كايا كالاس تقود «ليبراليّي» حزب «الإصلاح» إلى انتصار انتخابي عزّز قيادتها لإستونيا

أمام تداعيات الحرب الأوكرانية والمخاوف الاقتصادية

كايا كالاس تقود «ليبراليّي» حزب «الإصلاح» إلى انتصار انتخابي عزّز قيادتها لإستونيا
TT

كايا كالاس تقود «ليبراليّي» حزب «الإصلاح» إلى انتصار انتخابي عزّز قيادتها لإستونيا

كايا كالاس تقود «ليبراليّي» حزب «الإصلاح» إلى انتصار انتخابي عزّز قيادتها لإستونيا

حققت كايا كالاس، رئيسة وزراء إستونيا، انتصاراً انتخابياً مهماً خلال الأسبوع عزّز قيادتها لصغرى الجمهوريات البلطيقية السوفياتية السابقة. وجاء إنجاز السياسية والمحامية الليبرالية التي ورثت قيادة حزب «الإصلاح» عن أبيها رئيس الوزراء السابق سيم كالاس، تزكيةً لمواقفها الحازمة من الحرب الأوكرانية والتزامها نهج «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وأيضاً السياسات الاقتصادية الجريئة في أول انتخابات عامة بعد جائحة «كوفيد19» وانعكاساتها على البلاد وعلى أوروبا والعالم.
في أول تعليق لرئيسة وزراء إستونيا الشابة كايا كالاس (45 سنة) إثر فوز حزبها، حزب «الإصلاح»، المحسوب على التيار الليبرالي ويمين الوسط، في الانتخابات العامة التي شهدتها إستونيا مطلع الأسبوع المنصرم، تشديدها على أن «الناخبين صوّتوا بصورة كاسحة أكدت انتصار مبادئ الليبرالية والاعتدال». ثم، في إشارة إلى المناخ الدولي المحيط بالانتخابات وخيارات إستونيا، أضافت الزعيمة الشابة: «... وهذا إلى جانب التزامهم بالأمن المستنِد إلى عضوية الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، والتأييد الصلب لأوكرانيا». ومعلوم أن إستونيا هي الآن عضو في «ناتو» بعدما كانت إحدى الجمهوريات السوفياتية الـ15 السابقة.
وكما قالت كالاس، التي تعكف الآن على تشكيل ائتلاف حكومي ليبرالي معتدل، جاءت النتيجة بصفة عامة لصالح القوى الليبرالية والمعتدلة. إذ حصل حزبها «الإصلاح» على نسبة 31.2 في المائة من الأصوات، ونال 37 مقعداً في البرلمان الذي يضم 101 مقعد –بزيادة 3 مقاعد عمّا كان لديه في البرلمان السابق– في حين تراجع تأييد منافسه الأكبر حزب «الشعب» اليميني المتشدد من 17.7 في المائة إلى 16 في المائة مع تراجع عدد مقاعده من 19 مقعداً إلى 17 مقعداً.
في المقابل، هبطت أكثر شعبية حزب «الوسط» (يسار الوسط) عن الانتخابات السابقة عام 2019 من 23.1 في المائة إلى 15 في المائة فحصل على 16 مقعداً فقط بخسارته 10 مقاعد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الحزب كان يحظى تقليدياً بدعم الأقلية المتحدرة من أصل روسي، ويربط المراقبون خسائره هذه المرة بوقوف قيادته ضد الحرب، الأمر الذي أفقده دعم شريحة واسعة من ناخبيه السابقين. وهكذا، كان المستفيد الأكبر من نكسة حزب «الوسط»، حزب «إستونيا 200» (وهو وسطيّ أيضاً) الذي كسب 14 مقعداً بعدما نجح في تجاوز الحاجز المطلوب لدخول البرلمان وفق نظام التمثيل النسبي، وهو الذي لم يكن ممثَّلاً بأي نائب في البرلمان السابق. وأخيراً، أكمل عقد البرلمان الجديد حزبان؛ الأول من تيار يسار الوسط هو «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» (الاشتراكيون) بـ9 مقاعد، والآخر من تيار يمين الوسط هو حزب «أيساما» (الوطن) بـ8 مقاعد.
وفي ضوء هذه الحصيلة، ومع استبعاد كالاس علناً فكرة التحالف مع اليمين المتشدد، بات أمامها الآن خياران: الأول الإبقاء على تحالفها الحالي مع الديمقراطيين الاجتماعيين (الاشتراكيون) وحزب «الوطن». والآخر عقد صفقة «وسطية» مع حزب الوسط والقوة البرلمانية الجديدة «إستونيا 200».

