تحقيق: الجفاف «كابوس» يهدد حاضر العراق ومستقبله... وشمال شرقي سوريا عطشان بين نهرين

بلاد الرافدين الأكثر تأثراً بالتغير المناخي... وانخفاض كبير في منسوب دجلة والفرات

هور الجبايش جنوب العراق بعد أن ضربه الجفاف وغادره السكان (شاترستوك)
هور الجبايش جنوب العراق بعد أن ضربه الجفاف وغادره السكان (شاترستوك)
TT

تحقيق: الجفاف «كابوس» يهدد حاضر العراق ومستقبله... وشمال شرقي سوريا عطشان بين نهرين

هور الجبايش جنوب العراق بعد أن ضربه الجفاف وغادره السكان (شاترستوك)
هور الجبايش جنوب العراق بعد أن ضربه الجفاف وغادره السكان (شاترستوك)

بعد سنوات الخوف الطويلة الناجمة عن الحروب والصراعات السياسية وأعمال العنف والإرهاب التي اختبرها العراقيون والسوريون خلال السنوات الأخيرة، يقف البلدان اليوم على حافة «كابوس جديد» ومخاوف عنوانها: الجفاف والتصحر والتأثر الشديد بالتحولات المناخية التي تضرب كثيراً من الدول. وفيما يأتي العراق في مقدمتها، طبقاً للإحصاءات الأممية والدولية، فإن جارته سوريا ليست بعيدة عن هذا الواقع. وتعمقت خلال فصل الشتاء الحالي مخاوف سكان البلدين، بالنظر للتحولات الكارثية وغير المسبوقة التي طرأت على مناسيب نهري دجلة والفرات في ذروة فصل الشتاء؛ حيث لاحظ معظم سكان المدن الواقعة على النهرين (أغلب المدن العراقية تقع ضفافهما، وشمال شرقي سويا) أن مناسيب النهرين انخفضت بشكل كبير في محافظات جنوب البلاد (ذي قار، والديوانية، وبابل، وميسان) إلى الحد الذي يمكن معه عبورهما سيراً على الأقدام، وهو أمر لم يسبق أن شاهدوه في موسم الأمطار. وما يعزز من مشاعر الخوف، هو أن الأنباء الواردة عن سد الموصل الذي يقع بالقرب من منابع نهر دجلة القادم من الجارة التركية، قد انخفضت مناسيبه إلى نحو 30 في المائة، مقارنة بمثل هذه الأيام من العام الماضي، وكذلك الأمر بالنسبة لمناسيب نهر الفرات الذي يمر عبر الأراضي السورية إلى العراق.
في الموروث الشعبي العراقي، يردد الفلاحون مقولة إن «فلاح الصدور أفضل من ملاك البزايز»، ويقصدون بها أنك إن عملت فلاحاً على أرض تقع في مقدمة النهر، أفضل لك من أن تكون مالكاً للأرض في نهايته، بالنظر لأن المياه غالباً متوفرة في بدايته، ومن السهولة الحصول عليها خلافاً لنهاية النهر. غير أن حالة الجفاف التي تضرب البلاد ربما سيتساوى فيها فلاح المقدمة وملاك النهاية.
قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن احتمالية جفاف نهر الفرات وتحول نهر دجلة إلى مجرد ساقية صغيرة في غضون عقدين، ضرباً من الخيال في نظر معظم العراقيين؛ لكن اليوم باتت كل الاحتمالات قائمة. وقد أكدت وزارة الموارد المائية ذلك قبل أيام، في حال «استمرت السياسات التركية بمنع حصة العراق، واستمر تراجع هطول الأمطار».
وكان تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) وبرنامج الأغذية العالمي، قد قال مطلع العام الماضي، إن «العراق من أكثر دول العالم تأثراً بتغير المناخ، ما يستدعي الحاجة إلى مواجهة تبعات الأزمة».
وذكر التقرير أن «تبعات تغير المناخ ستؤثر على الفئات الأشد فقراً، وسط تضاؤل الحيازات الزراعية للمزارعين».

