شعرية الومضة في الأدب السعودي المعاصر

«الشذرات» في القصيدة النثرية مثالاً

جبر المليحان - إبراهيم الحسين
جبر المليحان - إبراهيم الحسين
TT

شعرية الومضة في الأدب السعودي المعاصر

جبر المليحان - إبراهيم الحسين
جبر المليحان - إبراهيم الحسين

لكي يمكننا إضاءة الراهن الأدبي في المشهد الأدبي السعودي، علينا تتبع الحراك الإبداعي الذي ينتسب أو يتقاطع مع مفهوم «الومضة» وشاعريتها بين متنازعين؛ «القصيدة النثرية» وما أنتجته من «شذرات» شعرية، وكذلك «القصة» بوليدها الذي اصطُلح على تسميته بالقصة القصيرة جداً أو «الأقصوصة».
ولطبيعة الموضوع، سوف نتخفف قليلاً من الحديث عن بداية حضور «الومضة» كجنس أدبي، وكذلك صلتها بمرجعيات تاريخية - أدبية؛ عربية كانت أم أجنبية، أو أن انبثاقهما جاء نتيجة لعوامل مادية؛ مثل إيقاع الحياة السريع، ومساهمة وسائل التواصل الاجتماعية كوسيط أدبي ناقل سارع في انتشارها، كل ذلك يمكن الوقوف عنده ومناقشته أو الرضا به، لكن العامل الأهم الذي نرى وجوب التركيز عليه هو العامل الثقافي الذي سنتناوله، وخصوصاً في الشذرات النثرية.
فعندما لا نذهب إلى التفسير التاريخي، فنحن أمام خيارين؛ سؤال الشعر أو سؤال الثقافة. فبالشعر تبدو قصيدة الومضة وقد تطورت كحاجة أسلوبية وحركة من داخل الشعر نفسه؛ ونقصد بالأسلوب ذلك الذي يشتمل على «الامتلاء والفراغ، على اللا والنعم، على وجه الساعة والظل، وعمل الشاعر حينها أن يشهد لهيب الشعلة الفانية واحتراقها»، كما يقول الشاعر باول تسيلان. وبإضافة صفات مثل؛ وضوح المفارقة، وقوة التباين، والنهاية المتوهجة، والنزعة الإضمارية... إلى التعريف الجامع لقصيدة النثر الذي قاله «إي جالو»: «قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور... خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية». فبهذا التعريف، والصفات السابقة، تتضح الفاعلية الشعرية للشذرات كحراك ونتيجة برزت من داخل الشعر.
أما سؤال الثقافة فيأخذنا إلى عمق التحولات لما بعد الحداثة ومقولاتها؛ كالتقويض والتشكيك والعدمية والتفكيك واللا انسجام، الغرابة والغموض... إلى بقية لافتاتها. وهذا ما دعا ليندا هاتشيون إلى القول: «إن ما بعد الحداثة مغامرة تنطوي على تعارض؛ حيث إن أشكالها الفنية توظف المتعارف عليه وتنتهكه في الوقت ذاته، تنصبه وتكرسه، ومن ثم تخلخله»! فمما سبق، ألا يمكن التوقف عند هذا المحرض الثقافي والإشارة من قرب إلى أثره على معمارية قصيدة الومضة النثرية وفاعليتها؟ أي إجابة عن هذا السؤال تبدو متعجلة وناقصة إذا لم نلحظ الأثر الثقافي أيضاً على الجنس المنافس للشعر؛ أي السرد، خصوصاً القصة القصيرة. ففي منتصف القرن الماضي، أدخل أرنست هيمنغواي مجمل الجنس السردي في مواجهة حقيقية مع الشعر من خلال توظيفه لتقنيات بقيت لأزمان متعاقبة خصائص شعرية بامتياز؛ مثل المجاز والإيجاز والتكثيف، ذلك بديلاً عن أداة «التعبير» السردية المعتادة. حينها كتب قصته القصيرة ذات الكلمات الست: «للبيع... حذاء طفل لم يلبس قط»، ولحظتها، وفي عالمنا العربي، ومحيطنا المحلي السعودي أيضاً، كانت عوامل ثقافية ومادية كثيرة كنشوء المدن الحديثة والانفتاح على ثقافات العالم، جميعها كانت تهيئ لاستيعاب وظهور هذا اللون السرد - شعري من جهة، يقابله توجه شعري ملحوظ لكتابة قصيدة النثر وانهمامها جزئياً «بسرد» اللحظة العابرة والقبض الخاطف عليها من خلال القول الشعري في اتجاه معاكس للقصة.
ولادتان لجنسين أدبيين تقاربا زمنياً بالظهور وتماثلا في بعض السمات، إلى الحد الذي ينذر بتلاشي الحدود والعلامات، إلا من خلال فرزهما بمعيار مفهومي القصيدة أو الحكاية. أما من ناحية الشكل وعدد الأسطر والكلمات، فهما متشاركان فيهما.
ففي مقابل أقصوصة القاص جبير المليحان: «غفا الحارس؛ ففرت أشجار الحديقة»، يكتب الشاعر أحمد الملا على نفس منوال عدد الكلمات الخمس شذرته: «رفقاً - أيُّها - السقفُ - فالأضلاعُ - هواءٌ». كلاهما مارس التجريب والكتابة بمفهوم الومضة، إلا أن النصين واضحان كجنسين أدبيين مختلفين لا يجمعهما سوى تقنية الإيجاز والمجاز والنهاية البارقة، ويفرقهما منسوب الشعرية؛ حيث الأول متخفف منها، والنص الثاني غارق فيها. أو كما يفرق بينهما جون كوين باعتبار أن السرد نثر أدبي؛ لذلك «يصبح شعراً معتدلاً، بينما الشعر يمثل الشكل المتطرف في الأدب أو النوبة الحادة في الأسلوب»، وعند التخفيف من هذه الحدية في الأسلوب يَدخل النص الشعري في المساحة الملتبسة؛ كنص الشاعر زياد السالم: «جئتُ بالأوتاد فاعتذر الظلُ بلباقة وهرب».
بهذين الشاهدين الشعريين الحديثين، يمكننا المضي في استطلاع بعض ملامح وسمات قصيدة الومضة النثرية المعاصرة، وما استقرت عليه بعد أكثر من 3 عقود من التجريب المستمر في الكتابة عليها من قبل شعراء النثر السعوديين، وتأجيل التفصيل في سمات الأقصوصة السردية المعاصرة والكتابة عنها في مقالة منفصلة لدراسة مدى تطورها. وعليه يمكننا تكوين الانطباع التالي عن الشذرات...
أولاً؛ الاختزال الشديد والاقتصاد في الجمل الشعرية وعدد الكلمات باعتبارها قطع فسيفساء تتكامل جميعاً لتشكل الوحدة الموضوعية للفكرة المراد إبرازها، وذلك بتطور مفهوم الشذرة الواحدة من التعبير عن الموضوع الواحد إلى التنويع عليه بسلسلة من الشذرات، وبهذا تنازلت الشذرة طواعية عن عنوانها المستقل؛ الذي كان يعتبر جزءاً من مكونها. ويمكن مشاهدة هذا التطور في أغلب مجموعات شعراء النثر الأخيرة. وما يمكن استحضاره كمثال هو قصيدة للشاعر إبراهيم الحسين، المنشورة مؤخراً بعنوان «توقيعاتٌ للبرق».