تأثير الحرب الأوكرانية
في أي حال، بينما يرى مراقبون أن الخلاصة الأبرز المستقاة من المعركة الانتخابية هي التفويض الشعبي العريض للوسطية الليبرالية –كما قالت كالاس– تَبيّن أن تخوّف كثيرين من صعود الشعبوية اليمينية المتشددة ما كان في محله. وللعلم، كان هذا التخوّف مبرراً لأن ثمة مَن رأى أن الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية المضطربة في شرق أوروبا ووسطها، كان من الممكن جداً أن تخدم تطرّف اليمين كما حصل في إيطاليا، التي تترأس حكومتها راهناً سياسية راديكالية يمينية متطرفة تعود مشاربها الآيديولوجية إلى الفاشيين الجدد.
ثم إن الحرب الأوكرانية –بالذات– عادت فأيقظت هواجس أمنية وقومية ظن كثيرون أنها ذهبت إلى غير رجعة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وفيما يخصّ إستونيا –التي خرجت من تحت عباءة موسكو فقط عام 1991- فإن وضعها، تحديداً، ربما يكون حساساً جداً مقارنةً مع أي كيان سياسي أوروبي. إذ إن إستونيا -إحدى أصغر الجمهوريات السوفياتية السابقة سكانياً– تُعدُّ من الناحية العرقية اللغوية أقرب كيان أوروبي مستقل إلى كلٍّ من فنلندا وجمهورية كاريليا ذاتية الحكم (داخل جمهورية روسيا الاتحادية) والواقعة في أقصى شمال غربي روسيا على الحدود مع فنلندا... عبر مياه خليج فنلندا عن الشمال الإستوني.
أكثر من هذا، ليست الحدود الإستونية بعيدةً البتة عن مدينة بطرسبرغ (لينينغراد)، ثانية مدن روسيا وعاصمتها القيصرية السابقة. وهي التي كانت من ناحية «مدينة بطرس الأكبر»، أعظم قياصرة روسيا، ومن ناحية ثانية «مدينة لينين» التي انطلقت منها شرارة الثورة الشيوعية البلشفية بقيادة فلاديمير أوليانوف لينين. ثم هي، قبل أن ننسى أيضاً، مدينة الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين ومعقله السياسي... ففيها وُلد قبل 70 سنة، ومنها انطلقت مسيرته الأمنية والحزبية التي توّجت بتوليه السلطة.
وأخيراً وليس آخراً، قبالة الغالبية السكانية العرقية الإستونية، تضم الجمهورية أقلية كبيرة سلافية الأصل تقارب الـ30 في المائة من إجمالي السكان، غالبيتها العظمى من المتحدرين من أصول روسية. إذ شكّل هؤلاء أقل بقليل من 24 في المائة من المجموع العام للسكان، في حين تزيد نسبة المتحدرين من أصول أوكرانية على 2 في المائة. وهذا، بطبيعة الحال، واقع لا يخدم أجواء السكينة والطمأنينة والتوافق السياسي بينما تستعر الحرب بين الروس والأوكرانيين منذ أكثر سنة.
وفي سياق متصل، أثار القلق من تداعيات الحرب الأوكرانية مخاوف عند دول مجاورة لإستونيا، كانت قد امتنعت في الماضي عن الانضمام إلى «الناتو»، بعكس إستونيا و«جارتيها» البلطيقيتين ليتوانيا ولاتفيا، لكنّ الغزو الروسي لأوكرانيا أقلقها من المستقبل. وبالفعل، ها هي فنلندا والسويد تعدان العدّة للالتحاق بركب الحلف الغربي متخلّيتين على سياسة التوازن، بل والحياد، إزاء موسكو. وفي هذا الإطار، يصف عارفو كايا كالاس بأنها سياسية شابة قوية الشخصية والإرادة، فضلاً عن ثقافتها الغنية وتنشئتها السياسية. وكما سبقت الإشارة، فإنها وقفت خلال المعركة السياسية الأخيرة بصلابة ضد شعبوية اليمين المتشدد الذي طالب بوقف أي دعم إضافي للسلطات الأوكرانية، ومنع توافد اللاجئين من أوكرانيا، وإجراء تقليص كبير في قبول طلبات الهجرة بحجة حماية العمالة المحلية الإستونية. وفي هذا الشأن، رفضت الزعيمة «الإصلاحية» فكرة أي تعاون انتخابي مع اليمين، بل بالعكس وعدت بزيادة معدل الإنفاق العسكري وخفض الضرائب على المؤسسات التجارية والصناعية. وللعلم، أنفقت إستونيا، المتاخمة لروسيا، حتى الآن أكثر من 1 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي على دعم أوكرانيا عسكرياً. وهذه هي النسبة الأعلى بين كل الدول الداعمة.