يعتمد العراق في تأمين المياه أساساً على نهري دجلة والفرات، وروافدهما التي تنبع جميعها من تركيا وإيران، وتلتقي قرب مدينة البصرة جنوب العراق، لتشكل شط العرب الذي يصب في الخليج العربي؛ لكن المسؤولين في وزارة المواد المائية يؤكدون أن العراق خسر 70 في المائة من حصصه المائية، بسبب السياسات التي يمارسها كل من تركيا وإيران، وإلى حد ما سوريا.
وغالباً ما اشتكى العراق خلال السنوات الماضية من السياسات المائية التي تنتهجها تركيا وإيران حياله؛ خصوصاً بعد قيام أنقرة ببناء سدود كبيرة على منابع النهر، ومنها سد «إليسو»، وتتهم بغداد طهران بحرف مسار أكثر من 30 نهراً عن جريانها وصولاً إلى الأراضي العراقية. وخلال السنتين الأخيرتين، تعرضت مناطق شاسعة من أهوار جنوب البلاد إلى الجفاف والتصحر؛ ما دفع مئات الأسر التي تعيش على الزراعة وتربية الحيوانات هناك إلى النزوح إلى المدن ومناطق أخرى، بعد أن فقدت مزارعها وحيواناتها نتيجة الجفاف.
الجفاف والتصحر في العراق قضية متشعبة الرؤوس، وعلى الرغم من معرفة كثيرين بها، فضلاً عن أصحاب الاختصاص والجهات الرسمية، فإن الدولة، بنظر معظم المختصين، لم تقم منذ سنوات طويلة بما يكفي للتقليل من آثارها وتداعياتها.
- أسباب التصحر
عاملان أساسيان يقفان في مقدمة أبرز أسباب التصحر والجفاف في العراق: الأول يتمثل في قيام دولتي الجوار (تركيا وإيران) بإنشاء سدود على منابع الأنهار داخل أراضيهما وحرف مسارات بعضها، ما أسهم في ضياع النسبة الأكبر من حصة العراق المائية، وهذا من بين أكبر المآخذ التي تسجل على الحكومات العراقية المتتالية التي لم تتمكن من إقناع الدولتين أو إرغامهما على عدم التجاوز على حصص العراق، مع غياب أي اتفاقية جديدة تضمن مشاركة أنقرة وطهران الضرر مثلما يتشاطران الفائدة.
وثاني أبرز أسباب الجفاف والتصحر هو مسألة شحة الأمطار في مواسم الشتاء الأربعة الماضية، وهي شحة غير مسبوقة اضطرت معها السلطات الحكومية إلى استخدام مخزونها المائي في السدود لإيصال المياه لتغطية المواسم الزراعية الآخذة في التراجع، إذ انخفضت الأراضي المزروعة في الموسم الماضي إلى النصف، ويتوقع أن تمر البلاد بموسم مماثل هذا العام، ما يعرض البلاد إلى خطر النقص الغذائي.
سبب آخر أسهم بشكل فاعل في حالة الجفاف والتصحر التي تضرب البلاد، يعود إلى بقاء معظم وسائل الري على الأساليب البدائية والقديمة، ما يتسبب في هدر أكبر قدر من المياه، وهذا أيضاً من بين الانتقادات التي توجه للحكومات المتعاقبة التي أخفقت في بناء منظومات حديثة للري، ولم تسعَ إلى إدخال الطرق التكنولوجية الحديثة في الزراعة. وهناك أيضاً سبب التجاوزات الكبيرة التي يقوم بها كثيرون مع غياب الردع الكافي وقوة القانون، ومن بين تلك التجاوزات قيام الأشخاص النافذين بإنشاء بحيرات واسعة لتربية الأسماك.
وقبل أيام قال وزير الموارد المائية عون ذياب عبد الله، إن «في البلاد أكثر من ألفي بحيرة لتربية الأسماك غير مجازة رسمياً من الدولة، وبعض البحيرات تصل إلى نحو 400 كيلومتر مربع»، وما يترتب على ذلك من حاجتها لمورد مائي كبير على امتداد أيام السنة، وكذلك ما يترتب عليه من حرمان بقية الفلاحين من زراعة مئات الهكتارات.
- المبادرة الكبرى
الانتقادات الكثيرة التي توجَّه للحكومات والسلطات العراقية منذ سنوات نتيجة تقصيرها في إدارة ملف المياه والاهتمام بحالة الجفاف والتصحر التي تجتاح البلاد، دفعت حكومة رئيس الوزراء محمد السوداني إلى تدشين نوع من «الاستجابة المتأخرة» بعد أن قام، السبت، بافتتاح مؤتمر المناخ الأول في محافظة البصرة الجنوبية، وقال فيه إن «الحكومة ماضية في برنامجها الذي أولى معالجة تأثيرات التغيرات المناخية أهمية خاصة، وقد وضعت معالجات عدّة لتخفيف الآثار الاقتصادية والبيئية والاجتماعية التي ترافق التغيّر». وشدد على «أهمية متابعة كل ما يتعلق بتنفيذ الرؤية العراقية للعمل المناخي، وبصورة خاصة مشروعات الطاقة النظيفة والمتجددة، وجهود الحفاظ على حقوق العراق في مياه نهري دجلة والفرات». وأطلق السوداني ما وصفها بـ«مبادرة كبرى لزراعة 5 ملايين شجرة ونخلة في عموم محافظات العراق، يرافقها إطلاق دليل وطني للتشجير الحضري».
وكشف عن «تضرر أكثر من 7 ملايين مواطن، عانت مناطقهم الجفاف، ونزحوا بمئات الألوف لفقدانهم سبل عيشهم المعتمدة على الزراعة والصيد، وأكثر ما يُؤسف له الجفافُ الشديد الذي أصاب أهوارنا الجميلة».
ودعا السوداني «الدول الصديقة ومنظمات الأمم المتحدة كافة لدعم العراق في مواجهة آثار التغيرات المناخية، وكذلك ندعو الدول الأطراف في الاتفاقيات الدولية البيئية، لتعزيز بنود التعاون الدولي في الإدارة المشتركة لأحواض الأنهار العابرة للحدود، والحفاظ على حقوق الدول المتشاطئة».
- القلق الأممي
أما الممثلة الأممية في العراق جينين بلاسخارت، فقالت خلال كلمة في مؤتمر المناخ: «الحقيقة هي أن التحديات البيئية تشكل خطراً محدقاً. وغالباً ما يتم تجاهلها؛ بما أننا منشغلون بإدارة حياتنا اليومية. ولكن تغير المناخ هو في نهاية المطاف أحد أكبر التحديات العالمية التي نواجهها بشكل جماعي. وبالتالي، لا يمكننا تحمل أن يتشتت انتباهنا. إننا بحاجة إلى التركيز، ونحتاج إلى أن نظل يقظين».