ففي هذه المجموعة الشذرية، لا يُحضر الشاعر البرق بهيئته المادية فقط ليحاوره أو يستنطقه، إنما يرفعه بالمجاز إلى رتبة القصيدة النثرية القصيرة حتى يسقط عليه مفهومه عنها: «يقولُ البرقُ قصيدتَه - ويخلصُ لِفكرتِها - يُضيئُها يُنشدها ويغنّيها - آخر ما يفكّر فيهِ الإيقاعْ».
وعند نظرته للبرق؛ كمتجدد ومتخلق في كل ومضة، فالشاعر يفصح عن هاجسه في تعامله مع اللغة أثناء لحظة انفعاله شعرياً؛ بأن عليه «تخليص الكلمة من القيود التي يكبلها بها الاستعمال، وتطهيرها مما يتراكم عليها من ضبابية الممارسة... حيث الإبداع إحياء للكلمة بعد نضوبها»، كما يقول «فاغنار». إبراهيم يُضمن هذا الطموح في شذرته: «يُجَدّدُ البرقُ دائماً لُغتهُ ينطقُها بضوءٍ مختلفٍ ويخطُّها كذلك - يحذفُ ويُضيفُ».
وكما تجب عليه أن تكون قصيدة الومضة، الشاعر في شذرته التالية يؤكد على أحد أهم أركانها، وهو التكثيف الشديد ويناظره بالبرق في سرعة وميضه: «إذا كتبَ البرقُ كثّفَ لُغتَهُ».
أما تمثله المادي للبرق، فالشاعر قد استفرغ فيه كل ما أعانته عليه مخيلته بتعداد زوايا الالتقاط والتناول حتى تجاوز بها الستين شذرة، وليختم باعتذاره: «أنت البرق - حَصَدَ الضّوءُ كلَّ كلماتِكَ وتَرَكَكَ بِلا فَمٍ».
ثانياً؛ لم تصبح الشذرة تعبيراً عن المكنون الداخلي للشاعر فحسب، أو حصرها بالقضايا الوجودية، بل تجاوزتها إلى الموضوعات الممكن الكتابة عنها؛ ما أضفى طابع التأمل والهدوء على جملها الشعرية، بعد أن كانت صاخبة ومتفجرة.
ثالثاً؛ تماست الشذرات بشكل جزئي غير مقصود أحياناً مع قصيدة الهايكو اليابانية من حيث طول المقاطع الصوتية، وإن احتفظت بقليل من المجاز والتشبيه، وهذا ما لاحظه أيضاً الناقد والشاعر عبد الله السفر أثناء قراءته لبعض نصوص غسان الخنيزي، وأحياناً أخرى تأتي الشذرات على غرار الهايكو. فنص الشاعر محمد الحرز التالي يكشف عن قرب الصلة، ويمكن ملاحظة تقاطعه مع الهايكو «المديني» بقرينة أنسنة النار: «وهي في التنور - النارُ تكفرُ - عن ذنوبها السابقة».
هذا النص، هو بخلاف نص للشاعرة هيفاء الجبري «ذقن مقلوب» الذي يمكن قراءته بسهولة كهايكو كلاسيكي «طبيعي» واضح: «أغصانُ الشجرة المتشابكة - لحية كثة - تُخَللها الرياح».
أخيراً، قد تكون هناك سمات أخرى أغفلناها أو تجاوزنا عنها في هذه العجالة، لكن الأهم هو أن شعراء قصيدة النثر ماضون في التجريب، وعليه هل يمكننا الإضافة إلى ما قاله قديماً أبو عمرو بن العلاء: «كانت العرب تطيل ليسمع منها، وتوجز ليحفظ عنها»؛ فنقول نحن في عصرنا الحالي هذا وبعدما فرضت قصيدة الومضة شكلها الشعري: «... وتُكثف العرب وتصطنِع المفارقة وتُبرق بالمعنى حتى يُقرأ لها»!
* كاتب وروائي سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)