بطاقة هوية شخصية
وُلدت كايا كالاس في العاصمة الإستونية تالين يوم 18 يونيو (حزيران) 1977، وهي ابنة سيم كالاس (74 سنة) الرئيس الـ14 للحكومة الإستونية والمفوّض الأوروبي السابق. كما أن أحد أجدادها، واسمه إدوارد آلفير، كان أحد الساسة البارزين الذين أسسوا جمهورية إستونيا عام 1918، وكان أول قائد لجهاز شرطة الجمهورية الوليدة.
تلقت كايا تعليمها في جامعة تارتو، أعرق جامعات البلاد، وفيها تخرّجت عام 1999 بإجازة في القانون، ثم التحقت بنقابة المحامين، وصارت محامية ممارسة وشريكة في شركة محاماة عام 2002، وبعدها عاشت في كلٍّ من فرنسا وفنلندا في أثناء فترة تدرّجها الدراسي في القانون الأوروبي. وبين عامي 2007 و2010 درست في المعهد الإستوني لإدارة الأعمال وفيه تخرّجت بشهادة الماجستير التنفيذية في إدارة الأعمال. ويُذكر أنه كان من صميم اهتماماتها القانونية مجال مكافحة الاحتكار. وهي، على صعيد اللغات، تتقن إلى جانب اللغة الإستونية، اللغات الروسية والإنجليزية والفرنسية.
بالنسبة إلى الحياة العائلية، تزوّجت كالاس مرتين، الأولى عام 2002 وتطلقت عام 2006، والأخرى عام 2018 من مصرفي ورجل أعمال. كما أنها ارتبطت بعد 2006 بعلاقة مع زميل ووزير سابق للمالية انتهت عام 2014 بعدما أنجبا ولداً.
أما في الميدان السياسي، فقد خاضت أولى تجاربها عندما قرّرت عام 2010 الالتحاق بصفوف حزب «الإصلاح» الذي أسسه أبوها سيم كالاس إبان شغله منصب محافظ بنك فنلندا. وفي العام التالي 2011 رشّحت نفسها لعضوية مجلس النواب (البرلمان)، وانتُخبت نائبة بين 2011 و2014، ثم انتخبت نائبة في البرلمان الأوروبي بين 2014 و2018، وفيه نشطت عبر عدّة مهام منها عضوية لجنة الصناعة والأبحاث والطاقة، ونائبة رئيس بعثة لجنة التعاون البرلماني الأوروبية - الأوكرانية. كذلك عملت بهمّة للدفاع عن حقوق أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة، وضمان ألا تقيّد السياسات الرقابية والناظمة التقدم التكنولوجي.
غير أن كالاس قرّرت لاحقاً، شدّ رحالها وعادت من الأجواء الأوروبية إلى كواليس السياسة المحلية الإستونية. إذ أعلن هانو بيفكور، زعيم حزب «الإصلاح» –يومذاك– في أواخر عام 2017 أنه لن يترشح مجدداً للمنصب في يناير (كانون الثاني) 2018، واقترح أن تخلف كالاس في المنصب. وحقاً، بعد موافقتها على العرض، انتُخبت كالاس يوم 14 أبريل (نيسان) 2018 زعيمة للحزب وبذا باتت أول امرأة تتزّعم حزباً سياسياً أساسياً في تاريخ إستونيا.