وأعربت بلاسخارت عن أسفها لخسارة مساحات واسعة من المسطحات المائية في أهوار الجنوب، وهجرة عدد كبير من سكانها نتيجة الجفاف، ورأت أن «الحال كذلك بالنسبة لمناطق أخرى من البلاد. وصحيح أن جنوب العراق لا يزال المنطقة الأكثر تضرراً؛ لكن الجفاف ألحق أضراراً بالغة بالأنشطة الزراعية في الشمال، سلة الغذاء في العراق». وأضافت أن «ملوحة المياه والتربة والتصحر واختفاء الأراضي الزراعية ليست بأقل من مخاوف بيئية وجودية. وكما قلت، هنا في العراق، أزمة المياه أمر حقيقي». وتابعت: «اسمحوا لي أن أؤكد هنا: إن تغير المناخ وندرة المياه من العوامل التي تضاعف التهديد. وإذا تُركت دون معالجة، فإنها ستزيد من خطر الفقر وانعدام الأمن الغذائي وفقدان التنوع البيولوجي والنزوح والهجرة القسرية، وانعدام الاستقرار، والصراع. ولكي نكون واضحين: إن ذلك يحدث بالفعل. إن العراق معرض للخطر الشديد».
ورأت أن «المجتمعات الريفية والفئات الفقيرة أو المهمشة والأقليات وذوي الاحتياجات الخاصة والنساء والفتيات؛ هؤلاء هم الأشخاص الذين سيعانون أكثر من غيرهم؛ خصوصاً عندما تتداخل نقاط الضعف». وخلصت بلاسخارت إلى التأكيد على أن «التحديات البيئية التي تواجه العراق ليست جميعها محلية. فقد أشرت للتو إلى دول الجوار التي تخفض بصورة فعلية تدفق أنهار العراق. ما الذي يعنيه ذلك؟ إنه يعني أن العراق لا يمكنه حل هذه التحديات وحده. ولا يمكن لأي دولة أن تفعل ذلك».
- الواقع البيئي
وفي موضوع ذي صلة بمؤتمر المناخ، أكدت مديرية بيئة محافظة البصرة، الاثنين، أن «المؤتمر سينتج برامج ومشروعات تخص الواقع البيئي في المحافظة التي تنتج ثلاثة أرباع النفط في البلاد، وتعاني مشكلات تلوث شديدة».
وقال مدير بيئة البصرة وليد الموسوي، لوكالة الأنباء الرسمية، إن «النهوض بالواقع البيئي للبلاد يحتاج إلى موازنات مالية، وهو ما تم رصده بالإيعاز من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بالإضافة إلى المساهمات الكبيرة التي قُدمت من المنظمات الأممية ودول الاتحاد الأوروبي وممثلة الأمين العام للأمم المتحدة».
وأضاف أن «هذه المساهمات ستغير من الواقع البيئي في العراق، وقد يتم نصب محطات عملاقة لمعالجة مياه الصرف الصحي ومياه الشرب، وكذلك معالجة التربة من الألغام التقنية لوزارة النفط». وتابع الموسوي بأن «المشروعات ستكون على 3 مراحل (سريعة - متوسطة - طويلة الأمد)، وستظهر نتائج ملموسة لها بشكل سريع إذا تم العمل بجدية»، مؤكداً أن «المؤتمر سيكون بادرة خير لتغيير حقيقي بواقع البيئة في العراق».
وكشف عن أن «الوضع البيئي الحالي في العراق يعد متراجعاً على جميع الصعد، والبلاد تعاني بيئة هواء ملوثة، وشح مياه، ونوعية مياه ملوثة، بالإضافة إلى تربة ملوثة بأشكال عديدة من أنواع الملوثات، من بينها الألغام والانسكابات النفطية». ولفت الموسوي إلى أن «هناك انتهاكات بيئية من قبل القطاعين العام والخاص، وأن القطاع العام يسهم في تلوث البيئة بنسبة 90 في المائة». ومع تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وازدياد التصحر، يعدّ العراق من الدول الخمس الأكثر عرضة للآثار السلبية للتغير المناخي في العالم، وفق الأمم المتحدة. ويعدّ ملف المياه أساسياً وشائكاً بالنسبة للبلد شبه الصحراوي الذي يبلغ عدد سكانه نحو 42 مليوناً. وسُجل في فبراير (شباط) تراجع في منسوب نهري دجلة والفرات في جنوب البلاد؛ خصوصاً بسبب قلة الإيرادات الواصلة من الجارة تركيا، وفق السلطات، وزيادة الاستهلاك المائي بما يتخطى المساحات المقررة من السلطات.
واتهمت بغداد مراراً جارتيها تركيا وإيران بالتسبب في خفض كميات المياه الواصلة إلى أراضيها، لا سيما بسبب بنائهما سدوداً على النهرين. وفي ديسمبر (كانون الأول) دعا البنك الدولي العراق، إلى اعتماد نموذج تنمية «أكثر اخضراراً ومراعاة للبيئة»؛ لمواجهة التحدي المناخي، وإلى «تحديث نظام الري» و«إعادة تأهيل السدود».
وكان خبير الأرصاد الجوية صادق عطية قد تحدث عن واقع غير مطمئن لوضع المياه في البلاد. وقال عطية في تدوينة عبر «فيسبوك» مطلع مارس الجاري: «حافظوا على ما هو متوفر من المياه، فموسم الصيف اللاهب والجاف قادم... إن شحة مياه نهري دجلة والفرات وجفاف أغلب روافدهما تنذر بموسم صيف هو الأشد جفافاً حسب المعطيات الحالية». وأضاف أن «ما تبقى من موسم الأمطار لن يكون كافياً ليغني المنسوب في النهرين أو في بحيرات الخزن والسدود».
- أجفّ شتاء يصيب «السلة الغذائية»
يراقب مزارعو وأبناء مناطق شمال شرقي سوريا السماء هذه الأيام التي تبدو خالية من الغيوم، علّها تجلب الخير لإنقاذ محاصيلهم العطشى ومواشيهم الجائعة. ويلقي الجفاف بظلاله هذا العام للسنة الثالثة على التوالي، مع انحسار المساحات الخضراء الصالحة للزراعة جراء انعدام سقوط الأمطار الكافية منذ أكثر من شهر. ويقول خبراء ومزارعون، إن «أجفّ» شتاء منذ بضعة عقود تشهده هذه المناطق الواقعة بين نهري الفرات ودجلة التي تعرف باسم «سلة سوريا الغذائية»، ترافق مع النقص الحاد في المصادر المائية وتراجع منسوب نهر الفرات، بعد استخدام تركيا هذا السلاح ضد «الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا».