بدأت لجنة الاتصالات في مجلس النواب (البرلمان المصري) جلسات استماع لتطوير تشريعات تهدف إلى حماية الأطفال والنشء من مخاطر الإنترنت والألعاب الرقمية، بحضور وزراء الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتربية والتعليم والتعليم الفني، والتضامن الاجتماعي.

وكان النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، قد أعلن عقد أولى جلسات الاستماع بشأن هذه التشريعات، بحضور عدد من الوزراء، وممثلي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، والأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، إضافة إلى الفنان أحمد زاهر، بطل مسلسل «لعبة وقلبت بجد»، وممثلين عن المنصات الدولية.

وفي بداية الاجتماع، ثمَّنت اللجنة مقترح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بشأن التنسيق بين الحكومة والبرلمان لإعداد هذا التشريع المهم لحماية النشء من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، أن المجلس يعمل وفق نهج يجمع بين التوعية المجتمعية، والدعم النفسي، والتعاون المؤسسي، والتدخل التشريعي، بما يضمن حماية الطفل في البيئة الرقمية المتطورة.

واستعرضت الجهود التي يبذلها المجلس لدعم حماية الأطفال وأسرهم، والتي تشمل رفع الوعي المجتمعي عبر حملات ومبادرات توعوية لحماية الأطفال من العنف والتنمر الإلكتروني، والتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية غير الآمنة.

وأوضحت أن المجلس، في إطار تعزيز التعاون المؤسسي، تعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و«اليونيسف» لإعداد أدلة تدريبية متكاملة حول دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في حماية الأطفال من مخاطر سوء استخدام الإنترنت والألعاب الإلكترونية.

وأكدت أن المجلس أعدّ رؤية استراتيجية لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاماً، بهدف حمايتهم من مخاطر الابتزاز والتنمر والتحرش الإلكتروني، ومخاطر بعض الألعاب الإلكترونية. وأشارت إلى أن هذه الرؤية استندت إلى نماذج تشريعية دولية؛ من بينها التجربة الأسترالية، وقد قُدِّمت إلى وزارة العدل لدراسة إمكانية اعتمادها إطاراً تشريعياً وطنياً.

وكان الرئيس المصري قد طالب، في خطاب قبل أيام، بإصدار تشريعات تحدّ من استخدام الهواتف الجوالة حتى سنّ معينة، مستشهداً بتجارب دولية سابقة.

وأكدت رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة ضرورة نقل عبء الحماية من المستخدم إلى مقدّم الخدمة، من خلال الالتزام بمبدأ الحد الأدنى من البيانات، وعدم جمع معلومات الأطفال إلا للضرورة، وتوفير إعدادات خصوصية وأمان افتراضية عالية للفئة العمرية (16 - 18 عاماً)، وإلزام المنصات بإنشاء فرق عمل محلية لمراقبة المحتوى باللغة العربية واللهجة المصرية، واستخدام خوارزميات ذكاء اصطناعي مخصّصة لاكتشاف التنمر والتحرش باللهجات المحلية.

وقبل أيام، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حجب لعبة «روبليكس» الإلكترونية، بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، عقب مناقشات مجتمعية وإعلامية حول خطورة التطبيق على الشباب.

ويتيح التطبيق بيئة افتراضية تفاعلية تجمع ملايين المستخدمين، مع وجود أقسام مخصّصة للبالغين تتضمن مشاهد عنف وقتل، وقد صُنِّف في دول عدّة تطبيقاً غير آمن.

كما أعلن رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، في تصريحات متلفزة، حجب تطبيق مراهنات وصفه بـ«الخطير» يُدعى «إكس بيت»، مؤكداً أن الحجب سيمتد ليشمل مواقع المراهنات المخالفة التي تمارس ما وصفه بـ«القمار الإلكتروني».

ويرى خبير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، محمد فتحي، أن الجهود التشريعية لحماية الأطفال من مخاطر بعض الألعاب والتطبيقات الرقمية، على الرغم من أهميتها، لن تكون كافية وحدها لحل المشكلة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أنه لا بدَّ من تنفيذ برامج تثقيف رقمي في المدارس، وتدريب أولياء الأمور على التعامل مع الأجهزة والتطبيقات، إلى جانب إطلاق حملات إعلامية عبر منصات التواصل لجذب انتباه الشباب والأسر إلى مخاطر الاستخدام غير الآمن.

وأشار إلى ضرورة تغليظ العقوبات على من ينشر صوراً أو مقاطع فيديو للأطفال دون موافقة، وحجب الحسابات أو الخدمات الرقمية التي تروّج لسلوكيات مسيئة أو تستهدف القُصَّر، بما يسهم في توفير بيئة رقمية آمنة، وتمكين الأسر من أدوات حماية تقنية وقانونية، مع إلزام الشركات التكنولوجية بتطبيق معايير خاصة لحماية المستخدمين من الأطفال.

