضات. لكن زعماء غربيين انتقدوا بكين مرارا لعدم إدانتها الهجوم الروسي، واتهموها بتوفير غطاء دبلوماسي لموسكو في حملتها.
والتقى بوتين قادة عسكريين، من بينهم قائد الأركان العامة فاليري غيراسيموف، في مدينة روستوف-أون-دون (جنوب روسيا) قرب الحدود مع أوكرانيا، وفق الكرملين.
وفي القرم، زار بوتين السبت سيفاستوبول، الميناء الرئيسي لأسطول البحر الأسود الروسي في شبه جزيرة القرم، حيث حضر مراسم افتتاح مدرسة فنون للأطفال برفقة الحاكم المحلي ميخائيل رازفوجاييف، وفقاً لصور بثتها قناة «روسيا-1» التلفزيونية العامة. وضمّت روسيا القرم في 18 مارس (آذار) 2014 إثر استفتاء لم تعترف به كييف ولا الأسرة الدوليّة.
جاءت زيارة بوتين بعدما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية الجمعة مذكرة توقيف بحقه على خلفية «ترحيل» أطفال أوكرانيين. وتقول كييف إن أكثر من 16 ألف طفل أوكراني رُحلوا إلى روسيا منذ بدء النزاع، وُضع العديد منهم في معاهد أو لدى عائلات حاضنة. وقال المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، لوكالة الصحافة الفرنسية، عندما سئل عما إذا كان بوتين سيُعتقل إذا وطئت قدماه أيا من تلك الدول البالغ عددها 123: «هذا صحيح».
ولم يعلق الزعيم الروسي البالغ 70 عاما على مذكرة التوقيف، غير أن الكرملين رفض القرار، معتبرا أنه «باطل ولاغ»، لأن روسيا ليست طرفا في الجنائية الدولية.
بدوها، شدّدت وزيرة الخارجيّة الفرنسيّة كاترين كولونا في مقابلة، نشرت أمس الأحد، على أنّ إصدار المحكمة الجنائيّة الدوليّة الجمعة مذكّرة توقيف بحقّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتهمة ارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا هو قرار «بالغ الأهمّية». وقالت كولونا في مقابلة مع صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الأسبوعيّة، إنّ «هذا القرار في منتهى الأهمّية، لأنّه يعني أنّ أيّ شخص مسؤول عن جرائم حرب أو جرائم ضدّ الإنسانيّة يجب أن يُحاسَب بغضّ النظر عن وضعه أو منصبه». وأضافت: «لا توجد أيّ حلقة في السلسلة يمكنها أن تعتقد الآن أنها ستُفلِت من العدالة، وهذا يجب أن يدفع كثيرين إلى التفكير. لذلك فإنّ هذا القرار يمكن أن يُغيّر مجرى الأحداث».
وقالت المحكمة إنّ مذكّرة التوقيف جاءت على خلفيّة «جريمة الحرب المفترضة المتمثّلة في الترحيل غير القانوني لأطفال من المناطق المحتلّة في أوكرانيا إلى روسيا الاتّحاديّة» منذ بدء الغزو.
وأكدت كولونا أن «فرنسا تدعم المحكمة، وتُساعد العدالة الأوكرانيّة من خلال إرسال فرق متخصّصة إلى الميدان لتوثيق الانتهاكات أو التعرّف على الضحايا». ورداً على سؤال في شأن تسليم سلوفاكيا 13 مقاتلة من طراز ميغ-29 لأوكرانيا، وأربعٍ أُخَر من جانب بولندا، أجابت الوزيرة الفرنسيّة بأنّ «كل ما يساعد أوكرانيا مفيد». وأردفت: «الدول التي لديها معدّات سوفياتيّة يعرفها الأوكرانيّون، كانت قادرةً على اتّخاذ هذا القرار (…)». وقالت: «لمواجهة (الهجوم الروسي)، يجب أن تكون أوكرانيا قادرة على المقاومة بالوسائل المتاحة حالياً».
وفي ما يتعلّق بتسليم فرنسا طائرات مقاتلة أكثر تطوّراً في المستقبل، أوضحت كولونا: «من حيث المبدأ، قال رئيس الجمهوريّة ووزير الجيوش إنّه ليست هناك مُحرّمات» في هذا الإطار.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: بوتين سيجند 300 ألف جندي إضافي بعد انتخابات سبتمبر

