شعرية الومضة في الأدب السعودي المعاصر

«الشذرات» في القصيدة النثرية مثالاً

جبر المليحان - إبراهيم الحسين
جبر المليحان - إبراهيم الحسين
TT

شعرية الومضة في الأدب السعودي المعاصر

جبر المليحان - إبراهيم الحسين
جبر المليحان - إبراهيم الحسين

لكي يمكننا إضاءة الراهن الأدبي في المشهد الأدبي السعودي، علينا تتبع الحراك الإبداعي الذي ينتسب أو يتقاطع مع مفهوم «الومضة» وشاعريتها بين متنازعين؛ «القصيدة النثرية» وما أنتجته من «شذرات» شعرية، وكذلك «القصة» بوليدها الذي اصطُلح على تسميته بالقصة القصيرة جداً أو «الأقصوصة».
ولطبيعة الموضوع، سوف نتخفف قليلاً من الحديث عن بداية حضور «الومضة» كجنس أدبي، وكذلك صلتها بمرجعيات تاريخية - أدبية؛ عربية كانت أم أجنبية، أو أن انبثاقهما جاء نتيجة لعوامل مادية؛ مثل إيقاع الحياة السريع، ومساهمة وسائل التواصل الاجتماعية كوسيط أدبي ناقل سارع في انتشارها، كل ذلك يمكن الوقوف عنده ومناقشته أو الرضا به، لكن العامل الأهم الذي نرى وجوب التركيز عليه هو العامل الثقافي الذي سنتناوله، وخصوصاً في الشذرات النثرية.
فعندما لا نذهب إلى التفسير التاريخي، فنحن أمام خيارين؛ سؤال الشعر أو سؤال الثقافة. فبالشعر تبدو قصيدة الومضة وقد تطورت كحاجة أسلوبية وحركة من داخل الشعر نفسه؛ ونقصد بالأسلوب ذلك الذي يشتمل على «الامتلاء والفراغ، على اللا والنعم، على وجه الساعة والظل، وعمل الشاعر حينها أن يشهد لهيب الشعلة الفانية واحتراقها»، كما يقول الشاعر باول تسيلان. وبإضافة صفات مثل؛ وضوح المفارقة، وقوة التباين، والنهاية المتوهجة، والنزعة الإضمارية... إلى التعريف الجامع لقصيدة النثر الذي قاله «إي جالو»: «قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور... خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية». فبهذا التعريف، والصفات السابقة، تتضح الفاعلية الشعرية للشذرات كحراك ونتيجة برزت من داخل الشعر.
أما سؤال الثقافة فيأخذنا إلى عمق التحولات لما بعد الحداثة ومقولاتها؛ كالتقويض والتشكيك والعدمية والتفكيك واللا انسجام، الغرابة والغموض... إلى بقية لافتاتها. وهذا ما دعا ليندا هاتشيون إلى القول: «إن ما بعد الحداثة مغامرة تنطوي على تعارض؛ حيث إن أشكالها الفنية توظف المتعارف عليه وتنتهكه في الوقت ذاته، تنصبه وتكرسه، ومن ثم تخلخله»! فمما سبق، ألا يمكن التوقف عند هذا المحرض الثقافي والإشارة من قرب إلى أثره على معمارية قصيدة الومضة النثرية وفاعليتها؟ أي إجابة عن هذا السؤال تبدو متعجلة وناقصة إذا لم نلحظ الأثر الثقافي أيضاً على الجنس المنافس للشعر؛ أي السرد، خصوصاً القصة القصيرة. ففي منتصف القرن الماضي، أدخل أرنست هيمنغواي مجمل الجنس السردي في مواجهة حقيقية مع الشعر من خلال توظيفه لتقنيات بقيت لأزمان متعاقبة خصائص شعرية بامتياز؛ مثل المجاز والإيجاز والتكثيف، ذلك بديلاً عن أداة «التعبير» السردية المعتادة. حينها كتب قصته القصيرة ذات الكلمات الست: «للبيع... حذاء طفل لم يلبس قط»، ولحظتها، وفي عالمنا العربي، ومحيطنا المحلي السعودي أيضاً، كانت عوامل ثقافية ومادية كثيرة كنشوء المدن الحديثة والانفتاح على ثقافات العالم، جميعها كانت تهيئ لاستيعاب وظهور هذا اللون السرد - شعري من جهة، يقابله توجه شعري ملحوظ لكتابة قصيدة النثر وانهمامها جزئياً «بسرد» اللحظة العابرة والقبض الخاطف عليها من خلال القول الشعري في اتجاه معاكس للقصة.
ولادتان لجنسين أدبيين تقاربا زمنياً بالظهور وتماثلا في بعض السمات، إلى الحد الذي ينذر بتلاشي الحدود والعلامات، إلا من خلال فرزهما بمعيار مفهومي القصيدة أو الحكاية. أما من ناحية الشكل وعدد الأسطر والكلمات، فهما متشاركان فيهما.
ففي مقابل أقصوصة القاص جبير المليحان: «غفا الحارس؛ ففرت أشجار الحديقة»، يكتب الشاعر أحمد الملا على نفس منوال عدد الكلمات الخمس شذرته: «رفقاً - أيُّها - السقفُ - فالأضلاعُ - هواءٌ». كلاهما مارس التجريب والكتابة بمفهوم الومضة، إلا أن النصين واضحان كجنسين أدبيين مختلفين لا يجمعهما سوى تقنية الإيجاز والمجاز والنهاية البارقة، ويفرقهما منسوب الشعرية؛ حيث الأول متخفف منها، والنص الثاني غارق فيها. أو كما يفرق بينهما جون كوين باعتبار أن السرد نثر أدبي؛ لذلك «يصبح شعراً معتدلاً، بينما الشعر يمثل الشكل المتطرف في الأدب أو النوبة الحادة في الأسلوب»، وعند التخفيف من هذه الحدية في الأسلوب يَدخل النص الشعري في المساحة الملتبسة؛ كنص الشاعر زياد السالم: «جئتُ بالأوتاد فاعتذر الظلُ بلباقة وهرب».
بهذين الشاهدين الشعريين الحديثين، يمكننا المضي في استطلاع بعض ملامح وسمات قصيدة الومضة النثرية المعاصرة، وما استقرت عليه بعد أكثر من 3 عقود من التجريب المستمر في الكتابة عليها من قبل شعراء النثر السعوديين، وتأجيل التفصيل في سمات الأقصوصة السردية المعاصرة والكتابة عنها في مقالة منفصلة لدراسة مدى تطورها. وعليه يمكننا تكوين الانطباع التالي عن الشذرات...
أولاً؛ الاختزال الشديد والاقتصاد في الجمل الشعرية وعدد الكلمات باعتبارها قطع فسيفساء تتكامل جميعاً لتشكل الوحدة الموضوعية للفكرة المراد إبرازها، وذلك بتطور مفهوم الشذرة الواحدة من التعبير عن الموضوع الواحد إلى التنويع عليه بسلسلة من الشذرات، وبهذا تنازلت الشذرة طواعية عن عنوانها المستقل؛ الذي كان يعتبر جزءاً من مكونها. ويمكن مشاهدة هذا التطور في أغلب مجموعات شعراء النثر الأخيرة. وما يمكن استحضاره كمثال هو قصيدة للشاعر إبراهيم الحسين، المنشورة مؤخراً بعنوان «توقيعاتٌ للبرق».