وأوضح أن التحديات الرقمية الحالية ليست مجرد مشكلة تقنية؛ بل قضية اجتماعية تتطلب تنفيذاً فعالاً وتوعية مستمرة، إلى جانب تشريعات قوية، بهدف تمكين الأجيال القادمة من استخدام الإنترنت بأمان وثقة، لا عزلها عن التكنولوجيا.


مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
TT

مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)

أعلن «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عن تلقيه شكوى من الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين، ضد «تيك توكر»، تدعى «أم جاسر»، لنشرها فيديو تهكَّمت خلاله على نقيب المهن التمثيلية بطريقة غير لائقة، مدعية قدرتها على العمل في التمثيل من دون الحاجة إلى العضوية، أو الحصول على التصاريح اللازمة لممارستها.

وقرر رئيس المجلس، في بيان، الاثنين، إحالة الشكوى إلى لجنة الشكاوى، برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس، لبحثها ودراسة ما ورد بها، واتخاذ الإجراءات القانونية، وفقاً لما تقضي به القوانين واللوائح المنظمة.

وظهرت «أم جاسر»، في الفيديو المشار إليه في البيان، عقب إصدار «نقابة الممثلين» بياناً صحافياً، أكدت خلاله إيقاف مسلسل «روح OFF»، للمنتج بلال صبري، ومنعه من العرض خلال موسم رمضان 2026، لمخالفته الصريحة لتعليمات النقابة وقراراتها.

وأكدت النقابة في بيانها أن قرار إيقاف المسلسل جاء بعد توجيه أكثر من تنبيه وتحذير للمنتج بلال صبري بضرورة الالتزام بلوائح النقابة والقوانين المنظمة للعمل الفني، لكنه استمر في تجاهل تلك التعليمات ومخالفتها، على خلفية إعلان إحدى الجهات مشاركة «أم جاسر» في المسلسل.

فريق مسلسل «روح OFF» (الشركة المنتجة)

تعليقاً على قرار إيقافها عن العمل، تحدثت «أم جاسر» في مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي بسخرية، قائلة: «في الوقت الذي كنتُ أصوّر فيه إعلانات ستُعرض على الشاشة خلال موسم رمضان، فوجئتُ بـ(النقابة) ووسائل الإعلام تعلنان منعي من الظهور في مسلسلات هذا العام، رغم أنني لم أشارك من الأساس، وكنت أنتظر التقديم في العام المقبل، حيث يجري تقييمي سلباً أو إيجاباً»، مؤكدة أنها ستشارك في التمثيل خلال العام المقبل بالفعل.

وعَدَّ الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «ما حدث لا يمكن أن نطلق عليه تصعيداً، بل هو تنظيم لمسألة استباحة الشخصيات العامة والكيانات النقابية والتعامل معها بسخرية، وهو ما يستوجب رداً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمر معروض حالياً أمام المجلس، وسيتخذ ما يلزم حياله. ومن حق نقابة المهن التمثيلية تنظيم المهنة، كما أن من حق المتضرر التوضيح والرد بشكل مناسب، وليس بهذه الطريقة».

وشددت النقابة في بيان سابق، على أنها لن تتهاون مع أي تجاوزات أو محاولات للتحايل على القوانين، مؤكدة أن حماية المهنة وصون حقوق أعضائها يأتيان على رأس أولوياتها، وأن أي عمل فني لا يلتزم بالضوابط ستتخذ ضده إجراءات حاسمة، مؤكدة ترحيبها بالتعاون مع شركات الإنتاج الملتزمة بالقواعد والقوانين المنظمة للعمل الفني.

في السياق، أعلن عدد من صناع «روح OFF»، على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، حل أزمة المنع، واستكمال التصوير، وعرض العمل في موسم رمضان، بعد التأكيد على عدم وجود مشاركات تمثيلية مخالفة لقواعد النقابة.


مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)

يُعدّ مهرجان «أسوان الدولي للثقافة والفنون» في دورته الـ13 محطة بارزة على أجندة الفعاليات الثقافية في جنوب مصر، ورافداً مهماً لدعم الحركة السياحية، وتعزيز الحضور الفني للمدينة التي تُعرف بـ«عروس المشاتي». ويأتي المهرجان العام الحالي ليؤكد دور الفنون الشعبية في تنشيط السياحة، وتوسيع جسور التبادل الثقافي بين الشعوب، عبر برنامج حافل بالعروض، والأنشطة التراثية.