أوروبا الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (قناته عبر تلغرام) p-circle

زيلينسكي: بوتين سيجند 300 ألف جندي إضافي بعد انتخابات سبتمبر

قال الرئيس ​فولوديمير زيلينسكي إن أوكرانيا تعتقد أن روسيا تخطط لتعبئة ‌300 ألف ​جندي إضافي لدعم جهودها ​الحربية بعد الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ​الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في طريقه لزيارة كاتدرائية الكرملين في موسكو (الكرملين) p-circle

بوتين: أوكرانيا «فتحت على نفسها أبواب الجحيم» بقصف أهداف اقتصادية

قال ​الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ‌في تصريحات ‌نشرت ​اليوم ‌السبت، إن ​أوكرانيا «فتحت على نفسها أبواب الجحيم» بغاراتها ‌على ‌أهداف ​اقتصادية ‌روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول مع نظيره الأوكراني في كييف السبت (رويترز) p-circle

برلين تقترح طرقاً دبلوماسية جديدة غير تقليدية لإحلال السلام في أوكرانيا

برلين تقترح طرقاً دبلوماسية جديدة غير تقليدية لإحلال السلام في أوكرانيا... وزير خارجيتها يزور كييف، ويطالب نظيره الأميركي بالاضطلاع بدور نشط في النزاع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأوكراني فولوديمير زيلينسكي في جادة الشانزليزيه 14 يوليو 2026 (أ.ف.ب) p-circle

ماكرون سيرسل صواريخ اعتراضية جديدة إلى كييف بعد الضربات الروسية

أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن «صدمته وحزنه» عقب الضربات الروسية الأخيرة التي استهدفت مركزاً تجارياً في أوكرانيا، معلناً أنه سيرسل صواريخ اعتراضية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا نظام دفاعي لطائرة مسيرة تابع للمركز الألماني للفضاء الذي يشغل مركز تكنولوجيا المسيرات في ولاية ساكسونيا أنهالت (رويترز) p-circle

روسيا تنشئ قواعد للطائرات المسيّرة على أبواب «الناتو»

روسيا تنشئ قواعد للطائرات المسيّرة على أبواب «الناتو» والحلف يرد ويستثمر 40 مليار دولار في أنظمة مكافحتها، والتدريب عليها على مدى السنوات الخمس المقبلة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.


من اليسار إلى اليمين: ماذا يحدث للأجيال الشابة؟

متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
TT

من اليسار إلى اليمين: ماذا يحدث للأجيال الشابة؟

متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)

تشير استطلاعات الرأي والوقائع السياسية الأخيرة، على جانبي المحيط الأطلسي، والغرب عموماً، إلى ظاهرة سياسية لافتة: فالشباب الذين اعتادوا لعقود أن يكونوا أكثر ميلاً إلى اليسار، بدأ قسم متزايد منهم يتجه نحو اليمين. ولا يتعلق الأمر دائماً بيمين محافظ تقليدي أو معتدل، بل أحياناً بحركات شعبوية وقومية، بل وبتيارات أكثر راديكالية تشكك في النظام السياسي الليبرالي نفسه.

في الولايات المتحدة، كان الشباب تاريخياً أكثر ميلاً إلى الحزب الديمقراطي. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً يستحق التوقف عنده، خصوصاً في طلائع الجيل «زد» (Z) وقبله الجيل «واي» (Y)، أو «جيل الألفية»؛ فقد أظهر استطلاع أجرته جامعة ييل في عام 2025، فرقاً واضحاً بين الفئات الشبابية؛ فمن هم بين 22 و29 عاماً غالبيتهم ديمقراطية، بينما الأصغر سناً، بين 18 و21 عاماً، أكثرهم جمهوريون.

طلاب وطالبات في جامعة نورث كارولاينا الأميركية (رويترز - أرشيفية)

وهنا تبرز مفارقة مهمة: الجيلان «واي» و«زد» ليسا كتلة سياسية واحدة؛ فهناك فرق واضح بين أفرادهما الأكبر سناً والأصغر سناً، كما أن الفجوة بين الرجال والنساء داخل الجيلين تتسع بشكل ملحوظ.