أول رئيسة للحكومة
خلال أقل من سنة من تولي كايا كالاس زعامة حزب «الإصلاح»، نجحت الزعيمة الشابة في قيادة الحزب إلى تصدّر الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في مارس (آذار) 2019 بنحو 29 في المائة من الأصوات، متغلباً على حزب «الوسط» (الحاكم آنذاك) الذي خرج بـ23 في المائة فقط من الأصوات.
مع هذا، احتفظ «الوسطيون» بالحكم عبر ائتلاف حكومي برئاسة زعيمهم يوري راتاس مع اليمين المتشدد وحزب «الوطن». مع هذا، أعاد حزب «الإصلاح»، في العام التالي، انتخاب كالاس زعيمةً له، الأمر الذي منحها فرصة إضافية لتعزيز نفوذها داخل الحزب وحضورها على الساحة السياسية. وبالفعل، بعد استقالة حكومة راتاس الائتلافية، في أعقاب فضيحة يوم 25 يناير 2021، تولّت كالاس رئاسة حكومة ائتلافية بديلة مع حزب «الوسط»، وغدت بهذا أول امرأة تحكم إستونيا. ومع أن الظروف الاقتصادية والسياسية، محلياً ودولياً، لم تكن مواتية، لا سيما التباطؤ والإغلاقات في قطاع الأعمال، وارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وهي الأزمة التي تفاقمت أكثر بسبب اندلاع الحرب في أوكرانيا، حافظت رئيسة الحكومة الجديدة على رباطة جأشها وبراغماتيتها. وبالتالي، رفضت كالاس الاستسلام للمصاعب التي هزّت لبعض الوقت شعبيتها في الشارع وكادت تودي بحكومتها، بل أعلنت خطة لخفض تكاليف الطاقة بين سبتمبر (أيلول) 2021 ومارس 2022، ورأت أن الاعتماد الأوروبي على إمدادات الغاز الروسي «مشكلة سياسية كبيرة».
ثم، بعد الغزو الروسي في فبراير (شباط) 2022 وقفت كالاس بقوة وعناد خلف الدعم العسكري للقوات الأوكرانية حتى عندما ظهرت بوادر تردّد في ألمانيا. وهكذا أظهرت هذه الأزمة، بالذات، شجاعتها والتزامها، ما أسهم في تعزيز مكانتها دولياً، ورفع شعبيتها محلياً من جديد.
وخلال يوليو (تموز) 2022 ترأست كالاس ائتلافاً حكومياً جديداً ضم حزبها و«الديمقراطيين الاجتماعيين» وحزب «الوطن»، في أعقاب سقوط ائتلافها الأول إثر انسحاب حزب «الوسط» منه. وفي حين أدى حزمها في الأزمة الأوكرانية إلى تفكير قيادات أوروبية وأطلسية خلال فبراير الماضي جدياً بترشيحها لتولي الأمانة العامة لـ«ناتو»، فإن سياستها المحلية الناجحة داخل إستونيا أثمرت انتصارها الانتخابي الكبير خلال الأسبوع المنصرم.


مقالات ذات صلة

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن الدول واستقرارها

شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن الدول واستقرارها

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن الدول واستقرارها

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن الدول واستقرارها». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

قال الاتحاد الأوروبي إنه «يدين بشدة» قرار القضاء الإيراني فرض عقوبة الإعدام بحق المواطن الألماني - الإيراني السجين جمشيد شارمهد، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وأيدت المحكمة العليا الإيرانية يوم الأربعاء حكم الإعدام الصادر بحق شارمهد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد «النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

«النقد الدولي» يدعو البنوك المركزية الأوروبية لعدم التوقف عن رفع أسعار الفائدة

قال مدير صندوق النقد الدولي لمنطقة أوروبا اليوم (الجمعة)، إنه يتعين على البنوك المركزية الأوروبية أن تقضي على التضخم، وعدم «التوقف» عن رفع أسعار الفائدة، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية». وأوضح ألفريد كامر، خلال إفادة صحافية حول الاقتصاد الأوروبي في استوكهولم، «يجب قتل هذا الوحش (التضخم).

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم أوروبا تسجّل في 2022 أعلى إنفاق عسكري منذ الحرب الباردة

أوروبا تسجّل في 2022 أعلى إنفاق عسكري منذ الحرب الباردة

سجّل الإنفاق العسكري في أوروبا عام 2022 ارتفاعاً بوتيرة سريعة غير مسبوقة، حيث وصل بعد الغزو الروسي لأوكرانيا إلى مستويات لم تشهدها القارة منذ الحرب الباردة، وفق ما أفاد باحثون في مجال الأمن العالمي. وأوردت دراسة لـ«معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام» أن ارتفاع الإنفاق الأوروبي على الجيوش ساهم بتسجيل الإنفاق العسكري العالمي رقماً قياسياً للمرة الثامنة توالياً حيث بلغ 2.24 تريليون دولار، أو 2.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وعززت أوروبا انفاقها على جيوشها عام 2022 بنسبة 13 في المائة أكثر مقارنة بالأشهر الـ12 السابقة، في عام طغى عليه الغزو الروسي لأوكرانيا. وهذه الزيادة هي الأكبر م

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.