ففي هذه المجموعة الشذرية، لا يُحضر الشاعر البرق بهيئته المادية فقط ليحاوره أو يستنطقه، إنما يرفعه بالمجاز إلى رتبة القصيدة النثرية القصيرة حتى يسقط عليه مفهومه عنها: «يقولُ البرقُ قصيدتَه - ويخلصُ لِفكرتِها - يُضيئُها يُنشدها ويغنّيها - آخر ما يفكّر فيهِ الإيقاعْ».
وعند نظرته للبرق؛ كمتجدد ومتخلق في كل ومضة، فالشاعر يفصح عن هاجسه في تعامله مع اللغة أثناء لحظة انفعاله شعرياً؛ بأن عليه «تخليص الكلمة من القيود التي يكبلها بها الاستعمال، وتطهيرها مما يتراكم عليها من ضبابية الممارسة... حيث الإبداع إحياء للكلمة بعد نضوبها»، كما يقول «فاغنار». إبراهيم يُضمن هذا الطموح في شذرته: «يُجَدّدُ البرقُ دائماً لُغتهُ ينطقُها بضوءٍ مختلفٍ ويخطُّها كذلك - يحذفُ ويُضيفُ».
وكما تجب عليه أن تكون قصيدة الومضة، الشاعر في شذرته التالية يؤكد على أحد أهم أركانها، وهو التكثيف الشديد ويناظره بالبرق في سرعة وميضه: «إذا كتبَ البرقُ كثّفَ لُغتَهُ».
أما تمثله المادي للبرق، فالشاعر قد استفرغ فيه كل ما أعانته عليه مخيلته بتعداد زوايا الالتقاط والتناول حتى تجاوز بها الستين شذرة، وليختم باعتذاره: «أنت البرق - حَصَدَ الضّوءُ كلَّ كلماتِكَ وتَرَكَكَ بِلا فَمٍ».
ثانياً؛ لم تصبح الشذرة تعبيراً عن المكنون الداخلي للشاعر فحسب، أو حصرها بالقضايا الوجودية، بل تجاوزتها إلى الموضوعات الممكن الكتابة عنها؛ ما أضفى طابع التأمل والهدوء على جملها الشعرية، بعد أن كانت صاخبة ومتفجرة.
ثالثاً؛ تماست الشذرات بشكل جزئي غير مقصود أحياناً مع قصيدة الهايكو اليابانية من حيث طول المقاطع الصوتية، وإن احتفظت بقليل من المجاز والتشبيه، وهذا ما لاحظه أيضاً الناقد والشاعر عبد الله السفر أثناء قراءته لبعض نصوص غسان الخنيزي، وأحياناً أخرى تأتي الشذرات على غرار الهايكو. فنص الشاعر محمد الحرز التالي يكشف عن قرب الصلة، ويمكن ملاحظة تقاطعه مع الهايكو «المديني» بقرينة أنسنة النار: «وهي في التنور - النارُ تكفرُ - عن ذنوبها السابقة».
هذا النص، هو بخلاف نص للشاعرة هيفاء الجبري «ذقن مقلوب» الذي يمكن قراءته بسهولة كهايكو كلاسيكي «طبيعي» واضح: «أغصانُ الشجرة المتشابكة - لحية كثة - تُخَللها الرياح».
أخيراً، قد تكون هناك سمات أخرى أغفلناها أو تجاوزنا عنها في هذه العجالة، لكن الأهم هو أن شعراء قصيدة النثر ماضون في التجريب، وعليه هل يمكننا الإضافة إلى ما قاله قديماً أبو عمرو بن العلاء: «كانت العرب تطيل ليسمع منها، وتوجز ليحفظ عنها»؛ فنقول نحن في عصرنا الحالي هذا وبعدما فرضت قصيدة الومضة شكلها الشعري: «... وتُكثف العرب وتصطنِع المفارقة وتُبرق بالمعنى حتى يُقرأ لها»!
* كاتب وروائي سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
TT