وبدرجات متشابهة، أصاب الجفاف مساحات شاسعة من الأراضي مع دخول المنطقة فصل الربيع، غير أن الأراضي المهددة بالجفاف تقدر بنحو ثلثي الأراضي الصالحة للزراعة. وقال المسؤول في الإدارة الذاتية، سلمان بارودو، الرئيس السابق لهيئة الاقتصاد لإقليم الجزيرة، في تصريح حصري لـ«الشرق الأوسط» من مدينة القامشلي التابعة لمحافظة الحسكة: «إذا نظرنا إلى المائة سنة الفائتة، فلن نجد 3 أعوام متتالية من الجفاف تصيب سوريا عموماً ومناطق شمال شرقي البلاد خصوصاً».
وتبلغ نسبة المساحات المزروعة هذا العام من مادتي القمح والشعير على مستوى شمال شرقي سوريا، نحو 2.983.000 هكتار، منها 300.000 هكتار قمح مروية على الآبار الجوفية؛ لكن هذا الجفاف أضر بالفعل مساحات كبيرة من محاصيل الحبوب، حسب المزارع سكفان خليل (54 سنة) المتحدر من مدينة القامشلي، والذي يمتلك قطعة أرض زراعية تبلغ نحو 100 هكتار.
وقال في حديثه إن إنتاج محاصيل الحبوب آخذ في الانخفاض بسبب هذا الجفاف: «نعاني تأثراً كبيراً في تراجع مواسم القمح والشعير الذي انعكس سلباً على حياة كثير من المزارعين. حقيقةً سيضطر المزارعون خلال السنوات المقبلة إلى تقليص المساحات المزروعة أو تركها نهائياً».
وحذرَ المسؤول الكردي سلمان بارودو من تدهور القطاع الزراعي والاقتصادي والحيواني، حال عدم هطول الأمطار في الأيام العشرة المقبلة؛ ونقل قائلاً: «ستدخل المنطقة مرحلة الخطر؛ لأن المحاصيل البعلية هي الأكبر من ناحية الخطورة، لاعتمادها على الأمطار الشتوية. بالتالي سيهدد الجفاف أكثر من مليوني هكتار، وستخرج كاملة عن خطة الإنتاج»، حسب قوله. وحسب سكان المنطقة، فإن هذا الجفاف هو الأسوأ منذ عقود، والذي سيؤدي إلى تدمير المجتمعات الزراعية والثروة الحيوانية التي تعتمد عليها المناطق الشمالية الشرقية من سوريا. ويزرع معظم سكان محافظة الحسكة أراضيهم بعلاً تروى على الأمطار الموسمية؛ لكن هذا العام كانت شحيحة، وستؤثر سلباً على دورة الإنتاج في القطاع الزراعي، وعلى الثروة الحيوانية.
ويقول دلسوز (37 عاماً) وهو فلاح من ريف مدينة القامشلي الشرقي، ويعمل في قطعة أرض تقدر بنحو 20 هكتاراً، إنه حتى إذا هطلت الأمطار خلال شهر مارس (آذار) الحالي، وكامل شهر أبريل (نيسان) القادم: «فإن ذلك لن ينقذ محاصيل الحبوب البعلية؛ لأنها تعتمد بشكل رئيسي على استمرار الهطولات، فتأخير سقوط المطر أذبل محاصيل الحبوب من الشعير والقمح وحتى العدس، وستتحول علفاً للماشية».
ويقول مزارعون وخبراء إن المواسم الزراعية بالأعوام الماضية مرّت بمرحلة جفافٍ مشابهة، وقد أظهر مؤشر معدلات المطر لهذا العام أن المنطقة لم تشهد نقصاً في مياه الأمطار على هذا النحو منذ عام 1970 على الأقل، لتكون أسوأ سنة سجلت مستويات متدنية من سقوط الأمطار على الإطلاق، وهذه الكارثة ستنعكس سلباً على آلاف من العمال الذين يكسبون عيشهم من خلال العمل في المحاصيل الزراعية الموسمية، إضافة إلى سائقي الجرارات والحصادات الزراعية، على أمل أن تكون المساحات المروية على الآبار البحرية «طوق النجاة» لهذا لقطاع الزراعي بالمنطقة.
ويقول المزارع عبدو حمزة الذي يمتلك قطعة أرض زراعية في قريته تنورية، الواقعة بالجهة الشرقية من القامشلي، إن هذا العام كما الأعوام الماضية: «يذكرنا بسنوات الجفاف التي شهدتها سوريا والمنطقة قبل سنوات. آنذاك كان هناك قحط وجفاف، واليوم يتكرر السيناريو والحالة تماماً»، وعكف هذا المزارع كغيره من أبناء المنطقة عن زراعة أرضه التي تبلغ نحو 500 دونم (تعادل نحو 50 هكتاراً)، ويعزو السبب إلى تأخر هطول الأمطار، ليزيد: «العام الماضي خسرنا كثيراً في الموسم، كحال جميع أبناء المنطقة؛ لكن هذا العام تكاليف الزراعة ارتفعت 300 في المائة، وبالفعل الجفاف والقحط جلب خسارة أكبر بكثير من سابقاتها هذا العام».
ويعتمد إنتاج القمح في سوريا على مياه نهر الفرات والآبار الجوفية بنسبة 30 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي، وتتهم الإدارة الذاتية تركيا بعرقلة تدفق منسوب نهر الفرات الذي يغطي القسم الأكبر من أراضي مدينتي الرقة ودير الزور، شمال شرقي هذا البلد المنقسم الذي يشهد حروباً داخلية، إذ تستخدمه أنقرة كسلاح للضغط عليها، واتهمت دمشق أيضاً تركيا بحجز مياه نهر الفرات، وعدم الالتزام بالاتفاقية الموقعة في سنة 1987. ولمنع مزيد من الكوارث الاقتصادية والتصدي لآثار الجفاف، أكد سلمان بارودو أن الإدارة الذاتية قامت بتوجيه الفلاحين والمزارعين من أجل مواجهة حالة الجفاف: «بالاعتماد على نظم وطرق الري الحديثة، وترشيد استعمال واستهلاك المياه، بدلاً من إغراق الأراضي الزراعية بالمياه بشكل دوري للحفاظ على المياه الجوفية».
ويتوقع مسؤولو الإدارة ومزارعون أن مزيداً من دورات الجفاف ستصيب المنطقة، مصحوبة بتأخير الهطولات المطرية في فصل الشتاء، وهو ما سيلحق ضرراً كبيراً بالمحاصيل الزراعية ومنعها من النمو بشكل كامل. واتفق بارودو وجميع أصحاب الأراضي المشاركين في هذا التقرير على أن دورات التغير المناخي ستؤدي في الأعوام المقبلة إلى معدلات أمطار أقل؛ ودورات جفاف أكثر تكراراً.