* لماذا يتحرك بعض الشباب نحو اليمين؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال؛ فالتجارب التي عاشها الشباب خلال سنوات تكوينهم السياسي تختلف بحسب العمر والبلد والبيئة الاجتماعية.

بالنسبة إلى الأصغر سناً من الجيلين المذكورين، كان لجائحة «كوفيد-19» تأثير خاص؛ فقد أمضى كُثرٌ منهم سنوات المراهقة في ظل الإغلاق والعزلة والقيود الحكومية، وهي تجربة ربما أثرت في نظرتهم إلى السلطة والمؤسسات. وفيما تأثر الأكبر سناً من الجيلَين بحركات تقدمية ومنصات مثل «إنستغرام»، نشأ الأصغر وسط انتشار «تيك توك»، الذي أصبح مساحة أكثر تقبّلاً للأصوات اليمينية والشعبوية.

ويشير بعض المحللين إلى تأثير صناع المحتوى الناشطين على المنصات المختلفة في مجالات مثل اللياقة البدنية، والتنمية الذاتية، وإدارة الأموال، في تشكيل وعي سياسي يميل نحو الفردية والاعتماد على الذات بدلاً من دولة الرفاه.

والواقع أن المسألة لا تتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي وحدها؛ فالشباب الذين يشعرون بأن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية لا تتحسن قد يصبحون مشككين في النظام الذي يرونه مسؤولاً عن هذه النتائج. وإذا نظرنا إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة امتلاك منزل، والقلق بشأن الوظائف والمستقبل، والهجرة والهوية الوطنية، فهي كلها قضايا شائكة يمكن أن تدفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل سياسية أكثر حدة.

رئيس حزب «التجمّع الوطني» الفرنسي جوردان بارديللا مع زعيمة الحزب مارين لوبن في لييفان بشمال فرنسا (أ.ف.ب)

* أوروبا: جيل جديد يكتشف اليمين

تبدو الظاهرة أكثر وضوحاً في أجزاء من أوروبا، حيث حققت الأحزاب اليمينية والشعبوية تقدماً بين الشباب.

وفرنسا مثال بارز؛ فقد نجح حزب «التجمع الوطني»، بقيادة جوردان بارديلا (30 عاماً)، في جذب أعداد كبيرة من الشباب. ولا شك في أن بارديلا نفسه يمثل جزءاً من استراتيجية فعّالة؛ فهو شاب، حاضر بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحدث إلى جمهور أصغر سناً بلغة مختلفة عن لغة الأحزاب التقليدية. وله ملايين المتابعين على «تيك توك».

ولا تقتصر الظاهرة على فرنسا؛ بل تشمل النمسا وألمانيا وبلجيكا.

ويجب أن يُشار هنا إلى أن الحروب والصراعات الدولية الأخيرة والاستقطاب الجيوسياسي، تؤثر حتماً على إعادة تشكيل مفهوم القومية والأمن لدى الشباب في الغرب.

* الرجل الشاب مقابل المرأة الشابة

وسط ما يحصل، قد يكون العامل الأكثر إثارة للاهتمام هو أن التحول السياسي لا يحدث بالتساوي بين الجنسين. وفي هذا السياق، تشير استطلاعات وتحقيقات متعددة إلى أن نساء جيلَي «الألفية» و«زد» أصبحن أكثر ميلاً إلى الليبرالية والتقدمية، بينما يتحرك الرجال الشباب في الاتجاه المعاكس بدرجات متفاوتة. ولذلك قد يكون من الأدق الحديث عن «يمين الشباب الذكور» بدلاً من «يمين جيل الشباب» بصورة عامة.

وقد تكون هذه الفجوة مرتبطة بقضايا مثل الجندر، والهوية، والذكورة، والعلاقات بين الجنسين، والهجرة، وحرية التعبير. كما أن بعض الشباب الذكور يشعرون بأن الخطاب التقدمي السائد لا يمثلهم، أو أنه ينظر إليهم بوصفهم جزءاً من المشكلة بدلاً من التعامل معهم بوصفهم فئة تواجه مشكلاتها الخاصة وتبحث عن حلول لها.

طلاب في جامعة مونستر الألمانية (د.ب.أ)

وقد أسهمت شبكة الإنترنت في نشوء مجتمعات سياسية بديلة يستطيع فيها هؤلاء الشباب الركون إلى أفكار كتاب ومعلقين ومؤثرين يقدمون لهم تفسيراً مختلفاً للعالم.