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

يجمع معرض استذكاري للتشكيلي اللبناني الراحل جان خليفة، في «غاليري مارك هاشم» بمنطقة ميناء الحصن البيروتية، أعمالاً متنوّعة من تجريد حركي إلى تشخيص مُلتبس، ومن لوحات صغيرة مثل الملاحظات إلى أعمال طويلة مثل المشهد. ويقترح إعادة قراءة فنان اشتغل طوال حياته على فكرة تتبدَّل أشكالها، وهي كيف يمكن للوحة أن تُشبه الزمن وهو يتكسَّر ويتجمَّع من جديد، وللصورة ألا تكون فقط «تمثيلاً» فتصبح «فعلاً».

كلّ لطخة إعلان عن فشل جميل في ضبط الشكل (الشرق الأوسط)

يُقارب العرض تجربة الفنان مثل أرشيف مفتوح من خلال مواد توثيقية وإشارات إلى محطات تعليمية ومؤسّساتية، وقراءات مُرافقة تشرح كيف كان خليفة لا يطمئنّ في بناء أعماله إلى اكتمال نهائي.

وعلى الجدار، تصطفّ 3 لوحات تبدو متقاربة زمنياً ومختلفة المزاج. في إحداها يتقدَّم شكلٌ بيضوي محاط بخطوط زرقاء، وفي ثانية تتوزَّع طبقات الأزرق والأخضر والأبيض، يتخلّلها أثر أحمر عمودي يُشبه الجرح أو عمود النار، بينما تتدلَّى خطوط بيضاء مثل الماء أو الحبر حين يفلت من السيطرة. وفي ثالثة يتقابل الأحمر العريض مع الأزرق، وتقطع المساحة خطوط جانبية دقيقة كأنها حدود أو «هوامش» تُشير إلى أنّ اللوحة ليست فراغاً حراً.

هذا النوع من التجريد يشتغل على حركة تُشبه حركة الجسد، قوامها التوازن المُعلَّق بين البناء والانفجار. حتى حين تبدو المساحات بسيطة، فإنها مُحمّلة بإيماءة عاجلة، فنلمح اللون وهو يُرمَى ويُسحب ويُلطَّخ، ثم يُترك ليشهد على اللحظة التي وُلد فيها.

الأزرق يوسّع المشهد ويترك العين معلّقة في الداخل (الشرق الأوسط)

يتكرَّر هذا المنطق في لوحات طولية صغيرة تتجاور كأنها صفحات من دفتر واحد. فالأصفر يفيض، والأخضر يشقّ المساحة، والنقاط البنفسجية والبرتقالية تظهر مثل بؤر لونية، والخطوط الرمادية تبدو مثل طرقات أو مجاري ماء. بذلك، تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

اللوحات «تمارين» على التقاط اللحظة (الشرق الأوسط)

من بين أكثر المحطات صراحةً في المعرض، عملٌ مرتبط بعام 1976، حين انقسمت بيروت بفعل الحرب إلى شطرَيْن. تُروى الفكرة عبر صورتين لامرأتين توأمتين مُحاطتين بالزهور والقلوب، في استعارة مباشرة عن الحبّ بوصفه تجاوزاً للخطوط الفاصلة. لكنّ الزهرة ليست بهجة خالصة. هي محاولة لتضميد ما لا يلتئم.

هذه المفارقة بيت القصيد. فخليفة لم يرسم «شعاراً» للوحدة بقدر ما رسم قلق الرابط حين يوضع تحت الضغط. لذلك تبدو المرأة في أكثر من عمل مثل كائن يتراوح بين التجسُّد والتبدُّد. أحياناً تُرسم الوجوه بثلاثية داكنة على خلفيّة خضراء، وأحياناً تصبح الملامح مثل قناع برتقالي داخل عباءة زرقاء يطلّ بعينين مطفأتين على مساحة صاخبة. وبذلك، تحضر الحرب من خارج الموضوع المباشر، عبر الانقسام والقناع والإحساس بأنّ الوجه لا يستطيع أن يكون «وجهاً» كاملاً بعد الآن.

اللوحة تلتقط الجسد في منتصف حركته قبل أن يقرّر أين يستقرّ (الشرق الأوسط)

إلى جانب هذا الخطّ، يطلّ عمل مؤرَّخ بسنة 1974 لامرأة في انكشاف جسدي تجلس حاملةً باقةً من الزهر. الخطوط سميكة، الألوان تُضخِّم الشحنة، والملامح تُختصر إلى عين واحدة كبيرة وفم صغير. ومع ذلك، يظلّ الحضور الحسّي كثيفاً، فتبدو المرأة كأنها تحتضن الزهور لتؤكد أنّ الحياة لا تزال ممكنة، ويمكن للون أن يُعيد صياغة العلاقة بين الرغبة والاحتواء.