غداً: الأردن يخشى على أمنه المائي ولبنان قلق من شح الأمطار


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

الإفراج عن صحافية أميركية مختطفة في بغداد

الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون خلال إقامتها في إسطنبول عام 2023 (فيسبوك)
الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون خلال إقامتها في إسطنبول عام 2023 (فيسبوك)
TT

الإفراج عن صحافية أميركية مختطفة في بغداد

الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون خلال إقامتها في إسطنبول عام 2023 (فيسبوك)
الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون خلال إقامتها في إسطنبول عام 2023 (فيسبوك)

أعلنت «كتائب حزب الله»، الثلاثاء، إطلاق سراح الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون، التي اختطفت في العاصمة العراقية بغداد قبل أسبوع، مشترطة عليها «مغادرة البلاد فوراً».

وقال المسؤول الأمني لـ«الكتائب»، أبو مجاهد العساف، في بيان، إن قرار الإفراج جاء «تقديراً للمواقف الوطنية لرئيس الحكومة المنتهية ولايته محمد شياع السوداني»، مؤكداً أن كيتلسون «ستغادر العراق بشكل فوري».

وأضاف العساف أن هذه الخطوة «لن تتكرر في الأيام المقبلة، وأن الظروف قد تختلف في حال اندلاع حرب»، على حد تعبيره.

وبث الفصيل المسلح الذي يوالي إيران، ما وصفها بـ«الاعترافات» للصحافية الأميركية، ورغم أنه من الصعب التحقق من ظروف تسجيله، فإن كيتلسون قالت إن «القنصل الأميركي في بغداد طلب منها جمع معلومات عن قوات (الحشد الشعبي) في العراق».

وانطلق في بغداد، الأسبوع الماضي، تحرك أمني عراقي - أميركي مشترك لتأمين إطلاق كيتلسون، بعد اختطافها في وسط العاصمة، في حادثة تأتي وسط توترات إقليمية متصاعدة وانعكاساتها الأمنية على العراق.

وحينها قالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن أجهزة أمنية عراقية، إلى جانب جهات أميركية مختصة، تعمل عن كثب في بغداد لتعقب الخاطفين وتحرير كيتلسون، مشيرة إلى أن الاتصالات تُجرى «على أعلى المستويات» بين الجانبين، في ظل حساسية القضية وتداعياتها السياسية والأمنية.

كما أعلن مساعد وزير الخارجية الأميركي ديلان جونسون أن السلطات العراقية أوقفت شخصاً يُعتقد أن له صلات بـ«كتائب حزب الله» ويُشتبه بتورطه في عملية الاختطاف.

كيتلسون غطت الأزمة السورية ميدانياً (فيسبوك)

وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد حذرت كيتلسون سابقاً من تهديدات أمنية، وأنها تواصل التنسيق مع مكتب التحقيقات الفيدرالي لضمان إطلاق سراحها في أسرع وقت ممكن.

وعكس هذا التحذير، وفق مراقبين، مستوى القلق المتزايد لدى البعثات الدبلوماسية الغربية من تدهور البيئة الأمنية في العراق، خصوصاً مع اتساع رقعة نفوذ الفصائل المسلحة.

وتعد كيتلسون من الصحافيات المتخصصات في شؤون العراق والمنطقة، وعملت مع مؤسسات دولية عدة، وتركز تقاريرها على ملفات الفصائل المسلحة والعلاقات العراقية - الأميركية وتطورات الأمن الإقليمي.

وبرز اسم الصحافية في تغطية نشاط الفصائل المسلحة والعلاقات بين بغداد وواشنطن، كما واكبت ميدانياً معارك استعادة مدينة الموصل من تنظيم «داعش» بعد عام 2014، فضلاً عن تغطياتها للأزمة السورية.