* ما «اليمين الجديد»؟

المهم هنا أن اليمين الذي يجذب بعض الشباب ليس بالضرورة نسخة من اليمين القديم.

فاليمين التقليدي كان يركز على صَون المؤسسات والتقاليد والاستقرار. أما ما يسمى أحياناً «اليمين الجديد» أو «اليمين الشاب»، فهو في بعض أوساطه أكثر تمرداً على النظام القائم. ويذهب البعض إلى الدعوة للانقلاب على الوضع الراهن وتغيير قواعد اللعبة جذرياً.

وهذا تحديداً قد يكون أحد أسباب جذب الشباب؛ فالسياسة بالنسبة إلى جيل يشعر بالإحباط يمكن أن تصبح أكثر إثارة عندما تقدم نفسها بوصفها حركة تمرد على النخب والمؤسسات ووسائل الإعلام التقليدية والجامعات، بل تذهب إلى حد الإيحاء بأنها تمتلك حلولاً سحرية لمشكلات استعصت على النخب التقليدية اليمينية واليسارية.

وهنا تظهر المفارقة: قد ينجذب بعض الشباب إلى اليمين؛ ليس لأنهم أصبحوا أكثر محافظة، بل لأنهم يرونه أكثر راديكالية واستعداداً لتحدي النظام.

وفي المقابل، يجب ألا نتجاهل أن اليسار نفسه شهد تراجعاً في قدرته على تقديم أفكار جديدة ومثيرة لبعض الشباب؛ فقد خفتت جاذبية قضايا مثل المناخ لدى قطاعات من الناخبين مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، وفي الوقت نفسه يعاني بعض الحركات اليسارية انقسامات داخلية.

معرض خاص بعروض الوظائف في سيول عاصمة كوريا الجنوبية (رويترز)

* ماذا يريد هذا اليمين الشاب؟

يبقى السؤال الأهم: ماذا يريد هذا اليمين الشاب فعلاً؟

ليس من الحكمة اختزال الظاهرة في شخص دونالد ترمب أو في معاداة الهجرة؛ فبعض الشباب يريد سياسات اقتصادية مختلفة، وبعضهم يركز على الهوية الوطنية، وبعضهم على القيم الاجتماعية والدينية، بينما يريد آخرون تحدي المؤسسات الديمقراطية نفسها.

لذلك، من الخطأ افتراض أن جميع هؤلاء الشباب يشتركون في مشروع سياسي واحد؛ فاليمين الشاب ليس حركة متجانسة، وقد تختلف دوافعه وأهدافه من بلد إلى آخر، ومن فئة اجتماعية إلى أخرى.

وقد يكون من الخطأ أيضاً افتراض أن هذا الجيل سيبقى يمينياً إلى الأبد؛ فالاتجاهات السياسية تتغير، والشباب يمكن أن ينتقلوا من موقف إلى آخر مع تغير ظروفهم.

غير أن هناك أمراً أكثر أهمية من السؤال عمّا إذا كان الجيل الشاب «يمينياً» أم «يسارياً»؛ إذ يبدو أن فئة متزايدة ممن هم دون الثلاثين من العمر فقدت الثقة في قدرة الديمقراطية الليبرالية التقليدية على حل مشكلاتها.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام اليسار واليمين معاً، بل أمام السياسة بوصفها فكراً وعلماً وممارسة منذ أن تحدّث أرسطو عن «شؤون المدن» في كتابه «السياسة» (بوليتيكا)؛ فالشباب لا يحتاجون إلى شعارات سياسية رنّانة، بل إلى أفكار جديدة يمكن مناقشتها واختبارها بحرية. وإذا أرادت الديمقراطية الليبرالية استعادة ثقة جيل جديد، فعليها أن تثبت أن النظام القائم قادر على الإصلاح والتغيير وتقديم مستقبل أفضل.

وقد لا يكون صعود اليمين بين الشباب هو نهاية هيمنة اليسار، بل علامة على بداية مرحلة سياسية جديدة. والسؤال في النهاية ليس: هل يتجه جيل الشباب إلى اليمين؟ بل: لماذا فقد جزء منه إيمانه بالاتجاه الذي سار فيه الجيل السابق؟ وماذا سيبني بدلاً منه؟

اقرأ أيضاً