وفي أعمال أخرى، تتحوَّل الزهرة إلى كتلة لونية مُكدَّسة تُنفَّذ بتراكمات قريبة من «العجينة»، كأنّ خليفة أراد للوردة أن تُلمَس أيضاً، فتتحوّل الطبيعة إلى طبقة لون ويصبح النبات «إيقاعاً بصرياً خالصاً».

المرأة فكرة تتحرّك داخل اللون وتترك أثرها قبل أن تختفي (الشرق الأوسط)

ومن أكثر ما يختزل هذا التوجُّه، عملٌ تركيبي يبدو مثل وعاء للذاكرة. فيه يظهر سلك أحمر ملتفّ مثل السياج الشائك، وقطرات حمراء كبيرة تتدلَّى كأنها علامات إنذار، وعجلات صغيرة وصورة فوتوغرافية لامرأة مستلقية، إضافةً إلى صندوق جانبي يضم جهاز راديو وورقة مكتوبة. الراديو يوحي بالصوت العام والخبر الذي يصنع خوفاً جماعياً، والسلك الأحمر يستعيد مفهوم الحدود والحصار، والقطرات تستحضر الجرح على أنه واقع يومي. هنا يصبح «الكولاج» طريقة في التفكير، كما يُلمِح النص المُرافق لأعمال الكولاج في المعرض، مما يُجسِّد ميل الفنان إلى تقطيع ما هو قائم وإعادة جمعه حين تضربه الفكرة على نحو عاجل، لتُبيّن الأعمال أنّ خليفة لم يتعامل مع اللوحة على أنها مساحة مستقلّة عن العالم، حين رأى فيها عالماً مُصغَّراً يمكن أن يحمل صورة وصوتاً ومادةً وخردةً ودلالة.

اللوحة تمثّل قدرة الطبيعة على مفاجأة الشكل (الشرق الأوسط)

وجان خليفة (1923 - 1978) هو أحد الأسماء المفصلية في الفنّ اللبناني الحديث، معروف بنزعة منضبطة وبمقاربة روحية للتجريد. فقد عرف المؤسّسات واشتغل معها، مع ذلك ظلَّ مشاغباً في اللوحة وترك في اللون ما يكفي من الفوضى كي لا يتحوّل الانضباط إلى قيد. والرسام الذي قرأ أوروبا ما بعد الحرب، عاد ليُترجم بيروت بموادها الخاصة، فأعاد تركيبها في وجه مقنَّع وزهرة كثيفة وسلك شائك، وتجريد يركض كأنه لا يريد أن يُمسك به أحد. فنانٌ عامل اللوحة مثل كائن قابل للانكسار وإعادة الولادة، واللون على أنه طريقة لرؤية ما يتعذَّر الإفصاح عنه. إرثه اليوم يترك العين في منطقة بين الدهشة والأسئلة، حيث يبدأ فعلاً الفنّ.


الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
TT

الرياض تُتوِّج نجوم العالم في «جوي أووردز 2026»

افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)
افتتحت النجمة كيتي بيري حفل «Joy Awards 2026» بعرضٍ موسيقي (هيئة الترفيه)

توجّت العاصمة السعودية، مساء السبت، نجوم العرب والعالم بجوائز النسخة السادسة من حفل «جوي أووردز» (Joy Awards) ضمن فعاليات «موسم الرياض».

وشهد الحفل تقديم جائزة «شخصية العام» للنجمة البريطانية ميلي بوبي براون، إضافة إلى تكريم النجم العالمي فورست ويتاكر، ووزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني بجائزة «الإنجاز مدى الحياة». كما كُرِّم رجل الأعمال القطري ورئيس نادي باريس سان جيرمان ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية»، فيما مُنح كل من السعودي صالح العريض، والفنانة أصالة، والمخرج الكويتي أحمد الدوغجي، والملحن المصري عمرو مصطفى «جائزة صُنّاع الترفيه الفخرية».

ونال الفنان فضل شاكر جائزتين؛ الأولى «أفضل فنان» حسب تصويت الجمهور.


مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».