Your Premium trial has ended


«التحالف الحاكم» في العراق يتجاهل هجمات ضد كردستان

مشيّعون خلال عزاء لأفراد من عائلة كردية قُتلوا بعد تحطم مسيَّرة في منزل بقرية شمال أربيل في إقليم كردستان 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
مشيّعون خلال عزاء لأفراد من عائلة كردية قُتلوا بعد تحطم مسيَّرة في منزل بقرية شمال أربيل في إقليم كردستان 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

«التحالف الحاكم» في العراق يتجاهل هجمات ضد كردستان

مشيّعون خلال عزاء لأفراد من عائلة كردية قُتلوا بعد تحطم مسيَّرة في منزل بقرية شمال أربيل في إقليم كردستان 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
مشيّعون خلال عزاء لأفراد من عائلة كردية قُتلوا بعد تحطم مسيَّرة في منزل بقرية شمال أربيل في إقليم كردستان 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يراوح التحالف الحاكم في العراق مكانه، ويظهِر عجزاً أمام التحديات الأمنية التي تواجه البلاد جراء الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية على مقار أمنية، أو الهجمات التي تشنها الفصائل المسلحة على إقليم كردستان ومناطق عدّة داخل العراق وخارجه.

ويتزامن هذا «العجز»، على حد وصف طيف واسع من المراقبين، مع عجز آخر في حسم ملف تشكيل الحكومة الجديدة رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات العامة في البلاد.

وطبقاً لمراقبين، فإن هذا العجز يظهر على شكل بيانات إدانة وتنديد تصدرها قوى «الإطار التنسيقي» نهاية كل أسبوع بعد عقد اجتماعها الدوري، دون أن يكون لذلك أي أثر على أوضاع البلاد التي تمر بتحديات أمنية واقتصادية وسياسية شديدة الخطورة.

وعقدت قوى «الإطار التنسيقي» اجتماعها الدوري، مساء الاثنين، لمناقشة تطورات الوضع الأمني في البلاد، طبقاً لبيان أصدرته الثلاثاء.

وأدان التحالف الحاكم «الاعتداءات على الجمهورية الإسلامية» في إيران، عادَّاً إياها «تصعيداً خطيراً يهدد أمن المنطقة واستقرارها».

كما أدان «استهداف القوات الأمنية ومقار (الحشد الشعبي) في العراق»، مؤكداً ضرورة حماية المؤسسات الأمنية ودعمها للقيام بواجباتها في حفظ الأمن والاستقرار، كما أدان «استهداف البعثات الدبلوماسية»، وأكدت القوى دعمها للحكومة في «إنفاذ القانون واتخاذ الإجراءات الضرورية لحمايتها وملاحقة الأفراد والجماعات التي تنفذ هذه الاعتداءات التي تقوض الأمن والاستقرار وتهدد المصالح العليا للدولة والشعب».

ولاحظ مراقبون أن البيان تغافل عن ذكر الهجمات التي يتعرض لها إقليم كردستان العراق بشكل يومي، والتي تجاوزت سقف 600 هجمة حسب بعض الإحصاءات. الأمر الذي يعزوه بعض المراقبين إلى «النفوذ والسطوة» التي تتمتع بها الفصائل المسلحة التي تقف خلف تلك الهجمات داخل «الإطار التنسيقي».

وسجل شريط الأحداث اليومية في العراق تواصل الهجمات، سواء على بعض النقاط العسكرية أو على إقليم كردستان من دون أن تحرك السلطات العراقية ساكناً لإيقافها.

ثقب في سقف أحد المنازل بعد تحطم طائرة مسيَّرة فيه بقرية زركزاوي شمال أربيل 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«مسؤولية إيران والفصائل»

وأعلنت قوات البيشمركة الكردية (حرس إقليم كردستان) في بيان، الثلاثاء، أن «مجاميع إرهابية منفلتة وخارجة على القانون استهدفت أحد مقار قوات البيشمركة ضمن حدود إدارة رابرين بواسطة طائرتين مسيرتين مفخختين». وذكرت أن الهجوم وقت ليل الاثنين.

وأضاف البيان، أنه «في الليلة ذاتها، امتدت يد الغدر لتستهدف منزل المنتسب في قوات البيشمركة، موسى أنور، في حدود أربيل، عبر ثلاث طائرات مسيَّرة مفخخة انطلقت من الأراضي الإيرانية؛ ما أدى بكل أسى إلى مصرعه وزوجته».

وذكر البيان الكردي أن «هذه الاعتداءات تمثل امتداداً خطيراً لسلسلة الهجمات التخريبية الممنهجة التي تطال مقار قوات البيشمركة والمناطق الآهلة بالسكان في إقليم كردستان».

وحمّل بيان البيشمركة «الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمجاميع المسلحة الخارجة على القانون في العراق، المسؤولية الكاملة والمباشرة عن عمليات القصف هذه».

ووضع البيان، القائد العام للقوات المسلحة العراقية ورئيس الوزراء محمد السوداني «أمام مسؤولياته؛ إذ بات لزاماً عليه أن يؤدي واجباته الدستورية والأمنية والقانونية، وأن يتخذ إجراءات عاجلة تضع حداً نهائياً لهذه الهجمات والاعتداءات».

كما وصف رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني «استهداف المواطنين الأبرياء في كردستان بهذه الطريقة ودون أي رحمة» بـ«مجزرة وحشية».

«حرب صريحة»

يرى كفاح محمود، المستشار الإعلامي لزعيم الحزب الديمقراطي مسعود برزاني، أن ما يحدث بمثابة «حرب صريحة على إقليم كردستان»، معرباً عن أسفه الشديد لعدم «تطرق معظم بيانات (الإطار التنسيقي) إلى الهجمات التي يتعرض لها إقليم كردستان على أيدي المليشيات المسلحة، وإن ذكروا ذلك، فسيكون على خجل واستحياء».

