الحكومة الفرنسية تتأهب لقلب صفحة إصلاح «التقاعد»

التصويت اليوم في «الشيوخ» و«النواب»... والنقابات تدرس الخطوات اللاحقة

جانب من المظاهرات في مدينة نانت أمس (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرات في مدينة نانت أمس (أ.ف.ب)
TT

الحكومة الفرنسية تتأهب لقلب صفحة إصلاح «التقاعد»

جانب من المظاهرات في مدينة نانت أمس (أ.ف.ب)
جانب من المظاهرات في مدينة نانت أمس (أ.ف.ب)

مرة أخرى، نزل الفرنسيون أمس للتظاهر في العاصمة باريس وعشرات المدن الكبرى والمتوسطة للتعبير عن رفضهم لمشروع قانون التقاعد الذي تريد الحكومة إقراره، وأهم ما فيه رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاما بحلول العام 2027.
واستبقت الأجهزة الأمنية المظاهرات التي تدور لليوم الثامن. وكشفت عن توقعاتها لعديد المحتجين التي تشير إلى تراجع كثافة الاحتجاجات، وقدرت أن إجماليهم على كل الأراضي الفرنسية سيبقى دون المليون شخص، وتحديدا عند 850 ألفا، ما يشكل انحسارا واضحا قياسا لما كان عليه مثلا يوم السابع من الشهر الجاري حيث تجاوز العديد الـ1.3 مليون نسمة. لكن النقابات الثماني الرئيسية التي بقيت متحدة في مواجهة الخطة الحكومية ترى جماعيا أن الأجهزة الأمنية تتعمد إعطاء أرقام منخفضة لأعداد المتظاهرين للإيحاء بأن التعبئة الشعبية إما ليست قوية أو أنها تنهار.
ويعد يوم أمس مفصليا بسبب اجتماع اللجنة المشتركة المشكلة من 14 عضوا بالتساوي من النواب وأعضاء مجلس الشيوخ. ووظيفة اللجنة، التي يهيمن عليها الحزب الرئاسي «النهضة» واليمين التقليدي «حزب الجمهوريين»، والتي بدأت أعمالها صباحا، الاتفاق على نص نهائي سيطرح للتصويت اليوم على المجلسين، بدءا من مجلس الشيوخ صباحا ويعقبه تصويت في مجلس النواب بعد الظهر. وإذا كان التصويت الصباحي مضمونا بالنسبة للحكومة، إلا أن الإشكالية تتناول تصويت النواب حيث لا تتمتع الحكومة بالأكثرية المطلقة، وهي تراهن على أصوات نواب حزب «الجمهوريين» لبلوغها. والحال أن هؤلاء الذين يشغلون 61 مقعدا، منقسمون على أنفسهم بين أكثرية مؤيدة وأقلية رافضة أو عازمة على الامتناع عن التصويت. من هنا، فإن الحكومة وعلى رأسها إليزابيت بورن دأبت في الأيام الأخيرة على محاولة «إغراء» النواب المترددين. وإذا تبين لها وللرئيس إيمانويل ماكرون أن التصويت الإيجابي غير مضمون، فقد تلجأ إلى استخدام المادة 49 الفقرة 3، التي تسمح لها بالتصويت على المشروع ككل وربط ذلك بالثقة بالحكومة، ما يعرضها للسقوط في حال جاء التصويت سلبيا. ورغم أن تدبيرا كهذا منصوص عليه في الدستور، فإن استخدامه سيثير مزيدا من التحفظات، ورفضا شعبيا باعتباره بعيدا عن الممارسة الديمقراطية.

اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن في نانت أمس (أ.ف.ب)

وكان ماكرون قد هدّد باللجوء إلى سلاح حلّ البرلمان الذي يمنحه إياه الدستور إذا أسقطت حكومته. والحال أنه ليس من بين الأحزاب الرئيسية من يريد العودة إلى صناديق الاقتراع، خصوصا حزب «الجمهوريين» الذي يجتاز مرحلة صراع داخلي محموم وهو يتخوف من أن يخسر ما تبقى له من النواب في حال حصلت الانتخابات في الأسابيع أو الأشهر القلية القادمة. من هنا، فإن ماكرون ومعه الحكومة يخوضان رهانا غير مضمون النتائج. ووجه لوران بيرجير أمين عام الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تحذيرا للنواب، داعيا إياهم إلى «تحكيم الضمير» وإلى «الانتباه لما يحصل في دوائرهم الانتخابية وأخذ المعارضة الشعبية للخطة الحكومية بعين الاعتبار». كذلك، فإن نظيره أمين عام الكونفدرالية العامة للشغل، فيليب مارتينيز، نبّه من التبّعات السلبية المترتبة على اللجوء إلى المادة 49 لما فيها من «تنكّر» للديمقراطية.
أما جان لوك ميلونشون، زعيم اليسار المتشدد وحزب «فرنسا الأبية» المعارض، فقد ندد بـ«الوعود» التي تغدقها الحكومة لدفع بعض النواب للتصويت لصالح مشروعها وتمكينها من الحصول على الأصوات التي تحتاج إليها. وخلال المناقشات في مجلس الشيوخ، وافقت بورن على عدد من مطالب اليمين لإرضائه. وقالت أمس، مستبقة أعمال اللجنة المشتركة، إن تأييد المشروع الحكومي «لا يعني دعم الحكومة... والمطلوب من النواب ليس التصويت على دعم الحكومة، بل التصويت على هذا المشروع وحده».
يبدو أن الأمور لا تجري وفق ما تشتهيه النقابات التي أخذت تدرس طبيعة التحرك الذي يمكن أن تلجأ إليه في حال أقر مشروع القانون في مجلسي النواب والشيوخ اليوم. وأول التدابير التي تدرسها النقابات وأحزاب المعارضة اللجوء إلى المجلس الدستوري للنظر في التوافق بين القانون الجديد والنص الدستوري علما بأن أصواتا كثيرة معارضة، نوابا ونقابيين، طالبت ماكرون بطرح مشروع القانون على الاستفتاء الشعبي. والتخوف الذي ينتاب النقابات مرده إلى أن إقرار القانون سيعني تراجع التعبئة الشعبية، خصوصا أن ماكرون والحكومة صما آذانهم عن الاستماع لمطالب الشارع رغم الملايين التي تظاهرت في ثمانية أيام تعبئة ورغم أيام الإضرابات التي أصابت العديد من القطاعات الحيوية مثل الطاقة «إنتاجا وتوزيعا» والنقل بمختلف أنواعه والتعليم والصحة والوظائف العمومية والإعلام الرسمي.
ويرى كثير من المحللين أن سلمية المظاهرات التي نجحت النقابات في تنظيمها كانت أحد الأسباب التي جعلت الحكومة متصلبة في موقفها، بعكس ما حصل زمن مظاهرات وشغب «السترات الصفراء» حيث دفع العنف ماكرون ومعه الحكومة إلى تقديم تنازلات عديدة وإطلاق «الحوار الموسع»، وهما ما مكناه من إنقاذ عهده الأول. وتجدر الإشارة إلى أن أول أيام التعبئة انطلقت في 19 يناير (كانون الثاني) الماضي، ووصلت إلى أوجها في السابع من مارس (آذار) الجاري.
وكان بيّنا منذ البداية أن الحكومة تريد الإسراع في خطتها، وهو ما يفسر قصر المدة التي دامت خلالها المناقشات في مجلسي النواب والشيوخ. وواضح أيضا أن ماكرون يريد قلب هذه الصفحة بأسرع ما يمكن، ليدفع عنه اتهام النقابات التي تعتبر جماعيا أن طريقة إدارة الأزمة تعكس وجود «أزمة ديمقراطية خطيرة»، حيث لا تنظر السلطة التنفيذية لما يجري في الشارع رغم الملايين التي عبّرت عن رفضها لمشروعها الإصلاحي الذي يعتبره الكثيرون أنه «مجحف وغير عادل»، فيما تؤكد الحكومة أن عملية الإصلاح ضرورية للمحافظة على قانون التقاعد متسلحة بأن سن التقاعد في فرنسا هي الأدنى من بين كافة البلدان الأوروبية، وبالتالي يتعين على الفرنسيين العمل لفترة أطول.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