انطلقت فعاليات المهرجان قبل أيام، وتُختتم اليوم الاثنين، بمشاركة 14 فرقة للفنون الشعبية من مصر، ومن دول عربية، وأجنبية عدّة. نظمته وزارة الثقافة ممثلة في الهيئة العامة لقصور الثقافة بالتعاون مع محافظة أسوان، وشهد حضور وفود الدول المشاركة، إلى جانب جمهور من أهالي أسوان، والسائحين زائري المدينة.

وأكد وزير الثقافة المصري، الدكتور أحمد فؤاد هنو، أن مهرجان «أسوان الدولي للثقافة والفنون» يمثل «منصة مهمة للاحتفاء بالتنوع الثقافي، وتبادل الخبرات الفنية، وترسيخ قيم التفاهم والسلام من خلال الفنون»، مشيراً إلى أن اختيار أسوان لاستضافة هذا الحدث الدولي يعكس مكانتها التاريخية، والحضارية، ودورها بوصفها بوابة مصر إلى أفريقيا، وملتقى للثقافات عبر العصور، وذلك وفق بيان للوزارة.

عروض فولكلورية متنوعة في المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

من جانبه، وصف محافظ أسوان، اللواء إسماعيل كمال، المهرجان بأنه إضافة مهمة إلى الخريطة السياحية، والثقافية، والفنية للمحافظة، وفرصة لإبراز ما تتمتع به أسوان من مقومات طبيعية، وتراثية فريدة، مؤكداً استمرار دورها جسراً للتواصل مع أفريقيا. وأوضح أن المحافظة تمتلك إمكانات اقتصادية، وسياحية، وعلمية متنوعة، إلى جانب مخزون كبير من الإبداع، والموروث الثقافي الذي يعكس عراقة التاريخ، وروح الأصالة.

وأشار إلى حصول أسوان على جوائز دولية سياحية، وثقافية، وفنية عدّة، من بينها إعلان فوزها بجائزة «مدينة العام السياحية» لعام 2026 التي تنظمها منظمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي.

وتُعد أسوان من أبرز المقاصد السياحية الشتوية في مصر، حيث تبلغ الحركة السياحية ذروتها خلال هذا الموسم، وتضم عدداً من المعالم الأثرية البارزة، مثل معبد فيلة، ومعبدي أبو سمبل، وقبة الهوا، وجزيرة النباتات، فضلاً عن إطلالتها المميزة على نهر النيل.

فرق أجنبية شاركت في المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

وشهدت عروض المهرجان مشاركة فرق للفنون الشعبية من محافظات مصرية مختلفة، عكست تنوع الفولكلور المحلي بين النوبي، والصعيدي، والبدوي، والفلاحي، والساحلي. كما شاركت فرق عربية وأجنبية من السودان، وفلسطين، والجبل الأسود، ولاتفيا، والهند، واليونان، وكازاخستان، وتونس، وقدمت عروضاً فولكلورية متنوعة.

وأقيمت الفعاليات في مواقع ثقافية وسياحية عدّة بمختلف مدن ومراكز المحافظة، في إطار الربط بين الأنشطة الثقافية والحركة السياحية.

وتستضيف أسوان على مدار العام مهرجانات، وفعاليات ثقافية وفنية عدّة، من أبرزها احتفالية تعامد الشمس على قدس الأقداس في معبد أبو سمبل، والتي تتكرر مرتين سنوياً في فبراير (شباط)، وأكتوبر (تشرين الأول).

وتراهن مصر على تنويع أنماطها السياحية، بما يشمل السياحة الثقافية، وسياحة المؤتمرات، والمهرجانات، والسفاري، والسياحة الشاطئية، والعلاجية، وغيرها، وقد سجلت خلال العام الماضي رقماً قياسياً في عدد السائحين بلغ نحو 19 مليون زائر.