ويرى محمود أن تردد قوى «الإطار التنسيقي» في إدانة الهجمات ضد كردستان «يعكس مدى نفوذ وتأثير الفصائل المسلحة في العديد من أحزاب التحالف الحاكم والأذرع والفصائل المسلحة المرتبطة بها، سواء كان ضمن (الحشد) أو خارجه».

ويؤكد محمود أن إقليم كردستان «يتعرض إلى الهجمات بشكل يومي، بلغت شدتها السبت الماضي الذي شهد 33 هجمة، شملت حقول طاقة ومباني حكومية ومنازل لمواطنين عزل».

صورة تظهر حجم الأضرار بعد تحطم مسيَّرة في منزل بقرية زركزاوي شمال أربيل 7 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

هجمات على كركوك

وأفادت خلية الإعلام الأمني، الثلاثاء، بأن قطعات من قوات الجيش والشرطة الاتحادية، اعترضت طائرتين مسيّرتين في محافظة كركوك تزامناً مع تصاعد غير مسبوق في حدة التوترات الأمنية في المنطقة.

وقال رئيس الخلية الفريق سعد معن في بيان، إن «القطعات تمكنت في تمام الساعة الـ(09:45) بالتوقيت المحلي من إسقاط المسيَّرتين، لتباشر على الفور مفارز الأدلة الجنائية باتخاذ الإجراءات اللازمة في موقع السقوط، لغرض جمع الأدلة ومعاينة الحطام».

تحجم البيانات الحكومية عن اسم الجهات التي تقف وراء هذه الهجمات بالطائرات المسيَّرة التي تأتي غالباً من إيران أو الفصائل المسلحة، لكن البيان الحكومية تشير غالباً إلى الهجمات التي ينفذها الطيران الأميركي أو الإسرائيلي.

استهداف عين الأسد

كما أعلنت وزارة الدفاع، الثلاثاء، أن قطاعات الدفاع الجوي أحبطت هجوماً بطائرة مسيَّرة «مجهولة» الهوية، حاولت استهداف منظومة الرادار داخل معسكر «الشهيد» العميد قوات خاصة الركن (وضاح) ضمن قاعدة «عين الأسد» الجوية العراقية في محافظة الأنبار.

وأوضحت الوزارة في بيان، أن «عملية التصدي أسفرت عن إسقاط الطائرة وتدميرها بنجاح قبل وصولها إلى هدفها، ومن دون وقوع انفجار؛ ما حال دون وقوع أي أضرار بشرية أو مادية تُذكر».

وأكدت الوزارة أن قاعدة عين الأسد «عراقية خالصة، وجميع القطعات الموجودة فيها، إضافة إلى التشكيلات والمعدات هي تابعة للجيش العراقي، وأن مثل هذه الاستهدافات تضرّ بمصالح البلاد، وتتسبب بخسائر مادية تعرقل جهود الوزارة في تسليح الجيش بأحدث المعدات العسكرية، فضلاً عما تشكله من خطر على أرواح المقاتلين».


خبير عسكري لـ«الشرق الأوسط»: زيلينسكي عرض شراء الفوسفات السوري مقابل القمح والمسيّرات

الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل اجتماع في «قصر الشعب» بدمشق الأحد 5 أبريل (أ.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل اجتماع في «قصر الشعب» بدمشق الأحد 5 أبريل (أ.ب)
TT

خبير عسكري لـ«الشرق الأوسط»: زيلينسكي عرض شراء الفوسفات السوري مقابل القمح والمسيّرات

الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل اجتماع في «قصر الشعب» بدمشق الأحد 5 أبريل (أ.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل اجتماع في «قصر الشعب» بدمشق الأحد 5 أبريل (أ.ب)

لعل الزيارة الأولى للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق، كانت ستصبح مثل أي زيارة رسمية بين بلدين؛ لتعزيز العلاقات بينهما لولا أنَّها جاءت في توقيت إقليمي ملتهب، وحضر مناقشاتها الجانب التركي.

وبينما قرأ محللون في الزيارة رسائل عدة، منها ما هو موجَّه لروسيا بعد تغيُّر موازين القوى في المنطقة، وضع خبير عسكري الزيارة في إطار جولة زيلينسكي إلى المنطقة للترويج للمسيّرات الأوكرانية، ومنع شراء القمح الأوكراني المسروق، والحصول على الفوسفات السوري.

الخبير العسكري، العقيد عماد شحود، قال لـ«الشرق الأوسط»، إنَّ تركيا تحرص على أن تكون علاقة دمشق مع كييف متوازنةً، وضمن المسار الحذر لعلاقة تركيا معها، وحضور الجانب التركي كان لضبط الإيقاع وتجنب الانزلاق نحو مواقف حرجة في ظلِّ الحرب الراهنة، واضعاً زيارة الرئيس الأوكراني ضمن إطار جولاته في المنطقة؛ حيث عقد اتفاقات دفاعية مع قطر والسعودية والإمارات، وأجرى مباحثات شملت التعاون الأمني في إسطنبول.

وقال إن أوكرانيا تسعى إلى ترويج مسيّراتها مقابل الحصول على طائرات «ميراج» الفرنسية من دول الخليج، كما تحاول الحصول على مساعدة الخليج في منع مصر من شراء القمح الأوكراني المسروق الذي تبيعه روسيا بأسعار متدنية.

باخرة تجارية مُحمَّلة بنحو 10 آلاف طن من الفوسفات السوري تغادر مرفأ طرطوس... أبريل 2025 (الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية)

أما فيما يخصُّ العلاقة مع سوريا، فقال شحود: «إن أوكرانيا بلد زراعي يعرض بيع القمح مقابل شراء الفوسفات السوري بسعر رخيص»، مشيراً إلى أنَّ شركة روسية تقوم باستثماره وتستحوذ على 70 في المائة من الإنتاج، ثم تقوم ببيعه لأوروبا.

ولفت العقيد شحود إلى أنَّ الدول الغربية تريد إبعاد سوريا عن روسيا، إلا أن دمشق تعمل على إبقاء العلاقة ضمن وضع متوازن قائم على «قبول أمر واقع»، فلا تزال هناك اتفاقات كثيرة قائمة بين البلدين وتخضع الآن لإعادة نظر، لا سيما اتفاقات استثمار النفط والغاز التي منحها النظام البائد للشركات الروسية بوصفها تعويضات حرب، وأي مواقف غير محسوبة قد تؤثر على تلك المفاوضات.

من جهة أخرى، وبحسب مدير وحدة الدراسات في مركز «جسور»، عبد الوهاب عاصي، فإن سوريا تريد الاستفادة من ظروف الحرب الإقليمية الراهنة لبناء «منظومة ردع لديها»، حيث إنّ إسرائيل رفضت مراراً إنشاء تركيا منظومات دفاع جوي في قواعد جنوب ووسط البلاد، فضلاً عن أنَّها بالأصل تعترض على تزويد الولايات المتحدة سوريا بمنظومة صواريخ «باتريوت».

جندي روسي على مركبة قتالية للمشاة ضمن قافلة عسكرية روسية متجهة إلى قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية على ساحل سوريا... 14 ديسمبر الماضي (رويترز)

وقال عاصي لـ«الشرق الأوسط»: «هنا تبدو الخيارات محدودة بين أوكرانيا وروسيا، فبينما تمتلك كييف تقنيات خفيفة ومعدات قد لا تواجه مشكلات وتعقيدات سياسية وعسكرية سواء من سوريا أو إسرائيل، فإن موسكو تبدو الخيار الأضعف، لكنه ليس محذوفاً من الحسابات».

وأشار في الوقت ذاته، إلى أنَّ سوريا تحتاج إلى الضغط على روسيا في مفاوضاتها، بشأن «إعادة تأهيل الأصول العسكرية للجيش السوري، في ظلِّ التخريب والتدمير اللذين تعرَّضت لهما خلال سنوات الحرب»، خصوصاً بعد عملية «سهم باشان» التي نفَّذتها إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها قبل لقائه الثنائي مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي... 5 أبريل (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ)

وتابع الباحث: «إن المفاوضات مع الروس لم تُحقِّق تقدماً كما ترجو الحكومة السورية، ولذلك يبدو استقبال أوكرانيا بمثابة أداة ضغط على روسيا قد تُسهم في إعادة نظرها بمسار المفاوضات الثنائية». مع التأكيد أنه فعلياً «لا تُشكِّل أوكرانيا بديلاً استراتيجياً عن روسيا، لكنها تبدو بديلاً تقنياً يُساعد على تقليص حجم التهديدات من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية»، وكذلك في إعادة صيانة وتعمير معدات الجيش السوري وتقديم الخبرة عبر ضباطها ومستشاريها العسكريين.

ورجَّح عاصي أن تأخذ روسيا ذلك بالاعتبار، في مسار المفاوضات القائم مع سوريا التي استطاعت بفضل تركيا توفير بديل تقني عن روسيا، وبالتالي تحسين موقفها السياسي.

في رؤية موازية، كان الحضور الأوكراني على الساحة السورية بعد تراجع الدور الروسي هو العنوان الأبرز لزيارة زيلينسكي إلى دمشق، التي لا تأتي من خارج سياق التحولات الحاصلة إقليمياً ودولياً، بحسب تحليل عبد الحميد توفيق رئيس «مركز النهضة للأبحاث والدراسات»، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن الزيارة تنطوي على أبعاد سياسية استراتيجية كبيرة، كون أوكرانيا هي اليوم رأس الحربة في مواجهة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة الأميركية، والغرب عموماً الذي يرى في سوريا بوابة مهمة استراتيجية وجيواستراتيجية وجيوسياسية.

الشيباني يستقبل نظيره التركي هاكان فيدان لدى وصوله إلى مطار دمشق الدولي في زيارة رسمية (الأناضول)

ومن اللافت، بحسب توفيق، حضور الجانب التركي وقال: «إن هذا يشير إلى مسألتين: الأولى تتعلق بالجانب العسكري واحتياج سوريا لإعادة تسليح الجيش وعدم استطاعة تركيا المساعدة في ذلك؛ بسبب الاعتراض الإسرائيلي، فمن الممكن أن يكون هناك دور تركي لدى أوكرانيا يتعلق بتزويد الجيش السوري ببعض المعدات العسكرية».

كما عدّ توفيق ظهور أوكرانيا على الساحة السورية «رسالة مباشرة لروسيا» بأننا قادرون على إيجاد حالة من التوازن في سوريا والمنطقة، خصوصاً بعد التحولات الحاصلة وتغيّر مراكز القوى في المنطقة، وكذلك تبدُّل مراكز القوة سواء العسكرية أو السياسية.

كما يمكن لسوريا أنْ تجدَ في أوكرانيا باباً واسعاً للمساعدة على كل المستويات، سواء في الاقتصاد، أو الزراعة، أو التصنيع المدني أو العسكري، ودفع عجلة التنمية.